الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

الفقر الموت الأكبر

الفقر له جانبان، الجانب الفردي، كأن يكون الفرد فقيراً، وجانب اجتماعي، كأن تكون الدولة كلها فقيرة لانعدام الموارد والثروات أو لغيرهما.

والغني له جانبان، الجانب الفردي والجانب الاجتماعي، على ما مرّ في الفقر.

ويتناول سماحة الإمام الشيرازي كلا من الجانبين الفردي والاجتماعي في الغنى والفقر، ويحدد موقفه منهما، بحدود البؤرة الشرعية التي تكوّن جوهر فكر سماحته، فتراه إلى جانب المساواة والعدالة في توزيع الثروة، وإلى جانب العقلانية في الصرف، وإلى جانب العمل والإنتاج، وعدم تبديد الثروة.

ويعترف خبراء الاقتصاد في العالم أن تصاعد وتائر الاستهلاك أكثر من تصاعد وتائر الإنتاج يسبب مشكلات اقتصادية واجتماعية خطيرة، ويضيف الإمام الشيرازي على ما يقولون أن تلك الظاهرة تسبب وقوع الدولة في إطار التبعية للدول ذات الإنتاج العالي.

وعلى هذا نفهم أن ما يحدث من مجاعات وأوبئة في عديد من بلدان العالم يعود إلى قلة الإنتاج وتزايد ثقافة الاستهلاك التي ينشرها الاستعماريون، ومن أهم أسباب ذلك أن الاجتماع الاستهلاكي يستغل دون روية الموارد المعدنية غير القابلة للتجديد والسهلة المنال، ويخرب مساحات من الأرض واسعة كانت من قبل خصبة، ويلوث الهواء والماء فيعرض الحياة للخطر ويقضي عليها في أكثر من مكان.

وعلى هذا الصعيد نلاحظ أن الإمام الشيرازي قد أعلن، عبر مؤلفاته العديدة، ضرورة العمل والإنتاج وترشيد الخطوات الاقتصادية، ودراسة جدوى المشاريع دراسة متأنية، وحث أبناء البلاد على العمل والإنتاج ودعوتهم إلى المحافظة على ثروات البلاد الطبيعية، والمشاركة الفعّالة في المحافظة على نقاء البيئة.

وربما كان هذا عائداً، إلى سبب جوهري وأساسي يتمثل في أن سماحته ينظر إلى النفط وسائر المواد المعدنية باعتبارها موارد اقتصادية ناضبة، لذا يجب أن تكتسب أهمية خاصة في التوجيه والاستثمار والمشاركة في حل مشاكل الإنسان وصنع رفاهيته، وبالمقدار المتناسب مع الحاجة، كما سبق أن ذكرنا.

فحل مشاكل الإنسان يمثل الوجهة الإنسانية الشاملة لمتبنيات الإمام الشيرازي الذي لا يغفل عن دور النفط وسائر الثروات المعدنية في صنع الحضارة البشرية.

لقد تمكن سماحته من الوصول إلى هذا التحديد، فرسم لخبراء الاقتصاد في العالم المسار السليم الواجب الاتباع لتحقيق التنمية المستمرة، وهكذا فإنه أول من دعا دول العالم إلى توظيف الاقتصاد لصالح الناس حقيقة، ووجه حثاً للحكومات على إيلاء الأهمية القصوى للتنمية البشرية والعناية بالإنسان، بتدريبه وتأهيله والاهتمام بصحته بدلاً من أن تهدر الثروات على الحروب والنزاعات، أو تسلّم إلى أيدي الاستعماريين، أو تصرف على المشروعات غير النافعة. فلابد أن تتخذ جميع الدول الإجراءات الضرورية لمكافحة المجاعة والتخفيف من آلام الملايين من الناس المحرومين في هذا العالم. وكما أن من الواجب التأكد من أن موارد العالم تستخدم لفائدة شعوبه، بالتعاون الاقتصادي على نطاق عالمي لمنفعة البشرية جمعاء، فالتقدم التقني الكبير الذي حققته الدول المتقدمة يجب أن يضم مع المصادر المادية العالمية لتلبية هذه الحاجات، بروح إنسانية غير استغلالية. وليس من المعقول أن يستمر الوضع الاقتصادي على هذه الوضعية أن تنهب الدول الاستعمارية الموارد الطاقوية ثم تصنّع المواد منها وتصدّرها إلى الدول الأخرى بأعلى الأسعار! بل يجب أن يكون هناك تعاون لما فيه مراعاة مصلحة البشرية كلها.

وهذا التعاون يجب أن يتّخذ منهجاً يكون بعيداً عن التبذير، وملتزماً بالعدالة والمساواة لدى جميع دول العالم.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه المشاكل الاقتصادية العالمية حدة وتعقيداً وتلقي بوطأتها على الدول النامية بصفة خاصة، فيجب وضع نظام اقتصادي عالمي جديد على أسس أكثر عدلاً وإنصافاً تحقق التوازن بين مصالح الدول النامية ومصالح الدول الصناعية المتقدمة التي عليها أن تتحمل مسؤولياتها بما يساعد على تصحيح الخلل الاقتصادي القائم ويساعد أيضاً على إعادة الاستقرار للأوضاع الاقتصادية العالمية وتخفيف الأعباء الباهضة التي تتحملها الدول النامية، كما يجب أن يتحلى الاقتصاد العالمي بالروح الإنسانية ويساعد المحتاجين في أي بلد كانوا ومن الأهمية بمكان أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بمواجهة مشاكل الجفاف واللاجئين التي تزايد حجمها إلى حد كبير في مناطق عديدة من العالم.

وبناء على هذا فإنه يجب أن يتم تشجيع مواهب كل فرد في الإبداع على خلق شروط ملائمة لمجتمع راشد لا يتميز بازدياد حاجاته الاستهلاكية.

وعلى المجتمع أن يعمل بأسرع ما يمكن على تحسين نوعية العيش تحسيناً مستمراً وأن يشجع سيادة الانسجام بين جميع أبناء المجتمع، وبين الفئات الاجتماعية، كافّة، وحتى في مشاعر الفرد نفسه.

لأن على المجتمع أن يوفر حياة آمنة مرضية لجميع أفراده على الصعيد المادي والمعنوي، بدون أن يعرض نوعية العيش للخطر. وان رفاهية هذا المجتمع ونموه لا يمكن أن يكونا مضمونين إلا إذا استغلت الموارد الطبيعية استغلالاً ذكياً لمصلحة الناس، مع مراعاة نقاء البيئة. لذا وجب أن يتحول الاتجاه إذن نحو اقتصاد مبني، بقدر الإمكان، على مصادر للطاقة لا تنفد عملياً، وعلى استخدام المواد الأولية المتوفرة بكثرة أو القابلة للتجديد، وعلى إعادة تصنيع مستمرة للمواد النادرة، وعلى إدارة حاذقة للموارد الغذائية ولنوعية البيئة، وعلى تكنولوجيات منخفضة القوة في الطاقة وفي المواد. وأقرب طريق للوصول إلى تلك الأهداف المتوخاة يمر عبر (الاعتماد على الذات) الذي صاغه الإمام الشيرازي صياغة سياسية اقتصادية حاذقة، حين نصّ على أن الاعتماد على الذات يجب أن يكون العنصر الأساسي لكل المشروعات والخطط. لذلك فإن الجهود يجب أن توجه قبل كل شيء إلى تقوية الاقتصاد وتنويع المشاريع الاقتصادية للتقليل من الاعتماد على النفط ولتحقيق هذا الهدف يجب أن لا تبدد الجهود والمصادر المالية في إقامة مشاريع مترفة لا معنى لها، وقد سبق أن أشرنا إلى هذه الرؤية.

