الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

الكفاءات الإسلامية والتطور الاقتصادي

هناك مشكلة كبيرة جداً، وخطيرة جداً، تعاني منها الدول الإسلامية، وهي وجود أيدي عاملة غير إسلامية، وخبرات غير إسلامية، أيضاً، وهي في مجموعها غير مخلصة للبلد الذي تعمل فيه. وهناك وقائع مثيرة لأدعياء الخبرة الذين عبثوا ويعبثون في تلك البلدان مما يسبب أفدح الخسائر الاقتصادية والأخلاقية للاجتماع والدول المستضيفة لهم.

ولا يمكن معالجة هذه المشكلة التي أصبحت لدى دول العالم الإسلامي مشكلة مستعصية، إلا بفهم آلية النمو الاقتصادي نفسه ودور الإنسان المسلم في دفع عجلة ذلك النمو، وإلا بربط الاقتصاد بالأبعاد الأخلاقية، وإضفاء طابع التكافل الاجتماعي على النشاطات الاقتصادية، كي يساهم الاجتماع كله في تكوين الكوادر المسلمة التي تحل محل الأجانب، ونعني بهم غير المسلمين، فالمسلم لا يمكن أن يعتبر أجنبياً في أي بلد إسلامي حتى إذا لم يكن ذلك البلد هو بلده الأصلي، على ما نصّ عليه سماحة الإمام الشيرازي.

فإن سماحته يدعو بإلحاح إلى (أسلمة الأعمال) حتى ولو بغير المثالي(1) بدلاً من تسليم الأمور إلى الأجانب، ومفهوم الأجانب يعني غير المسلمين، فأما المسلمون فليسوا بأجانب في البلدان الإسلامية جميعاً فهي بلدانهم.

ويؤكد الإمام الشيرازي أن التطور الاقتصادي هو مفهوم يحتاج إلى حركة مستمرة إلى الأمام، فلا يمكن أن تزداد معدلات النمو، من غير ازدياد العمل المثمر، والسيطرة على النزعة الاستهلاكية، وإحلال اليد العاملة الإسلامية محلّ العمال والخبراء الأجانب، والتزود بقيم الإسلام وأخلاقياته التي تريد مسلماً واعياً جديراً بصنع التطور وكما سبق أن ذكرنا فإن التنمية ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي من أجل بناء الإنسان الذي هو أداتها وصانعها، ومن ثم ينبغي ألا تتوقف عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليها أن تتعدى ذلك إلى تحقيق تقدم الإنسان وإيجاد المسلم القادر على الإسهام بجدارة ووعي في تشييد صرح الإسلام وإعلاء بنيانه على قواعد متينة راسخة.

فلقد أصبح من المسلّم به أنّ للأفعال المتصفة بالمبادرة الشخصية نتائج حميدة اجتماعياً واقتصادياً. فالنظام الاقتصادي، من وجهة نظر الإمام الشيرازي، يجب أن يكون أخلاقياً، يعتمد على الجهد والإنتاج، والتعاون بين الجميع، قبل أي اعتبار آخر.

بمعنى أن إهمال الدافع الفردي بمعناه الأخلاقي يؤدي إلى جعل النظام الاقتصادي العالمي أكثر فقداناً لشخصيته الإنسانية، وأضأل قدرة في فعاليته، وأقل سلامة في نموه.

أمّا المحافظة على الفصل التقليدي بين الدافع الفردي والنتيجة الاجتماعية فتشكل مسألة مختلفة. إذ تستلزم امتداداً مستمراً للتنظيم الاجتماعي الواضح مع دعم من جوانب أخلاقية اجتماعية ملائمة، إذ كان لابد من إصدار قواعد إضافية خاصة بالنفع العام والتقيد بها بحسب مقتضيات الواقع.

ويهتم الإمام الشيرازي بتنظيم الإنتاج، والتبادل من قبل الأفراد بصفتهم الشخصية، بالعمل على انفراد أو في المؤسسات العامة أو الخاصّة، والتصرف بحرية على أساس العقد التجاري وبدافع رغبتهم الخاصة.

هذه الرغبة وضمان العلاقة بين أطراف العملية الإنتاجية، خير ضامن لمواصلة سعي المسلمين وراء مصلحتهم الذاتية دون إلحاق ضرر مفرط بالمجتمع، لا بسبب القيود التي يفرضها القانون فحسب، بل لوجود منظومة من القيم والأخلاق المستوحاة من الإسلام.

ولما كان الإسلام ذا مركزية واضحة في الفلسفة الشيرازية لإدارة الدولة، أصبح يؤدي في هذه المجالات أساساً مكيناً لحل المشكلة الاقتصادية. وذلك عن طريق تبنّي العناية بحاجات التعاون الاجتماعي الواضح أو المتسم بالصفة الذاتية، كوسيلة لتحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

ومع أن هذا التعاون منسجم مع أهداف المصلحة الخاصة والعامّة، فليس باستطاعة الأفراد أن يحققوا أهدافهم المتسمة بصفة المصلحة الذاتية إلا إذا تصرفوا وكأنهم غيريون. فإذا كان هدف المرء، مثلاً، أن يخفف التلوث البيئي إلى الحد الأدنى، وإذا كان يحذر الفوضى الناشئة عن فقدان القيود الفردية الخاصة بالتلوث أكثر مما يحذر التقيد بعدم إحداث التلوث من جانبه، عندئذ يكون من المنطقي بالنسبة له، ولجميع الآخرين أيضاً، ان يتصرّفوا وكأنهم يهتمون بالضرر الذي يصيب الآخرين من جرائهم.

فالسلوك الإيثاري من جانب الجميع، وحده، هو الذي يلبي رغبة كل واحد منهم في ألا يحدث أحد تلوثاً، وذلك على أساس أن يتصرف الجميع وكأنهم غيريون حقاً. وتتحقق مصلحة الجميع بشكل أفضل مما لو تصرفوا بطريقة غير إيثارية.

ويعتبر السلوك الإيثاري، الغيري، ذا أهمية كبيرة في الإسلام. والناحية التي يؤكد عليها الإمام الشيرازي في هذا المضمار هي أنه إذا كان السلوك الإيثاري الغيري يتبع كوسيلة للأهداف الدينية، فهو صالح أيضاً كوسيلة للتعاون الاجتماعي الضروري على الصعيد العملي لتحقيق الغايات الفردية ما اتفقت مع مصلحة المجموع بالتطابق مع القوانين والأنظمة الإسلامية.

وفي مجتمعات كثيرة حتى في الأيام الحاضرة، يتقيد المسلمون بالسلوك الاجتماعي ويؤثرون فيه.

ومن شأن إضفاء الصفة الذاتية على حوافز الأشخاص الذين لديهم قواعد سلوك موجهة توجيهاً خاصاً بغية قيامهم بتوجيه تصرفاتهم التي تهتم بمصالحهم الشخصية، على نحو مرغوب فيه اجتماعياً، من شأنه أن يكون أكثر سهولة وقابلية للتطبيق من محاولة إضفاء الصفة الذاتية على قواعد السلوك الاجتماعية. فالمكافأة والغرامة تلقيان استجابة أكثر مما تلقاه الموعظة.

ولابد من التأكيد أن أهداف الإمام الشيرازي، نظراً لكونها أهدافاً سامية بطبيعتها ووسائلها وأهدافها، لا يمكن تحقيقها إلا من خلال السلوك الجماعي المنظم على أساس القوانين والقواعد والضوابط التي شرّعها الإسلام رعاية لمصالح المجموع. وليس بإمكان أيّ نشاط اقتصادي خارج ذلك الإطار أن يحقق مثل هذا الهدف أو أن يشارك فيه بصورة أكيدة. وحتى لو كان هنالك تمسك عام بهذا الهدف، لما أمكن تحقيقه عن طريق السلوك الفردي المنعزل عن الآخرين.

وفيما يتعلق بحوافز العمل، وهي جانب آخر، من جوانب العلاقة بين الفرد والمجتمع، فإننا نرى أنّ الإمام الشيرازي قد أعطى هذه الناحية أهمية كبرى مما من شأنه توفير الأرضية المناسبة لتصعيد حوافز العمل، على الجانبين، الحافز الضميري الذاتي بالتذكير بأوامر الدين والموروث الثقافي والروحي، والحافز المادي المترجم على شكل مكافآت مادية وتشريعات قانونية للتكافل الاجتماعي وحالات العوز والعوق والشيخوخة والتقاعد، وتوفير التعليم والعناية الصحية، وتيسير المشاريع الاقتصادية المنتجة وغيرها من أساليب وممارسات تعمل على التقليل إلى أقصى حد ممكن من الآثار التي قد تؤثر سلباً، لهذا السبب أو ذاك، على حوافز العمل.

والنقطة الأساسية هي أنّ المعايير التعاونية التقليدية للأمانة والثقة تشكل منافع عامة بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فتكون بمثابة جهود مبذولة ضرورية من أجل مقدار أكبر من المردود الاقتصادي المرئي وغير المرئي، كذلك الذي يصل إلى المجتمع على شكل عناية بالتعليم والصحة العامة ومؤسساتهما وغير ذلك من خدمات تقدمها الدولة مجاناً لمواطنيها.

وقد كان المظهر العملي للدين بارزاً دائماً في طريقة الفهم الاجتماعية، وكثيراً ما أكد سماحة الإمام على دور الإيمان والشعائر الدينية في التضامن الاجتماعي. وعلى دور الدين في دفع المرء إلى الاشتراك في الحياة الاجتماعية. ومفهومه لأنشطة الحياة كلّها يؤمِّن وسيلة لجعل مبادئ السلوك الأخلاقية الدينية متكاملة ضمن إطار اقتصادي. وهو يرى أنّ الدين هو بمثابة معيار سلوكي يؤسس النشاط الجماعي والعلاقات التعاونية. ولابد لنا، بهذا الصدد، من أن نؤكد على أنّ هنالك حاجة إلى مبادئ السلوك المذكورة لا من أجل الهدف الطّموح أو التواق إلى تحقيق مجتمع صالح برمته أو عقلاني تماماً، بل من أجل الغاية المحدودة الأكثر تواضعاً الرامية إلى المحافظة على بعض الأُسس الرئيسية لمجتمع يتمتع باقتصاد قوي، سواء في علاقات الإنتاج، أم التوزيع والتسويق.

