الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

الاختيار الفردي والتنظيم الجماعي

وتواصلاً مع ما ذكرناه في الفصل السابع من (أسلمة الوظائف) يجدر بنا أن نراقب الموضوع من ناحية أخرى، تمثل مدخلاً آخر يتخذه الإمام الشيرازي وسيلة لتأكيد أهمية ذلك الموضوع.

حيث نلاحظ في المسار الاقتصادي الذي يتخذه سماحة الإمام الشيرازي جملة نقاط تتداخل فيما بينها لبناء الاقتصاد الإسلامي على أسس واقعية وعلمية لها توجهها العملي، بما يساعد على التقدم في أسلمة الوظائف إلى منتهى غايتها، ومن تلك النقاط ما يلي:

1 ـ تطبيق الشريعة الإسلامية، وتحديد حقوق الناس وواجباتهم بموجب تعاليم تلك الشريعة السمحاء، وبموجب حكومة شورى الفقهاء، على ما سبق بيانه.

2 ـ التأكيد على الحرية الشخصية والاجتماعية في مزاولة الأعمال المنتجة النافعة.

3 ـ توفير كل الوسائل المادية والمعنوية التي تؤدي إلى بناء اقتصاد سليم بكل ما في الكلمة من معنى.

4 ـ البحبوحة الاقتصادية المتمثلة في غزارة الإنتاج وضبط التسويق.

5 ـ الوعي العام، ونشر الفضيلة الإسلامية في كل نواحي النشاط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

6 ـ وحدة البلدان والشعوب الإسلامية، من النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحقيقاً للتكامل بينها.

إن هذه العناصر المؤدية إلى أسلمة الوظائف من شأنها أن تؤدي إلى أسلمة جوانب الحياة الأخرى، فهي ذات علاقة متبادلة وتنبع من أصل مشترك. وهذا الأصل موجود في طبيعة النمو الاقتصادي في الإسلام. ويعود ذلك إلى توحيد هذه العناصر وضرورة توعية المسلمين بكل جزئيات المتغيرات الاقتصادية، ومتطلبات النمو والتطور، وفهمهم لحقوقهم وواجباتهم.

وهذه التوعية لابد أن تُظهر تبدلاً عميقاً في أوضاع العالم الإسلامي مستقبلاً. فسيشارك الجهد الاقتصادي في رسم أسلوبه للتقدم العام إلى حد كبير بحيث يتأكد ارتباط مظاهر النشاط الاقتصادي المذكورة أعلاه بالعناصر الأساس، والاعتراف بالتمييز بين أدوار كل فرد من جهة، ودوافع الأعمال الفردية ونتيجتها الجماعية من جهة أخرى، حسب الكفاءة والعدل.

وقد تبين، من خلال كتابات سماحة الإمام الشيرازي، أنّ خدمة مصالح الجميع، وفق النهج الذي يرسمه سماحته، تتم بصورة أرقى وأفضل مما نادى به علماء اقتصاد عديدون منذ عهد (آدم سميث) وإلى الآن، حين يقوم الأفراد بذلك بصورة منسقة ومنتظمة بضمن إطار فكري عام تحدده شورى الفقهاء وتنظر لا إلى الحاضر ومعطياته فحسب، بل تجمع بينه وبين الماضي والمستقبل.

ولتحقيق هذه الرؤية الشمولية للماضي والحاضر والمستقبل، بصورة علمية مدروسة تراعي مقتضيات الظروف، لكي يقوم جميع المسلمين بالخدمة العامة، من غير أن يتناسوا طموحاتهم الفردية فإن الإمام الشيرازي قد حدد إطار ذلك في هدف واضح وطريق واضح أيضاً، باستغلال كافة الموارد الاقتصادية مما يشكل عاملاً هاماً من أجل تحسين دخل الفرد وارتفاع مستواه الاقتصادي وفق خطة طموح تهدف إلى تحقيق تنمية شاملة، فعالة ومتوازنة موضوعة وفق برنامج مدروس يقوم على حصر الموارد والطاقات المختلفة للمجتمع وتوجيهها بالاستغلال الأمثل بغية الوصول إلى تحقيق الأهداف المرجوة من التنمية الاقتصادية في ضوء الإمكانات، واختيار الكفاءات العملية القادرة على تنمية المجتمع، ودراسة موارد الثروة الطبيعية والبشرية وعمل الإحصائيات الأساسية عن الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة للسكان، والنشاط الزراعي، وتكاليف المعيشة، والتجارة الخارجية، بدراسة مستفيضة لا تترك التطور الاقتصادي والاجتماعي تحت رحمة الظروف المرتجلة.

وللوصول إلى هذه الغاية، وفي سبيل تنفيذ هذه الخطة في الإنماء الاقتصادي للنهوض بمستوى الفرد، على جميع أطراف وعناصر ومكونات الاجتماع التعاون المثمر البناء.

إنّ هذا التشخيص يتجاوز كثيراً رؤية (آدم سميث) للعلاقة بين السعي نحو المصالح الشخصية وارتباط ذلك السعي بمصالح الجميع، لأن حديث (سميث) يتعلق بالمسألة الاقتصادية فحسب، غير أن طبيعة النهج الشيرازي لا تسمح بتجزئة جوانب الحياة وأنشطتها المتنوعة، فهو شمولي يربط بين مسائل الاقتصاد وقضايا المجتمع والمواقف السياسية، ويتمتع بنظرة عامّة متكاملة، والاقتصاد فيه ليس منهجاً مستقلاً عن بقية جوانب الحياة، بل هو جزء من منهج متكامل يشيد عليه المسلمون حاضرهم ومستقبلهم.

وعلى كل حال فإن تقدم علم الاقتصاد بعد آدم سميث قد كرس على نطاق واسع لتطوير وصقل هذه الاستنتاجات، مما أدى إلى تحسينات في تحديد المظاهر الاقتصادية. وهذا التحديد بدوره يؤكد أولوية علم الاقتصاد في ترتيب العلوم الاجتماعية، وأيضاً بأولويته في برنامج السياسة العامة.

وبمرور الأيام، وتعدد التجارب في دول العالم المختلفة، أصبحت هذه الآراء من المسلّمات في ميادين الدراسة الاقتصادية المعاصرة في العالم، وشكلت أنموذجاً في سبيل فهم المشكلات التنموية. ومن شأن مواجهة هذه المشكلات في إطار النهج التحليلي الشامل لسماحة الإمام الشيرازي أن توضع الأجوبة لكل التساؤلات عن العناصر الرئيسة المذكورة سابقاً.

إذ ان الإمام الشيرازي يوضح أن الأجوبة عن المشكلات الاقتصادية تكمن في دراستها بصفتها نتائج مترابطة للصفة البنيوية العامة للنمو الاقتصادي العصري.

إن الصفة البنيوية للاقتصاد كما تتجلى في كتابات الإمام الشيرازي، باعتبارها جزءً من نظام متكامل، قد فرضت على خبراء اقتصاد عديدين الاعتراف بصوابها، وحسن تلاؤمها مع النظرية العامة لبناء الدولة، ومع متغيرات الاقتصاد العالمي. وعلى سبيل المثال فإن الإمام الشيرازي قد جمع بين الجهد الفردي وربطه بالجهد الاجتماعي، وبين السلوك الذاتي وعلاقته بالمجموع، بحيث يؤثر كل واحد من الطرفين بالطرف الآخر ويتأثر به، فهذا من أبرز ما درسه أولئك العلماء.

فقد انتهى علم الاقتصاد الحديث، على ما نجده عند أحد كبار المتخصصين في الاقتصاد(1) وهو (C. E. Black) من تقرير أن هنالك قسماً متزايداً من الاستهلاك يتخذ مظهراً اجتماعياً فردياً عندما يرتفع مستوى الاستهلاك المتوسط، أي أن إشباع الأفراد من البضائع والخدمات يتوقف بدرجة متزايدة لا على استهلاكهم الشخصي فحسب بل وعلى استهلاك الآخرين أيضاً.