ومن هذا المنطلق العلمي دعا الإمام الشيرازي إلى إحياء الأرض والاعتزاز بالعلم والعمل، وبذل الجهود المتفانية في الزراعة والتجارة والصيد وتنمية الثروة الحيوانية وسائر المهن المتوارثة عبر الأجيال لأنها من المهن التي لا ينضب معينها ولا تزول أهميتها في التوازن الاقتصادي والتنمية الشاملة، لأنها وسيلة مثلى للقضاء على الفقر بنوعيه الفردي والعامّ.

ولبلوغ هذه الأهداف أولى سماحة الإمام أهمية كبيرة لتكوين المؤسسات على جميع المستويات، على ما سبق أن لاحظناه، فبها يمكن تغيير حياة المجتمع وأسلوبه وظروف عمله، بناء على تطوير أداء تلك المؤسسات، بعيداً عن التبذير في موارد الطاقة، والثروات المائية وغيرها، وعبر الارتكاز على تطوير متزن لسلم القيم الاجتماعية الموروثة، وبناء على المكونات النفسية للإنسان المسلم عبر التاريخ.

وركّز الإمام على تجنب ظواهر التبذير ويجب أن لا يتم عمل أي مشروع إلا بعد دراسته بعمق وفق حاجيات الاجتماع من أجل تحقيق العدالة والمساواة والقضاء على الفقر والثراء الفاحش، عملاً بمقولة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، (عليه السلام): (ما جاع فقير إلا بما متّع به غني)(1).

فإذا وقعت الدولة تحت ضغوط مؤامرات الدول الكبرى ومخططاتها الاقتصادية، فيمكنها معالجة السلبيات الناتجة عن ذلك بالاكتفاء الذاتي والاعتماد على النفس وإشاعة روح التقشّف وتقليل أوجه الصرف وخاصة اختصار عدد الموظّفين إلى الحد اللازم، إلى آخر ما سبق إيضاحه في منهج الإمام ومواجهته لهذه الظاهرة، وعلى الدولة أن تتكيّف مع حجم الدخل، وإنفاق هذا الدخل حسب حاجة الاجتماع.

ودائماً لابد ترشيد الإنفاق الحكومي، فالحكومة لا تملك المال بل هو ملك للمسلمين، وهي مؤتمنة عليه، فيجب أن تنفقه في وجوه الحاجيات العامّة. فالناس بحاجة إلى جهاز حكومي نشط، ليس فيه أي أثر للخمول أو الترهل. فترشيد الإنفاق يحقق فكرة تهذيب الدولة، ونزع صفة الترهل عنها.

ولكي تتلافى البلاد وقوع تحول غير متوقّّع في المؤسسات والهيئات الاقتصادية والصناعية في الحالات التي تستوجب ترشيد الاستهلاك أو ضغط النفقات، لابد من تطبيق سياسة التقشف، ولو مؤقتاً، لأنه لا يمكن حل المشاكل الكثيرة بدون تصحيح العيوب التي تشوب تصرفات بعض الأفراد وعدم انتظام اندماجهم في عملية بناء الدولة المكتفية اكتفاءً ذاتياً، وغرقهم في أوحال الرغبة العارمة في الاستهلاك والثراء السريع من غير مراعاة قوانين التطور الاقتصادي واحتياجات مراحل بناء الدولة.

إن أعظم الموارد شأناً إنما ترتبط بالتغذية، وبالطاقة، وبالمواد الأولية. ولكن هذه الموارد معرضة، أحياناً، لضغوط متعددة قد يتحكم فيها اقتصاد السوق، والتقنية، وما إليها من عوامل سياسية أو فنية.

والعلم والتقنية أداتان نفيستان لمواجهة وحل المشكلات التي تبرزها محدودية الموارد، كما سبق أن بحثنا ذلك تفصيلاً واستجليناه من رؤية الإمام الشيرازي. ومع ذلك، علينا أن نعترف بأن من المشكلات ما يجب أن يُحلّ من قبل أبناء المجتمع أنفسهم، بتقليل النزعة الاستهلاكية، ومطابقة الحاجيات الفردية مع ظروف الاجتماع، عامة.

ومن هذا المنطلق، قدم الإمام الشيرازي تحليلاً لكل مرحلة من مراحل الدولة وتقديراً للتوقعات في كل المجالات الرئيسية: وفي مقدمتها الطاقة، بنوعيها الإنساني والمادي، ونعني بالماديّ المواد الأولية، والغذاء. وقد وضح سماحته المشكلات المتعلقة بموارد حيوية كالماء والأرض، حين تكون لهذه المشاكل خطورتها. كما أنه دعا للتقليل من آثار استغلال الموارد الطبيعية على البيئة في المدى الطويل، لأن الحفاظ على شروط مناخية مرضية هو من عوامل استمرار الحياة والفعالية البشريتين. وأبرز المشكلات التي تتطلب عمليات بحث وتطوير ومعالجة، كما تتطلب الإقرار العاجل لتدابير اجتماعية ـ اقتصادية، سواء ما يتعلّق منها بالفرد وأسرته ومَن حوله، أم ما يتعلّق بالبيئة ذاتها.

كما أنّ التقشف وترشيد الإنفاق الفردي والحكومي لها تأثيراتها المتعددة في المحافظة على الطاقة، وتوفير الغذاء والكساء والسكن وغير ذلك من أمور يحتاج إليها الناس.

وإضافة إلى هذا التأثير المباشر لترشيد الإنفاق الفردي والعامّ، فهناك تأثير آخر، لا يقلّ عمّا سبق ذكره، ونعني به التقليل من آثار اضطراب الأوضاع الاقتصادية العالمية على الوضع الاقتصادي للبلاد، بعد أن تستطيع تلك البلاد من التحرر من الاستعمار والديكتاتورية والظلم والطغيان.

لقد أصبح من مسلّمات العصر الحديث، على ما يؤكده كثير من المفكرين، كما نقله (Cogley) ملخّصاً في كتابه المعروف (القانون الطبيعي والمجتمع الحديث)(2) ان تقدم الدول، وتحقيق الرخاء لشعوبها يعتمدان إلى حد كبير على مدى ما تتمتع به هذه الدول من قوة اقتصادية، ومن هنا كان لازماً الحرص الدائم على انتهاج سياسة اقتصادية تهدف إلى تحقيق نمو اقتصادي مطّرد وملائم، وتتيح للاجتماع القدرة على مقاومة الآثار السلبية للاقتصاد العالمي الذي تزايد في السنوات الأخيرة على نحو لم يسبق له مثيل في خطورته وانعكاساته البعيدة المدى حيث اشتدت وطأته على الدول النامية بصفة خاصة، لهذا فالواجب معالجة الأمور معالجة عملية في ظل الظروف والأوضاع الاقتصادية الدولية الراهنة والمستقبلية.