إنّ الصدق والثقة والقبول والتحفظ والالتزام، تلك هي بعض الفضائل الاجتماعية التي تشكل أساس الإيمان الديني، ويمكن أن تلعب الآن، أيضاً، دوراً رئيسياً في أداء النظام الاقتصادي الإسلامي لوظيفته.

وإلى هذا المدى، يدفع الإسلام المسلمين إلى مزيد من الصفاء في علاقاتهم الاجتماعية من غير انتظار لمكافأة ذلك بمردود مالي. فحُبّ المرء لجاره، مثلاً، قد لا يكون له أثر مادّي مباشر، لكنه في حد ذاته هدف يؤدي إلى رضوان الله تعالى، وإلى الانسجام مع الأخلاق والقيم الاجتماعية. والشيء الأكيد، اقتصادياً، أنّ المرء يحصل بذلك، أيضاً، على منافع دنيوية إضافية، شريطة أن يفعل جميع جيرانه مثله.

وبكلمات أكثر دقة، لا تحتاج المكافأة الدنيوية إلى وجود محبة الجيران، بل إلى سلوك وكأن هذه المحبة موجودة. ويحدث الإيمان الديني، عند تبنيه، أثراً ملائماً بصفته دافعاً قوياً لحسن أداء الفرد لالتزاماته الاجتماعية. ولم يمكن، بعد، استنباط دافع أكثر فعالية في السلوك التعاوني.

لذلك فقد أدى الالتزام الديني وظيفة مهمة أصبحت، مع تطور المجتمع الحديث، ذات أهمية أكبر. وساعد هذا الالتزام على الملاءمة بين الحاجات الخاصة والحاجات الاجتماعية، بأن أضفى الصفة الذاتية والأخلاقية على قواعد السلوك الفردي. فأدّى ذلك إلى تأمين الرباط الاجتماعي. وبذلك فقد ازدادت المطالبات بالمشاعر الغيرية والإيثارية والتعاون الاجتماعي الصريح زيادة كبيرة، كما توقعت ذلك ورحبت به إلى حد ما مجموعة طويلة من محبي الخير العام والمتمسكين بالفضيلة، في جميع أرجاء العالم. حيث تسمح ميزة الدين نفسها بأداء مهمته الاجتماعية المفيدة بحثّ الناس على التصرف الإيثاري الغيري.

وعلى الرغم من أن مبادئ السلوك المبنية على الدين تحقق الغايات الاجتماعية التي تصب، بالنتيجة، في صالح النمو الاقتصادي، بتأمين دعم جماعيّ للنظام الاقتصادي، فإن هذا الدور العملي ليس من الميسور تحقيقه، من دون الجهد الخارق لبناء الدولة الإسلامية المنتظرة بجوانبها النظرية والعملية في السياسة والاجتماع والاقتصاد. وما أضفاه الإمام الشيرازي بكتابته الغزيرة من حيوية تحث على التطبيق العملي للمقولات الإسلامية، التي استخلصها سماحته بحذاقة وحكمة بالغة.

إن تشخيص الإمام الشيرازي للمشاكل البشرية ووضع الحلول لها قد وفّر للفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث عاملاً مهما جداً من عوامل التطور الاقتصادي، وهو عامل الوازع الذاتي.

وبغياب وازع شخصي، لا يمكن توقع التعاون على أساس شعور ملموس مباشرة بالواجب أو الالتزام.

وهذا الشعور، بدوره، يستند إلى قبول واع للنظام الأوسع الذي يلتمس المسلمُ التعاونَ ضمن نطاقه، بصفته نظاماً عادلاً وقيامه بإعادة ربط الفردية والجماعية بإحدى طريقتين هما:

* طريقة القانون الإسلامي المراد تطبيقه جماعياً.

* أو عن طريق الحوافز المفروضة جماعياً كالضرائب التي حددها الإسلام، والإعانات المالية.

وكلاهما يؤثر في مصالح الأفراد الشخصية من أجل ضمان التغيير الضروري في السلوك، وذلك عندما يمكن إشباع الحاجيات الفردية من النشاط الجماعي. ويلي ذلك إمكان تحقيق النتيجة الفضلى عن طريق السيطرة المنبعثة من الذات على توجيه دوافع السلوك الفردي وفقاً للاتجاه الاجتماعي لا الفردي. وهذا الأمر لا يتطلب تغييراً في الطبيعة البشرية، بل مجرد تغيير في الوعي أو الموهبة أو الموقف الخاص من التقاليد الاجتماعية أو المعايير الأخلاقية التي تمتاز بصفة الثبات برغم التغييرات الرئيسية في الظروف الاقتصادية.

ويتطلب هذا إحداث تغيير أساسي في السلوك المتأثر اجتماعياً لا في الأهداف ذات الاتجاه الاجتماعي، فهناك فرق كبير بين أن نقوم بدورنا لأننا نشعر بأنه يترتب علينا أن نفعل ذلك، وبين أن نقوم به لأننا نرغب في ذلك.

فالفرد يدرك أنه يحصل على منفعة تتحقق من مجمل الإنتاج العام. ويشعر أنه يترتب عليه أن يرد على ذلك بمساهمته الخاصة.

ومع ذلك فالاعتماد على قواعد السلوك ذات الصفة الاجتماعية وحدها، أي على قيام الأفراد بتوجيه أنفسهم لفعل ما يتوقع المجتمع أن يفعلوا، عاجز عن إحداث الأثر المطلوب. بل لابد من تخطيط حاذق، وتوجيه ذكي، ومراقبة حاسمة. وهذه الأمور الثلاثة مترابطة تشكل هيكلاً رئيسياً من هياكل الاجتماع الإسلامي في منظور الإمام الشيرازي.

وكثيراً ما دعا سماحته إلى توجيه السلوك الفردي وفقاً للحاجات الاجتماعية، بما في ذلك المسألة الاقتصادية، كما في توجيه ذلك السلوك الفردي في نطاق النفقات العامة. فلهذه النفقات ثمن في ضوء الفرص الأخرى، بحيث إنّ السؤال الفعال يتركز على تفوق المنافع التي يتمتع بها بطريقة ما جميع الأفراد الذين تؤول إليهم، على النفقات التي يسببها فرد ما بفعل إهماله أو تقاعسه أو تبذيره. على ما قرره سماحته من أن الموظّف المتكاسل مثلاً يأخذ مرتباً ليس من حقه(2) وكقوله: (وأما تجمّد الطاقات فلأن هؤلاء الموظّفين كان عليهم أن يسعوا في تكثير الإنتاج أو الثقافة، أو العلاج، بأن يكونوا أطباء، وهكذا، والآن هم جمّدوا في إدارة وظائف الدولة.

وأما الإضرار بالاقتصاد فلأنّ المنتج صار مستهلكاً، حيث إنّ الموظّف منتج بطبعه... أما إذا صار موظّفاً فقد تحوّل إلى مستهلك)(3).

وبما أن القضاء التام والنهائي على النفقات الناتجة من الإهمال أو التقاعس أو التبذير ليس ممكناً، بحكم طبائع البشر، فإن الإمام الشيرازي دعا المسلمين إلى معالجة ذاتية لهذه المشكلة من قِبَل كل فرد، كتربية ضميرية له، إضافة إلى ما يحدده القانون والنظام الإسلامي، من الأخذ بمبدأ العقاب والثواب المعمول به قديماً وحديثاً في جميع الحضارات الإنسانية.

والتقسيم البديهي الذي يفرض نفسه لمواجهة الاعتبارات المتنازعة بين الشخصي والعام هو السعي وراء الأهداف ذات الاتجاه التغييري الشامل والمستمر والمتواصل والذي يتبنى مقولات الفكر الاقتصادي الإسلامي في اتباع مبادئ السلوك وقواعده. ويجب، تطبيق هذه المبادئ والقواعد انسجاماً مع الأصالة الإسلامية من جهة، ومع متطلبات العصر الحديث، من جهة أخرى.

فقول الحق واحترام القانون الإسلامي ودفع الحقوق التي شرّعها الإسلام، وإعطاء دور رئيس للفرد في النشاط الاقتصادي، كلها أسباب للنجاح والنمو والتطور.

فمن المتوقع، والحالة هذه، أن يتصرف الأفراد في نطاق القانون الإسلامي وفقاً لمصلحتهم الخاصة المنسجمة مع المصلحة العامة أي التي لا تسد الطريق أمام الاختيارات المتاحة للآخرين، ليعيش الجميع في ظلال الأمن والاستقرار والتكافل الاجتماعي والتكامل الاقتصادي بين فئات المجتمع، كافة، من غير إفراط ولا تفريط، مع الأخذ بما ذكرناه سابقاً من (أسلمة الوظائف والأعمال والخبرات). وقد عولج هذا من قبل الإمام الشيرازي على أساس منهجي متكامل ينقذ الفرد من أنانيته إلى رحاب التعاون والانسجام مع المجتمع من أجل الحاضر والمستقبل.

وبهذا المعنى، عندما يكون التكامل بين أطراف النشاط الاقتصادي قوياً، تصبح الجماعة أكثر فعالية كهيئة تقرر مستقبلها لا كأفراد يتصرفون كلٌّ على هواه. أي أن يكون هنالك اتكال متبادل في النشاط الاقتصادي نفسه. وهذا هو المعيار الذي يكشف عن مدى رغبة الناس في التصرف على أساس اجتماعي اقتصادي في الوقت ذاته.

ويميل هذا الاتكال المتبادل في التوجيه الاجتماعي الاقتصادي إلى أن يصبح أكثر انتشاراً عندما تزداد منزلة الفرد الحقيقية، بتواصل العمل التغييري وإقامة الدولة الإسلامية.