فالشخص الجائع لا يتعلّق جوعه بالآخرين، أي أنّه لن يزول جوعه إذا شبع الآخرون، ذلك أن وجبة طعامه تشكل شأناً شخصياً بكل ما في الكلمة من معنى.

ومن جهة أخرى، فإن كمية الهواء التي يستنشقها الشخص العصري في قلب مدينة ما تتوقف تماماً تقريباً على ما يساهم به أقرانه الآخرون نحو مقاومة التلوث، سواء بطريقة الإنفاق العام أم بطريقة التنظيم العام. والهواء النظيف في مدينة ما هو حصيلة اجتماعية، فهو بتعبير فني، خير عام.

إنّ نطاق الاستهلاك الخاص الذي يحتوي على عنصر اجتماعي بالمعنى المذكور أوسع بكثير مما قد يخطر على البال. فعناصر المنافع العامة، مثلاً، تتأثر تأثيرات جانبية جمة من جراء العمليات التجارية الخاصة كالتلوث والازدحام.

وكذا الحال في قضية الوظائف والشهادات الجامعية وتأثير ذلك على الوضع الاقتصادي، وهو ما سبقت الإشارة إليه.

فأي فرد، لا تتوقف قيمة ثقافته على القدر الذي امتلكه من تلك الثقافة فحسب بل وعلى مقدار الثقافة التي يمتلكها الآخرون. وأيضاً على مقدار ما يبذله في سبيل مصلحة بلده ومواطنيه.

ففي فترة سابقة كان في وسع حامل الشهادة الابتدائية أن يحتل وظيفة تعليمية أو كتابية في إحدى دوائر الحكومة، أما الآن فإن مثل تلك الوظيفة تحتاج إلى شهادة جامعية، بل وان مرور الوقت سيجعل الحكومة متخمة بالموظفين من حملة الشهادات العليا بحيث يفرز ذلك أسوأ الآثار على الاجتماع كما سبق أن ذكرنا.

ومن جهة أخرى فإن الإشباع، من سيارة أو بيت ريفي، يتوقف على الظروف التي يمكن فيها تحقيق ذلك الإشباع، والاستفادة منه، وهي ظروف تتأثر تأثراً قوياً بعدد الأشخاص الآخرين الذين يتمكنون من تحقيق الإشباع ذاته. وقد يشكل هذا العامل ذو المنشأ الاجتماعي تأثيراً أكثر أهمية على الإشباع من أيّ صنف من هذه الأصناف بصفتها منفعة خاصة.

وللوصول إلى تقويم صحيح للناتج الاقتصادي وللإشباع لابد من اللجوء إلى المقاييس التي نراها مبثوثة في كتب سماحة الإمام الشيرازي، وهذه المقاييس تشتمل على مجموعة من مؤشرات الأوجه المختلفة للرفاهية الاقتصادية.

* كبعض المنجزات التي قد لا تُعتبر ذات علاقة مباشرة بالاقتصاد كالحرية والاستشارية، فهاتان القيمتان ليستا (نقديتين) بل هما أساسان رئيسيان للتطور العام بما فيه الحركة الاقتصادية.

* وكالمنجزات الاقتصادية ذاتها كتحسين وضعية الإنتاج والاستهلاك والتحرر من قيود الدول الاستعمارية والتخلص من سوء إدارة الاقتصاد العالمي.

* وكالمنجزات الصحية التي يشار إليها بمعدل إنشاء المؤسسات الصحية والتحسن العام للصحة والقضاء على الأوبئة ونشر الوعي الصحي... إلخ.

* وكالمنجزات الاجتماعية التي يشار إليها باستتباب الأمن والسلام الاجتماعي، وإنشاء مؤسسات الرعاية الاجتماعية والتوعية وغيرها.

* وكالمنجزات البيئية التي يُشار إليها بنقاء الهواء وتقليل نسب التلوث إلى أقل درجة ممكنة، والمساعدة على تحقيق ذلك بدراسة جميع المشاريع من قبل إنجازها للتأكد من مدى ملاءمتها للبيئة المحلية.

وبغير هذه الطريقة في قياس مؤشرات التطور الاقتصادي، فستصبح الرؤية ضبابية، والسلع المرتفعة الثمن هدفاً، والمناصب مطمحاً يراد الوصول إليه حتى من غير التمتع بالحدود الدنيا من الكفاءة وهذا هو التنافس الذي يرفضه الإمام الشيرازي، جملة وتفصيلاً، لأنه مناقض للعدالة.

ومن جهة أخرى، فإنه لابد لنا أن نتوقع أن يؤدي هذا التنافس غير المشروع إلى زيادة القيمة التي يعلقها الأفراد على الدخل الإضافي الحاصل بفعل الانتقال من ميدان إنتاجي ذي أولوية إلى ميدان آخر له أهله المؤهلون له مما سيكون له تأثيرات ضارة كثيرة. وهذه التأثيرات هي التي سببت النزعة المنتشرة على نطاق واسع في العالم للانتقال من الزراعة، أو من العمل في الزراعة، إلى المدن. وقد فسّر بعضٌ من المعنيين بالتغييرات الاقتصادية في دول العالم المختلفة، هذا الانتقال من الريف إلى المدن على أساس أنه يمثل نزعة في توفير دخل فردي أعلى.

ولكن مشكلة هذه النزعة أنها تتناسى أن هذا الاكتساب وقتي، لأنّ ترك الأرض، وإهمال الزراعة سيؤدي إلى زيادة أسعار السلع والمواد الغذائية، نظراً للندرة أو الاستيراد فيحتاج المستهلكون، ومنهم أولئك الذين تركوا الأرض والزراعة، إلى أن يصرفوا أموالاً أكثر لقاء ما يحتاجون إليه، وقد سبق أن أشرنا إلى هذا.

وستصبح هناك حاجة متزايدة باطراد إلى الدخل النقدي الإضافي من أجل المثابرة على الحصول على بعض التسهيلات والسلع والأغذية المرغوب فيها. إذ عندما تميل المجتمعات الريفية إلى الزوال، مثلاً، تصبح الرحلات إلى المدينة ضرورية طلباً لبعض السلع والأغذية التي كانت متوفرة هناك من قبل، أي أن المدن الكبيرة هي التي ستغذّي المناطق الزراعية، بدلاً من أن يحصل العكس، وقد سبق أن ذكرنا النهج الذي رسمه سماحة الإمام لحل هذا الإشكال، بتطوير القرى ذاتها والتوسعة على سكانها.

كما أن هذه الظاهرة، أي الهجرة الواسعة من الأرياف إلى المدن ستخلق ظاهرة خطيرة أخرى، وهي انحطاط حب الاختلاط بالآخرين، وعلى الأخص اختفاء النزعة إلى مساعدة الآخرين. حيث ستخضع جميع العلاقات داخل البيئات الجديدة للمصلحة المادية الشخصية، على نحو متزايد.

هذا مثال عن ظاهرة اجتماعية هامة وراسخة في التقاليد السائدة للسلوك الاجتماعي الممتاز. وعلى خلاف وجهة النظر التي ترى إهمال هذه الروابط الاجتماعية، لأنها غير ذات مردود اقتصادي مباشر، فإن الإمام الشيرازي يرفض تلك النظرة الضيقة ويركّز على القيم الاجتماعية ودورها في بناء الحضارة بجوانبها المتعددة، الاجتماعية والاقتصادية. من حيث إن قواعد السلوك الاجتماعية من هذا النوع لها محتوى اقتصادي محدد، بالمنافع العامة، واستبعادها من قبل علماء الاقتصاد عن سلسلة التفاعلات التي يهتمون بها يعني الإفصاح عن انحراف في الرؤية الاقتصادية قابل للمقارنة بالانحراف الناشئ عن الآثار الاقتصادية للتلوث أو التنافس غير المحكوم بقواعد أخلاقية محددة ومتعارف عليها ومقبولة اجتماعياً. وثمة كثير من العوائق التي تحد من النشاط الاقتصادي لا تحل فردياً بل جماعياً، ولا تحل بانفصال الفرد عن المجموع، بل باندماجه معهم في روابط متعددة الأشكال والأنواع والمبنيّة، جميعها، على المودة والإخلاص والتعاون والأخوة الإسلامية.