إنّ على أبناء المجتمع أن يزدادوا معرفة يوماً بعد يوم بالمشكلات الاقتصادية العالمية وبإلحاحيتها وبكون الاقتصاد الوطني في أي بلد من بلدان العالم، مرتبط بالاعتماد على النفس والأخذ بمبدأ الاكتفاء الذاتي، والتقشف حين تدعو الضرورة، وترشيد الإنفاق الحكومي لما فيه مصلحة الناس دائماً.

لأن من أوجب الواجبات أن يتم تطوير الأسس والإنجازات وتحقيق تنمية متوازنة بما يشمل المشاريع الأساسية والضرورية في مجالات التعليم والخدمة الصحية والاتصالات والطرق وغيرها من المجالات مع توجيه عناية قصوى وتركيز أكبر على القطاعات الإنتاجية الزراعية والتجارية والصناعية بالمستوى الذي يلبي احتياجات الناس من المنتجات الرئيسية ويساهم في تنويع مصادر الدخل وتوسيع طاقة الاقتصاد الإسلامي ومواصلة التقدم لتحقيق المزيد من التغيير الإيجابي لخير البلاد ورفاهية الشعب.

وفي هذا المجال لابد من الحرية كي يمارس القطاع الخاص دوره في النمو الاقتصادي، وذلك عن طريق مساعدة ذلك القطاع وتنميته وتطويره في مقابل التزامه بالمعايير الإسلامية، من جهة، ورفع الكفاءة من جهة أخرى، مع تزوده بفكرة تفصيلية عن المشاكل العلمية والتقنية المرتبطة بجاهزية الموارد الطبيعية وبنتائجها غير التقنية. فإن تفهم القطاع الخاص للضغوط الدولية المحيطة، وانعكاساتها على الظروف المحلية وتأثيراتها المتباينة على حركة التنمية لهو من أهم الجوانب التي ينبغي منحها أكبر قدر من العناية في برامج التوعية، فالتفهم للظروف الدولية وتأثيراتها على خطط الحكومة وبرامجها يؤدي إلى فهم متبادل وتعاون مشترك من أجل التغلب على الصعوبات، وتوحيد الصف الإسلامي في مواجهة الاستعماريين ومؤامراتهم.

والإمام الشيرازي حين يقرر هذه الحقائق لا يتوانى عن دعوة جميع الدول إلى أن تستفيد من ثرواتها الاقتصادية، وتضعها في خدمة شعوبها بدلاً من إضاعتها وتبديدها فيما لا جدوى منه.

ولذلك كانت دعوته المتواصلة إلى التعايش السلمي وإلى إحلال الحوار محل الحرب، والوصول إلى حلول المشكلات بعيداً عن هدر الثروات وتحطيم الاقتصاد، وبالتالي الإضرار بمصلحة الناس.

غير أن هذه الدعوة النبيلة للسلام، والتي سبق عرضها، لا تقف، لدى الإمام الشيرازي، مستقلة عن غيرها من الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، بل هي مظهر الثقة بالله سبحانه وبالنفس، مما يجعلها مرتبطة، أيضاً، بالنمو الداخلي، ذلك النمو الذي يحقق أعلى درجات الطمأنينة والأمان في داخل كل مجتمع من المجتمعات.

وكل من هذين الأمرين، وقف تأثيرات التردي في الأوضاع الاقتصادية العالمية، وتحقيق الطمأنينة والأمان في داخل البلد، تشترك في تحقيقها جملة عوامل مترابطة، تشدّ أواصرها، جميعاً، بواسطة القناعة والتقشف وترشيد الإنفاق العام والخاص.

فإذا كان هذا هو دور الحكومة والقطّاع الخاصّ في مجابهة التحدّيات الاقتصادية، ومواجهة الظروف غير المواتية التي يمكن أن يتعرض لها الاقتصاد نتيجة لبعض الآثار والانعكاسات السلبية للاقتصاد العالمي، فإن الاجتماع مطالب كذلك بأن يدلي بدلوه في هذه المجابهة، وذلك بالحدّ من السلوك الاستهلاكي غير الواعي وبالإقبال على تشجيع المنتوج المحلي والمساهمة كلّما أمكن في العمل المنتج.

ومن الطبيعي أن هذا التحليل ينبني على أساس لابد منه، إذ لا يمكن أن نطالب الفرد بأن يرضى بالتقشف وترشيد إنفاقه في الظروف الصعبة، وأن يراعي تلك الظروف بالعمل المنتج ما لم تكن هناك أمور معينة تساعد على تحقيق ذلك، ويمكن أن نذكر من تلك الأمور ما يلي:

 

1 ـ المساواة الحقيقية، وفي هذا يقول الإمام الشيرازي:

(اللازم الاهتمام لتساوي الناس في الأمور الاقتصادية، فإن الناس من أب واحد وأم واحدة، وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده لمالك الأشتر: (الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق)(3). وذلك على خلاف الغرب والشرق.... وقد قرر الإسلام التساوي حتى في العطاء، وقد كان رسول الله، (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقسم المال بالسوية، وكان علي (عليه السلام) كذلك، حتى ورد في زيارته (عليه السلام) (القاسم بالسوية) من زيارته (عليه السلام) في يوم الغدير).

ولا يخفى أن في تقسيم بيت المال تُلاحظ ثلاثة أمور:

الأول: إعطاء موظّفي الدولة حقوقهم العادلة حسب الكفاءة ونحوها.

الثاني: إعطاء المحتاجين بقدر حاجتهم، وفي هذين الأمرين لا تساوي.

الثالث: إعطاء الناس من العطاء مجاناً بالقدر المتساوي... وذلك لأن العطاء قبال ولاء الناس للدولة، وفي قبال إطاعتهم لأوامرها، وفي قبال استعدادهم للجهاد. ومن المعلوم أن هذه الأمور لا تفاضل فيها، بل التفاضل غلط، لأنه يوجب جعل الناس طبقات ويخنق الكفاءات، إذ لو رأى الناس التساوي في العطاء اهتمّ الكل للتقدم بتنمية كفاءاتهم حتى ينالوا المال الذي لا يُعطى إلا للأكفاء)(4).

 

2 ـ جعل الاقتصاد في خدمة ترفيع الاجتماع:

وعن هذه المسألة يكتب سماحته: (إذا ارتفع الاقتصاد في مجتمع ما، فما هو الهدف من هذا الترفيع؟ وأنه أي تأثير لهذا الترفيع في الأوضاع الاجتماعية والأخلاقية والدينية؟ وأنه أي أضرار تنجم عن هذا الترفيع؟ وكيف يمكن علاج تلك الأضرار؟ مثلاً نقول: إنه إذا ارتفع مستوى المجتمع من حيث الاقتصاد، لزم ذلك رفاه طبقة كبيرة من المجتمع، بالنسبة إلى المسكن والمأكل والمشرب ووسائل السفر وكذا وكذا، لكن ذلك يوجب انحطاط الأخلاق وتردي وضع الديانة، لأن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى، ولأن المترفين من طبيعتهم الكفر والجحود والانغماس في الملذات، ولأنه تأخذ الطبقة المستثمرة في استعمار سائر الطبقات واستثمارها مما يوجب اختلال التوازن في الاجتماع.

