|
بدائل الطاقة |
|
إن مشكلة الطاقة، والبدائل الطاقوية، التي لاحظناها فيما سبق، ترتبط ارتباطاً مباشراً بفرعين رئيسيين لهما الأولوية في علم الاقتصاد، ونعني بهما المواد الأولية، والمواد المصنعة. وقد جرت العادة في العصر الحديث أن الدول الاستعمارية تستولي على المواد الأولية بلا ثمن أو بأبخس الأثمان، ثم تقوم بعملية استغلالية أخرى ذات شعبتين: الأولى: إنها تفرض على الحكومات العميلة لها بأوجه محددة لصرف العوائد الهزيلة، وتقوم تلك الحكومات العميلة بشراء الأسلحة وخوض الحروب التي لا معنى لها إلا المزيد من التخريب والدمار، كما تقوم بتبديد الثروة على الأفلام والمسلسلات والبرامج الفاسدة، وغيرها، تلبية لأوامر الدول الاستعمارية. الثانية: إنها تأخذ المواد الأولية، وتجعلها موادّ مصنّعة وتبيعها إلى الدول الأخرى بأعلى الأسعار، كما تمنع الشعوب الأخرى من ممارسة التصنيع، وتخرب خطواتها نحو الاكتفاء الذاتي، يساعدها في ذلك مجموعة من عملائها ومخبريها وجواسيسها في الحكومات والأحزاب المرتبطة بها ووسائل التضليل التي تسمى وسائل الإعلام! ففيما يتعلق بمسألة المواد الأولية، نستخلص من بحوث الإمام الشيرازي أن الوضع في العالم، في ما يتعلق بها شبيه تماماً بوضع الطاقة، غير أنه يختلف عنه من ناحيتين: الأولى: ان الطاقة بعد أن تبدد في الجو أو في البحر، تمسي عديمة النفع تماماً. على عكس الحال في المواد الأولية، حيث يمكن أن تستخدم بطريقة يمكن معها استعادة تلك المادة الأولية، فالخشب مثلاً نستطيع أن نصنع منه سفينة، ونستعيده مرة أخرى بتفكيك تلك السفينة، والقطن يمكن أن نحوك منه الملابس ثم نستعيده قطناً من جديد، وأن نستفيد منه بطريقة ما. الثانية: انه على الرغم من أن الموارد المعدنية محدودة بحكم تعريفها وغير متجددة، فإن بالإمكان الاستعاضة عنها بمنتجات بديلة، وإعادة تصنيعها، وتكوين احتياطي منها، وما إلى ذلك من مسائل عرض لها الباحثون المتخصصون، فيمكن التعويض عن النفط بالطاقة الشمسية مستقبلاً، وكذا في بقية الموارد المعدنية، أما المواد الأولية الغذائية مثلاً فإن أوجه الاستعاضة عنها محدودة، فالتمر مثلاً يصعب، أو يستحيل، تعويض فوائده الغذائية من مصدر آخر، وهكذا، غير أن النخيل يجدد غلته من التمر سنوياً، فهذه مواد أولية قابلة للتجدد بعكس مصادر الطاقة فهي منتهية وناضبة وغير قابلة للتجديد. والمواد الأولية حيوية للبشرية وتشكل العناصر الأساسية الضرورية لسدّ معظم الحاجات الأساسية، كالغذاء، والمسكن، والملبس، والنقل، والإعلام.. والإنسان يستهلك كمية ضخمة من تلك المواد بأشكال مختلفة، لذا فإن المواد الأولية يجب أن تكون جاهزة من أجل القيام بعدة وظائف متصلة بالحياة اليومية للناس. وتصبح مشكلة المواد الأولية صعبة عندما لا توجد هذه المواد بكمية كافية لسد الحاجات الأساسية. وليس بوسع أي بلد أن ينتظر أن يكون ذا اكتفاء ذاتي كامل من حيث المواد الأولية والمواد المصنعة. فكلما ارتفعت التنمية الصناعية لبلد ما ازدادت حاجته إلى المواد الأولية والمواد المصنعة واعتمد في تزوده بها على منتوجه المحلي أو على التجارة الخارجية، والاعتماد على الأول أفضل من عدة نواحي. والبلدان الإسلامية الغنية بالموارد الطبيعية ومصادر الطاقة الحالية والمصادر البديلة والمواد الأولية يجب أن تدرك قدرتها المتزايدة على التطور والتأثير