ولما كان الاقتصاد، عند الإمام الشيرازي مظهراً من مظاهر الفلسفة الإسلامية الشاملة لبناء الدولة، فقد وضع حلولاً لهذه الظاهرة الآخذة بالاتساع في كثير من دول العالم ومجتمعاته، التي استعاضت عن المودة والتراحم، بالمصلحة المادية الفردية الآنية والأنانية.

إنّ دعوة الإمام الشيرازي إلى الأخذ بالرؤية الإسلامية وترسيخها، ورفضه اعتماد مبدأ المصلحة المادية أساساً من أسس المجتمع يتلاءم تماماً مع الطبيعة البشرية، ومع أكثر النظريات الاقتصادية الاجتماعية علمية.

وقد أقام الإمام الشيرازي جسراً فوق الفجوة بين المصلحة المادية والعلاقات الاجتماعية على صعيد تراثي، من جهة، وقاعدة السلوك الاجتماعية القائلة بأن من الصواب المبادرة إلى مساعدة الغرباء أو إلى مد يد العون إلى ضحايا النكبات أو الاعتداء، فتلك مسائل ضرورية لتوفير الود والحماية المتبادلة بالقدر الجدير باهتمام الجميع، من جهة أخرى.

فالمسلم الصالح يبذل معونته من غير أن ينظر إلى قوانين السوق في العرض والطلب، ومدى ما سيستفيده مادياً من وراء تلك المعونة، فثمة رسالة إنسانية من غيرها لا يحقق الفرد إنسانيته.

وقد أكدت رؤية الإمام الشيرازي لتوحد مظاهر النشاط الإنساني اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، على أن التضحية من أجل المجموع، إن كان ثمة ضرورة دينية لها، معيار من أكثر المعايير أهمية في تحديد الصلاح لدى كل فرد.

إضافة إلى هذا، فإن الأخلاق الإسلامية، والقيم الاجتماعية السامية، المنبثقة من النصوص الإسلامية، لا تعتبر المال قياساً للسعادة، فالسعادة مفهوم نسبي، يمكن أن يتحقق بالكفاية، ويمكن ألا يتحقق بالثراء والترف.

وهناك استطلاعات عديدة للرأي العام قامت بها جامعات ومؤسسات مهتمة بالرفاه الاجتماعي، صرح فيها حوالي 76% من هؤلاء الأشخاص ذوي الدخل الأدنى انهم أكثر سعادة، بصورة عامة، من 4771 أشخاص ذوي دخل أعلى، ولو كان أولئك (الأكثر سعادة) من المؤمنين لأصبحوا سعداء حقاً، بمطلق مفهوم السعادة، لا باقتصارها على المردود المالي.

والتفسير الواضح هو أنه بينما تعتبر السعادة خليطاً من العوامل المعقدة والذاتية، فهنالك مع ذلك، مشكلة مزدوجة، هي الطمأنينة الروحية والمالية والرضا، أو القناعة. فالطموح المالي لدى كثير من الناس لا حدود له، مما يسبب لهم عدم الراحة وفقدان الطمأنينة بينما في منظور الإسلام الذي هو أساس المنهج الشيرازي، هناك الإيمان بالله، سبحانه وتعالى، وهناك حث على القناعة من جانب، وضرورة بذل الجهد لطلب الرزق وتحسين الوضع المعاشي للفرد من جانب آخر، بما يحقق الطمأنينة والسعادة للناس.

ويقتضي هذا المنهج توفير الحد الأدنى والضروري من المراقبة والإرشاد المركزين على نظام اقتصادي تقوده أخلاق الإسلام، لتظل وحداته العاملة مدفوعة بالأهداف والآفاق التي تعلي الروح الإنسانية فوق كل اعتبار، وتوجه أهداف السلوك اليومي المذكورة. ومن المفترض، بهذه الطريقة، أن يحوز النظام أفضل ما في الأداء العام والمبادرة الفردية معاً وأن يتفادى أسوأ ما فيهما.

وحسب رؤية الإمام الشيرازي فإن ظروف الاستفادة تميل إلى النجاح كلما أصبحت تلك الاستفادة أكثر اتساعاً لتشمل المسلمين بحسب جهدهم واندماجهم في العمل والإنتاج، إذ ان المردود المتوقع وصوله إليهم يعتمد اعتماداً كلياً على ذلك الجهد والاندماج.

وقد دعا الإمام الشيرازي إلى تحقيق مجموعة من القواعد والأسس الاقتصادية المواكبة للوعي الاجتماعي والمؤدية إلى ذلك الجهد والاندماج، حسب المبادئ العامة التالية:

1 ـ الإيمان بالله سبحانه وتعالى.

2 ـ توخّي الحلال دائماً، وتجنّب الربا المحرّم بما في ذلك المعاملات المصرفية (البنكية) توفيراً للبركة الربانية في الرزق الحلال.

3 ـ أن تكون الحكومة شرعية برضا الله واختيار الناس.

4 ـ العدالة في الإنتاج والتوزيع.

5 ـ التعاون البنّاء المثمر بين النشاط العامّ والنشاط الخاصّ.

6 ـ الهدف هو تحقيق الاكتفاء الذاتي من خلال تنفيذ التنمية الاقتصادية والاجتماعية ثم التخلص من الاستعمار والتبعية.

7 ـ ترشيد الاستهلاك.

8 ـ رفع مستوى المعيشة للمواطنين.

9 ـ كفالة حرية النشاط الاقتصادي في حدود القانون والصالح العامّ وبما يضمن السلامة للاقتصاد.

10 ـ تشجيع الزراعة والصناعة والتجارة.

11 ـ تنظيم البنوك بما ينسجم مع الإسلام، وسماحة الإمام بحث واف عن المصرف الإسلامي(2).

12 ـ الثروات الطبيعية جميعها ومواردها في خدمة الاجتماع.

13 ـ حفظ الثروات الطبيعية ومواردها وحسن استغلالها بمراعاة مقتضيات المصلحة العامة.

14 ـ لا يجوز منح امتياز أو استثمار مورد من موارد البلاد العامة إلا بموجب قانون ولفترة زمنية محددة، وبما يحفظ المصالح الإسلامية.

15 ـ للأموال العامّة حرمتها، وعلى الدولة حمايتها.

16 ـ تطبيق قاعدة لا ضرر ولا ضرار في النشاطات الاقتصادية كافة.

17 ـ الملكية الفردية مصونة، فلا يمنع أحد من التصرف في ملكه إلا في حدود القانون الإسلامي.

18 ـ لا يُنزع عن أحد ملكه إلا بسبب المنفعة العامّة في الأحوال التي بيّنتها الشريعة.

19 ـ الميراث حق تحكمه الشريعة الإسلامية.

20 ـ المصادرة العامّة للأموال محظورة. ولا تكون عقوبة المصادرة الخاصة إلا بحكم قضائي في الأحوال المبينة في القانون الإسلامي.

21 ـ الضرائب والتكاليف العامة أساسها الإسلام لتحقيق العدل وتنمية الاقتصاد.

22 ـ إنشاء الضرائب العامة وتعديلها وإلغاؤها لا يكون إلا وفق القانون الإسلامي وموافقة شورى الفقهاء.

وغير ذلك من قواعد بثثناها في طوايا الفصول السابقة مستخلصة من كتابات سماحته.

