|
التطور والتقدم الاقتصادي |
|
إن هذا الذي أوضحه سماحة الإمام الشيرازي في قضية التكافل الاجتماعي وترشيد الإنفاق والاستهلاك والزهد والتقشّف، أصبح من واجب كل فرد، الالتزام بتلك الأمور، والمحافظة على البيئة في حالة صحية مناسبة، والحرص على الموادّ الأولية، كالماء ومصادر الغذاء، ثم مصادر الطاقة، من التبديد والتبذير. وغني عن القول أنه لا تطور بلا زراعة وصناعة واقتصاد سليم، ولا حياة أساساً بلا ماء. ونلاحظ أن تطبيق قوانين المستعمرين قد أدت إلى انخفاض الزراعة وتلوث المياه وقلتها أيضاً، وحدثت الهجرات الكبرى من الريف إلى المدينة، فصار العالم الإسلامي بحاجة إلى الدول الاستعمارية. هذه الحالة يرفضها الإمام الشيرازي، ويؤكد مراراً وتكراراً وجوب النظر إلى مسألة المياه ومسألة الزراعة نظرة شمولية متكاملة تربطهما بالقوى البشرية، ولذا يتحدث سماحته عن مضارّ الهجرة من الريف، حيث الزراعة إلى المدينة التي هي في الأصل بحاجة إلى القرية لتوفير الأغذية من المزروعات والدواجن والبيض وغيرها، فيقول وهو يعدد تلك المضار: (تحطم الزراعة وانخفاض مستوى اللحوم والجلود والألبان ومنتجاتها، إذ القرى والأرياف هي التي تنتج هذه الأمور، فإذا انزاح أهلها إلى المدن تحطمت، وذلك يوجب الغلاء الشديد والقحط وقلة الأرزاق، وإما يوجب تأخر البلاد ودخولها تحت الاستعمار حيث الحاجة إلى البلاد الأجنبية، وهي لا تعطيها شيئاً إلا بشروط استعمارية كما هو واضح. ثم إن أهل القرى أخذوا يهربون من القرية إلى المدينة بسبب آخر، وهو ظلم الملاكين لهم، حيث وجود المنفذ للفرار مما لم يكن الزمان السابق مهيأ لمثل هذا الهروب)(1). فإذا كان هذا هو الواقع الأليم الذي يعيشه العالم الإسلامي اليوم حيث صار محتاجاً إلى الدول الاستعمارية في كل شيء من الغذاء والدواء والكساء وحتى الماء الذي يستورد في القناني بالآلاف المؤلفة في بعض البلدان الإسلامية، بينما تضيع مياه الأمطار والأنهار الكثيرة في البحار المالحة، حتى أن بعض الحكومات صارت تعطي الماء العذب من النيل إلى إسرائيل المغتصبة للأرض الإسلامية والمنتهكة لأعراض المسلمين، وفي نفس الوقت يمنع ذلك الماء من الوصول إلى دول ذات شعوب إسلامية تشكو من قلة المياه، وفي الوقت نفسه أيضاً، يستورد الحكام مياهاً خاصة معطّرة غالية الثمن جداً لاستحمامهم. نقول: إذا كان هذا هو الحال السيئ فإن سماحة الإمام الشيرازي يضع حلولاً لمشكلة الماء والغذاء بعودة الفلاحين إلى قراهم والبحث عن المياه في الينابيع والعيون وتحلية مياه البحر، والمحافظة على الثروات المائية الموجودة حالياً، وتنميتها باكتشاف طرق علمية واقتصادية تساعد على ذلك. بل إن سماحته يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، حين يدعو إلى تطوير القرى نفسها وتوفير وسائل الحياة الضرورية التي يسبب عدم وجودها هجرة الفلاحين لأرضهم والتحاقهم بالمدن، فيضاعفون مشكلة الاجتماع كله لا المدن فقط، يقول سماحته: (والعلاج لهذه المشكلة، مشكلة النزح من القرية إلى المدينة، بأمور: 1 ـ التخطيط لأجل استواء مستوى النقد في كل من البلد والقرية حتى يكون دخل الفرد في القرية مثل دخله في المدينة. 2 ـ جعل مستوى القرية كمستوى المدينة في أسباب الحضارة، ولو بشيء منها، بأن يكون للقرية الطبيب والمدرسة والتلفون والماء والكهرباء إلى آخره. 3 ـ محاولة إيصال القرى بعضها ببعض حتى تصبح مدناً ولو صغيرة والمدينة بطبعها تجلب الحضارة وتسبب التقدم. 