الحضاري على جميع دول العالم. إن موارد كثيرة من المواد الأولية في دول العالم الإسلامي يمكن أن تستمر طويلاً إذا ما أديرت إدارة ملائمة. فلابد إذن من القيام بتوعية واسعة لتعديل السلوك الاجتماعي في سبيل الحيلولة دون وقوع تبذير غير مبرر في مسألة الموادّ الأوليّة والموادّ المصنّعة، تماماً كما في مسألة الطاقة. فالخشب، مثلاً، من المواد الأساسية. وعلى الرغم من الاستعمال المتزايد لعدة مواد بديلة لا يزال الخشب ضرورياً لبناء المساكن والسفن، ولصنع الأثاث والورق، ويستخدم، بالإضافة إلى ذلك، كوقود رئيسي في المناطق الريفية. غير انه، بسبب سعره الذي تحدده جاهزيته في السوق، يستعاض عنه تدريجياً في العديد من استعمالاته، بمواد أخرى قابلة للنفاد ولكنها أقل كلفة كالمعادن. وبوجه عام، تقدم منتجات الأشجار والنخيل مثالاً للطريقة التي يؤدي بها استنفاد الموارد الطبيعية إلى ارتفاع الأسعار وإلى تعديل في استعمال الموارد. وبعض المواد الأولية توجد في الطبيعة في شكل يستطيع الإنسان استعماله مباشرة: كالرمل، والحصى، والذهب، والماس، وغيرها. وفي معظم الحالات يجب أن تجرى على الموارد الطبيعية عملية فيزيائية أو كيميائية كي تغدو قابلة للاستعمال. وينظر الإمام الشيرازي إلى هذه الثروات، ما اكتُشف منها وما لم يُكتشف بعد، نظرة شاملة ومتأنّية، تأخذ في الحسبان، طبيعة تلك المواد الأولية، والعمليات العلمية التي يجب أن تُجرى عليها من أجل الاستفادة منها، من جهة، واتخاذ الإجراءات اللازمة للإفادة منها في الوقت المناسب، وتلك هي سمة من أبرز سمات الفكر العلمي المتميز بفهم الواقع وإمكانياته وكيفية تطويره ومنع الاستغلال والاستعمار. وفي الوقت الذي يولي الإمام الشيرازي أهمية قصوى للمواد الأولية، فإنه لا يغفل عن دراسة تأثيراتها على البيئة، ومعلوم ان عمليات التحويل التي تتحملها إحدى المواد في دورتها تؤدي إلى استهلاك طاقة وإنتاج نفايات وأخطار ترهق البيئة. وقد عُني الإمام الشيرازي بقضية المواد الأولية كثيراً وأكد على ضرورة الاستفادة منها والمحافظة عليها، تماماً كعنايته بضرورة المحافظة على ما يتم الوصول إليه من مستوى اقتصادي واجتماعي، وكضرورة بذل الجهد باتجاه ترقية ذلك وتصعيده إلى ذرى جديدة. وتأتي هذه العناية انطلاقاً من أن سلسلة المواد الأولية التي يستعملها الإنسان تتسع وتتغير باستمرار تبعاً لتطور التقنية ونمط العيش، بحيث يمكن القول أن الحاجة إلى المواد الأولية تتجدد باستمرار فكلما تحسنت الأحوال الاقتصادية وأشبعت الحاجات الأساسية ظهرت الحاجة إلى متطلبات جديدة في مجالات كالتربية والتعليم، والنقل، والإعلام، والثقافة، والسكن، وغيرها. ولتلبية هذه الطلبات التي تتعلق أكثر فأكثر بالنوعية، يجب أن يتوفر لدى المواطنين وعي بأهمية المواد الأولية ومنها ما يُعتبر من تراث الأجداد، وهو المتمثل بالمواد المستخدمة في المهن التقليدية، على أن يتلازم ذلك مع الإيمان بالقيم الأخلاقية التي تشكّل الضمير الاجتماعي، والهاجس الدائم الذي يقود، إلى الخدمة العامة بردّ الاعتبار للمهن التقليدية، والمحافظة على المواد الأولية، وحسن الاستفادة منها، في محاولة للتخلص من إسار المورد الواحد الموجود حالياً، الذي هو النفط. فإن تنمية الموارد الاقتصادية وتنويعها بما يخفف عن الاعتماد على النفط، ومدارسة الظروف الدولية المحيطة، وانعكاساتها