ولقد ذم الله سبحانه أن يكون المال دولة بين الأغنياء... والاستعمار العالمي في هذا اليوم ليس إلا نتيجة للاقتصاد الرفيع الذي حصل عليه الغرب والشرق، لكن لا يخفى أن الإسلام لا يذم الغنى بما هو غنى، بل قد تقدم في جملة من الروايات مدح الغنى، وإنما يذم الإسلام عوارض الغنى الذي يبتلى به الإنسان الغني غالباً، وفرق بين ذم أصل الشيء وذم الشيء الذي يوجب فساداً.

ولذا يذم الإسلام الفقر في حال أنه يذم الغنى أيضاً، فقد ورد: (الفقر سواد الوجه في الدارين)(5).

واللازم على المجتمع الذي يعيش في حالة اقتصادية منحطّة أن يسعى لترفيع مستوى اقتصاده، وذلك كما أن اللازم على الأمة التي ارتفع مستوى اقتصادها أن تهتم لرفع أضرار الاقتصاد المرتفع، كما أن اللازم على الجاهل أن يتعلم، فإذا أصبح عالماً لزم عليه أن يهتم لئلا يتردى في آفات العلم كالحسد، والكبرياء، وأكل أموال الناس بالباطل.. وعن الصد عن سبيل الله تحت ستار العلم)(6).

 

3 ـ رفع التنافيان في الاقتصاد:

وذلك يعني أن تتحقق المساواة بين بلدان العالم وأن لا يكون هناك شيء من التنافي بين الأمور المادية والأمور المعنوية.

أما التنافي بين بلد وآخر سيسبب صعوبة تقبل الناس لمبدأ التضحية أو شيء من التقشف أو ترشيد الإنفاق وهم يرون غيرهم من أبناء الدول الأخرى يتنعمون بما هم محرومون منه. وعليه فيجب أن يرفع ذلك التنافي، يقول سماحته:

(أما التنافي الأول فهو أن بعض البلاد تتنعم من المواهب الإلهية الطبيعية ما لا تتنعم بها بلدان أُخر، كالبحار التي هي محل الأسماك والتجارة البحرية، والغابات والأراضي الخصبة والمعادن وما أشبه ذلك، وهذه الإمكانات الطبيعية تجعل البلاد الغنية طاغية بالطبع، فقد قال سبحانه: (ان الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)(7) بينما الله سبحانه لم يقسم الثروات في الطبيعة إلا لأن يكون ذلك من أسباب التعاون، حيث يكون كلّ محتاجاً إلى الآخر مما يسبب أن يتعاون هذا مع ذاك وذاك مع هذا، فبدّل الإنسان الظالم ما هو سبب التعاون إلى ما هو سبب لضده)(8).

وهذه التجاوزات خلقت فجوات بين الناس وقسمتهم إلى ظالمين ومظلومين، ومن المستحيل على الإنسان الذي يشعر بالظلم أن يعمل عملاً يساعد به الدولة أو الاجتماع، لذا لا يقبل فكرة التقشف أو ترشيد الإنفاق، بل قد يستولي عليه إما اليأس من التغيير وإما الجشع والطمع في أن يصبح استهلاكياً مثل المتنعمين وأكثر.

كما يعرض سماحته للتنافي الثاني بين الماديات والمعنويات فيرى:

(إن الحالات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها كلها تُبنى على الأسس النفسية للأمة، فإذا لم يكن انسجام بين الأسس النفسية وبين تلك الأمور صارت الأمة بين التذبذب والتأرجح مما يسبب انهدام الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيرها من جانب، وعدم الارتياح.. والقلق.. والاضطرابات النفسية.. من جانب آخر)(9).

 

4 ـ الأصل إطاعة الله سبحانه وتعالى:

 وهذا الأصل يكون في جميع الأمور، بما فيها الوضع الاقتصادي للفرد والاجتماع، فلا الفقر ولا الغنى هما المقياسان في التفاضل، بل التقوى، ولذا فإن الغنى والثراء كلاهما لا يتضمنان مدحاً ولا قدحاً لصاحبهما إلا إذا أديا إلى ما يناقض طاعة الله سبحانه وتعالى.

وتحت عنوان (الفقر السيئ والفقر الحسن) يتحدث سماحة الإمام في هذه النقطة بالذات فيقول:

(الفقر عدم وكل عدم سيئ، والغنى وجود، وكل وجود حسن، كما حقق في كتب الفلسفة، قالوا العدم شرّ محض، والوجود خير محض. نعم إذا كان الفقر سبباً لوجود خير كان حسناً، وإذا كان الغنى سبباً لوجود شر كان سيئاً... وكيف كان، فهذا بحث فلسفي لا يهمنا التكلم حول تفصيله، وإنما المهم أن في الإسلام مدح للفقر تارة وذم له تارة، ومدح للغنى تارة وذم له تارة.

والمراد بالأول: الفقر الذي يكون سبباً لترقيق المشاعر وخدمة الناس لحصول المشاركة الوجدانية مع الفقراء في حال الفقر.

والمراد بالثاني: الفقر الذي يكون سبباً للكسل والكفر والانحراف عن الطريق.

والمراد بالثالث: (الغنى الحسن) الغنى الذي يكون سبباً لخدمة الإنسان وتقديم الإيمان.

والمراد بالرابع: الغنى الذي يسبب البطر والإسراف والإيذاء والكبر والغرور، فمثل الفقر والغنى مثل الماء والنار، فقد يُغرِق وتحرق، وقد يكونان سبباً لريّ الظماء وطبخ الطعام)(10).

وكيفما يكن الأمر، فإن المسألة تتعلق بالإرشاد والتربية والتوعية فإذا ما وعى الإنسان أن المقصود هو رضا الله سبحانه وتعالى في أي حالة كان ذلك الإنسان، فإنه سيعمل بمقتضى ذلك، وسيشعر حتماً بضرورة أن يلتزم بالضروري من الأمور المقدّمة للأمة والمنقذة لاقتصادها من التبعية للشرق أو للغرب.

 

5 ـ تطبيق العدالة في توزيع الإنتاج:

 وهذا من الأمور المهمة التي تدفع المرء إلى التضحية والتقشّف والرضا بترشيد النفقات الخاصّة والعامّة، لأنه يشعر بعدالة التوزيع، فكما شارك الاجتماع في سرّائه، عليه واجب أن يشاركه في ضرّائه أيضاً.