وبهذه القواعد وغيرها مما هو مذكور سابقاً وحّد سماحته بين الماضي والحاضر والمستقبل، على أساس أن الحاضر مبني على أكثر ما في الماضي من أصالة وإبداع وشعور بالمسؤولية من قبل كل فرد تجاه الآخرين. فأكّد بذلك العلاقة الاقتصادية بين الذاتي والعامّ، والترابط بينهما وتأثير كل منهما بالآخر، بغرض توفير أقصى درجات الرفاه والطمأنينة مما تسمح به ظروف الدولة.

لذا فإن الوفرة الاقتصادية تشكل مفهوماً رئيسياً لدى الإمام الشيرازي، إذ تعبر عن الفكرة القائلة بأن الأشياء المفيدة في الحياة ليست محددة بالقيود المادية لإنتاج كمية أكبر منها، بمقدار ما هي مرتبطة بالجهد البشري والمشاعر الإنسانية والمودة والترابط بين أفراد المجتمع، لأن تلك المشاعر والأحاسيس، المستقاة من الإسلام، هي العامل الأكثر فاعلية في تطوير البلدان الإسلامية، بما في ذلك ترقية الإنتاج وتصعيده إلى ذرى جديدة نافعة ومفيدة.

وقد سبقت الإشارة إلى أن الإمام الشيرازي يؤكد على ضرورة تحقيق العدل في المسألة الاقتصادية واقتلاع الحرمان من جذوره، وذلك بالعمل والإنتاج.

ومن أسباب هذا التأكيد أن الحرمان المادي واسع الانتشار الآن بفعل النهب الاستعماري وجرائم الحكم الديكتاتوري، لذا فإن اقتلاع الندرة المادية أصبح هو الاهتمام السائد لهذا الفكر الرائد.

وفي الأحوال الاعتيادية يبدو اقتلاع الندرة المادية في حد ذاته شرعي وممكن التحقيق. فلماذا يترتب على الفرد ألا ينفق أمواله على الثقافة الإضافية ـ مثلاً ـ كوسيلة لمستوى ثقافي ذي تصنيف أعلى؟ أو على منزل ثان أو مزرعة في الريف؟ أو على مستوى حياة يتصف براحة أكبر؟

وقد يحدث انقطاع بين الفرص الفردية والفرص الاجتماعية لعدد من الأسباب. فالتلوث والازدحام المفرطان، مثلاً، هما النتائج الأكثر شيوعاً لتقاطع الخاصّ والعامّ، والحالة العامة المهملة التي تؤدي إلى هذا الانقطاع هي تنافس على الربحية بحد ذاتها كهدف نهائي، لا التنافس على حسن التأدية، وهذا ما رفضه الإمام الشيرازي، جاعلاً حسن التأدية الأساس الأول في سلوك الأفراد الممتازين وليس التقدم في المجتمع ممكناً إلا بقيام الفرد بتحسين عمله بالنسبة لأعمال الآخرين، فالجهد والعرق والإخلاص، إضافة إلى التقوى، عناوين التفاضل بين المسلمين بحسب النصوص الإسلامية نفسها.

وحيث يوجد تفاعل اجتماعي من هذا النوع، لا يعود العمل الفردي وسيلة أكيدة لتحقيق الاختيار، إلا بالارتباط بالمجموع فلا يمكن التوصل إلى النتيجة المفضلة إلا عن طريق العمل الذي يقوم به الجميع متكاتفين متآزرين. وفي هذه الحالة المترابطة يتلاشى التناقض الثنائي المألوف بين الاختيار الفردي والتنظيم الجماعي.

وبغير هذا النهج القويم تؤدي المنافسة بين الأفراد المنعزلين إلى تكاليف باهضة يتكبدها الآخرون ويتكبدونها هم أنفسهم في النهاية. وهذه التكاليف تنطوي على هدر اجتماعي، ما لم تتوفر طريقة بديلة مفضلة لضمان سلامة المسيرة الاقتصادية، وغالباً ما ترتبط تلك الطريقة بدرجة الوعي ومستوى العلم والثقافة.

ولذلك يحث الإمام الشيرازي على ضرورة الوعي وبث العلم والثقافة، وترسيخ المسيرة التغييرية بعيداً عن الذاتيات المغرقة في المصلحة الأنانية. بمعنى أن سماحته يدعو إلى إحياء القيم الأصيلة للمجتمع الإسلامي الذي عرف بالطيبة والصراحة والتواضع والتآلف. وبمقدار النجاح في تحقيق ذلك الابتعاد عن الذاتية المفرطة، تزداد وتائر التطور الاقتصادي الذي يؤثر بدوره على بقية جوانب الحياة.

وبسبب وثيق من هذا فإن الإمام الشيرازي قد وضع النقاط فوق الحروف، فأوضح دور كل واحد من أبناء الاجتماع في عملية التغيير، من حيث العمل ومن حيث المردودات الاقتصادية لذلك العمل. فهو في الوقت الذي يجعل حقوق الفرد هي الأساس، ويضع في مقدمة أهدافه الوصول بالمجتمع إلى درجة الرفاهية، فإنه يدعو الجميع إلى العمل وإلى المثابرة فيه والمواظبة عليه بكل تفان واجتهاد، ويعتبر ذلك ميزة وتفاضلاً يتأتيان بمقدار الإخلاص والكفاءة في العمل المثمر البناء، ولهذا فالكل مدعوون إلى التنافس الشريف المؤدي إلى التكافل والتكامل.

ومن أولى اشتراطات ذلك التنافس الشريف المؤدي إلى التكافل والتكامل خلق عناصر اتصال متبادل بين المنتج والمستهلك. وهذا الاتصال المتبادل يفرض على المنتج أن يأخذ أكثر فأكثر بأسلمة إنتاجه، من حيث طبيعة الإنتاج نفسه، أي ما يحتاجه المجتمع، ومن حيث كون العاملين والخبراء هم من المسلمين بغض النظر عن جنسياتهم وألسنتهم وأحسابهم وأنسابهم.

ونتيجة لهذا التحليل لنظريات الإمام الشيرازي نصل إلى أن هذا الفكر يوحد بين التقدم الفردي والتقدم الاجتماعي. فالتقدم الفردي هو المعيار المميز لفئة من المجتمع، ويرتكز على الفعالية الفردية أو المركز الاجتماعي الفردي، وهو بالتالي ذو غاية عامة. والتقدم الجماعي هو المعيار التقليدي لفئة أخرى من المجتمع. فمع الجماعة ومن خلالها يتم تحقيق التقدم. والقاعدة السلوكية هي الولاء للإسلام ضمن الجماعة. وأفق الآمال الشخصية غير محدود إلا بحدود حرية الآخرين. والجماعة الصالحة تصبح مرجعاً لتبيّن مواقع القدم في هذه المسيرة. بحيث يمكن تحقيق التقدم في كل الميادين من دون أي ارتباك اقتصادي، مما يهيئ الأجواء لوصول المؤهلين وذوي الكفاءة والنزاهة والإخلاص إلى إشغال المراكز الملائمة لمؤهلاتهم وبإمكان الفرد في هذا المجال أن يرتفع مع أترابه، فليس للتقدم الاجتماعي، أي مجال للإلغاء.

وفي هذه الحالة المرصنة بالنظام العام والقانون لا تؤدي المحاولات الرامية إلى زيادة كسب الجميع إلى زيادة حدة الصراع ويظل التقدم الاقتصادي الشامل نقياً، بمعنى خلوه من الزوائد المرافقة للطلبات المفرطة في لا واقعيتها.

وفي الوقت، نفسه، فإن اتساع القيم المادية والثقافية يشكل هو نفسه قوة دافعة للتقدم الاقتصادي الفردي ونتيجة طبيعية لمبدأ المشاركة الشاملة الذي يصبح كل فرد مشدوداً إليه بأحكام أكثر فأكثر بفعل الحاجات الملحة إلى التنافس المشروع.

ومن هنا فإن التنمية نفسها تثبت في النهاية أنها توحيدية للفعالية الاقتصادية والاجتماعية. والحصيلة هي ازدهار الرغبات الفردية وتبرعم اندماجها مع الرغبات العامة المستكنة أو الظاهرة في الأساس الاجتماعي والوضع الاقتصادي.