على الظروف المحلية، يستدعي الاهتمام بالمواد الأولية، على درجة الاهتمام ذاتها بتحقيق ترشيد الإنفاق الخاص والعام، والأخذ بنهج الاقتصاد في استخدام جميع الثروات المحلية. ومن هذا ندرك، بكل جلاء، مدى اهتمام الإمام الشيرازي بأهمية استعمال المواد التقليدية، سواء كانت مواد أولية أم مواد مصنعة محلياً. وهكذا فإن المواد الأولية التي تدخل بدورها في الفعاليات الصناعية، والتي تجب المحافظة عليها، يمكن أن تكون من أصل نباتي من غير زراعة الإنسان، كمنتجات الغابات، أو أن تكون زراعية كالقطن أو من أصل حيواني كالجلود، والصوف، والحرير. وفي داخل حدود المواد الأولية أيضاً تظهر مشكلة موازنة الإنتاج مع الطلب، حسب حاجات الاجتماع، مع الأخذ بالحسبان أن معدلات الاستهلاك لا يمكن ان تتجاوز كثيراً معدلات الإنتاج أو المركز المالي للدولة. إن المسألة الملحّة التي بحثها الإمام الشيرازي باستيعاب وتفصيل في أكثر من مكان في كتبه العديدة، هي علاقة الاستهلاك بالإنتاج، داعياً إلى الموازنة بين الطرفين، من أجل عدم الإخلال بتوازن الأسواق لأن ذلك الإخلال يمكن أن يسبّب اضطراب الأسعار بما يفضي إلى أضرار خطيرة. وإضافة إلى هذه الموادّ الأولية هناك، أيضاً مياه البحر التي تشكل حالياً المصدر الرئيسي لمواد أولية عديدة. غير ان ماء البحر قد يصبح، مع تطوير تقنية جديدة ولكنها أكثر كلفة، مصدراً لا ينفد، عملياً، لعناصر أولية أخرى يمكن للعلم أن يطور وسائل استخراجها بنفقة أقل؛ إضافة إلى الثروة السمكية وغيرها من ثروات. أما التوازن البيئي فهو أولاً، يوفّر للاجتماع أجواء صحية تعمل عملها في زيادة الإنتاج، كما يتيح عدداً من العناصر الغازية التي لها أهمية أساسية للطرق الصناعية. هذه العناصر جميعاً في البحر والبر، وما في باطن الأرض، عناصر متكاملة يجب استغلالها الاستغلال الأمثل لبناء ركائز المستقبل، ويكون الهدف من ذلك هو الاكتفاء الذاتي، ولا يفوتنا أن نذكر اكتشافات مائية جوفية كبيرة ودراسات استغلال الطاقة الشمسية، فيكون الاثنان البحر والبر مكملين لبعضهما، كما أن هناك المصانع، وكذلك الغاز الطبيعي وغيرها من بدائل. وتتفرع من هاتين المشكلتين مشكلة أخرى، ولكنها تتعلق هذه المرة بمشكلات التغذية، نظراً لسوء إدارة الاقتصاد العالمي وأطماع الدول الاستعمارية، والجشع الذي يسيطر على الحكام الديكتاتوريين والرأسمال المستغل في داخل البلدان الإسلامية نفسها. إن مشكلات التغذية أكثر خطراً من مشكلات الطاقة والمواد الأولية. فإن أكثر من مليار إنسان يعانون، بحسب تقديرات 1995، من سوء التغذية ومن المؤكد أن عددهم قد ازداد منذ ذلك الحين. ونقصان الموارد الغذائية أصبح محور الاهتمامات العلمية والمشاركة في الجهود النزيهة للقضاء على هذه الظاهرة الخطيرة، أو الحد من اتساعها وذلك لما تسببه من نتائج مأساوية على البشرية. ولا يكتفي الإمام الشيرازي بعرض الفكرة، بل ينتقل إلى رسم طرق معالجة الحالة، شأنه في هذا مثل شأنه في المجالات الأخرى، لأنه ينطلق من البؤرة الإسلامية التي تحدد له الأشعة التي يسير على هديها، من غير أن يكتفي بالشعارات، بل نراه في كل المواضيع، يهدف إلى تشخيص الواقع ووضع الحلول لمشكلاته مهما زادت درجة تعقيدها. وقد تناول سماحته هذه المسألة من خلال تعرضه لقضايا الاجتماع والاقتصاد جميعاً، مع ربطها بالقضية الأساسية التي هي الحرية وكون الدولة دولة استشارية، ومع هذا نجد عنده وضمن تحليله لمعنى الاكتساب، تقريراً من شأن تطبيقه القضاء على المجاعة في العالم. فمع انضمام التكافل وترشيد الإنفاق والاستهلاك وإلغاء الاستعمار وإنهاء الحكومات الديكتاتورية وقوانينها الظالمة، يضع سماحته الحقائق التالية: إن الإنسان لا حق له إلا: 1 ـ في عمله الجسمي. 