ويعرض سماحة الإمام الشيرازي لهذه القضية من خلال معالجته للأزمة الاقتصادية التي يراها نتيجة طبيعية للديكتاتورية والاستعمار والدول الاستعمارية.. حتى وإن تظاهرت بما تسميه (ديمقراطية) فإن المال في يد حفنة من ذوي السلطة، وكذلك الحال في الأنظمة الديكتاتورية.. ومن خلال هذا التحليل الواقعي العلمي يصل سماحته إلى نتيجة مفادها:

(وكيف كان فإن الإنتاج لو كان بيد العمال كانوا يوزعون الحاصل بينهم حسب العدل، لكن صار الإنتاج بيد رأس المال، يأخذ رأس المال المنحرف فاضل الإنتاج، أزيد من حقه ألوف المرات، بيده، ويهيئ لنفسه من عرق العمال، لا بقدر أن يعيش فحسب، الكنوز القارونية والبذخ المتزايد بينما لا يجد العمال حتى أوليات الحياة، فإذا صار فاضل ربح المال بيد الرأسمالي، اهتمّ لأن يزيد أرباحه ببيع كل الفاضل بأعلى قيمة ممكنة، فإن المال كماء البحر كلما شرب منه الإنسان ازداد عطشاً، فإن الرأسمالي كلما زاد رأس ماله ازداد تشوقاً إلى أن يزيد رأس ماله أكثر فأكثر)(11).

وهذه الحالة السيئة ستفرز نقمة الذين يشعرون بالظلم من هذا التقسيم الذي لا يتم بعدالة، فلا يُنتظر منهم، أن يقدموا على شيء من التضحية أو التقشف من أجل مصلحة المجموع.

وإضافة إلى هذه النقاط الخمس فإن الإمام الشيرازي يجعل من الحرية والاستشارية أساساً لبناء الدولة والاجتماع اللذين يعملان على تحجيم الفقر أو القضاء عليه، فالاقتصاد جزء من النظام العام للدولة والاجتماع، وإذا ما أرادت الدولة أن تكون عادلة فعليها اتباع الحرية والاستشارية، وتوفير العدالة والمساواة بين الناس، كي يكونوا سنداً لها حين تلمّ الملمّات ويبدأ الاقتصاد العالمي بالتأثير السلبي السيئ على اقتصادها وأوضاعها الداخلية.

وللقضاء على مسببات الفقر والنجاة من آثاره السلبية، يكشف سماحة الإمام الشيرازي عن مخطط إسلامي واع للوصول إلى هذا الهدف، فهو أولاً يحدد آثار الفقر السيئ، ويرسم ملامح طريق الخلاص منه، فيقول:

(إن البشر إذا أرادوا أن ينجوا من الجوع بل والفقر المعنوي أيضاً، حيث إن الفقر المادي حائل دون تقدم العلم... كما أن الفقير معرض للسرقة وتعاطي الزنا وارتكاب القتل في قبال دراهم معدودة لأجل سد جوعه عن هذا الطريق، لابد له من أن يحطّم الرأسمالية المنحرفة كرأسمالية أمريكا ورأسمالية روسيا، حتى ينجو بطنه من الجوع، وينجو رأسه من الجهل، وينجو قلبه من الرذيلة والجريمة، وذلك لا يكون إلا بالطريق الإسلامي الذي يجعل الإنتاج لكلّ بقدره، فلا يتكدس المال في جانب، ويكون العمل في جانب آخر، هذا بالإضافة إلى أن الإسلام حيث يملأ القلب من الإيمان يقف أمام كل تأخر ورذيلة وجريمة)(12).

ومن أجل أن لا يبقى هذا التخطيط عمومياً، يضعه سماحة الإمام على محكّ التطبيق الواقعي، فيقرر أن الأزمة المعاشية المؤدية إلى الفقر، لها أربعة جوانب، فجانب ناشئ من قلة الربح، وجانب ناشئ من عدم التنسيق الاقتصادي، وجانب ناشئ من قلة المصرف من الحد المعتاد، وجانب ناشئ من سوء التوزيع للعامل والفلاح.

وبعد أن يحلل هذه الجوانب الأربعة الموجودة في النظم الاقتصادية المطبقة حالياً في الدول الرأسمالية والدول الاشتراكية، أو ما تبقى من هذه الدول بعد سقوط الإمبراطورية الروسية، يتحدث سماحته عن سبب آخر من أسباب الفقر، وهو (الأنانية التي اتسمت بها الدول الغربية والشرقية التي أخذت بزمام عالم اليوم، وتحطيم القيم الإنسانية عن العالم بسبب انسلاخ الإنسان عن الإيمان، أوجبت تقسيم العالم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: العالم الصناعي الذي يتمتع بكل أسباب الحياة بل عنده زيادة على ما يحتاج إليه، وهذا العالم الصناعي هو أقل من سدس كل العالم.

الثاني: العالم المتوسط الذي لم يصل إلى مستوى العالم الصناعي، لكنه ليس من القسم المتخلّف، وهذا القسم فوق السدس بالنسبة إلى كل نفوس العالم.

الثالث: العالم المتخلف، وحيث إن هذا العنوان (وإن كان حقيقياً) كان يسيء إلى هذا العالم الذي نفوسه أكثر من ثلثي كل البشر، بدلت الأمم المتحدة هذا العنوان إلى عنوان (العالم الثالث أو العالم في حالة الرشد) أو ما أشبه ذلك)(13).

وبعد أن يستعرض سماحته تقسيمات أخرى للعالم كما يتصورها الغربيون، يعرض بالتفصيل للمآسي الاجتماعية التي خلقها التفاوت الاقتصادي بين دول العالم، ليصل إلى تقرير مهم جداً يقول: (ولهذا السوء الحاد في التوزيع نتائجه السيئة في العالم المتخلّف. فمثلاً: الإنسان في الهند وما أشبهها معدل دخله السنوي أقل من مائة دولار (وهي موزعة توزيعاً سيئاً للتفاوت الطبقي الاستغلالي الكبير جداً) بينما معدل الفرد الأمريكي أكثر من ألفين وخمسمائة دولار (هذه الأرقام تحركت نزولاً في الهند وصعوداً في أمريكا منذ أن تم تأليف الكتاب في السبعينيات، وإلى هذا التاريخ) وطول العمر في العراق وإيران وما أشبههما نصف طول العمر في البلاد المتقدمة، ولابد أن يموت طفلان أو ثلاثة أطفال من كل عائلة قبل بلوغهم سن الرشد في العالم المتخلف، بينما ليس كذلك حال العالم المتقدم، والقدرة التجارية التي يملكها الإنسان في البلاد المتقدمة، عشرون ضعفاً للقدرة التجارية التي يملكها الإنسان في البلاد المتخلفة. والذين لا يعرفون القراءة والكتابة في العالم المتخلف أضعاف من يعرفهما بينما الأمر بالعكس في البلاد المتقدمة، وقد دلت الإحصاءات على أنّ ثلاثة أرباع العالم لا يعرفون الكتابة والقراءة، والأكثرية الكبيرة من هؤلاء في العالم المتخلف خصوصاً القسم الثاني منه، أي العالم الثالث، إلى غيرها من الإحصاءات التي تبين نتائج مهولة للتخلف الاقتصادي في العالمين الثاني والثالث، وإن كان نصيب الثالث أدهى وأمرّ من نصيب العالم الثاني.