4 ـ نشر المؤسسات الحكومية والأهلية في أوساط القرى بأن تكون الجامعات والمصانع والمعامل في أمهات القرى حتى يخف العبء عن كاهل المدن، وحتى تنشر المؤسسات حولها النقد والحضارة والرقي، وبذلك يرتفع مستوى القرية، فلا يكون إغراء المدينة كبيراً، وكذلك بناء الفنادق والمستشفيات وما أشبه في المصايف ونحوها. 5 ـ الإعلام عن محاسن القرية الكثيرة، فإن للقرية محاسن جمة، أمثال قلة الجرائم ووفور الصحة الجسدية، وعدم القلق، وتوتر الأعصاب المصاحب للمدينة الحديثة، وجمال الطبيعة الموجود في القرى، إلى غير ذلك. 6 ـ تحسين وضع الزراعة بالإصلاح الزراعي الإسلامي، حتى يدر ربحاً أكثر للفلاحين والقرويين، وحتى لا تكون بطالة في القرية تنفر أهلها إلى المدينة رجاء المال والعمل)(2). ومما لاشك فيه أن التنمية القروية، واكتشاف موارد مائية جديدة وعدم التبذير في المياه الموجودة حالياً، مما يؤدي إلى انتعاش الزراعة التي هي ذات أهمية أساسية لمستقبل العالم، وتشجيع الزراعة والمساعدة على التوسع فيها يجب أن تكون من الأولويات الرئيسية لجميع القوى البشرية في أرجاء العالم. وبموجب معايير علم الاقتصاد المعاصر، فإن تلك الخطوة الأولى هي التي تسهّل طريق تجنب المشكلات والمآسي التي تعاني منها دول العالم الإسلامي حين أهملت الأرض والمياه والمواد الأولية ومصادر الطاقة، فحطمت البلاد، وأهلكت العباد. ومن أجل إعادة إحياء هذا العالم من جديد، وبناء على رؤية الإمام الشيرازي نتبيّن أن تنظيم القطاع الزراعي عامل في غاية الأهمية لتحقيق ذلك. فيجب عدم الانسياق وراء مشاريع مترفة، كما يجب رفض الارتجال في إقامة المشاريع وفي أداء العمل، كي تتوفّر بدلاً من ذلك شروط النمو الزراعي المستمر. إن النمو الزراعي، حسب كتابات السيد الإمام، يفرض عدداً من المتطلبات والاشتراطات الجوهرية التي يجب توفيرها ومنها: 1 ـ الحرية لكل فرد من أفراد الاجتماع. 2 ـ تطبيق الإصلاح الزراعي الإسلامي المعتمد على (الأرض لله ولمن عمرها) والقائل بتكافؤ الفرص وعدم الإجحاف ومراعاة الكفاءة، وغير ذلك(3). 3 ـ توفير حوافز للفلاحين والملاكين. 4 ـ تأمين الأجور العادلة والطمأنينة للمزارعين. 5 ـ تقديم التسهيلات للفلاحين والمزارعين وتوفير ما أمكن من ظروف العيش والتعليم والرعاية الصحية. 6 ـ المحافظة على الأرض وحمايتها بالحد من استخدام الأراضي الزراعية لأغراض غير زراعية. 7 ـ تشجيع رأس المال الإسلامي على الدخول في ميادين الزراعة وتربية الحيوانات ذات المردود الاقتصادي. 8 ـ تشجيع استعمال تقنيات وطرائق تتيح توفيراً على مستوى أكبر. فالري والسيطرة على أعداء المزروعات مثلاً يمكن تحقيقهما على وجه أفضل. 9 ـ ومن المهم جداً أن يستخدم المزارع موارد عوامل الإنتاج الزراعي استخداماً أكثر ملاءمة وعقلانية وأن يكون له جهد كبير في نجاح عمله الزراعي. 10 ـ يجب وضع حل شامل لظاهرة معقدة على الصعيد الاجتماعي والتقني، ففي حين تكون القطاعات الصناعية والخدمات في ازدياد، يقل الإقبال على المهن الزراعية والصيد، وبخاصة في المناطق التي تتعرض لظروف مناخية قاسية. ولذا لا مفر من توفير المشاريع الإروائية والزراعية، والتشجيع المتواصل على ممارسة مهن الآباء والأجداد. 