ولكن، هل يكفي هذا لحمل الأفراد على توجيه بعض النشاطات الاقتصادية الرئيسية وفقاً لمبدأ سلوكي اجتماعي؟

إنّ هذا السؤال يعيدنا إلى موضوع الذاتي والعامّ، وهو يرتبط، أيضاً، بالقيم الأخلاقية للنظام الاقتصادي نفسه، حيث يذهب علماء معاصرون عديدون إلى أن أول قيمة أخلاقية يجدر الأخذ بها لتحقيق ذلك التلاقي بين الخاصّ والعامّ هو وجود العدالة، بمعنى الإنصاف، مما ينقل الموضوع برمّته إلى تلك الأخلاقية التي يجب أن تواكب النشاط الاقتصادي. ويمكن أن نتوقع احتفاظ الأفراد في استخدام نشاطهم الفردي لمصلحة حماية بنية مجتمعهم إذا هم وثقوا، بأن المجتمع ككل مجتمع عادل. وهذا يشكل وجهة نظر مقبولة بالبديهة.

والاتفاق على ما يشكل العدالة الاجتماعية، شرط لحفظ الأفراد ومساعدتهم على استخدام طاقاتهم والتقيد بالقواعد الاجتماعية للسلوك، لصالح المحافظة على مجتمعهم وأنفسهم.

ومازال الأمل في المستقبل يكمن في الفرص التي يتيحها التقدم الاقتصادي والثقافي لإتاحة أكبر قدر ممكن من البحبوحة لعموم المجتمع.

وبحسب رؤى الإمام الشيرازي فإن تأثير التوازن الاقتصادي، لا البحبوحة المتزايدة، هو الذي يرمي إلى دعم المسار الاقتصادي وإلى المشاركة في الأعمال ذات الطبيعة الأكثر فائدة.

إن التطور الاقتصادي، مع الزيادة الكبيرة في إدراك وتفهم السكان بأكملهم لدورهم في البناء والإعمار، وبالاشتراك مع عوامل أخرى.. تؤدي جميعها إلى اختراق التخوم المحددة لمشاكل الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي. والتقليل، إلى أقصى حد ممكن، من تأثيرات الكساد العالمي والحروب والنزاعات والأطماع الاستعمارية والتي تؤثر بلا ريب على المسارات كلها بما فيها المسار الاقتصادي.

وتشكل المساواة الاقتصادية المرتكزة على العدالة الاجتماعية، إذن، صورة سياسية ملزمة من وجهة نظر الإمام الشيرازي. فالمساواة السياسية والمساواة القانونية وحتى المساواة الاجتماعية هي أسس الفكر الإسلامي في جوانبه المتنوعة، وتلك المساواة شاملة الفرد والأسرة سواء في الدخل الصافي الذي يحظى به الفرد من بيت المال، أم في الدخل مقابل الجهد الذي يتغيّر بناء على مستوى المهارة، وتمتد المساواة العمر كله لأيّ فرد بلا تمييز.

لقد كشف الإمام الشيرازي بانتظام عن المساواة الاقتصادية لا بصفتها حلماً لا سبيل إلى تحقيقه بل بصفتها واقعاً تحكمه القوانين والممارسات ومنظومة القيم الاجتماعية. فالمساواة هدف ذو مغزى يستحق الجهد المبذول لتحقيقه والارتقاء به والمساواة لا تعني تساوي الجميع في كل شيء، وقد مرّ التعرّض لهذه النقطة حيث تبيّنا أن الإمام الشيرازي يرى العدالة أصلاً والمساواة فرعاً.

وتحقيقاً لتلك العدالة والمساواة يوفّر نهج الإمام الشيرازي للجميع كل الإمكانيات العملية، للقيام بنشاطهم الاقتصادي حيث أعاد صياغة مفهوم العمل والإنتاج وتصحيح توزيع الموارد. وجعل تزايد العمل والإنتاج وسيلة لتحقيق مزيد من العدالة والمساواة، بشكل مباشر وغير مباشر.

وبسبب هذه الميزة السياسية الرائعة لتخفيف التعارض بين المصلحة الاقتصادية الفردية، ومصلحة عموم المسلمين، إلى الحد الأدنى، فقد هيمن هدف النمو على الهدف الذاتي طالما ظل هنالك متسع لمستقبل مرتقب.

ولكي ندرك العمق الإنساني لنهج الإمام الشيرازي، يجدر بنا أن ننظر في اعتراضات بعض المحللين الاقتصاديين حين يتساءلون عن جدوى المساواة؟ ولماذا يجب أن تسعى الدولة إلى تحقيقها بين رعاياها؟ ولماذا يلتزم القطاع الخاص، مثلاً بمصلحة البلاد عامة (كما في قضية أسلمة الوظائف والخبرات) لا بمصالح أرباحه الخاصة؟ ولماذا يجب على أرباب العمل مراعاة القيم الأخلاقية والاجتماعية، لا النظر إلى مصالحهم الذاتية مادياً فقط في علاقتهم مع المشتغلين عندهم من عمال وموظفين؟! ولماذا يجب على الدولة أن تقدم المعونات الاجتماعية؟ ولماذا يجب أن يلتزم المجتمع كله بمساعدة ضحايا الكوارث والمحن العامة؟ ولماذا تتحمل خزينة البلاد صرف معونات للمواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة؟ ولماذا تتحمل الدولة مصاريف الحفاظ على الصحة العامة ونظافة البيئة؟ إلى آخر أسئلة كثيرة سبق أن واجهت البلدان الغربية في الستينات والسبعينات. ومازالت ملحوظة في بعض الدراسات الاقتصادية التي ترى أنّ التكافل الاجتماعي ليس لازماً ولا ضرورياً في المسار الاقتصادي، وأن الأساس الربحية الفردية بغض النظر عن آلام الآخرين أو سعادتهم.

وينطلق هؤلاء في تساؤلاتهم من حيث إنّ الاقتصاد عندهم منهج مستقل تماماً عن بقية الأنشطة، وهدفه الوحيد الحصول على أكبر كمية من الأرباح.

أمّا لدى الإمام الشيرازي فإن الاقتصاد جزء من منظومة فكرية عامة تربط الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بعضها مع بعض، وتؤطرها بأخلاق الإسلام والقيم التاريخية التي تتشكل منها نفسيات أبناء المجتمع الإسلامي.

ويكمن التفسير الأعم للمساواة الاقتصادية في البعد الفلسفي الذي يريد الإمام الشيرازي إقامة الدولة الإسلامية على أساسه وهو العدالة أولاً، والعدالة تحقق المساواة حسب طبيعة الموضوع.

ونتيجة النجاح المؤزر الذي حازته فكرة الجمع بين العامّ والخاصّ، توصل علماء الاقتصاد إلى تحديد القوة الدافعة لحافز المساواة الاقتصادية، لا في المعايير الاقتصادية نفسها بل في النتيجة الطبيعية لنزعة المساواة القائمة على العدالة بشكلها العام. واعتبر هؤلاء أن الجهد الرامي إلى تحقيق العدالة الاقتصادية بمثابة استمرار لحوافز العمل وذروة للإنتاج والتوزيع. وقد كان هذا الحافز منذ البداية، اتجاهاً سليماً بالرغم من كونه محفوفاً باعتراض أولئك الذين أصبح (جمع المال) همهم الأساس.

ذلك هو الوضع الناضج القاضي بإعطاء الأولوية إلى النمو بما فيه العمل والإنتاج والتوزيع وهو وضع يزدهر بانتظام من جديد في كل مرحلة من مراحل العمل التغييري من أجل إقامة دولة الإسلام.

ويحدد الإمام الشيرازي كُلاً من أولوية النمو الاقتصادي ومستقبله المرتقب بطريقتين رئيستين:

أ ـ ففي الطريقة الأولى يتّخذ العدل والمساواة طريقاً لتحقيق الرفاه لجميع أبناء المجتمع.

ويتصف النمو الاقتصادي في بحوث الإمام الشيرازي بعناصر النجاح الضمني، إذ إنّ تقدم النمو، عند دعمه وتعميمه عن طريق العدل والإحسان والمساواة، ينجح في تحقيق مستقبله المرتقب بالكامل متخلصاً من معوقات النمو، أياً كانت.

ب ـ أمّا في الطريقة الثانية، وهي المراقبة والدراسة والتوجيه فإن استمرار تقدم النمو نفسه يرتكز على بعض الشروط الأخلاقية المسبقة التي يتعرض نجاحها للخطر إذا سادت الروح الفردية الأنانية.

وتتوقف أُسس الاقتصاد الاجتماعية على إضفاء الصفة الشرعية الأخلاقية للنشاطات الاقتصادية. والنتيجة الحميدة للعمليات الاقتصادية التي أقامها الإمام الشيرازي على أسس أخلاقية تبرز ذلك، بملاحظة إنجازات تاريخية عديدة استطاع المسلمون الأقدمون تحقيقها بالرغم من كثير من التحريفات التي سادت التطبيقات الإسلامية عبر التاريخ، فيكون من الأولى أن المسلمين المعاصرين يستطيعون تحقيق أفضل مما حققه الأقدمون حين يطبقون قوانين الإسلام الصحيحة، وكما هي متجلية في دراسات الإمام الشيرازي، في الميادين المختلفة للحياة البشرية.

وطالما هناك رؤية واضحة لفلسفة بناء الدولة، التي تحدد مكافأة الفرد بناء على عمله وإنتاجه وإخلاصه وانضمامه لمسيرة المجتمع، فإن العدالة متحققة ضمناً، ولكن هذا لا يعني أن المردود المالي سيكون لدى جميع الأفراد متساوياً، فهذا التساوي أضغاث أحلام طوباوية لا يمكن تحقيقها بفعل قوانين الاقتصاد نفسه.

وإذن فهنالك من حيث المبدأ درجة مثلى في المساواة بتحقيق عدالة التوزيع بناءً على العمل والإنتاج والكفاءة.