إن الفاصل بين الفقير والغني كان موجوداً منذ القدم.. لكن الذي حدث أمور متعددة أوجبت الخوف المتزايد من الفاصل الحالي)(14).

ويرى سماحته أن هذه الويلات والمآسي والجرائم سببها الاستعمار الاقتصادي الذي ينهب خيرات الدول الأخرى ويغسل عقول شبابها ويحتقر أبناءها، في نفس الوقت.

أما طريق الخلاص فيراه سماحته متمثلاً في الاعتماد على النفس وطرد الاستعمار ووضع خطط علمية وعملية واقعية للتطور في مختلف نواحي الحياة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، يقول سماحته:

(ولا علاج لهذه البلاد إلا أن تعتمد على نفسها وتطرد الاستعمار والاستثمار من بلادها، حتى تتمكن من جعل برامج اقتصادية توجب نمو الاقتصاد، وتخرج البلاد من حالة التخلف والتأخر، وليس الخروج من التخلف شيئاً محالاً)(15).

وإذا كان صحيحاً أن الخروج من التخلف ليس أمراً مستحيلاً، فإنه أيضاً ليس أمراً سهلاً، ولكي يمكن تحقيق ذلك على أرض الواقع يضع سماحة الإمام هذه الخطوط العريضة المفضية إلى ذلك الهدف، مقراً بأنه:

(كما أن الخروج عن التخلف ليس شيئاً هيّناً فإن الخروج بحاجة إلى:

1 ـ طرد الاستعمار، فما دامت البلاد تحت الاستعمار يستحيل التقدم في أي ميدان ومن تلك الميادين الميدان الاقتصادي.

2 ـ وضع خطة اقتصادية متفقة مع قيم الأمة ومبادئها.

3 ـ أن تصاغ الأمة مع إمكانية البلاد ومواردها الطبيعية.

4 ـ أن تهيأ الأمة ثقافياً وحضارياً وعملياً لأجل التقدم، فإذا لم تكن المدارس تساهم في تهيئة الطلاب، ولم تكن المعامل إلى جنب المدارس، ولم يكن الاجتماع والمحيط تسوق نحو التصنيع والعمل الجادّ، بسبب أدوات الإعلام وغيرها، لا تقع الأمة في مسير الرشد الاقتصادي)(16).

وبالطبع، فإن القضاء على مسببات الفقر طريق عسير وخاصة بعد أن أوصل الحكام المغتصبون للحكم الدول في العالم الإسلامي إلى هذه الدرجة من التبعية والانحطاط، وتزايد الفقر والفاقة، فلا مفر من مواجهة المشكلة بكل تعقيداتها، بناء على توعية تامة بكل ما يجب القيام به من أجل التغيير.

وتعرض علينا كتب سماحة الإمام الشيرازي سبل التغيير وأساليبه ونتائجه، في جميع ميادين الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، مما سبق بيانه من خلال ما نقلناه من نصوص تتعلق بتلك الميادين، لذا فإن تطبيق ما جاء في (ممارسة التغيير) و(السبيل إلى إنهاض المسلمين) و(الصياغة الجديدة) و(السياسة) و(الاجتماع) و(الاقتصاد) وغيرها مما يسهّل عملية الانتقال من التخلف إلى التقدم، ويساعد من القضاء على الفقر والفاقة والحرمان، فالفقر هو الموت الأكبر، لأنه دلالة على الظلم والاستغلال ومعارض لمنزلة الإنسان في الفكر الإسلامي المستنير.

على أن محصلة رؤى الإمام الشيرازي في طريق القضاء على الفقر والحاجة والحرمان، تتمثل في مفهوم سماحته للنمو الذي يؤثر تأثيراً مباشراً في تغيير الأوضاع السيئة ويعمل على تحسين أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية، بناء على مقولات العقيدة الإسلامية السمحاء، والمراد بالنمو هنا النمو في كافة الميادين الاجتماعية والسياسية وأيضاً الاقتصادية.

فلقد عالج الفكر الاقتصادي العُماني القضايا المتعلقة بالنمو الاقتصادي عن طريق تكييف الاقتصاد، ذاته، وفقاً للمعايير الاجتماعية التي جاء بها الإسلام، وتخفيض الطموح المغرق في الذاتية الذي يواجهه الأفراد الذين عليهم أن يكيفوا سلوكهم وفقاً لتلك الأهداف الاجتماعية.

ويشكل هذان السبيلان خطوات في المسيرة الطويلة للقضاء على الفقر والحاجة، ضمن تنظيم الموارد والتنمية البشرية لتحصيل أهداف معينة في حقل زيادة الإنتاج، وبناء الأمة، والمؤسسات، والتربية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذه الميادين كلها تشترك في منطلق مشترك. فالتنمية الاقتصادية هي الحصول على زيادة في الدخل، وزيادة في النشاطات الإنتاجية، وتشعب علاقات السوق، وتشجيع المبادرات الفردية ونشاطات القطاع الخاص، وتضاعف المبادلات الاقتصادية. على أساس أن التنمية تقوي الكيان الاجتماعي كما أنها تحصّل مستويات حضارية أعلى. إضافة إلى أنها عملية تأسيس ورفع كفاءة البنى والمؤسسات في تطوير البلاد.

وبالرغم من أن الإمام الشيرازي لا يعتبر الاقتصاد إلا جزءً من أجزاء إدارة الدولة إلا أنه يدرك في الوقت نفسه أنّ التنمية الاقتصادية هي لب النظرية العامة في التطور والتقدم.

ومن المعلوم أنّ التنمية الاقتصادية مفهوم ذو أبعاد متعددة ومقياس تلك الأبعاد، عند الإمام الشيرازي، نوعان:

أ ـ معدل إنتاج الفرد الواحد فهو المعيار الفعال لتمييز خصائص التنمية. وهو كما نلاحظ مقياس يعتمد على جهد الفرد.

ب ـ أما المعيار الذي يقاس به النمو الاقتصادي عادة فهو دخل الدولة ككل لا دخل كل مواطن على حدة. وهذا ينقلنا إلى مسألة الفرد والمجموع في عملية النمو الاقتصادي، حيث إنه بتلاقي جهود الجميع، سواء في العمل والإنتاج، أم في الاستهلاك، أو في أسلمة الوظائف، تتزايد معدلات الدخل العام للدولة.

إنّ التنمية الاقتصادية بمعانيها المتعددة وميادينها المختلفة ذات العلاقة بتنمية الأفراد وتطوير المجتمع، وتحسين النظام العام، ترتكز لدى سماحته على مرتكزين اثنين:

1 ـ تغيرات العرض.

2 ـ تغيرات الطلب.

فتغيرات العرض تشمل:

1 ـ اكتشاف موارد إضافية جديدة.

2 ـ توظيف وتشغيل رأس المال.

3 ـ ازدياد السكان.

4 ـ إدخال فنون تقنية جديدة ومحسنة للإنتاج.

5 ـ تحسين المهارات، والاهتمام بالتنمية البشرية.

6 ـ تعديل المؤسسات تعديلاً مناسباً للقانون الإسلامي.