11 ـ ولا يتوقف النهج الشيرازي في الزراعة، عند هذه الحدود، بل يدخل إلى جانب آخر من المشكلة، ويرسم طريقاً يحقق للمزارعين الفائدة التي يتطلعون إليها من وراء عملهم، وكذلك يحقق للمستهلكين وفرة الغذاء الذي يحتاجون إليه. وذلك الجانب من المشكلة هو أسلوب التوزيع. فهو عامل تنظيمي آخر، له نتائج مهمة على الزراعة ويمكن أن تكون التحسينات في هذا المجال مفيدة إضافة إلى العمل الزراعي نفسه. وقطاع التوزيع غير الفعال من الناحية المادية قد يسبب خسائر جسيمة مردها إلى نقص وسائط النقل والتبريد والتخزين. إن عدم فعالية التوزيع تتمخض، من الناحية الاقتصادية، عن ارتفاع الأسعار والإضرار بالمزارع والبائع والمستهلك. كما أن مساحة الأراضي الصالحة للزراعة تشكل تحدياً آخر. ومن الواضح أن إيجاد أراض جديدة صالحة للزراعة سيتيح زيادة الإنتاج الغذائي. ومن أجل تحقيق استصلاح الأراضي للزراعة، فإن الإمام الشيرازي قد أولى أسس النهضة الزراعية اهتماماً خاصاً، ومن تلك الأسس: * العناية بالمزارع وتوفير حقوقه الإنسانية وتحسين ظروفه الصحية والاجتماعية والاقتصادية. * التخطيط الزراعي السليم. * زيادة الوعي بأهمية الإنتاج الزراعي. * إحياء أراض جديدة. * المحافظة على الثروة المائية الحالية وتوفير مصادر جديدة للمياه. * توفير الآلات الزراعية وتيسير استخدامها. * توفير الأمن والاستقرار لجميع أبناء الاجتماع. * تطوير نظام تسويق المنتجات الزراعية بما يكفل تشجيعاً أكبر للمزارعين. * ونظراً لترابط الزراعة والمياه مع غيرهما من القطاعات الإنتاجية، يجب اتخاذ خطوات علمية وواقعية لتنمية مختلف القطاعات الإنتاجية لتساهم مجتمعة في توسيع طاقة الاقتصاد الإسلامي وتوفير مستوى الحياة الكريمة لكل فرد في المجتمع. * ولغرض التخلّص من التبعية للدول الاستعمارية وضمان عدم الوقوع في إسارها يجب تكثيف الطاقات وتسخير جميع الإمكانيات للاعتماد على الذات في توفير الاحتياجات الغذائية. فالإمام الشيرازي في حثه على الزراعة باعتبارها عماد النشاط الاقتصادي لغالبية الشعب المسلم إنما يعوّل، في ذلك، على تراكم الخبرة التاريخية لدى أبناء هذا الجيل، في ميدان الزراعة وسائر المهن المتعلقة بها. * القيام ببرامج التطوير الزراعي، وذلك إلى جانب إقامة سدود التغذية الجوفية، وصيانة الأنهار والعيون والآبار، ودعم دور مراكز الإرشاد الزراعي بما يعزز من قدرتها على تقديم الخدمات اللازمة للمزارعين. * تنفيذ المشاريع الحيوية في هذا القطاع للبدء في تنمية زراعية متكاملة تولي تركيزاً خاصاً لتطوير المحاصيل الزراعية التقليدية وانتقاء الجيد منها للتوسع فيه وزيادة إنتاجيته، مع الاهتمام بالمحاصيل الجديدة وتنويعها ضمن تركيب محصولي يقوم على أسس الجدوى الاقتصادية. * وضع تشريعات مدروسة بدقة لإحياء وتطوير المراعي الطبيعية، وتنظيم استخدامات الأراضي بما يمنع استهلاك مناطق الرعي والأراضي القابلة للزراعة في أغراض تحدّ من إمكانيات التوسع الزراعي في الحاضر أو في المستقبل. * وانه لمن المهم دائماً أن يواكب هذه الجهود عمل مستمر ليس فقط لاكتشاف وتطوير مصادر وموارد المياه وإنما للمحافظة عليها باعتبارها ثروة لا يجوز التفريط بها، ولذا يجب الاقتصاد في استخدامها، واتباع نظم الري الحديثة. وهذه النقاط تكشف عن الوجهة التي رسمها سماحة الإمام في مواجهة المسألة الزراعية. حيث إنه دعا إلى: أ ـ تنمية المناطق والوحدات الجديدة بحيث تجتذب سكاناً جدداً وتقدم لهم بديلاً عن سكنى المدن. ب ـ زيادة الإنتاج الغذائي وتطوير وسائل التخزين والنقل والتوزيع. ت ـ ان تغييرات بهذا القدر من الأهمية لا يمكن إجراؤها