وبدقيق العبارة فإن الأساس الوطيد الذي يسهّل ذلك التكامل يعتمد على تقويم الأفراد للسلع والفرص في الوضع الذي يجدون به أنفسهم. ويمكن تقريب تلك الحالة بمثال شائع في البحوث الاقتصادية، وهو المثال القائل أن الوقوف على رؤوس الأصابع، في أي وقت من الأوقات ومن قبل أي شخص من الأشخاص، يتيح رؤية أفضل.

وعلى حد سواء، فسباق التنافس الإنتاجي وبذل الجهد اللازم وسيلة فعالة وعملية لتحسين سعادة الفرد، وهي وسيلة يجب أن تكون متاحة لأيّ فرد بما في ذلك الوصول إلى المقدمة، نتيجة التنافس الإنتاجي المشروع، مما يعطي فائدة، بهذا المعنى، ومقياس الفائدة هو ما يبذله الأفراد من جهد للحصول عليها. والفائدة الفردية من العمل المنفرد واضحة المعالم، أما الفوائد الإجمالية لجميع الأعمال معاً فتبلغ درجة النجاح بانضمام القيم الأخلاقية والتكافل الاجتماعي إلى ذلك.

ولابد من التأكيد على أن هذا الاعتقاد الشيرازي قد انبنى، أيضاً، على أساس مقياس تقويم الفرد ذاته، وهو التقويم نفسه الذي ينسب الفائدة الإيجابية إلى العمل الفردي باعتماده على الحرية الاقتصادية، المنطلقة من نظرية الحريات الإسلامية التي يمكن مراجعة تفصيلاتها العديدة في دراسة الإمام الشيرازي عن الحريات الإسلامية(3). على أن يقوم أفراد المجتمع الواعون والمؤسسات ودوائر الحكومة نفسها، بتجسيد ذلك، والمشاركة الفعالة بتوعية أبناء المجتمع الآخرين، وقد رأينا أن فلسفة بناء الدولة لدى الإمام الشيرازي تجعل من التوعية أساساً من أساساتها، وتعتبرها واجباً شرعياً يقع على جميع المسلمين الواعين تأديته للوصول إلى النمو الاقتصادي المأمول.

وإذا كان بعض علماء الاقتصاد يحذرون من غموض مفهوم النمو الاقتصادي، ويتخوّفون من البعد الاجتماعي له، بافتراض أن ذلك البعد قد يضرّ المصلحة الشخصية! إلا أن هذا الغموض لا وجود له لدى الإمام الشيرازي، فقد رأينا في فصل سابق أن المردود الاقتصادي عند سماحته يستفيد من المقاييس العلمية المعتمدة للحسابات الاقتصادية في رسم سياسة تهدف إلى تنظيم أو ترسيخ السلوك الاقتصادي لأن هذا السلوك، بدوره، خاضع أساساً لمراقبة تهدف إلى تطويره ووضعه في موضعه الصحيح من مجمل المسار التغييري.

فعن طريق المتابعة والمراقبة ودراسة أيّ مشروع دراسة متأنّية من حيث جدواه الاقتصادية التي تتضمن معرفة آليات السوق وحاجات المستهلكين ورغباتهم، جعل الإمام الشيرازي مقاييس الحسابات الاقتصادية ذات صلاحية أعلى لإجراء مقارنات خاصة بالرفاهية على مدى فترات قصيرة أو طويلة من الزمن، في تقديرات النمو الاقتصادي الطويل الأجل، وفي لوائح مستويات المعيشة بين المناطق المتعددة من العالم الإسلامي.

إنّ ما يؤكد عليه الإمام الشيرازي ضرورة تحويل التحسن الاقتصادي الفردي إلى تحسن شامل. مما يمنع ظهور مشكلة الانفصام بين أحلام الناس وما يتوفّر لهم في الواقع. إذ ان ذلك الربط بين الذاتي والعام يدفع إلى تفهم الظروف التي تحتم إجراءات اقتصادية معينة، في ظروف معيّنة. وهذا يوجب امتزاج الناحيتين المادية والروحية وانصبابهما في نسغ العملية التغييرية توكيداً للقناعة بأن التحسن الاقتصادي العام وقوة المركز المالي للدولة، بالانطلاق من القيم الإسلامية، يؤدي، بالضرورة، إلى التحسن الاقتصادي الفردي، وإتاحة فرص العمل والإنتاج لجميع أبناء المجتمع.

ومن الملاحظ أن بعض أصحاب الرأسمال داخل المجتمع الإسلامي، وهم الذين يُطلق عليهم اسم القطاع الخاص، يهدفون إلى الربح المادي فقط، فيستعينون بالعمال غير المسلمين، أو العمال الأجانب، ويجلبون أناساً آخرين بصفة خبراء، لأن هؤلاء العمال يتقاضون أقل من الأيدي العاملة الإسلامية، أو لأن أولئك الخبراء يزعمون أنهم أكثر فهماً وخبرة من الخبراء المسلمين.

ولكن يجب أن يفهم القطاع الخاص أن إتاحة الفرصة أمام أبناء الإسلام للعمل والإنتاج وإحلالهم محل الأجانب تؤدي إلى تحسن اقتصادي لعموم المجتمع بما فيه القطاع الخاص نفسه، وإن بعد فترة من الزمن. ارتكازاً على حقيقة أن اليد العاملة الإسلامية ينبغي أن تكون أكثر إخلاصاً في عملها من اليد الأجنبية، كما أن هذه القوى العاملة ستتوفر بين أيديها أموال لابد أن تظل في داخل البلاد الإسلامية بدلاً من استنزافها في الخارج حين تكون بين أيدي العمالة الأجنبية. وهذا مثال استطرادي يوضّح حالات كثيرة مشابهة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي؛ لتكون أسلمة الوظائف والأعمال والخبرات مسألة مشتركة بين الذاتي والعام. فعلى القطاع الخاص أن يقوم بجهده في هذا الميدان، وعلى عموم الأفراد أن يستجيبوا لفرص العمل المتوفرة، هذا إضافة إلى ما يحمله الأجانب معهم من قيم وأخلاق وسلوكيات تتنافى مع قيم المجتمع الإسلامي وعاداته وتقاليده، علماً بأن كثيراً من هؤلاء الأجانب يخدمون دولهم ولا يخلصون في عملهم، وبعضهم مرتبط بالدوائر الجاسوسية الأجنبية، ويقوم بالتجسس والتخريب والتعطيل للمشاريع ما أمكنه ذلك، كي تظل البلاد الإسلامية محتاجة إلى الدول الاستعمارية التي ترسل هؤلاء بصفة خبراء أو موظفين أو مستثمرين.

وعليه فيمكن اعتبار التقدم الاقتصادي العام بمثابة تقدم فردي، وسيكون ذلك معقد آمال يمكن تحقيقها تدريجياً.

ومن البديهي أن يكون هذا الاعتبار معتمداً، من حيث المبدأ على الأقل، على التداخل بين الاقتصاد وغيره من أنشطة الحياة. ومن هنا تثبت رؤى الإمام الشيرازي أصالتها وواقعيتها في نظرة سماحته إلى الاقتصاد لا على أساس أنه منهج مستقل بذاته، بل على أساس أنه جزء من منهج متكامل متماسك متآصر مع بعضه بعضاً من أجل بناء الدولة الإسلامية. لأن قوة الدولة لا تكمن في النمو المادي وحده، بل إنّ قوتها الحقيقية تكمن في النمو البشري، واتباع مبادئ وتحقيق غايات الدين الإسلامي الحنيف. لذلك يجب أن لا يُفسح المجال لسيطرة التطلع المادي والأفكار الدخيلة على الأوضاع. وفي نفس الوقت يجب الاعتزاز والمحافظة على نعم الله تعالى من كلّ من يريد العبث بها.