وعلى نطاق متزايد من النشاط الاقتصادي والاجتماعي، أصبح العمل الذي يشرع فيه الأفراد استجابة لخياراتهم وحاجاتهم الخاصة التي يواجهونها يشكل طريقة مثلى لتحقيق الأهداف التي ترتكز عليها هذه النشاطات. ويسمو الأساس المنطقي الاجتماعي القاضي بإضفاء أوسع المعاني الأخلاقية عندما تزداد الأهمية النسبية للمنافع العامة وتصبح تلبية حاجات التطور أكثر إلحاحاً.

وباستطاعة الأفراد أن يزدادوا اقتراباً من تحقيق أهدافهم إذا هم تعاونوا معاً في مواصلة السعي وراءها كلية. وهنالك، بهذا المعنى، حاجة ماسّة إلى مواصلة عملية الأسلمة إلى أقصى ذراها.

فمواصلة السعي وراء المصلحة الاجتماعية، تفضيلاً لها على مواصلة السعي وراء المصلحة الذاتية التي لا تساهم في المصلحة الاجتماعية، أساس أخلاقي لا محيد عنه عند الإمام الشيرازي. معتبراً أنه أساس من أسس الإسلام، لا يقبل النقض، وذلك بمواصلة السعي وراء المصلحة الاجتماعية التي تحتاج بطبيعة الحال إلى تنظيم مدروس في ظل المعايير الإسلامية ومواهب السلوك الشخصي.

والمعنى الضمني للسياسة الواضحة لهذا النهج يشكل تغييراً مرافقاً لتوجيه السلوك الفردي. ويمكن أن تبقى دوافع الأفراد، أي أسباب تصرفاتهم، ذاتية المصلحة، بشرط أن تتكيف تصرفاتهم ضمن النطاق العام ووفقاً لمصلحة اجتماعية قبل كل شيء.

ويتحقق الوفاء بالغرض إذاً أحلّ الأفراد المصلحة الاجتماعية في المقام الأول، واتبعوا العرف أو الأخلاق الاجتماعية التي تؤثر في السلوك الفردي. فالتغيير الرئيسي مطلوب، إذن، في السلوك الاقتصادي بارتباطه مع الأخلاق الاجتماعية.

كما إنّ ذلك لابد أن يكون له تأثير في الأخلاق الاجتماعية نفسها، ويبقى سموها أو انحدارها مرهوناً بالمنهج الفكري والفلسفي العام الذي يؤخذ به في بناء الدولة.

ولذا فإن التشريعات والقوانين والأخلاق الإسلامية الحقة حدّت من طغيان الجشع الفردي المتمثل في محاولة تحقيق أعلى مراحل المصلحة الشخصية على حساب المصلحة العامة.

إنّ الأخلاق القائمة على أساس الإسلام، ترتكز على قاعدة تمثلها آية كريمة تصف الناس الصالحين بأنهم (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)(4) فكيف إذا لم تكن بهم خصاصة، أي حاجة؟ المفروض، إذن، أنهم يكونوا إيثاريين أكثر، غير أن بعضاً منهم نراهم يسعون نحو مزيد من تكديس الثروة من غير توظيفها في مشاريع التنمية والتطور والتكافل الاجتماعي؟! ذلك التكافل الذي هو التعاضد والتراحم وتكوين صلة وثقى بين المسلمين جميعاً.

لأن التعاضد والتراحم أساسان لتعزيز الوحدة الإسلامية التي هي واجب على الجميع تحقيقه.

وهذا يعني أنه ليس بالإمكان أن نتوقع قيام اليد الواحدة بتنظيم تكافل اجتماعي من غير تلاقي الأيدي الخيرة كلها.

ومن ركائز هذا النهج الذي يقول به الإمام الشيرازي الاعتماد على التكافل والتضامن، على أن يكون العمل والإنتاج ديدن أولئك المتكافلين المتضامنين حتى يمكن إعادة توجيه السلوك الفردي بصورة ترمي إلى ربط النشاطات الفردية المحددة بالمصلحة الاجتماعية وتركيز الاهتمام بالقيم الاجتماعية ذاتها.

ولا يمكن التحكم بالدوافع الفردية أو السلوك الفردي، بدون التحلي بالقيم الأخلاقية على الأقل. ومن شأن إلحاق الاجتهاد الفردي بالمسائل الأخلاقية والاختيارات السلوكية أن يبقي جوهر الفردية نقياً من الإساءة أو الإلغاء، وعلى الرغم من ذلك، فإننا نبقى في طريق مسدود، إذا كان التطلع الفردي خارج نطاق القيم والقوانين والتشريعات الإسلامية.

وترتبط فعالية طاعة القوانين والتشريعات بالضمير والدافع الذاتي قبل العقوبات القانونية، فباستطاعة الدافع الذاتي، أن يجذّر فعالية القوانين والتشريعات في منطلقات السلوك. وبدون ذلك الدافع الذاتي تبقى القوانين والتشريعات غير فعالة.

وإذا كان توسيع الرفاهية عن طريق النمو الاقتصادي من الأهداف الرئيسة للإمام الشيرازي، فإنه يحققها عن طريق إخضاعها لنفس تلك الضوابط الاجتماعية والأخلاقية.

وعلى العكس من ذلك فإن من شأن إزالة الضوابط الاجتماعية والأخلاقية أو تمييعها أن يغرق المجتمع في طوفان من المشكلات المستعصية على الحل كما هو ملاحظ في دول العالم مهما قالت وسائل التضليل غير ذلك، حين أهملت أخلاقياتها وقيمها الاجتماعية.

فلابد من قبول الضوابط الاجتماعية المادية والمعنوية، بصفتها مظاهر دائمة. وهنا أيضاً يمكن أن يؤدي إدراك الضوابط إلى مساعدة المجتمع على التكيف وفقاً لها.

ومهما كان مستوى التطور في التنمية، فيجب على كل فرد أن يعي أنّ مستوى معيشة أيّ فرد من أفراد المجتمع لا يمكن أن يقفز قفزات متوالية نحو الأعلى كل يوم، فإن كل النظم الاقتصادية في العالم، عبر التاريخ، وإلى يومنا هذا، قد توافقت على نمط من التمايز بين الأفراد والجماعات، وعلى حدود لابد منها للمداخيل ومستويات المعيشة التي تستلزم توفر الأساسيات، والتصاعد نحو الكماليات وظروف البحبوحة الاقتصادية المحددة بإمكانية البلاد وظروف مراحل التنمية.

ويرفض الإمام الشيرازي اتّخاذ غنى البلاد، حتى إن وجد، ذريعة للتكاسل والتواكل، إذ انّه مهما كان غنى البلاد بالموارد يجب النظر إلى تلك الموارد باعتبارها ناضبة حتماً. ويمكن أن نقرب الصورة، بمثال يقول أنّ الفرد الأمي يمكنه أن يلبس عمامة العلماء ولكنه سيظل أمياً لا عالماً. بمعنى أن التنمية الاقتصادية أرقام ووقائع وتلاؤم مع إمكانيات البلاد، ومدى الضغوط الاستعمارية التي تريد دول الاستعمار فرضها عليها، لا رغبة عشوائية في الاستهلاك كيفما اتّفق.

والمجتمع لا يحقق سعادته بذلك الاستهلاك، بمقدار ما يحقق سعادته عبر الإنتاج. ولذا فإن زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك قاعدتان اعتبرهما عدد كبير من علماء الاقتصاد المعنيين بالنمو الاقتصادي، بمثابة الهدف النهائي للكفاح الاقتصادي. يقول ديفيد إستون (David Easton) الذي شغل منصب الأًستاذية في جامعات عدد من دول العالم، لا تقدم بدون زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك(5). ويقول كريستيان باي (Christian Bay): إن أخطر ما يواجهه اقتصاد العالم تناقص الإنتاج كماً أو نوعاً، وتزايد الطلب على الحاجيات الرديئة(6).

غير أن الإمام الشيرازي كان أكثر تعمّقاً في هذه القضية، فلم يعتبر زيادة الإنتاج وترشيد الإنفاق بمثابة الهدف النهائي، بل بمثابة مرحلة توصل إلى النهائي، وهو الاكتفاء الذاتي الذي ركّز عليه سماحته مراراً، على ما سبق أن ذكرناه.

فالناس لا يهمهم عمل الصناعات فقط من أجل الصناعة، لا، إنما يهمّهم أن تكون تلك الصناعات تسد حاجياتهم من أجل الاستقلال ومنع أو تقليل الاستيراد من الخارج، إلى أدنى حد ممكن.

ولذا يجب أن يتم التركيز على تنمية واستثمار طاقات الشعوب الإسلامية ومواردها البشرية والطبيعية وتكريس ثمار هذه الجهود لخير الاجتماع ورفاهيته.

إن ذلك يضع الجميع، حكاماً ومحكومين، أمام مسؤوليات وواجبات أكبر للحفاظ على أمن واستقرار البلاد وحماية الاجتماع وتحقيق طموحاتهم في مستقبل أكثر رخاءً وازدهاراً، بناء على دروس التاريخ، وثقة بقدرة الإنسان المسلم الذي يحظى بتجارب وفيرة وعزم وتصميم أكيد على التعاون في البرّ والتقوى، بكل ما لديه من طاقات البذل والعطاء والتفاني في أداء الواجب، ليستطيع أن يقهر الصعاب والتحديات من أجل خير البلاد والأجيال الحاضرة والقادمة، وفق ما ذكره سماحة الإمام الشيرازي من قواعد أساسية لبناء الفكر الجديد والدولة الجديدة، واتساع أفق الرؤية لتشمل حقوق الأجيال الآتية بجميع الثروات الموجودة حالياً.

ويشكل هذا الهدف فكرة رئيسية قوية على الأخص في المسعى على صعيد الاقتصاد والمجتمع، كما يؤكده الإمام الشيرازي دائماً.