بسرعة ويجب أن تقترن بخطط أخرى على المدى الطويل. ث ـ إنّ تحويل مناطق واسعة إلى مناطق زراعية قد يسبب تغيرات مناخية كبيرة يصعب تحديد نتائجها المحتملة، ولذا فإن ذلك التحويل يجب أن يتم بتؤدة وتأنّ وعلى وفق الأنظمة والقوانين التي تُشرَّع بموجب الرؤية العلمية الصائبة تجاه البيئة والمحافظة عليها. ج ـ إنّ الملوحة، والائتكال، وتصلب التربة، والزراعة الكثيفة، والإكثار من شقّ الطرق أو إقامة المعامل بالقرب من الأراضي الزراعية، هي عوامل متلازمة تقلل المساحات الجاهزة في الأرض الصالحة للزراعة. والأضرار الناجمة عن ذلك جسيمة، لأن تجديد سطح التربة بحسب الدورة الجيولوجية الطبيعية بطيء جداً. وعلى هذا يجب أن تكون البنية الأساسية للتجارة والصناعة كالطرق والجسور والمعامل وغيرها، بعيدة عن التأثير على رقعة الأرض الزراعية. ح ـ إنّ المحافظة على التربة ترتبط بصورة أساسية باستعمال الموارد استعمالاً واعياً، بالتوافق مع الظروف البيئية. ويمكن ضمان حماية التربة باستخدام طرق مناسبة كالإخصاب، والري، واستعمال الآلة، وخطط وقف التصحّر.. إلخ. خ ـ تطوير نظام التسويق لما فيه مصلحة المزارع والمستهلك، فنظام التسويق من الوسائل الأساس التي تؤخذ في الاعتبار عن تقويم العمليات الاقتصادية وكيفية أداء المؤسسات المعنية بالاقتصاد لواجباتها التي تحقق مصلحة كل فرد من أفراد الاجتماع. د ـ بذل كل الجهود لتطوير قطاعات المياه والزراعة وفقاً لأساليب عملية وواقعية تأخذ بعين الاعتبار الاهتمام بالمحاصيل التقليدية وغيرها من المحاصيل التي تجود زراعتها في العالم الإسلامي وتساعد على تحقيق أكبر قدر ممكن من الاكتفاء الذاتي في المنتجات الغذائية، فضلاً عما يجب اتخاذه من خطوات للعمل على زيادة الرقعة الزراعية متى توفرت إمكانية لهذه الزيادة، وتطوير نظام التسويق الزراعي بما يخدم المزارع والمستهلك، وزيادة الإنتاج وجودته، مع الحرص في كل الأحوال على الاستغلال الأمثل لموارد المياه والمحافظة عليها وترشيد استخداماتها. إن العودة المتواترة للحديث عن مسألة المياه خاصة، لأنها المسألة الأكثر خطورة في السنوات القادمة، فهي تأتي في المرتبة الأولى من الأهمية، لتعقبها الزراعة فالصناعة، وهذا ما يؤكده باحثون كثار مثل بوتومور (Bottomore) المعروف باهتمامه بمسألة شحة المياه في العالم وأبعادها الخطيرة في مستقبل السياسة والاجتماع والاقتصاد العالمي كله(4). ومن الأسباب الأخرى التي تدفع إلى التأكيد على هذه المسألة، أنّ نحو نصف أنظمة الري المستعملة في البلدان التي يسمونها البلدان السائرة إلى النمو تعمل بمردود ضعيف، مما خلق مشكلات كثيرة لتلك البلدان، حتى لو كانت تتمتع بثروة مائية وفيرة. وإذا ما تمت السيطرة على الثروة المائية، ووعى الناس أهميتها أمكن أن تزداد مساحة الأراضي المروية كثيراً. وتزداد التقنيات الجديدة، كالسقاية نقطة فنقطة، زيادة كبيرة في مردودية الماء. غير أن الكلفة المرتفعة التي تتطلبها هذه التقنيات، تحد كثيراً من استعمالها. لذا فقد وضع علماء الاقتصاد حلاً لهذه الحالة يتمثل في اللجوء إلى أساليب تسمح بجمع مياه الأمطار وتكوين احتياطي منها، وزيادة موارد المياه بتحلية مياه البحر. وإذا أخذsنا بالحسبان حدود الماء هذه فإن العلماء يؤكدون على أنّ شيئاً من الأولوية يجب أن يمنح للبحث عن أنواع من المزروعات تتحمل السقاية بالماء الأجاج أو بماء البحر. ومن الضروري، للسبب نفسه، توسيع الزراعة