2 ـ وفي عمله الفكري، بشرط أن يكونا على الطريقة المحللة. أي أن يكون العمل والفكر حلالاً، وأن يكون متعلّق العمل والفكر حلالاً أيضاً. 3 ـ وإلا في مقدار ما يرث، مع ملاحظة أن يكون المورّث قد حصل المال من الحلال من جهة العمل والفكر ومن جهة متعلقيهما وبعد ذلك يلزم على الإنسان الذي يكتسب فكرياً أو جسدياً أن يلاحظ: أولاً: عدم الإجحاف بالآخرين. ثانياً: عدم عمله في أجواء إكراهية، لأن الإكراه الأجوائي كالإكراه الفردي كلاهما محرمان، فلا فرق أن يُكره الإنسان عاملاً على أن يعمل في داره بقدر كذا، أو أن يهيئ أجواء يكون العامل مكرهاً فيها على أن يعمل ذلك العمل بنفس تلك الأجرة. وثالثاً: عدم استغلال الآخرين المعاصرين له بأن يأخذ أكثر مما يستحق. ورابعاً: عدم تضييع حقوق الأجيال الآتية، مثلاً: المعادن المودعة تحت الأرض إنما هي حق الأجيال الحاضرة والآتية، كلّ بقدر أن يعيش عيشاً متوسطاً بلا تقتير ولا تبذير، فإذا أخذ هذا الجيل من المعادن أكثر من حقه، بقدر الإسراف والتبذير، كان معنى ذلك أنه أتلف حق الأجيال الآتية. وخامساً: عدم الاستفادة الضارة. وإذا لوحظت كل هذه الأمور الخمسة، بالإضافة إلى ما ذكرناه من أن للإنسان الحق في العمل الفكري والجسدي والإرث، كل ذلك بشرط الحليّة، لم يبق ذو حاجة واحدة غير موفّر الحاجة، سواء في المسكن أو الملبس أو المركب أو الزوجة أو الزوج أو غير ذلك، كما لم يبق رأسمالي واحد على الأسلوب الغربي، أو على الأسلوب الشرقي، وإنما تكون الخيرات للجميع، وإن كان هنالك تفاوت حسب تفاوت الكفاءات، فبعضهم يكتسب الأكثر لقوته الجسدية أو لفطنته الفكرية، وبعضهم يكتسب الأقل لضعفه الجسدي أو لعدم تفوقه الفكري، لكن هذا الفرق لا يوجب الفجوة الطبقية الهائلة التي تشاهد في عالم اليوم، مما أنتج أنّ أقل من ربع العالم يعيشون عيشة رفاه أو عيشة رغد، بينما بقية أهل العالم لا يجدون حتى الأوليات)(1). ورغم هذا فلا يمكن أن نتصور المساواة بين الجميع، إلا إذا كانت تلك المساواة قائمة على العدل، (فإن العدل هو الأصل، والمساواة خروج اضطراري)(2). إن تطبيق العدل من آثاره أنه يضيف خطوة إلى خطوات القضاء على الجوع وآلام البشرية الأخرى. فلو فرضنا أن النعم متوفرة، والعمل والإنتاج سائرين في الطريق السليم، فهل يكفي ذلك للقضاء على الجوع والآلام البشرية؟ الجواب كلا، إلى أن يتحقق (الاقتصاد التوزيعي) بالعدل. و(الاقتصاد التوزيعي) مصطلح ابتكره سماحة الإمام الشيرازي للدلالة على الوظيفة التوزيعية للدولة والاجتماع. وبالطبع فإن الإمام يقيم هذا الاقتصاد على أسس الإسلام، ويصل به لخدمة الإنسانية والقضاء على نتائج وتأثيرات أزمات الاقتصاد العالمي على اقتصاديات الدول الأخرى، بل ويعمل على إنقاذ اقتصاديات الدول المتطورة نفسها، بتصحيح مسارها الاقتصادي وجعله اقتصاداً إنسانياً أخلاقياً. يقول سماحته: (الاقتصاد التوزيعي يلخص في قاعدة (من كلٍّ عمله ولكلّ أجره) فكلّ عامل عليه شيء وله شيء. فالأول: أن يعمل حسب قدرته وطاقته. والثاني: أن يكون له كل أتعابه، فلا الرأسمالي يأكل أتعاب العامل، كما في الاقتصاد الرأسمالي، ولا الدولة تأكل أتعابه كما في الاقتصاد الشيوعي، ولا الرأسمالي والدولة يشتركان في أكل أتعابه كما في الاقتصاد الاشتراكي، حيث إن الرأسمالي يأكل أتعابه في التجارة ونحوها، والدولة تأكل أتعابه في منابع الثروة العامة. فإن العمال في الدول الرأسمالية يعملون للرأسمالي، وفي الدول الشيوعية يعملون للدولة، وفي الدول الاشتراكية يعمل بعضهم للتاجر، وبعضهم للدولة والدولة شأنها حفظ العدل وسد حاجات المحتاجين وتقديم الشعب إلى الأمام، ومن ذلك لزوم أن تهيئ الفرص الكافية لكل الأفراد حتى يتمكنوا من العمل اللائق بهم)(3). ونستخلص من رؤى الإمام الشيرازي أنه يؤمن بـ: 1 ـ ضرورة أن يتحمل الاجتماع كله مسؤولية التأكد من أن موارد البلاد الاقتصادية مؤظّفة في الطريق الصحيح وأنها موضوعة لخدمة أبناء الاجتماع. 2 ـ ضرورة التعاون والالتقاء النافع بين التقدم التقني والمصادر المادية التي تلبي حاجات ذلك التقدم التقني. ووضع الموارد الاقتصادية في خدمة البشرية، وفق قاعدة (لا ضرر ولا ضرار) وبقية القواعد والأسس الشرعية الضامنة للعدالة. 3 ـ ضرورة الحد من سباق التسلّح، وخفض إنتاج أسلحة الدمار الشامل، من أجل أن تتوفر مصادر اقتصادية تُجعل في خدمة التنمية، ومن أجل أن يشعر الناس بالأمان والاطمئنان، ولتسود المحبة بين دول العالم. 4 ـ ضرورة فهم قضية التملّك على أسس عقلية نادت بها الشريعة، بحيث لا يكون التملّك وسيلة للإضرار بالآخرين، أو التعدي على حقوقهم. 5 ـ إعادة عمل البنوك على أساس من الشريعة لنفي الاستغلال من أعمالها. لقد حدد الإمام الشيرازي هذه الحقائق وغيرها، وفي الوقت نفسه، دعا إلى عمل تغييري رائد ومشهود، والبدء بمرحلة نهضوية أكثر تطوراً، بازدياد اعتمادها على الذات أولاً، وترصين تعاملها مع العالم الخارجي ثانياً، من أجل النمو الاقتصادي، وعلى أسس الإسلام الحنيف. ويجب ألا يتصور أحد بأن تشييد العمارات العالية والجسور والطرق هي الكل في الكل، فلهذه الأعمال أثر محدود في حضارة الإنسان ومسيرة تطوره وتراثه الثقافي. بل إن العمل في حد ذاته قيمة ينبغي أن تتقدم كل القيم، لأن العمل واجب وشرف وهو في ديننا الحنيف عبادة. والذين لا يعملون يظلون أبداً، ومهما أُتيح لهم من فرص استخدام أدوات العصر، في حالة اعتماد على الآخرين، بتحقيق الاكتفاء الذاتي، وذلك بالعودة إلى الزراعة والحرف اليدوية والبحر إعلاء لقيمة العمل، فضلاً عن المردود الاقتصادي الذي يمكن أن يتحقق للفرد والوطن نتيجة إضافة الجهد البشري إلى الموارد الاقتصادية. وليست هذه دعوة خيالية، بل هي مأخوذة من صميم الواقع، فإن كثيراً من الناس، في أرجاء العالم، ومنه العالم الإسلامي، ما يزالون يزرعون أرضهم، كما كان يزرع آباؤهم، ومازالوا يرعون قطعانهم من الأغنام والماعز والأبقار وبقية الحيوانات ذات النفع الاقتصادي. فمن الواجب توسيع هذه الميادين، وتشجيعها وتطويرها، وإعلاء قيمتها. وهكذا بإعادة قراءة الواقع يتم رسم خطط المستقبل، بالارتباط بقيم الإسلام، وإحياء الرغبة في العمل، تلك الرغبة التي هي واجب على كل فرد قادر على العمل والإنتاج، ومن الواضح أن الدعوة التي ذكرناها فيما سبق والتي ترى ضرورة عدم الاعتماد على الثروات المعدنية الناضبة، وعدم