وبهذا تتم السيطرة على النزوات الفردية، والنزعات المغرقة في الذاتية والأنانية، والاستغراق في عالم من الأحلام لا يمت إلى الواقع بصلة.

ويعلن الإمام الشيرازي أن الخطوات التغييرية في مجال الاقتصاد وغيره من مجالات الحياة ليست جامدة متيبّسة بل هي مرنة تقبل شيئاً من التعديل الضروري، بين آونة وأخرى، في المسار الاقتصادي وذلك التعديل الضروري كمّيّ صرف فلو أن الجميع أضافوا إلى الحصيلة مقداراً أكثر ولو بنسبة ضئيلة، وأخذوا منها مقداراً أقل قليلاً لفترة ما، لساعد ذلك على تحقيق التوقعات في حينها. أي أن سماحته يؤمن بالتجريب في القضايا المستجدة، كما حققه سماحته في قضية البنوك، حيث قال: (فقد يخسر صاحب البنك (الإسلامي) ماله، لكن هذه الخسارة ستفتح عيونه على تجربة ثرية يستفيد منها في إثراء الفكرة وشذبها من النواقص، وليس إخفاق التجربة دليلاً على بطلان الفكرة)(4).

ويمكن مواصلة السعي وراء المصلحة الاجتماعية في كل المشاريع الاقتصادية. وتكون هذه المواصلة حميدة بصورة عامة، إذ إنّها تشكل أساساً منطقياً اجتماعياً لابدّ له من الجمع الخلاق بين المصلحة الذاتية ومصلحة المجتمع كله. كما يُتوقّع ازدياد الضغوط الاجتماعية، لتوجيه السلوك الفردي على نطاق واسع.

إن الوضع الذي يواجهه الأفراد يحثهم بحرية على الاستجابة بطريقة تجعلهم أمام أحد خيارين، إمّا تحقيق أعلى مراحل المصلحة الشخصية آنياً أو تحقيق المصلحة الشخصية في إطار المجموع بما تحققه القوانين والنظم والأخلاق.

وفي الحالة الأولى ستسير المصلحة الشخصية نحو الانهيار الفعلي بمرور الأيام، بحكم قوانين الاقتصاد نفسها، لأنّ تحقيق أعلى مراحل المصلحة الشخصية من غير مراعاة لمسيرة البلاد واحتياجات المجتمع، سيؤدي إلى إضعاف المسيرة العامة للاجتماع كله، وهذا الإضعاف من شأنه أن يؤثر سلباً على مستقبل الوضع الاقتصادي بما يؤدي إلى انهيار تلك المصلحة الشخصية أساساً.

على هذا النحو تظل الرسالة السائدة للإمام الشيرازي، في موضوع الزهد وترشيد الإنفاق والاستهلاك، سارية المفعول. وما على المرء إلا أن يكبح جماحه قليلاً حتى يحصل هو، وأولاده، على ما تصبو إليه نفسه بحق. ويجب أن نستفيد، كأفراد ومجموعات، من الدروس التي يقدمها لنا الوضع الاقتصادي العالمي فانفجار التضخم المالي في أوائل السبعينات وفترة الركود العالمية الحادة التي تلت محاولات احتوائه قد فسّرا على نطاق واسع بهذه الطريقة على أنهما انقطاع مؤلم للتحسن المستمر في مستويات المعيشة التي كان بالإمكان استردادها وتعزيزها في حال إقناع الجمهور بممارسة التحفظ الضروري.

نستخلص من هذا أن الأفراد والمجموعات السكانية التي تضخم المطالب الاقتصادية إلى نطاق أبعد من النمو الثابت من حيث قدرته على تنفيذها إنما يعملون بغير وعي على عرقلة التقدم والنمو.

فعنصر الإسراف والترهل في المطاليب وعدم بذل الجهد اللازم في العمل والإنتاج هي التي تتطفل على ميزان النظام الاقتصادي الفردي والجماعي. فيجب وضع حد للطموحات الفردية غير المشروعة، وغير الخاضعة للقوانين الإسلامية، لأن تلك الطموحات تضرب الاقتصاد في الصميم.

إنّ عدم وضع حد للطموحات الفردية غير المشروعة، وغير الخاضعة للقوانين الإسلامية قد ينجم عنه العجز عن الملاءمة بين التوقعات والموارد المالية. ولا يتحقق الحل باستعجال الوصول إلى التوقّعات من غير النظر في الموارد المالية، وإنما يتحقق الحلّ بالرزانة والرضا والتعاون الاجتماعي. وهي صفات غير متناغمة مع نوعية التوجهات المغرقة في الأنانية التي تولدها أحياناً الرفاهية نفسها حين لا يصاحبها الوعي اللازم، لأن المستهلكين، في هذه الحالة، سينظرون إلى إمكانية إشباع الرغبات والتوقعات، مهما كانت مغرقة في اللاواقعية، باعتبارها مكافأة عن الجهد الإضافي أو التقشف المؤقت مما يجعل المشكلة أكثر تعقيداً، فالمفروض أن الجهد أو التقشف المؤقت، أو حتى ترشيد الإنفاق والاستهلاك، يجب أن ينظر إليها المستهلكون باعتبارها واجباً تحتّمه الظروف، وأنّ الحل الأمثل، من أجل تحقيق أكبر قدر ممكن من التوقعات والطموح، هو المشاركة في التنمية بجهد أكبر وقوة تنافسية تصل بالفرد والمجموع إلى نتيجة منطقية لدى أيّ فرد نتيجة الأعمال التي يقوم بها، بما أنه في هذه الأعمال يفرق دائماً بين ما هو متاح كنتيجة لتقدمه على الآخرين وما هو متاح عن طريق التقدم العام الذي يشارك فيه الجميع. وذلك ما يترتب على كل فرد أن يقوم به، في إطار التنافس الشريف، وعلى الرغم من أنّه ليس باستطاعة الجميع أن يفعلوا ذلك، فإنّ التنافس طريق مشروع لمن أراد أن يقوم به بمؤهلاته وخبرته وبضمن القيم والأخلاق التي توجب عدم التبذير، وتُلزم الجميع بالاقتصاد في الاستهلاك والابتعاد عن الصراع الفردي المنعزل في هذا المجال.

وذلك يعني أنّ الفهم الجماعي للعلاقة الاقتصادية بين الفرد والمجتمع هو الذي يوفر الإرشاد الضروري للأفراد لتحقيق الحل الذي يفضلونه.

أمّا كيفية التوصل إلى رؤية جماعية مرضية وتنفيذها بعدئذ، فإنها تبقى في حد ذاتها مشكلة كبيرة يحللها الإمام الشيرازي إلى عناصرها، ويفكك تلك العناصر ليجعل الناس على علم بها من أجل تجنيد أقصى طاقاتهم لتحقيق مقتضيات موقعهم الاجتماعي تجاه قضايا الاقتصاد، وبخاصة حين تبدو شائكة أكثر مما كان متوقعاً. فالعمل الجماعي الرصين بالقيم والمعايير والمراقبة ودراسة جدوى أيّ مشروع، هو الذي يحقق جانبي المعادلة، المنافع الشخصية والمنفعة العامّة.

وبتقليص الأنانيات الفردية والسمو بالروح الجماعية للتقدم الاقتصادي فلا يمكن أن تتحول العملية الاقتصادية إلى عملية منفردة مبنية على الرغبات الفردية.

وهكذا يلائم الإمام الشيرازي بين الأعمال الفردية وإشباع الخيارات الفردية من جهة، والتكامل، اجتماعياً واقتصادياً، من جهة أخرى. فحصول الفرد على ما يريد لن ينفصل عن القيام بالعمل الذي يرغب فيه، أو المؤهل له.

لقد وضع الإمام الشيرازي نظاماً متكاملاً للنشاط الاقتصادي من الإنتاج إلى التوزيع ومن شأن هذا النظام، أن يكون ذا أهمية حاسمة لسياسة الاستقرار الداخلي التي هي الهدف الأول للإدارة المالية التي ينادي بها سماحته.