الجافة في أراض ثانوية ذات تقلبات مناخية. أما في المناطق الجافة فيجب العناية بحيوانات تستخدم الماء استخداماً أكثر مردودية. وما دمنا نتحدث عن رؤى سماحة الإمام الشيرازي لبناء دولة الإسلام على أسس العلم والعقل والواقع، فلابد من الإشارة إلى مشكلة أخرى تجابه الثروة المائية والقطاعات الزراعية، حيث يشكّل تلوث الماء مشكلة عالمية. فجميع البلدان تسعى إلى إعداد تقنيات تسمح بالمحافظة على الماء النظيف وبالقضاء على العوامل المرضية. وهذه المشكلة على جانب كبير من الأهمية لأن نوعية الماء في بلدان عديدة سائرة إلى النمو هي دون عتبة السلامة، مما يخلق أخطاراً وبائية وهذه مسألة موكولة إلى الكفاءات الإسلامية حين تأخذ محلها اللائق في ظلال دولة الإسلام المأمولة. وعلى أية حال فإن الزراعة باحتياجاتها المختلفة من الماء والبذور وتجهيز التربة والأسمدة، ونظام التسويق، وغيرها، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالطاقة التي يرى الإمام الشيرازي أن أبرز جوانبها الطاقة البشرية، والطاقة الآلية. ووضع، سماحته، لكل صورة من صور الطاقة تلك، الأجواء المناسبة لاستثمارها على أفضل الوجوه، لأنه جعل زيادة الإنتاج الزراعي هو الهدف الرئيس بحيث يصبح واضحاً أثر مكننة الزراعة واستعمال المخصبات والأسمدة، واستعمال الأرض الجاهزة والطاقة الشمسية استعمالاً أكثر فعالية. وكذا فإن التوفير في الطاقة في القطاع الزراعي يمكن أن يزداد بطرق شتى، أبرزُها تطوير أنواع الإنتاج تطويراً مسيطراً عليه. والواقع أن التنمية الزراعية، حين تبنى على تقنيات ملائمة يكون أثرها زيادة المردود زيادة كبيرة بفضل التطوير القائم على دراسات للأرض وتنفيذها طبقاً للعادات الزراعية المناسبة. وفي هذه الحالة يجب أن يتزود المزارعون بمعلومات تساعدهم في النجاح في استخدام الوسائل الجديدة، وحينها ستصبح التنمية الزراعية، من الناحية الفنية، في متناول جميع المزارعين. وسينتج عن ذلك حقيقة مفادها أنّ زيادة سريعة في المردود ستكون أكثر سهولة، وبخاصة بعد إدخال تحسينات ملحوظة على طرق الزراعة وآلاتها ونوعية البذور. فإن مسألة نوعية البذور الجديدة مسألة أساسية، يمكن أن تعوض عن محدودية الأرض الصالحة للزراعة. وتلافياً لتمخض هذا التجديد عن أي صورة من صور الإخفاق، تجب مراعاة القواعد والضوابط والمرتكزات الشرعية، وسنّ أنظمة وقوانين تُرصد فيها اعتمادات كافية للمزارعين وتتيح للجميع الاستفادة من المخترعات العلمية المتعلقة بأعمالهم. مع إجراء تغييرات عميقة في المؤسسات بما يحقق نجاحاً أكبر في المردود الزراعي. كما أنّ توسيع أصناف النباتات الجديدة يجب ألاّ يتم على حساب المخزون الوراثي للمزروعات المحلية. ويحذّر بعض الدارسين من مشكلة التلوث البيئي بسبب الاستعمال الكثيف للمخصبات والمبيدات على أساس أن ذلك سيحدث آثاراً ضارة بالمنظومات البيئية إذا هي استعملت بالطريقة التي تستعمل بها في البلدان الصناعية وعلى النطاق نفسه. إلا أن هذا المحذور يمكن الحد من خطورته إذا كانت كل الخطوات التي تتخذ وعلى جميع الأصعدة تخضع لدراسة بيئية متأنية. فالاقتصاد، لدى الإمام الشيرازي، ليس هدفاً في حد ذاته، بل هو جزء من نظام متكامل، يراعي جميع جوانب الحياة، من غير إفراط ولا تفريط. |
|
1 ـ ن.م: ج 2 ص 320 ـ 321 . 2 ـ ن.م: ج 2 ص 322 . 3 ـ ن.م: ج 2 ص 324 ـ 325 . 4 ـ Bottomore, T., Elites and Society, London, 1974, P. 87 . |