جواز استخراج ما هو أكثر من الحد المحتاج إليه، وضرورة الاهتمام بحصة الأجيال من تلك الثروات، يجب أن تترافق مع العودة إلى ميدان العمل والإنتاج، وعدم التراخي والتواني والكسل. ومن أجل التعويض عن ذلك، يجب تطوير الإنتاج الزراعي وما يدرّه البحر من خيرات، وكذا تطوير شبكات الري، والعناية بالرعي. وبحكم طبيعة الأشياء، فإن من الممكن توجه أبناء الاجتماع، وخاصة في العالم الإسلامي إلى العمل المنتج، لتوفير الاكتفاء الذاتي في كل الميادين ومنها الميدان الغذائي، لأنهم ذوو أصالة وميراث حضاري عظيم محمّل بقيم العمل والإنتاج. وبما ان الإمام الشيرازي يرى أن الشروط المتوازية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلد ما تتمثل في: * وجود الحرية والاستشارية. * تطوير صناعي وحرفي. * تنمية زراعية ملائمة. * توزيع سليم للسلع الغذائية. * سهولة الحصول على الخدمات الصحية التعليمية. * توفير العمل بأجور عادلة أو مبادرة شخصية. * وضع معونات اجتماعية للمحتاجين إليها، من بيت المال، على ما سبق ذكره. * إشاعة روح التكافل والتضامن الاجتماعي. * من الضروري أن يوفّر النظام الإسلامي للجماهير العمل والمال والحكم على حد سواء، أي أن يكون الحكم الإسلامي بحيث يوفّر الأجواء الصالحة لأن يتمكن كل إنسان من التعلّم بقدر ما يشاء، ومن أن يصل إلى الحكم كسائر من يصلون، وأن يتمكن من الاستفادة من المال حسب طاقاته، فتكون هذه الأمور الثلاثة: الحكم، العلم، المال، مثلها مثل الماء والهواء والنور)(4). فإن المجتمع سيكون بمقدوره النظر إلى هذه المسألة، أي مسألة الاكتفاء الذاتي وتوفير الغذاء والحاجيات الأخرى، نظرة جادّة، وسيعمل على تطبيق الخطط العلمية والعملية لتحقيق ذلك. هذه الملاحظات تضع كل بلد في العالم أمام ضرورة تعزيز جهود البحث في المجالين الغذائي والزراعي. فالتنمية الاقتصادية عملية بطيئة. وحتى مع تخصيص أموال كبيرة للبحث والزراعة لا يمكن الحصول على نتائج ملموسة إلا في بضع سنوات أو حتى في بضع عشرات السنين. إن مشكلة الغذاء ليست مسألة إنتاج فحسب، بل هي أيضاً مسألة توزيع داخل كل بلد وفي صفوف العائلات. وتعميم الغذاء المناسب يرتبط بالعوامل الاجتماعية ـ الاقتصادية المعقدة لأنها تعتمد، غالباً، على الذوق والرغبة ومستوى الرفاهية التي لا تتحقق إلا بتوفر شروط العمل والإنتاج والتلاؤم مع إمكانيات البلاد الاقتصادية، والمؤسسات الاجتماعية والضوابط الثقافية. ويسبب التصدع في سير عمل أحد هذه الأنظمة نقصاناً في الغذاء. فإذا اختل أحد هذه الأنظمة تختل العملية الاقتصادية برمتها، وتتعرقل أهداف الخطط الاقتصادية. وهكذا، فإن زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي تؤدي عادة إلى تحسن النظام الغذائي. وللعوامل الثقافية تأثيرها أيضاً. ولكن من المحتمل أن تختل هذه المعادلة، بوجود ظروف استثنائية مثل الأزمات غير المتوقعة كالجفاف والفيضانات، واختلال الميزان التجاري وارتفاع الأسعار، لسبب من الأسباب. ولاشك ان هناك عوامل أخرى لتعقيد هذه المشكلة هو ترابط الاقتصاد الزراعي العالمي، والذي يؤدي إلى تأثيرات متباينة، تزداد حدتها في الدول التي تكتفي بتقليد الدول الاستعمارية والوقوع تحت تأثيرها. ومن الواضح أن الدولة الإسلامية لابد لها أن تنجو من هذا المطب بفعل توجهاتها الفكرية وتطبيقاتها العملية مما كشف عنه