وبالرغم من أن بعض المنظرين الاقتصاديين يعولون كثيراً على الاستهلاك أو ما يسمى بـ(آلية السوق) لدفع الإنتاج نحو مزيد من النمو والتطور، فإن هذه الأفكار نظرية، فحسب، لا تصلح لكل الظروف والبلدان. أما على صعيد الواقع العملي، فإن الاستهلاك ليس له ذلك الدور في تطوير الإنتاج، بل على العكس، تماماً، ففي حالة ترشيد الإنفاق، ومنه الاستهلاك، بطبيعة الحال، فإن المجال سيكون منفسحاً أكثر للتصدير إلى خارج البلاد.

ويضرب الإمام الشيرازي مثالاً على سوء استخدام آلية السوق من قبل الدول الاستعمارية، فيقول:

(مثلاً: أسواق شراء السيارات الأمريكية بحاجة إلى مليون سيارة، بينما إنتاج السيارة بواسطة شركة الفورد وغيرها في أمريكا مليون ونصف، وحيث إن كل شركة تريد الاستبداد بالسوق، ومن طرق الاستبداد بها تنزيل السعر إلى الحد الممكن، يتنافس التجار في تنزيل الأسعار، وإذا نزل السعر توقف الرأسمالي من الإنتاج لمزيد البضاعة التي لا سوق لها من ناحية، ولنزول السعر بسبب التنافس من جانب آخر، وإذا وقّف الرأسمالي الإنتاج تعطل العمال عن العمل، وبذلك يزيد الأزمة، ولأن يحفظ الرأسمالي السعر في السوق بأن يكون العرض والطلب أحدهما بقدر الآخر أو العرض أقل من الطلب، يحرقون البضائع ويلقونها في البحار، وما أشبه ذلك من طرق الإتلاف بينما لا يجد العمال القوت، والناس يموتون فقراً في مناطق مختلفة من العالم.

وإن قيل: لماذا لا يعطون البضائع الزائدة للفقراء وللعمال العاطلين؟ كان الجواب: من يتحمل سوق البضائع هم العمال والفقراء، فإذا أعطى الرأسمالي فائضه لهم، كان معنى ذلك انغلاق سوق بضائعه، فمثلاً: للتجار ألف طن من الحنطة، والحال أن السوق موجودة لخمسمائة طن، وبزيادة الأطنان عن الحاجة ينزل السعر من كل كيلو بدرهم، إلى كل كيلو بنصف درهم، فالأمر في نظر الرأسمالي يدور بين ثلاث أمور:

الأول: أن يبيع الرأسمالي الحنطة كل كيلو بنصف درهم، وهذا ما لا يريده لأن فيه كسراً لبضاعته، بالإضافة إلى أنه قد يكون سبباً لضرر حيث إن (كيلو) من الحنطة كلفة ثلاثين فلساً.

الثاني: أن يعطي الزائد، أي خمسمائة طن، للعمال والفلاحين والفقراء مجاناً، وهذا يوجب له أن ينغلق السوق، إذ المشتري للحنطة هم العمال والفلاحون والفقراء على الأغلب.

الثالث: أن يُتلف الخمسمائة طن الزائدة، ليتعادل العرض والطلب، ولا يكسر سوقه، فيكون الكيلو بدرهم، أو يتلف أكثر من الخمسمائة فتصعد القيمة من درهم إلى درهم ونصف مثلاً، لأن السوق إذا صار في حال الارتفاع لقلة العرض وكثرة الطلب، تمكن الرأسمالي من التلاعب بها حتى يبيع الشيء أغلى من القيمة وهذا الثالث... بل الشق الثاني منه... هو الذي يختاره الرأسمالي)(7).

فالسوق، إذن عرضة لتلاعب أصحاب الرأسمال المستغل، ولذا منعه الإمام الشيرازي ولم يوافق على جعله هو المتحكم في النمو الاقتصادي، على عكس ما قرره الفلاسفة الماديون.

وثمة أسباب أخرى تجعل الإمام الشيرازي لا يعول كثيراً على الاستهلاك أو آلية السوق، منها أن الاستهلاك في جميع النظم الاقتصادية متغير القيمة والكمية، لأنه تتحكم فيه الاختيارات التدريجية التي يمارسها الأفراد استجابة لمركزهم الاجتماعي المتغير بطبيعته، وكذا إمكانياتهم المالية، ومرحلة التطور التي تمر بها البلاد، فما يستهلكه المرء اليوم قد يستهلك أضعافه غداً إذا تطور وضعه الاقتصادي من غير أن يتطور وعيه، وهذه ملاحظة مشاهدة في الدول التي طرأت عليها النعمة فجأة، فلم يكن هناك مجال للوعي بأهمية هذه النعمة وضرورة المحافظة عليها وتنميتها.

وهذه المراحل، أيضاً، تتحكم بها جملة من العوامل، لعل أبرزها، في هذا السياق، تشجيع الكفاءات الإسلامية لأخذ أماكنها المناسبة في عملية التنمية الاقتصادية، فبمقدار ازدياد الأيدي الإسلامية العاملة، يزداد الإقبال على المنتوج المحلي، زراعياً كان أو صناعياً، إضافة إلى التوفير المالي الذي تحظى به البلاد إذ يقل تسرب المال إلى الخارج، فإن الخبراء الأجانب ومعظمهم لا تحتاج إليهم البلاد الإسلامية، وكذلك كثير من الأيدي العاملة الفائضة عن الحاجة، يحولون إلى بلدانهم مليارات الدولارات سنوياً، وهذا نزيف للأموال الإسلامية لا مبرر له إلا تنفيذ توجيهات الدول الاستعمارية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وهي كلها خاضعة للتوجيهات الصهيونية، وتديرها العقول الصهيونية.

وبهذا المعنى، يمكن اعتبار (أسلمة الأعمال) في أي موقع في مستوى التسلسل الهرمي بمثابة تسهيلات خاصة كي يمارس الناس دورهم في التنمية.

ولا يغيب عن البال أن (أسلمة الوظائف) أي جعلها بأيدي المسلمين، قد تفرز بعض الصعوبات، مثل محدودية تلك الوظائف وعدم محدودية الأيدي العاملة الإسلامية أو الخبراء المسلمين، فهل هناك حل لهذه القضية؟

وبعبارة أخرى فإن التوسع الاقتصادي يزيد الوسائل التي يمكن إتاحتها للتعليم والتدريب، ويزيد أيضاً على الصعيد العملي نصيبها من هذه الوسائل، فإن قوة اليد العاملة، تصبح أفضل تجهيزاً لكي تشغل الوظائف المؤهلة لها. فكيف تنسق الرغبة المتزايدة في تأدية أعمال ذات مستوى أعلى مع الوجود المحدود لهذه المراكز؟

إنّ أحد الأشكال غير المباشرة للتعديل هو تغيير مفهوم الوظائف ذاتها لدى المواطنين. فالمناصب، أياً كانت، لا تُطلب لذاتها بل لما فيها من مكاسب إنسانية وخدمة عامّة، وبما يتلاءم مع المؤهلات الفردية لمن يتطلّع إلى شغل تلك الوظائف.

وقد تناول سماحة الإمام الشيرازي هذا التساؤل بالوصف والتوضيح، قائلاً:

(الفرد في الاجتماع، وكذلك في الجماعة المترابطة في وحدة منظمة واحدة، له مكانة وعمل اجتماعي.

فالأول عبارة عما له في الاجتماع من الشخصية الموجبة لاحترامه وسهولة نفوذ أوامره، وهذه المكانة الاجتماعية تابعة للمال والسلاح والعلم والعشيرة ونحوها، والإيمان والأخلاق والأعمال، وأحياناً الجسد كالإنسان الجميل أو الإنسان القوي البنية، بينما الثاني عبارة عن ما يزاوله الشخص من الأعمال، وكلما كان عمل الإنسان أكثر وأحسن كمّاً وكيفاً، زاد ذلك في مكانته الاجتماعية.

ثم في المجتمع الصالح تكون الكفاءة والحرية ميزان التقدم، فكل امرئ بما كسب رهين، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى، والناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم، ولذا تكون السيادة والمال وغيرهما منقسمة بين المجتمع، والاجتماع في مثل هذا المجتمع يأخذ في التحرك)(8).

هكذا يبدأ نمو الكفاءات الإسلامية وتحركها، حسناً فإذا تكاثرت هذه الكفاءات فهل ستجد لها موضعاً في سلّم الوظائف الحكومية؟ أم أن لها أن تسعى بحريتها في جميع ميادين النشاطات الإنتاجية؟

الجواب هو الثاني بلا شك، وعليه يقرر الإمام الشيرازي أنواع التحرك الاجتماعي، بما يلي:

(الأول: التحرك الأفقي: بأن يغير الفرد مكانته الاجتماعية إلى مكانة مماثلة.

الثاني: التحرك العمودي وذلك صعوداً حيث إن الحرية والكفاءة توجبان صعود الفرد إلى المكانة اللائقة به في أعلى درجات الاجتماع، أو نزولاً. حيث إن توفر الكفاءة في غير الصاعد، يوجب أن يصعد، فيخلي الصاعد مكانه للأكثر كفاءة، بينما هو ينزل إلى المستوى اللائق به، ولذا تكون المجتمعات الراقية في حال تحرك دائم وصعود ونزول، بخلاف المجتمعات المتأخرة حيث إنها في حال جمود وركود)(9).

فالمعيار الأول لحل تلك المشكلة هو الكفاءة، فكلما ارتقت الكفاءة صعدت بصاحبها إلى الأعلى في سلم العمل والإنتاج، والعكس بالعكس.

وأما المعيار الثاني فهو الحرية التي أصبحت لازمة لابد منها في جميع جزئيات وتطبيقات وعموميات فكر الإمام الشيرازي، فسماحته يحدد طرق التحرك الاجتماعي، فيقول:

(والاجتماع بالنسبة إلى تحرك الأفراد أفقياً أو عمودياً على ثلاثة أنواع:

الأول: الاجتماع المنغلق الذي لا يسمح للتحرك لوجود الاستبداد المطلق الكابت للناس عن الحركة، والكبت يكون بالقتل والتعذيب والسجن والمصادرة وتلفيق التهم، وفي مثل هذا المجتمع تموت المواهب وتقبر الحريات.