وتهتم هذه السياسة، بتحقيق الاستقرار عن طريق تخفيف تقلبات النشاط الاقتصادي إلى أدنى حد وخاصة بتفادي البطالة والتضخم المالي، وعبر إشاعة الحرية والعدالة والمساواة، وإتاحة المجال لكل مواطن في أن يبذل غاية جهده في العمل والإنتاج.

وتأتي هذه الرؤية لتضفي على هذا الفكر ملمحاً آخر من ملامح إنسانيته، حيث يدمج (الخاصّ) و(العامّ) في مسيرة واحدة تظللها القيم الإسلامية السامية، قيم العطاء والإيثار والتعاون المثمر، تحقيقاً لأسلمة جوانب الحياة المتنوعة في الدولة الإسلامية بكل أنشطتها، لا في الوظائف والخبرات فقط.

ومن الواضح أن هذه الأفكار هي مجموعة معطيات متفوقّة على فروض الواقع المعاش حالياً، لذا فإنه تدخل في إطار (النظرة المستقبلية). وعلى هذا النحو، تكون النظرة المستقبلية مداراً للاهتمام. وفي الواقع، فإن الاهتمام بالمستقبل شكّل القوة الدافعة الرئيسية لمفهوم الفلسفة الشيرازية لبناء الدولة الإسلامية المرتجاة.

وهنالك مجال رئيس يمكن تطبيق إطار النظرة المستقبلية عليه، وهو التطلع العملي للمستقبل كي لا تتحول الأنشطة الاقتصادية إلى مجرد استهلاك وإشباع حاجات آنية، قد تترتب عليها أضرار مستقبلية جمة، وهي الأضرار الماثلة للعيان في تجارب شعوب عديدة في أرجاء العالم.

فالاهتمام المتجدد بالمستقبل كان هو نفسه، حصيلة لرؤى الإمام الشيرازي ذاته، إذ ان سلسلة من النظريات، التي تظهر نزعة لا جدال فيها نحو الواقعية والعلمية، قد أقامت الدليل على أنّ التجارب التاريخية للشعوب الإسلامية تكشف عن أن بإمكان هذه الشعوب أن تحقق المعدل المتصاعد للنمو بمجرد تخلصها من الاستعمار والديكتاتورية. وبطبيعة الحال فإن كل منجز جديد هو لبنة في بناء المستقبل.

وقد بنى الإمام الشيرازي نظرته المستقبلية على أساس علمي وطيد يراعي المجالات الثلاثة لاهتمامات الاقتصاد، أي الاستقرار، والتوزيع، والنمو، عبر تجميع الفعاليات الاقتصادية ضمن مسار موحد ذي هدفية واضحة للناتج عن تبصر شديد يربط بين تلك الأجزاء الثلاثة، ويوظّفها لتنمية سائر الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، وكذا العلاقات السياسية الخارجية.

وفي نواح عديدة من النشاط الاقتصادي يدعو الإمام الشيرازي إلى فسح المجالات أمام أشكال جديدة للحياة، من خلال تجليات واضحة وضمنية لتوزيع الناتج العام، صناعياً وزراعياً وتجارياً، ولشكل أسلوب الحياة الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة كي يصبح ذلك مثالاً يُقتدى به في التطور الاقتصادي والاجتماعي. ولتكون موئلاً لآمال البشرية كلها.

وقد بنيت هذه الآمال الفردية والجماعية معاً، إلى حد ما، على العمل والإنتاج الزراعي والصناعي والتثمير والتنمية والتطوير المستقبلي.

ومن أجل الوصول إلى المستقبل الأفضل يعمد الإمام الشيرازي إلى مراجعة التاريخ وتقويمه ووضعه تحت منظور الإسلام. مستخلصاً قاعدة اقتصادية مهمة تقول: إن أشكال العمل الخاصة والظروف الاجتماعية أو المادية الخاصة أيضاً، والمنجزات بشكل عام، تحتاج إلى المراجعة والتقويم الدائمين، لكي تحظى بدوام النجاح، إضافة إلى جعل المنجز الاقتصادي والاجتماعي الإجمالي مرتبطاً بالجهد المبذول؛ فإنّ تعود المسلمين على الجهد والجد والاجتهاد هو الذي يرسم جزئيات صورة المستقبل.

ومن البديهي أن يقودنا هذا، مرة أخرى إلى تطلّع الأفراد إلى إشباع رغباتهم المشروعة، واعتبار ذلك الإشباع من أولى مهمات التطور الاقتصادي والتنمية الشاملة. وقد سبق أن نقلنا رأي الإمام الشيرازي في ضرورة أن يكون الإشباع مرتبطاً بالجهد المبذول.

ولابد من الإشارة، مرة أخرى، إلى أن المردود الاقتصادي يساعد على تحديد ملامح المستقبل، لأن بناء المستقبل يجب أن يقوم على موازنة آنيّة بين الاستهلاك والإنتاج. ولذا اتخذ الإمام الشيرازي موقفاً مبنياً على عدم التحيّز للاستهلاك في مقابل الإنتاج، فهو مع الجهد المبذول، يشجعه وينميه ويمهد له سبله التي تيسر له الانسياب، وذلك ملمح آخر من مشاركة (ترشيد الإنفاق والاستهلاك) في صياغة المستقبل.

وهذا الموضوع، بالذات، حظي، في الوقت نفسه، بعناية علماء الاقتصاد الذين أدانوا عدم نضوج مفاهيم الفعالية الاقتصادية والإنتاجية والنمو التي تتصل جميعها بالمقياس المستخدم للمردود الاقتصادي، في كثير من دول العالم، وهو المقياس المرتكز على الاستهلاك لا على الإنتاج، إلا أنّ أولئك العلماء رفضوا الانحياز للاستهلاك بديلاً من الانحياز للإنتاج.

ومن المعلوم أن أهل السياسة الاستعمارية يروجون لسياسة الاستهلاك ويشجعون عليه وهذه الدعايات الغزيرة التي تحملها الصحف وتذيعها الإذاعات وتبثّها أجهزة التلفزيون دليل على ذلك، بينما لا نجد (دعاية) واحدة أو (برنامجاً تلفزيونياً) واحداً يحث على الإنتاج، ويقدم الوعي للناس بضرورة الإنتاج والوصول إلى الاكتفاء الذاتي بدلاً من الاستغراق في الاستهلاك الذي يجعل الدول المستهلكة مرتبطة تماماً بالدول التي تصدر إليها المواد الاستهلاكية.

ومن جانب آخر اهتم الإمام الشيرازي بالظروف التي تحفز الإنتاج أو تلك التي تعرقل تقدمه. من مثل تسخير الموارد المتاحة وزيادتها من اليد العاملة ورأس المال والتقنية من أجل تلبية الطلبات والإشباع العام من البضائع المنتَجة بما في ذلك آليّات السوق حيث يمكن حصر الأهمية العملية لتوقعات النمو في قدرة النظام الاقتصادي على التزويد، وهي أهمية يضاف إليها شيء من أهمية الطلب الجماعي. ولا يدخل الاستهلاك في الصورة إلا بصفته مظهراً من مظاهر الدخل الاقتصادي، ومن ثم كعامل مؤثر في قضية البنوك والأسواق التجارية والمالية أيضاً.

ومن المؤكد أن تنظيم السوق له دوره في النظرة المستقبلية، ويتوقف ذلك التنظيم على المستهلكين الأفراد الذين يؤثرون في حوافز النشاط الاقتصادي ومقياسه. لا بصفتهم الاستهلاكية فحسب، بل بصفتهم الإنتاجية أيضاً.

وتبقى وجهة النظر العامة التي ترى أنّ الاستهلاك، أكان على شكل سلع خاصة يشتريها الأفراد أم كان على شكل خدمات تقدمها الدولة للجميع كالتعليم والصحة وقوى الأمن والجيش وغيرها، هو الذي يؤمن الدافع والغاية النهائيين للنظام الاقتصادي ويهيئ الأرضية الصالحة للنمو المستقبلي.