سماحة الإمام الشيرازي في دراساته المتعددة. وتظهر مخاطر التأثر بالدول الاستعمارية ظهوراً جلياً في إخفاق جميع البلدان التي خضعت للقانون الغربي، وما نجم عن ذلك من بروز مظاهر الفقر والفاقة والحرمان. وذلك لأن المشكلة الاقتصادية غير قابلة، بطبيعتها، للتأجيل، فإهمال الزراعة، الذي نشط الاستعمار وعملاؤه في تعميمه، وتأجيل حلول مشكلاتها سيضرّ في المستقبل بشكل أكثر فداحة وخطورة من الحال الحاضر، ولن يقتصر ضرره على ذلك البلد فحسب، بل على كثير من بلدان العالم ذات العلاقة به. فتظهر مشكلات تآكل التربة وضعف تأثير المخصبات، وشحة المياه أكثر فأكثر، مع تواصل الاستهلاك الذي يبدو لدى بعض المجتمعات هدفاً في حدّ ذاته، من غير مراعاة لقضايا البيئة والصحة الفردية والتكافل الاجتماعي. ومن هذه الرؤية يرتسم موقف الإمام الشيرازي من مسألة الجوع في العالم، ومطالبته بتعاون دولي باتجاه اتخاذ موقف حاسم، كما أنه ينطلق من هذه الرؤية نحو تقليص التبذير، وترشيد الإنفاق وزيادة الإنتاج، واعتبار جميع الثروات الموجودة الآن ملكاً ليس لهذا الجيل فقط، بل ان للأجيال القادمة حصصها فيها. فيعيدنا هذا التوجّه إلى دور جديد يلعبه الزهد والتقشف وترشيد الإنفاق والاستهلاك، حتى أن الإمام الشيرازي يمنع الإسراف والتبذير في كل شيء حتى في الماء المتّخذ للوضوء مثلاً، على سبق أن ذكرنا. وتثبت هذه الرؤية واقعيتها، فإن ترشيد استهلاك الماء، مثلاً، في أثناء الاستحمام أو الوضوء، أو الاستعمال البشري، أو إرواء الحدائق، سيوفر كميات كبيرة جداً منه. فما بالك إذا طبقنا هذا المثال على جميع جوانب الاستهلاك اليومي من وسائل العيش والرفاهية، كالكهرباء والسيارات، والهواتف، والغذاء.. وغيرها؟! وبالطبع فإن الإمام الشيرازي لا يدعو للتقشف الدائم، فتلك نعم الله على البشر، ولكنها دعوة لترشيد الاستهلاك، وترشيد الإنفاق، على جميع المستويات الرسمية والشعبية، من غير إضرار بالمستوى اللائق للعيش والذي يجب على كل مواطن أن يوفره لنفسه ولمن حوله، بالعمل والإنتاج. وتشكل الجاذبية الآسرة للنمو الاقتصادي، في شكله الحديث الذي يحظى بالعناية، إغراء بالحصول على سلع السوق، فإن فقدت حاجة ما أو شحّت يجب على المنجذبين إلى ذلك الإغراء الوعي بأن توفير ما يحتاجون إليه سيكون أيسر بكثير حين يتمتعون بالأناة والصبر والإيمان بأن العمل والإنتاج السبيل لتحقيق ما يصبون إليه، بدلاً من أن يضعوا بلادهم بسبب أطماعهم وشهواتهم ولذائذ الحياة، في موقع التبعية للدول الاستعمارية، فربّ أكلة منعت أكلات، ورب تعجّل في الحصول على اللذائذ يعقب حسرة طويلة بتسلّط الاستعماريين والديكتاتوريين. فيجب معالجة هذه المسألة معالجة حاسمة ترتفع بمستوى الوعي عن طريق استثارة كوامن كل إنسان وتفجيرها في عمل نافع متواصل، على أساس أنّ العمل في حد ذاته قيمة سامية تعطي للحياة مضموناً إيجابياً نافعاً وكواجب مقدس يحتمه الإيمان بحق الإنسان على أخيه الإنسان وتحض عليه تعاليم الشريعة الإسلامية الغراء. وقد أخذ الإمام الشيرازي الندرة المادية المطلقة وحاجات الناس بعين الاعتبار من ناحية الإنتاج. وهكذا، كان إحياء الأرض محور اهتمامه. فالأرض هي موئل الزراعة وتوفير الغذاء، كما أنها مستقر المصانع والمعامل ومحلات التجارة وبيوت السكن. ويذهب الإمام الشيرازي إلى أن الأرض يمكن أن تُملك، خلافاً