والثاني: الاجتماع المنفتح وهو بعكس الأول، وعلامة هذا المجتمع حرية الصحافة والتجارة والثقافة والإعلام والتحرك في مختلف أبعاد الحياة والحاكم فيه كسائر الأفراد يُنتقد علناً، ويُحاسب على كل ما عمله، وفي مثل هذا المجتمع تتفتق المواهب ويتقدم الاجتماع بكفاءاته إلى الأمام.

الثالث: الاجتماع المتوسط بين الاجتماعين، فلا استبداد إلا نصفياً ولا حريات إلا في الجملة، وهذا الاجتماع أسبابه مأخوذة من الاجتماعين السابقين، كما أن علائمه وآثاره بين الأمرين)(10).

وإضافة إلى الحرية، فهناك مسألة التعديل الاجتماعي، ومسألة الأدوار الاجتماعية بحسب الكفاءة إضافة إلى موازين أخرى تعتمد على القيم الاجتماعية ذاتها (وعدم إعطاء الاجتماع الدور إلى قسم خاص من الناس، قد يكون لموازين عرفية، مثلاً إعطاء دور الإصلاح إلى الشيبة وذوي الخبرة والتجربة أمر عقلي، أما إعطاء الدور لمن له مال أكثر، لمجرد ذلك، كما في بعض المجتمعات إنما يتبع العادة، وإلا فالمال لا ربط له بمثل ذلك الدور.

ومما لا شك فيه أن التطلع إلى المراكز الاجتماعية والوظيفية العالية قد يستتبع نوعاً من التنافس غير الشريف على شغل موقع ما، وقد التفت الإمام الشيرازي إلى هذه النقطة، فأقدم على معالجة هذه النزعة وتجريدها من خطورتها والحد من غلوائها ومضارها، بأن بنى رؤيته للمسألة الاقتصادية على أساس كونها جزءً من منظومة فكرية متكاملة، منبثقة من الشريعة تحكم مسار التنمية والدولة بكل مكوناتها وأجزائها وفي هذا الصدد رسخ الإمام الشيرازي جملة من الثوابت التي تؤدي إلى معالجة تلك النزعة فهو:

1 ـ أكد على أن العمل واجب على كل مسلم قادر.

2 ـ إتقان العمل، ورحم الله امرئً عمل عملاً فأتقنه.

3 ـ العمل طريق سليم لتنفيذ المشيئة الإلهية باستغلال نعم الله، تعالى، فيما هيئت له من الخير والأمن والطمأنينة:

وقبل هذا كله، على المرء أن يفهم أن سلم الوظائف ومواقع العمل محكومة بقواعد وضوابط وقوانين تمليها المرحلة التاريخية التي تمر بها الدولة الإسلامية واحتياجات الناس، وانّ التنافس عليها لا ينبغي أن يكون هدفاً بحد ذاته، وإنما المراد التنافس في العمل تنافساً شريفاً، انسجاماً مع المصالح المشتركة وخصائص المدنية.

4 ـ لا حضارة بلا عمل منتج. فالعمل أساس التقدم الحضاري، مما يؤثر تأثيراً قوياً في الوضع الاقتصادي، بل في مجمل الوضع الحضاري للبلاد، وقد دلت التجارب على أن الحضارات لا تقوم إلا إذا توفرت فرص العمل والإنتاج لجميع أبناء البلاد. وبانشغال المرء بالعمل المبني على الأخلاق والعدالة يهذّب من أنانيته، ويعرف ما له وما عليه. فيتجنب المجتمع ذلك التنافس غير الشريف.

5 ـ ضرورة إطاعة أوامر الله، سبحانه وتعالى، والاقتداء برسوله الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وآل بيته (عليهم السلام) الذين علموا البشرية التنافس الشريف لا الحسد والبغضاء المؤديين إلى التنافس الشرير.

6 ـ ومما يمنع ذلك التنافس الأناني إشاعة العلم الحقيقي والثقافة الحقيقية بين الناس فإن تكوين الكوادر الإسلامية، وتعليم أبناء الشعب له مردود اقتصادي وسياسي واجتماعي، فكل أموال توضع لتحسين وضعية التعليم وتقديم العلم الحقيقي للناس، مساهمة بعيدة الأثر في تحقيق الأرباح لرأس المال نفسه، بتهذيب نفسيات العاملين أنفسهم وتشجيعهم على الإنتاج الحر والتنافس الشريف.

7 ـ فتح أبواب المهن التقليدية كالزراعة والصناعات اليدوية والحرف الأخرى وتشجيع العاملين بها، لأن من شأن تلك المهن، تصاعد المنجز التنموي والاعتماد على الذات، والتخلّق بأخلاق الآباء والأجداد في الطيبة والتسامح والتعاون من قبل أن تطرأ عليهم الأخلاق الاستعمارية.

إن تلك الحرف اليدوية والمهن الإنتاجية التقليدية تقدم المثل والقدوة للشباب، خاصة، في الاعتزاز بأصالة الشعوب الإسلامية وتقاليدها العريقة في العمل والإبداع والابتكار والتعاون.

8 ـ إنّ من أبرز العوامل التي تنهي الأنانية الضارّة أن يكون التحرك الاجتماعي في الرتب بناءً على أمور تدخل في باب العدالة، يذكر الإمام الشيرازي أنها تتمثل في(11):

أ ـ الطبيعة: حيث إن بعض الأفراد أشجع من بعض، وأكرم من بعض، وأزكى من بعض، وهكذا يوجب تقدمهم على الرتبة التي ليست لها هذه المزايا النفسية والجسمية.

ب ـ والزمان حيث إن كبر السن الذي يسببه مرور الزمان يعطي للكبار رتبة في قبال الصغار، والسبب لذلك ان الكبار أكثر تجربة، وانهم هم الذين ربوا الصغار ولذا كان لهم احترام أكثر وهيبة وعزة في النفوس.

ج ـ بالإضافة إلى انقسام المجتمع تلقائياً إلى الرجال والنساء، حيث إن النساء يصلحن لشيء لا يصلح له الرجال، والرجال يصلحون لشيء لا تصلح النساء له.

د ـ ثم بحكم احتياج الاجتماع إلى الإدارة يجعل أفراده رئيساً لمكان إدارته، وأولئك الأفراد يشكلون رتبة خاصة هي رتبة الحكام في قبال رتبة المحكومين.

وبذلك، فإن الإمام الشيرازي يفتح الباب على مصراعيه كي ينال كل فرد المنصب اللائق به، وسبب ذلك أنّه يعتبر الوظائف حقاً لكل مَن هو مؤهل لها، وذلك التأهيل يتحدد وفق أمور يعددها سماحة الإمام بقوله:

(ثم إن الغالب في سببية تكوين الرتب:

1 ـ الثقافة: فالمثقفون يشكلون رتبة في قبال غيرهم، والأرفع ثقافة كالطبيب والمهندس والمرجع والخطيب البارع ونحوهم يشكلّون رتبة في قبال الأقل ثقافة.

2 ـ والملكية: تكون رتبة الملاك في قبال غيرهم، والأكثر ملكاً يكون رتبة في قبال الأقل ملكاً، ولا يخفى أن الملك الحاصل من الأسباب الخمسة (العمل الجسدي، والفكري، والمواد، وشرائط الزمان والمكان، والعلائق الاجتماعية) مشروع وما عداه ليس بمشروع.

3 ـ والحكّام يشكّلون رتبة في قبال سائر الناس، ولا يخفى أن الحاكمية المشروعة في الإسلام هي التي يتوفّر فيها شرطان:

أ ـ مواصفات الإسلام.

ب ـ انتخاب الناس، وهذا وإن كان راجعاً إلى بعض المواصفات أيضاً، إلاّ أنه أفرد بالذكر لأهميته.

ثم إن الرتب إذا رجعت إلى أسباب عقلائية صحيحة، كانت صحيحة، كالثقافة والحكم عن استحقاق، أما إذا رجعت إلى أسباب غير صحيحة كانت باطلة، ويلزم إزالتها، مثل الحكومة الديكتاتورية الموجودة في الشيوعية، حيث إن الحكام يصلون إلى الحكم بالإرهاب والكبت، ومثل المالكية الرأسمالية الغربية، حيث إن المالكية لا تكون إلا بأكل أتعاب الناس(12).

وبذلك يمكن معالجة الشعور الذي قد يصيب البعض نتيجة الغرور، أو التطلع غير المبرر للوظائف على اختلاف مستوياتها. أو الشعور بالأنانية والطموح غير المشروع والتنافس غير الشريف. فترتبط القضية الاقتصادية بالتربية الأخلاقية، لأن الاقتصاد عند الإمام الشيرازي لا يهدف إلى تحقيق الربح فقط، بل يهدف إلى تحقيق الربح الموظّف لخدمة الاجتماع المسلم.

ورغم ذلك فمما لا نشك فيه أن تشتد المنافسة على الوظائف بمختلف درجاتها وتسلسلها في السلم الوظيفي عندما يزيد الإشباع للحاجات الأساسية الإضافية فيزداد التطلع باستمرار إلى إشغال درجات وظيفية أعلى. وتؤدي زيادة التعليم إلى وجود عدد إضافي من الأشخاص المؤهلين لتأدية هذه الأعمال ولكن الوظائف بطبيعتها محدودة، ومرهونة بأداء واجبات محدودة، لذا فإن التنافس يزداد حدة إذا لم تتوفر هناك بدائل أخرى.

ونظراً إلى أن الإمام الشيرازي يقيم بناءه للدولة بمختلف جوانبها انطلاقاً من البؤرة الشرعية، فإن سماحته قد دعا إلى تقوية بدائل عدة تساعد في توفير وظائف وأعمال أخرى، تتمثل في العمل الخاص، والقطاع الخاص، والمهن التقليدية، وتشجيع المواطنين على العودة إلى الزراعة والحرف اليدوية والصيد وغيرها من الأنشطة الإنتاجية النافعة لهم ولبلادهم.