أما تغييرات الطلب ونعني الطلب على المنتجات فهي مرتبطة في التنمية الاقتصادية بـ:

1 ـ حجم السكان وتوزعهم ومكوناتهم.

2 ـ مستوى الدخل وتوزيعه.

3 ـ أذواق المستهلكين.

4 ـ الترتيبات التنظيمية والمؤسساتية الأخرى.

وهذا لا يوصلنا فقط إلى صميم منهج الإمام الشيرازي بل انه أيضاً يوضح لنا ان التنمية الاقتصادية بحد ذاتها ليست مسألة سهلة ويعرض مشكلة اعتماد التنمية الاقتصادية على العديد من العوامل الأخرى غير الاقتصادية.

نتبين من ذلك أن الإمام الشيرازي يقدم لنا التنمية الاقتصادية بوصفها متجسّدة في تزايد ثروة البلاد وفي تزايد دخل العام للدولة والدخل الفردي. وبالتالي يهتم ذلك الفكر بتنمية المؤسسات فيؤطر عملية التنمية باعتبارها قيمة اقتصادية ذات بعد أخلاقي.

وإذا أخذنا المنحى العلمي للتطور الاقتصادي بنظر الاعتبار فسنفهم وجهة نظر الإمام الشيرازي بمراعاة الظروف على أرض الواقع. ومفهوم النمو الاقتصادي لا يوجب الحكم بوجود إمكانية داخلية تتكثف وتتحقق على شكل مؤسسات وبنى مصممة مسبقاً، أو بواسطة عمليات شبه عضوية حيوية. بحصيلة إنتاجية مشخصة يمكن قياسها. بمعنى أنه مهما توفرت شروط التطور، وترسخت عوامل نجاحه لابد من العمل، ولابد من الإنتاج، ولابد من تصعيد وتيرة التعاون الجماعي لإنجاز الأهداف المحددة.

وهنا لابد من إعادة التأكيد على ربط مفهوم النمو من جهة، ومفهوم علاقة الخاصّ بالعامّ، من جهة أخرى، وذلك عبر تنوع برامج التعليم والتدريب وفقاً لمتطلبات العمل واحتياجات الدولة. وبذلك يمكن للباحث في أن يقرر بكل اطمئنان أنّ الإمام الشيرازي يعالج النموّ باعتباره النشاط المنظم الذي يولد التطور الحقيقي.

فعلى مستوى النموّ في الأعمال الزراعية، مثلاً، فإن سماحته ينظر إلى الزراعة على أنها قاعدة انطلاق النهضة الاقتصادية وزيادة الدخل العام، مضيفاً إليها عامل التصنيع لتطوير الزراعة بهدف زيادة الناتج الزراعي، وكمصدر لتحفيز عملية التنمية في المناطق الزراعية بالذات من غير إهمال لقضية التصنيع والمعامل والشركات. وبعبارة أخرى، أن تصنيع الزراعة في الإنتاج وفي التوزيع ليس منفصلاً، في رؤية الإمام الشيرازي، عن مجمل العمليات التغييرية في مختلف القطاعات.

كما إنّ الإمام الشيرازي، في تقديره وتحديده لمفهوم (النمو) ذاته، اهتم بالبحث عن حلول للمشاكل التي تتولد أثناء عمليات التغيير ولهذا نلاحظ لدى الإمام الشيرازي ثلاثة جوانب رئيسية لحل تلك المشاكل، وهي:

1 ـ الأولى مركزة على مشاكل تكوين حاصل إنتاجي ودخل عام ذي زيادة متوالية بمعدل متزن سنة بعد سنة، وزيادة حجم الحاصل المتولد عن النشاط الاقتصادي المشروع بمعدل ثابت من التنامي وفي الوقت ذاته زيادة قدرة الاقتصاد على امتصاص المزيد من القوى البشرية. وهذه الرؤية مهتمة بالحفاظ على اقتصاد متسع باستمرار.

2 ـ الثانية تركز على مشاكل الوصول إلى معدل عال من النمو الاقتصادي المهتم باستخراج المزيد من الكفاءات ومن المرونة وبإزالة عوائق الازدواج والتراكم في ذلك الاقتصاد الخاضع لفكر ذي أبعاد شاسعة تضم الاقتصاد والاجتماع والسياسة والتعليم والعناية الصحية وغيرها.

3 ـ الثالثة تركز على التغلب على المشاكل الناجمة عن السيطرة الأجنبية التي ابتليت بها الأقطار النامية والتي تعرقل وضع البلاد على طريق النمو الاقتصادي المتسارع.

وانطلاقاً من كل ما يختزنه المجتمع المسلم من قيم الحضارة العريقة والتوجيهات الإسلامية الرشيدة، ركّز الإمام الشيرازي بشكل أساس على وضع السياسات الاقتصادية على الأخلاق الإسلامية في مختلف الجوانب.

فهو حين يتصدّى للحث على العمل التغييري، فلا يهدف إلا إلى وضع الإمكانيات البديلة أو السياسات الأنجع للقضاء على الفقر والحاجة وتطوير البلاد الإسلامية ووضعها على طريق الرشد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

وحين يتصدى لقضايا التراث وذكر قصص التاريخ وشواهده، فبهدف أن يجعل تلك القضايا حافزاً للاستمرار وصنع المستقبل، لا بهدف التجمد على ما كان، والاكتفاء بالافتخار بالأجداد، أو البكاء على أطلال التاريخ القديم.

وإذا نظرنا إلى الموضوع من زاوية أخرى نستطيع أن نصف خصائص نظرية الإمام الشيرازي والنظم الاقتصادية التي ينشئها، بأنها نماذج منشأة حول مجموعة من المتغيرات المختارة من مثل رأس المال، والقوة العاملة (بما في ذلك كميتها، ونوعيتها، واتجاهها الاقتصادي) والتجهيزات، والقروض، والأرض، والموارد الطبيعية، والأسواق، وتوزيع الثروة، وغيرها من العوامل السياسية والاجتماعية.

ويقرّر سماحة الإمام الشيرازي أنّ التنمية الاجتماعية والتنمية الاقتصادية وجهان لعملة واحدة. وهو يعتبر النمو الاقتصادي عملية تقدم مستمر على أساس أنّ وسائل الإنتاج في النظام الاجتماعي ـ الاقتصادي القائم على الملكية الفردية لا تستخدم فقط في السعي نحو الربح لتجميع رأسمال متزايد مطلوب لذاته فقط بل لفائدة المجتمع المؤلف من المنتجين والمستهلكين على حد سواء.

وبهذا المفهوم للنمو فإنّ الاقتصاد الإسلامي من وجهة نظر الإمام الشيرازي، يتّصف بـ:

أ ـ كونه اقتصاداً حيوياً ويتجه نحو النمو والاتساع مع القدر على استيعاب أي عقبة تظهر في الطريق.

ب ـ يحدد ذلك الاقتصاد معدل الناتج بمعدل الفائدة الاجتماعية وبمستوى الدخل. وهذان المعدلان ناميان تدريجياً وباستمرار.