للشيوعيين، ويرى سماحته أن الملكية مرهونة بشروط العدل وعدم الظلم والاستغلال للآخرين، خلافاً للنهج الرأسمالي في معالجة مسألة الأرض(5). وينص على إعادة الأرض لأصحابها الأصليين إن كان الاستيلاء عليها قد تم خلافاً للشريعة، فقال: (فاللازم للدولة الإسلامية إرجاع كل حق إلى ذي الحق أرضاً كان أو غيرها، وقد تقدم حديث الإمام أمير المؤمنين، (عليه السلام)، في قطائع عثمان، فإذا ثبت أن الإقطاعي ظلم في الأرض أخذ منه الزائد وردّ إلى أصحابه الشرعيين، سواء كان ظلماً بالغصب، أو ظلماً بأخذ حق الآخرين بمنعهم عن الاستيلاء، فإن أدلة السبق وما أشبه محكومة بأدلة كون الأرض لكل الأنام، كما تقدم تفصيل ذلك)(6). وإحياء الأرض شكل من أشكال العمل المرغوب للإنسان، ذلك العمل الذي يتراوح بين الواجب والمستحب، يقول سماحته: (نعم، البند الأول بين واجب وبين مستحب، فإذا توقفت معيشة الإنسان وذويه على عمله وجب وإلا استحبّ لكراهة البطالة، وإن كان غنياً لا يحتاج إلى التعب والكسب... نعم، قد يجب العمل أيضاً كفاية أو عيناً، وإن استغنى، إذا كان العمل من الصناعات المحتاج إليها، وقد ذكر الفقهاء وجوب الصناعات التي يتوقف عليها النظام (كالزراعة) عيناً أن احتيج إلى هذا العامل بشخصه أو كفاية إن انحصر في جماعة كان هذا أحدهم، بحيث لا تتعطل الصناعة إن لم يقم به هذا مثلاً)(7). ورغم أن علماء الاقتصاد لا يجدون أن من الممكن إبداء تكهنات إيجابية حول المصائر النهائية للموارد الطبيعية المحدودة في المستقبل، بما فيها الأرض الزراعية، ولإمكانيات بقاء الإنسان، فهنالك صلة أقل غموضاً بين ندرة مادة ما والنمو الاقتصادي. وغالباً ما تكون تلك الندرة نتيجة للاستهلاك أكثر من كونها نتيجة للإنتاج. وبهذا المعنى، يصبح من الضروري أن يضع كل فرد تقييداً على إمكانياته الاستهلاكية النهائية. ولو فرضنا أن بالإمكان، وعن طريق التقدم التقني، توسيع فدان الأرض الواحد المستخدم لتوفير الغذاء ضعفين أو عشرة أضعاف أو ألف ضعف، فإن المغزى الاقتصادي لذلك التوسيع، والمردود الحقيقي له سيزول أو يتضاءل إذا تعرض الإنتاج للتبذير والتبديد. ومغزى هذا أن الندرة يسببها بُعد اقتصادي أساس، هو الاستهلاك. وهذا النوع من الاستهلاك التبديدي جانب من الجوانب التي عالجها الإمام الشيرازي بصورة أساسية، وذلك بالتوعية والاستناد إلى القيم الإسلامية، إضافة إلى تشجيع عوامل الإنتاج والحث عليه. فالحصول على نوعية معينة من السلع وبمواصفات مغرية. بالرغم من كونه طموحاً مشروعاً، إلا أنه قد يكون محدوداً ونادراً في حالات معينة، وعلى المستهلك أن يأخذ ذلك بنظر الاعتبار. وعادة ما ينال المستهلكون جزءً من إشباعهم، على الأقل، من تلك المواد النادرة ببذل جهد إنتاجي أكبر. وذلك مرتبط بمدى تأثير القيم الخلقية، كالقناعة والبساطة والتواضع والحرص على عدم التبديد والتبذير. بمعنى أن الزيادة في توفير هذه السلع أو التسهيلات، إن تمت، يجب أن ترتبط بدراسة واعية لحركة السوق والحاجة الفعلية للناس. |
|
1 ـ الصياغة الجديدة: 106 ـ 107 . 2 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 211 . 3 ـ ن.م: ج 1 ص 157 . 4 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 230 ـ 231 . 5 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 316 ـ 317 . 6 ـ ن.م: ج 1 ص 317 . 7 ـ ن.م: ج 1 ص 316 . |