ويفسر الإمام الشيرازي ظاهرة النمو على أنها نمو في قدرة النظام الاقتصادي على تلبية رغبات الحاجيات الفردية والجماعية وحفظ أمن المسلمين وسلامة بلادهم وبيئتهم والعناية بتعليمهم وصحتهم. أما كيفية تلبية الرغبات فهي مشكلة تقنية بالدرجة الأولى وتحققها مرهون بوفرة الإنتاج بصورة مرضية، كما أنها تتطلب المحافظة على المنافسة وإصرارها على تأمين السلع، وتتطلب أيضاً، وبطريقة اختبارية، إيجاد وسيلة ملائمة للقيام بمعرفة أولويات المنافع الجماعية ومن ثم تمويلها.

فالإنسان هو المنتج وهو المستهلك، فهو صانع التنمية ويجب أن يكون هدفها إسعاده وإعداده ليعطي أحسن ما عنده من إنتاج.

* فأما كونه منتجاً فمسألة توضّح نظرة الإمام الشيرازي إلى دور الإنتاج في عملية التنمية، لأنه لا تنمية بلا إنتاج.

* وأما كونه مستهلكاً، فذلك لأن الاستهلاك يجب أن يخضع لعوامل كثيرة لا تمثل (الوفرة) إلا جانباً منها، فهناك ظروف الاقتصاد المحلي، والعالمي، وقوانين السوق، وطبيعة الاجتماع.

فالاستهلاك جزء مهم يشارك في تقدم التنمية أو تأخيرها. ومشاركته في تقدم التنمية تعتمد على كونه بعيداً عن التبذير والتبديد، ومتلائماً تماماً مع ترشيد الإنفاق والاستهلاك، وبغير ذلك فسيتحول الاستهلاك إلى استنزاف للثروة، وتبديد للاقتصاد، وشحة في المعروض من البضائع، وضغوط على حاجات الآخرين، مما يخلق مشكلات آنيّة ذات تأثيرات متباينة على آفاق المستقبل نفسه.

وثمة مشكلة استهلاكية أخرى لها تأثيراتها المستقبلية، لكنها لا تتعلق باستهلاك البضائع والسلع، بل تتعلّق بما يمكن أن نسميه (استهلاك الوظائف الحكومية) وحاجة البلد من جهة أخرى، فكل بلد يحتاج إلى من يمتهن الأعمال الحرة، من تجارة وغيرها، إضافة إلى المهن التقليدية، كالزراعة والصيد واحتياجات القطاع الخاص. وقد سبق أن تعرضنا لما يراه الإمام الشيرازي من حلول لهذه المشكلة، بتقليص الوظائف، وتقليل الجهاز الحكومي، وإطلاق الحرية وتقديم المساعدة للمشاريع الإنتاجية في الصناعة والزراعة والتجارة والتطور العلمي، كما أن سماحته دعا إلى تهذيب التطلعات الأنانية باستناده إلى القواعد الأخلاقية التي جسدها الإسلام الحنيف.

بل إن سماحته يعتبر سوء نظام التوظيف المعمول به حالياً في دول العالم الإسلامي سبباً من أسباب التضخم المالي وارتفاع الأسعار، حيث يقول:

(يحدث التضخم في موارد:

1 ـ فيما إذا كانت مصارف الدولة كثيرة بسبب الجيش الزائد.

2 ـ أو بسبب الموظفين الأكثر عدداً من القدر اللازم للمصالح الواقعية للأمة.

3 ـ أو بسبب زيادة الرواتب ولو للجيش والموظفين الذين هم بقدر الحاجة.

4 ـ أو بسبب أن الموظفين ليس لهم كفاءة، وإن كانوا بقدر الحاجة، ولم تكن رواتبهم أكثر من القدر المعتاد، إذ معنى الموظف غير الكفء انه لا يعمل بقدر راتبه، فهو يستهلك كثيراً ولا يعمل إلا قليلاً فإذا كان من جانب عمل بالمستوى، ومن جانب عمل دون المستوى، كان معناه أن العامل دون المستوى يسرق من عمل العامل بالمستوى)(5).

فالعدل هو الأساس الأول في تحديد المكافآت، بناء على متطلبات النشاط الاقتصادي، وبغير ذلك تصبح المكافأة صورة من صور السرقة. وينطبق ذلك حتى على العمال وأرباب العمال، والفلاحين وأصحاب الأرض، يقول سماحته:

(وبهذا تبين أن صاحب المعمل وصاحب الأرض إذا أخذا قدر حقهما الفكري والعملي وسائر الأمور ذات القيمة مما في حوزتهما، لم يكونا سارقين، وإذا أخذا أقل من حقهما كان العامل والفلاح سارقين منهما، وسيأتي في بحث آت قدر قيمة كل من الأمور الخمسة: العمل، والفكر، والعلاقة، والمادة، والشرائط)(6).

فالإمام الشيرازي اعتبر الوظائف والأعمال الأخرى مسؤولية وخدمة للشعب، لا يقوم بها إلا المخلصون المؤهلون لذلك، أما بغير الأخلاق والتأهل فإنهم يقومون بعملية سرقة لجهود الآخرين ويبددون أموال المجتمع.

فإذا توفر الإخلاص والكفاءة فمجال التنافس الشريف، بحسب حاجة البلاد، متاح لجميع من لديهم تلك المؤهلات، والوصول إلى الموضع الذي يمكنهم منه تقديم خدمة أكثر نفعاً للبلاد.

ومن الطبيعي أنه لا يمكن توحيد الناس في مستوى اقتصادي واحد، أو في المستوى ذاته من الوظائف، فالتمايز طبيعة بشرية فردية واجتماعية، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

وبالرغم من كون الفوارق الاقتصادية بين فئات المجتمع وأفراده حقيقة طبيعية رافقت التاريخ البشري، فإن الإمام الشيرازي قد رسم خططاً عديدة لمستقبل الأوضاع الاقتصادية للبلاد الإسلامية بشكل عام، بما ينتج عنه الارتفاع بمستوى معيشة كل فرد، وجعل ذلك عنواناً من عناوين العدالة في البلاد. لسببين متلازمين.

الأول: انطلاقها من المقولات الإسلامية السمحاء، التي جعلت (العدل أساس الملك).

الثاني: اعتبار هدفها هو سعادة كل فرد.

ومن الطبيعي أن السعادة لا تتحقق إلا بتوفر أجواء العدل.

لقد تركز اهتمام الإمام الشيرازي، في نظرته المستقبلية، على إمكانية التحسين المستمر، للوضع المعاشي لعموم الناس.

ويرفض سماحته اتخاذ غنى البلاد، حتى إن وجد، ذريعة للتكاسل والتواكل، إذ انه مهما كان غنى البلاد بالموارد يجب النظر إلى تلك الموارد باعتبارها ناضبة حتماً، كما سبق أن ذكرنا. بمعنى أن التنمية الاقتصادية أرقام ووقائع وتلاؤم مع إمكانيات البلاد، لا رغبة عشوائية في الاستهلاك كيفما اتفق.

ولا نشك في أن سيادة هذه المفاهيم العلمية والعملية المنبثقة من الإسلام والمستفيدة من تجارب التاريخ والأوضاع الراهنة، كفيلة بصنع مستقبل الإنسانية السعيد تحت ظلال الإسلام الحنيف.

1 ـ C. E. Black, The Dynamics of Modernization, New York, 1978, P. 340 .

2 ـ راجع كتاب (الاقتصاد بين المشاكل والحلول) 13 ـ 97 .

3 ـ لسماحة الإمام الشيرازي كتاب كامل باسم (الحريات) فليراجع .

4 ـ الاقتصاد بين المشاكل والحلول 23 .

5 ـ الاقتصاد: ج 2 ص 285 .

6 ـ ن.م: ج 1 ص 210 .