ج ـ الدخل كله، في الاقتصاد الإسلامي، أميل إلى أن يُستثمر، مع وجود ظروف تشغيل كاملة تقريباً وبخاصة إذا تم الأخذ بقضية أسلمة الوظائف والخبرات إلى الآفاق المأمولة.

د ـ الحكومة الإسلامية ليست عائقاً أمام التنمية الاقتصادية. والمؤسسات الاقتصادية يجري تعديل مسارها باستمرار بناء على مستجدات الأوضاع والاحتياجات التنموية.

هـ ـ كل فرد في المجتمع سيكون لديه ميل خاصّ نحو تحسين ظروف حياته بالسعي لزيادة دخله ودخل أسرته، وعلى هذا يظل مستوى المهارات بازدياد ولو كان تدريجياً.

و ـ تنطلق التنمية حسب مفهوم الإمام الشيرازي من عملية تقدم في المعرفة ونشرها مستمرة ودائمة.

ز ـ القوة المنتجة، حسب المنطق الإسلامي للاقتصاد، تتألف من (الأشياء اللامادية) مثل القوة العاملة والتكافل الاجتماعي، ومن (الأشياء المادية) مثل الأرض والموارد الطبيعية، والبضائع المنتجة.

ح ـ تطوير التقنية والاستفادة منها على أفضل وجه، من أولى التوجهات الإسلامية في الاقتصاد.

ط ـ العوامل الاجتماعية يجب أن ترسى على أساس الأخلاق الإسلامية.

ي ـ الأخذ بنظرية (النمو بالتزايد) والتي تعني أثر التغيرات الصاعدة الناجمة عن اجتماع القوى المنتجة.

ك ـ اعتناق مفهوم جديد للنمو وهو أثر التغيرات الداعمة المتراكمة الناجمة عن العوامل التقنية والاجتماعية ويضاف إليها، إلى حدّ ما، أثر التطور في العوامل الاجتماعية.

ل ـ يقرر سماحة الإمام الشيرازي أن هناك فرقاً بين النمو والمركز المالي للدولة، لأن الاقتصاد الإسلامي ينمو بخطى ثابتة مستمرة، وهو الذي سيحدد المركز المالي القوي للدولة. أما النمو فيتصف بأنه ذاتي ومرتكز على مدى الوعي وتعمقه في نفوس أبناء الاجتماع.

أما التنمية فلها مفهوم آخر لدى سماحته، فهو ينظر إليها على أساس أنها تتصف بـ:

1 ـ إنها تتجلّى في الدخل العام للدولة المتزايد عن طريق الإنتاج. وهذا ليس خاصية كافية لوصف التنمية الاقتصادية لكنه جانب لا غنى عنه من جوانبها.

2 ـ تعتمد التنمية الاقتصادية على عوامل غير اقتصادية من مثل الأخلاق، والمواقف الشريفة، والثقافة، والعوامل الخارجية.

3 ـ التنمية الاقتصادية ليست وحيدة المحور، فمشكلات التنمية الاقتصادية تختلف اختلافاً جذرياً باختلاف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. ولهذا لابد من تطبيق منهج واقعي رصين لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية ودفعها في كل الاتجاهات.

4 ـ ليست التنمية الاقتصادية بالضرورة متسقة ومتجانسة، وليست تتقدم بمعدل واحد، ورغم ان العملية تظل ثابتة على وجه العموم ومستمرة في الاتساع فإن عمليات الركود والتقهقر والتباطؤ بل وبعض القفزات تظل ممكنة.

5 ـ تعتمد التنمية اعتماداً كبيراً على الذين يقومون بها، وعلى القرارات والأفعال الهادفة، سواء أكانت في سبيل تحقيق أهداف فردية أو جماعية.

6 ـ وكلمة (التنمية) ذاتها دالّة، عند سماحته، على التغيرات في الحياة الاقتصادية المنبثقة من مبادرتها هي ذاتها، من داخلها. إنها تغير تلقائي يفترض فيه أن ينقل المجتمع إلى حالة الاتزان وإلى أوضاع واتجاهات محددة خطوطها العامة والتفصيلية.

7 ـ وللتنمية لدى الإمام الشيرازي بُعد آخر، هو الدافع النفسي الذي يدفع المواطن إلى البذل والعطاء، ويتألّق ذلك الفكر في هذا المنحى، متفرداً عن غيره من نظريات كثير من الاقتصاديين الذين يهملون الدافع النفسي، كما أنهم يتجنبون الخوض في (علاقات الإنتاج) المبنية على أساس التواصل الاجتماعي، والتعاون، والتكافل. لأنهم ينطلقون في دراساتهم وتحليلاتهم باعتبار أنّ التنمية لا يمكن أن تتحقق إلاّ لفئة محظوظة من الناس، ويقيسون ذلك النمو بمقدار (الربحية) التي يحققها كل فرد من أولئك المحظوظين.

وهذا الفريق من الاقتصاديين قد أحس بالبون الشاسع بين رؤاهم من جهة، والواقع العملي من جهة أخرى فحاول بعضهم أن يربط بين النمو والواقع، إذ لابد من تحقق مستوى ما للدخل الفردي، ولو بالحدّ الأدنى، لكي يستطيع الاقتصاد أن يولد نمواً من داخله يمكن الحفاظ عليه.

ومن جهة أخرى، فإنّ الإمام الشيرازي يعالج ظواهر التخلّف كافّة، ومنها الفقر، مطبّقاً مفهومه للنمو والتنمية، باعتبارهما الوسيلة الأكثر نجاعة في القضاء على التخلّف بكل ظواهره ومظاهره، وتلك هي الطريقة الصحيحة، لا محاولة ترتيب مجموعة نظريات اقتصادية لتفسير ظواهر الانكفاء أو التخلف التي أصابت، وما زالت تصيب، العالم النامي بخاصة.

وتعود نجاعة هذا النهج أن مفهوم النمو والتنمية عند الإمام الشيرازي جمع أساسين متماسكين، هما المادة متمثلة في الاقتصاد، والروح المتمثلة في القيم والمبادرة الفردية الإيثارية، والتلاؤم الاجتماعي بما يضمه من أخلاق وترابط وتعاون وتكافل، وهذا خير طريق للقضاء على الفقر، بأسبابه ونتائجه

1 ـ نهج البلاغة 532 .

2 ـ Cogley, J., Natural Law, Cleveland, 1980, P. 316 .

3 ـ نهج البلاغة 427 .

4 ـ الاقتصاد: ج 1 ص 97 ـ 98 .

5 ـ بحار الأنوار: ج65، ص30 .

6 ـ ن.م: ج 1 ص 103 .

7 ـ سورة العلق، الآية: 6 .

8 ـ الاقتصاد: ج1 ص 104 .

9 ـ ن.م: ج 1 ص 107 .

10 ـ ن.م: ج 2 ص 158 .

11 ـ ن.م: ج 2 ص 305 .

12 ـ ن.م: ج 2 ص 308 .

13 ـ ن.م: ج 2 ص 312 .

14 ـ ن.م: ج 2 ص 313 ـ 314 .

15 ـ ن.م: ج 2 ص 316 .

16 ـ ن.م: ج2 ص316 ـ 317 .