مع ملاحظة أنّ الأجور والمكافآت في حالة الوظائف الحكومية محدودة باعتبارات عدة، أما في القطاعات غير الحكومية فهناك هامش أكبر لأجور أعلى.

وهكذا، ومن وجهة نظر سماحته، يجب أن تزداد القوة الاقتصادية بشكل عام. فعدد الأشخاص الذين يزرعون الأشياء أو يصنعونها يجب ألا يتناقص. وعدد الأشخاص الذين يقدمون الخدمات والمشورة والإشراف يجب ألا يتزايد إلا لمقتضيات الحاجات الفعلية لأنّ من شأن تناقص المنتجين من الأيدي العاملة والفلاحية إلحاق أفدح الأضرار بالمسيرة الاقتصادية، ولذا فإن سماحته يؤكد على ضرورة تقليل عدد الموظّفين وإعادتهم إلى الأعمال المنتجة الحقيقية لا أن يظلوا في وظائفهم وهي في الحقيقة بطالة مقنّعة.

وبتحليلنا لنظريات الإمام الشيرازي نرى أنه استطاع أن يضع حلاً شاملاً لهذه الظاهرة، ونعني بها تناقص المنتجين وتزايد الموظفين الهامشيين، وذلك باتباع ترشيد الإنفاق العام والخاص من جهة، وتشجيع عملية الإنتاج والقيمين عليها، والقضاء على البطالة المقنعة وإيلاء أهمية قصوى للتعليم المهني، والتدريب، من جهة أخرى.

وبالطبع فإن كل ذلك التطوير الذي يُسعى إليه في جميع المجالات يجب أن يقوم في جوهره على أساس قويّ من التراث العريق، ووفق تعاليم الإسلام الحنيف حتى يكون للتطوير مردوده الطيب لخير هذا الجيل والأجيال المتعاقبة، التي نالت عناية خاصة من لدن سماحة الإمام الشيرازي على ما مر معنا في أكثر من موضع.

وعليه فبدون التدريب والتأهيل واستمرار صقل المهارات النافعة، وتنمية الخبرات المفيدة، يفشل التعليم في تحقيق المتطلبات الأساسية للتنمية. فأسلمة الصناعة مثلاً تحتاج إلى كوادر إسلامية مدربة وأيد إسلامية عاملة ماهرة، وكذلك الحال بالنسبة للزراعة والحرف اليدوية، واستخراج الثروات المعدنية، والثروة السمكية والتجارة والاقتصاد والإدارة العامة والخدمات، وسائر مرافق الحياة.

وبلا ريب فإن المنصب الوظيفي هو منصب عام لا خاص، بمعنى أنه وظيفة يحتلها من تتوفر فيه شروط الكفاءة التي حددها سماحة الإمام الشيرازي في النقاط السابق ذكرها، وكي يتم ذلك التوفّر بصورة جلية، ينبغي أن تجري باستمرار تجديدات (أو غربلة) للمناصب الوظيفية، أو ما يسميه الإمام الشيرازي بتحرك الأدوار الاجتماعية.

وتستلزم هذه الغربلة تقديراً مزدوجاً للصفات المميزة للمرشحين وللصفات المميزة التي يتطلبها العمل. وطالما تتحسن تأدية العمل عن طريق الصفات المميزة الأعلى، فإن التحسين في نوعية المرشحين من شأنه أن يفسح المجال أمام الإنتاجية المتزايدة. وبقدر ما تكون مؤهلات الموظفين والعمال عالية، تكون التأدية جيدة. وفي المهن ذات الصفة الإدارية والمكتبية، تتضح الإنتاجية المتزايدة التي تسببها الثقافة، فالتقدم التعليمي نفسه يجعل الذين حققوه أكثر إنتاجية، على الصعيدين الفردي والاجتماعي معاً، ويكون لهم تأثيرهم الكبير في النظام الاقتصادي ككل.

إن هذه النظرية حول أثر التعليم والثقافة في الاقتصاد قد شكلت الفرضية الأساسية لتطور مفهوم رأس المال البشري المعبّر عنه بالأسلمة وهو المفهوم الذي دعا إليه الإمام الشيرازي مراراً.

وبالثقافة والبحث العلمي تتعزز نوعية المنجزات، لا كميتها فقط، بتحسن المهارات البشرية ونوعية التقنية. ولا تنحصر حصيلة الثقافة في التثقيف ومحبة الخير العام. ففي إطار وجهة النظر المذكورة، تنتج الثقافة تثميراً في التنمية البشرية له عائدات اقتصادية مباشرة مساوية للعائدات الناتجة عن التثمير في الموجودات المادية، بل ربما تجاوزتها نظراً لما يتمتع به الإنسان من منزلة سامية في الفكر الإسلامي الذي ترتكز عليه فلسفة الدولة عند المسلمين.

إن نهج الإمام الشيرازي واضح جلي، في تأكيد القيمة الإنسانية لكل فرد من أفراد المجتمع، وهو الرصيد الأساسي في بناء الدولة في جميع الميادين.

وهذه الرؤية ذات أهمية في عدد من النواحي، إذ أنها من شأنها أن توفر أساساً منطقياً اقتصادياً لتوسع الثقافة الرئيسي، وخاصة الثقافة العالية. وكذا في التوجهات الاقتصادية، حين يكون التراكم المالي في قالب تنعم به أغلبية السكان بصورة عادلة. وعن طريق التوسّع في أسلمة اليد العاملة والخبراء يلتقي المال الذي تكسبه اليد العاملة والمال الذي يكسبه رأس المال، بعد أن يصبح كل شخص له دوره ومكانه في المجتمع بموجب الضوابط المذكورة سابقاً.

إن هذه الرؤى، من جهة أخرى، ترمي إلى توحيد الجهود الجماعية على أساس أن يقوم كل فرد بجعل سلوكه متطابقاً مع روح الإسلام، في مجالات تمتد إلى أبعد من النطاق التقليدي للاستهلاك، إذ لم يعد مفهومه مقصوراً على استهلاك البضائع والسلع وآليّات السوق، بل توسّع بحيث شمل الثقافة والصحة، بما فيه تحقيق الأمن الاجتماعي والغذائي، وتنظيم العلاقات الاقتصادية بين الأفراد.

ومن أجل إضفاء طابع الواقعية والعقلانية على قضية أسلمة الأعمال والوظائف، أي بإسنادها إلى الكفاءات الإسلامية بدلاً من الأجانب، فإنّ الإمام الشيرازي يسعى، في مؤلفاته المتنوعة، إلى جعل السلوك الفردي أقرب ما يكون إلى الكمال في المجالات الواسعة للحياة الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك مراقبة نتائج التنافس الشخصي، وكذلك تنظيم السوق على القيم الأخلاقية المتقاربة جوهرياً مع جعل السلوك أو النشاط الفردي موظفاً لخدمة الجميع. والاهتمام المباشر في هذه النقطة هو عقد الصلة بين الربح الخاص والربح الاجتماعي، وهي صلة محورية لوجهة نظر الإمام الشيرازي في التنمية البشرية. حيث وضع الضوابط التي ذكرناها قبل قليل، وسيلة للغربلة يتم عن طريقها تحديد مدى مطابقة الأفراد لبعض السجايا المؤهلة للوظيفة أو المنصب المأمول مما يختبره ويثبته التقدم الثقافي بضمن ائتلاف مجموعة من صفات الذكاء والحافز والانضباط وهي المجموعة الضرورية لمنفعة التأهيل قبل أداء الواجب وأثناءه أيضاً، لأن العمل يتطور والأساليب تتغير، فلابد من تأهيل مستمر للعمال والموظفين.

وكما ذكرنا من قبل، فإنّ من المتوقع أن ترافق نمو القطاع المادي زيادة في الطلب الفعلي على الوظائف، لأنّ إشباع الحاجات المادية على نحو أفضل يجعل الناس أكثر استعداداً لتكريس وسائل إضافية لتحسين مركزهم الاجتماعي والاقتصادي في العمل.

وقد رافقت الثقافة في أكثر الأحيان منافع خارجية مبنية على أساس أنّ الأشخاص المؤهلين يكونون أكثر إنتاجية.

ونظراً لهذا التطور، وذاك التدريب المستمر والتأهيل المتواصل لشاغلي الوظائف أو المتقدمين إليها، سواء كانت وظائف حكومية، أم وظائف في القطاع الخاص، فإن الوظائف التي كانت تكفيها شهادة ما في السابق، ستحتاج، عندئذ، إلى شهادة أعلى وخبرة أكبر.

أما الذين يرفضون تحسين مستوياتهم الثقافية والمهنية، أو الذين يفترضون ببساطة أنّ الخبرة التي لديهم تتيح لهم دخول نوع الوظائف التي كانت متيسرة للذين كانوا بهذا المستوى من الخبرة عند الحصول عليها، فإنهم سيدفعون ثمن خيبتهم، ويكون الزمن قد تجاوزهم. علماً ان الإمام الشيرازي لا يجعل من الشهادات الدراسية مقياساً وحيداً ومؤهلاً فريداً للدخول إلى ميدان العمل والإنتاج أو التوظيف الرسمي. فالشهادات مهما كان مستواها، لا تكفي لوحدها، في إثبات التأهل لمنصب ما، أو دور ما، إلا إذا اقترن ذلك بجملة من المتطلبات الأخرى، ومنها الحرص على اكتساب الخبرة اللازمة، والرغبة في تطوير الذات بما يناسب طبيعة العمل، إضافة إلى الجد والإخلاص والنزاهة والارتباط بالأخلاق السامية، ومصلحة المسلمين، وضرورة ارتباط ذلك بالقيم الإسلامية والحضارية، تلك القيم التي من شأنها أن تهذب من المطامح غير الواقعية التي قد تتملك بعض حملة الشهادات، كما تحد من التطلّع غير المعقول وغير المتناسب مع الإمكانيات، وما يحتاجه الاجتماع، وينبغي أن تكون تلك الأهداف أبرز مهمات الطامحين للحصول على الشهادات، لا الاكتفاء بالشهادة الجامعية، واعتبارها وسيلة لمنصب رسمي، بل هي خطوة أولى في طريق التأهّل والاستعداد لخدمة المجتمع والمشاركة الفعّالة في إيجاد الحلول لمشاكله الاجتماعية والاقتصادية.

ومن المعلوم في ميادين المناهج الاقتصادية أن تحسين درجة التأهيل تنميها القيم الاجتماعية والأخلاق، وبذلك تصبح الثقافة تثميراً ممتازاً للرأسمال الإسلامي المبذول على المدارس والجامعات، وبتطوير مناهجها أو تغييرها كلياً لتتناسب مع العلم الحقيقي، لا مع قشوره التي ذرّها الاستعماريون في عيون الدول التابعة لهم.

ومن المعلوم أن الدراسات الجامعية غير المخطط لها، وغير الخاضعة لاحتياجات البلاد، تحمل أخطاراً متزايدة على التركيبة الاجتماعية ـ الاقتصادية، حيث تولد (تضخماً) في المؤهلات التربوية، و(شحاً) في الاختصاصات التي تحتاج إليها الدولة.

وبخضوع المؤسسات التربوية والثقافية لتخطيط مركزي يأخذ بحسبانه احتياجات البلاد والاجتماع ستتوفر الكفاءة الملائمة لموقعها، كما ستكون الأموال المستثمرة في التكوين الثقافي والتأهيل المهني قد آتت أُكلها، وأعطت نتائجها المرتجاة.

وقد أولى الإمام الشيرازي هذه الناحية أهمية كبيرة، وربط بين التكوين والتأهيل والتثقيف من جهة، وبين الأسلمة واحتياجات البلاد الآنية والمستقبلية من جهة أخرى.

وبناء على هذا، يجب أن يكون هناك سعي متواصل لنشر التعليم، لكي ينال كلّ نصيبه في التعليم وفق قدراته، كما يجب العمل على وضع خطة للقضاء على الأمية والتركيز بصورة خاصة على التعليم المهني والتعليم العالي لتلبية حاجة البلاد من القوى البشرية المسلمة المدربة.

فالثقافة والشهادات الجامعية يجب أن تكون خاضعة لتوجيه يريد خدمة البلاد في حاضرها ومستقبلها، بتوظيفها لما فيه مصلحة الفرد والمجتمع، في أطر العمل والإنتاج بمختلف وجوهه العلمية والاجتماعية والاقتصادية.

وبالرغم من هذه الحقيقة الماثلة فإن الإمام الشيرازي لا ينظر إلى الإنسان باعتباره كمية ثابتة، إذ لابد أن يكون ثمة مجال لتوقع تطور الحاجات والأذواق مع تطور وسائل الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك، وتطور المستوى العلمي والتعليمي. وتوقّع هذا التطور للحاجات والأذواق لا يدع مجالاً للشك بأنّ التطور يتجه نحو الأعلى إلى مستويات مرتفعة بازدياد. ولتأكيد هذا المنهج فقد درس الإمام الشيرازي العوامل المؤثرة في الفرد، باستيعاب لجميع جوانب الموضوع(13).

ويعترف علماء الاقتصاد بأهمية هذه النظرة، ويذهبون إلى أنها واحدة من أُسس علم الاقتصاد الحديث، معربين عن اقتناعهم بأنّ الشيء الرئيسي الذي يرغب فيه الفرد ذو الإدراك السليم ليس إشباع الحاجات التي لديه، بل إشباع حاجات إضافية وحاجات أفضل.. ليست الحياة بصورة جوهرية صراعاً من أجل الغايات، من أجل الإشباع، بل بالأحرى من أجل المبادئ الأساسية لصراع آخر. الإنجاز الحقيقي هو نقاء وسمو مستوى الرغبة، أي تهذيب الذوق، وهذا ما عبّر عنه بالحرف الواحد ل. فولر (L. Fuller) في كتابه الذي جمع فيه الأخلاق والقانون وسمّاه أخلاقية القانون (14) (The Morality of Law).

وانتهى برود (C. D. Broad) إلى انتقاد الافتراض الاقتصادي القائل بأن البشر ينتجون لكي يستهلكوا. فالعكس أقرب إلى الحقيقة(15). أي أن الاستهلاك يتم بضوابط أخلاقية واجتماعية، وهي ذاتها الضوابط التي حددها الإمام الشيرازي بالتقشف وترشيد الإنفاق العام والخاص، وما ترشيد الإنفاق إلا تعبير آخر عن ترشيد الاستهلاك.

وبعبارة أخرى فإنّ القيمة الأخلاقية والاعتبارية تدخل هنا بتأثيراتها كافة، فقد تطمح النفس إلى تحقيق أقصى رغباتها في الحصول على أجود أنواع السلع وبأعلى الأسعار، ومهما كان السبيل المفضي إلى ذلك، بغض النظر عن تلاؤمه مع القيم والأخلاق، أو تناقضه معها. غير أن هذا الطموح يحدّ منه الخضوع للقيم الأخلاقية الموروثة، والمعايير الاجتماعية، ويصدق عليه بشكل خاص ما ذكره الإمام الشيرازي في فصل عقده لكراهية الإفراط والتفريط في طلب الرزق(16).

وقد شيّد الإمام الشيرازي كامل بنيانه الفكري على أساس وطيد من تلك القيم والأعراف.

لأن قوة الدولة لا تكمن في الازدهار المادي وحده، بل إنّ القوة الحقيقية تكمن في شرائع ومبادئ الإسلام.

وبالطريقة ذاتها، يحد سماحته من شأن التنافس الأكثر حدة على المناصب الحكومية المحدودة بطبيعتها عن طريق امتصاص الموارد الإضافية من المؤهلات التي حازها المرء نتيجة التطور العلمي والتعليمي. وهكذا، فعندما يعترف بما يمكن أن نصفه بالاستهلاك (الوقائي) بمعنى (التقشف) وترشيد الاستهلاك في مواجهة ضغوط الدول الاستعمارية، فستفقد إيماءات الطلب في السوق جدارتها بأن يعول عليها كمرشد للرفاهية الاقتصادية، مخلية الطريق أمام سيادة الأخلاق المرتكزة على جواهر الأمور لا على المظهريات الخاوية. يقول سماحته:

(لابد من مكافحة الحرص بتربية الناس على القناعة وعلى الورع في كسب المال وصرفه.

لأن الحرص على زخارف الدنيا يدفع بالإنسان إلى كسب المال من أي طريق كان سواء كان حراماً أو حلالاً. وعندما لا يبالي الإنسان بتحصيل المال من أي مكان كان، فإن ذلك سيدفع إلى الغش والخداع والاحتكار والربا والغبن وبيع النفس ذكراً أو أنثى وصنع المواد الضارة كالخمر وفتح المباغي والملاهي وسائر المحرمات. فللوقوف في قبال هذه المنكرات وانتشارها لابد من تربية الناس على القناعة وعلى الالتزام بالأحكام الشرعية وبالأخلاق الإسلامية)(17).

إن هذه العوامل بتجمّعها وتلازمها تستطيع أن تكوّن الكفاءات الإسلامية اللازمة لإدارة الدولة الإسلامية، من جهة، ولتطوير الاقتصاد نفسه لأنها تبنيه على أساس قويّ من الأخلاق.

ومعوّل الأمر عند سماحة الإمام في (أسلمة) الوظائف والخبرات على الكفاءة لا على القومية أو اللغة أو الحزبية أو غيرها مما شرعه الاستعماريون عبر القوانين التي صدّروها للدول التي أخضعوها لسياستهم(18) كي تبقى تلك الدول بعيدة عن الاستفادة من كفاءاتها، وتظل محتاجة إلى الدول الاستعمارية الحريصة على أن تبقيها متخلفة ومحتاجة.

بل ان الدول الاستعمارية، ومنها الصهيونية العالمية، لم تتردد في اغتيال علماء مسلمين في اختصاصات حسّاسة حين رفضوا أن يبيعوا أنفسهم للصهيونية والاستعمار. كما أن دولاً كبرى معروفة تشترط تسليمها جميع العلماء والكفاءات الإسلامية مقابل ما يسمونه بالمعونات، وهي ليست أكثر من أموال إسلامية صادرتها تلك الدول الاستعمارية.

وعلى هذا، فإن العناية بالكفاءات الإسلامية، وأسلمة الوظائف، من أولى واجبات الدولة الإسلامية، على ما شخّصه بكل الوضوح والتأكيد سماحة الإمام الشيرازي.

1 ـ انظر السبيل إلى إنهاض المسلمين 225 وما بعدها .

2 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 285 .

3 ـ الاجتماع: ج 1 ص 334 ـ 335 .

4 ـ سورة الحشر، الآية: 9 .

5 ـ D. Easton, The Political System, New York 1991. P. 276 .

6 ـ Chistian B., Freedom, London, 1977, P. 254 .

7 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 305 ـ 306 .

8 ـ الاجتماع: ج 1 ص 52 .

9 ـ ن.م: ج 1 ص 52 ـ 53 .

10 ـ ن.م: ج 1 ص 53 ـ 54 .

11 ـ ن.م: ج 1 ص 184 .

12 ـ ن.م: ج 1 ص 185 ـ 186 .

13 ـ ن.م: ج 1 ص 74 وما بعدها .

14 ـ Fuller, L., The Morality of Law, New Haven, 1984, P. 55 .

15 ـ Broad, C. D., Five Types, P. 38 7.

16 ـ الاقتصاد: ج1 ص 81 وما بعدها .

17 ـ الاقتصاد بين المشاكل والحلول 239 .

18 ـ حوار حول تطبيق الإسلام 80 ـ 81 .