الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

نحو العالم..منهج النهوض

لابد لنا ونحن نحلّل أفكار الإمام الشيرازي بنظرياته وأدائه العملي وخبرته المتنامية نتيجة ممارسته لوظائف المرجعية، بكل ما يتضمّنه ذلك من إدارة وتوجيه ومسؤوليات كبيرة، من أن نتناول مسألة منهج تحقيق النهضة الإسلامية وصولاً إلى الدولة الإسلامية الواحدة، ذلك المنهج الذي أخذ به الإمام الشيرازي، فإن بين النظرية والمنهج في مؤلفاته ومحاضراته وفتاواه وأحكامه، من جهة، وطريقة إدارته لمرجعيته الممتدة إلى كل مكان فيه مسلمون، من جهة أخرى، ترابطاً فيما بين الموضوعين بوثوق إلى درجة يصعب معها على المرء ان يدرك (سر) نجاح حله لهذه المسألة النظرية أو تلك، مثل: النهوض المستمر أو حتمية نجاح المسيرة وتحقيق أهدافها، وعلاقة المرء المسلم بالسلطة، وعلاقة البلاد مع دول العالم الأخرى، وكيفية إنهاء أزمات العالم واختناقاته التي سببها بعد ذلك العالم عن الإسلام.. إلخ..

ونعتقد أن هذه الصعوبة يمكن أن تزول في حالة الانتباه إلى المنهج الذي استخدمه مؤسس ذلك الفكر ومطبقه في الوصول إلى تلك الحلول.

إن الفكر الذي يتبنّاه الإمام الشيرازي ينطوي على عبر ودروس ليس فقط للباحث النظري، بل وكذلك للممارس التطبيقي الذي يحتاج إلى التفكير بماهية القرار الذي يتخذه وبكيفية تناول المسألة المطروحة على بساط البحث.

فالإمام الشيرازي يتناول تحليل عملية النهضة الإسلامية من المواقع (القيمية) بروح المفهوم الأخلاقي للتاريخ، ويعني ذلك بالدرجة الأولى أنه يعتبر النهضة ناتجاً حتمياً للتطور التاريخي، وسنّة من سنن الله في الكون، وما بشّر به الإسلام نفسه، من انتصار الحقّ على الباطل، في ما لا يُحصى من الآيات والأحاديث.

وبديهي أن النهضة يحققها دوماً الناس أنفسهم، إلا أن هؤلاء الناس يعملون في ظروف معينة، وبتوفر مقدمات مادية معينة موجودة موضوعياً، أو بحكم الموجودة تنفيذياً، أي خارج وعي الناس، وغير متوقفة على ذلك الوعي، بل ربما كان لها تأثيرها في رسم حدود لذلك الوعي، وتلك الحدود لابد من تخطيها وتجاوزها لصالح وعي جديد لحالة حضارية جديدة تنبثق من وعي الناس أنفسهم، أو ترتقي بوعي الناس وبالعقل الجمعي ـ حسب تعبير دوركايم ـ إلى مستوى الاقتناع بها والعمل على تطويرها وإثرائها وجعلها في خدمة المجتمع.

إن هذه الظروف والمقدمات ـ شأنها شأن وعي الناس أنفسهم ـ لا تظهر بفعل عصا سحرية، بل تنشأ في سياق التطور التاريخي الطويل بهذه الصيرورة أو تلك. ولذا فإذا كنا نريد تحويل البنية الاجتماعية مسترشدين بذلك الفكر في وجوهه المتعددة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فيجب علينا أن نجعل أفعالنا مطابقة للقوانين الموضوعية للتطور النهضوي ـ الاجتماعي وكذا للظروف والمقدمات الموضوعية ذاتها. ان الاستهانة بهذه القوانين، مما يفسّر حالات الفشل والإحباط والتخبط التي وقعت فيها بلدان عديدة في مسيرتها، إلى حد الهزيمة الكاملة على مختلف الأصعدة.

فالإمام الشيرازي، عندما يحدد أهداف الحركة ومهماتها المولّدة للنهضة وكذلك البنية الملموسة لأنظمة المجتمع لا يلجأ إلى أية تراكيب مفتعلة ولا يسعى إلى تحقيق مشاريع طوباوية مهما كانت جذابة ومهما كانت تخلب الألباب. وإنما هو يسعى دائماً نحو هدفه من وراء الأداء السياسي والمتمثل في بلوغ المثل العليا التي نضجت في أحشاء ممارسة الواقع السياسي القائم والمقدمات المادية والروحية اللازمة لتحقيق تلك المثل بتشخص واف.

وبناء على هذا فإن الإمام الشيرازي لا يدعو إلى انتظار المعجزات، وإنما يدعو إلى تحقيقها، فما كان يعد معجزة وحلماً في الأمس القريب، يمكن أن يصبح، غداً، واقعاً ملموساً، لأنه ـ بكل بساطة ـ لا يؤمن بالشعارات الطوباوية، ولا بالتربع فوق منجزات تحققها الأحلام، وهو دائم التصريح بأن إحراز المنجزات وان بلوغ الشكل الأسمى الذي يطمح إليه المجتمع الإسلامي بكل إصرار بحكم تطوره الاقتصادي والاجتماعي والفكري العقائدي، يتطلب عملاً مريراً ومثابراً، عبر طائفة كاملة من العمليات التاريخية التي ستغير الظروف والناس تغييراً تاماً.

إن الإمام الشيرازي مضطر بحكم التاريخ وموقعه المرجعي إلى تحقيق مثله العليا، وإلى فسح المجال أمام الأجيال الجديدة كي تأخذ مكانها الرحب في عالم التجلّيات المتغيّرة، من مؤسسات ووزارات، كي تحطّم شرنقة الجمود والاندحار والانهيار وتشيّد علاقاتها الجديدة وصيرورتها المعاصرة.

إن نظرية النهضة بمنظور الإمام الشيرازي، شأنها شأن سائر مكونات الفكر السياسي والاجتماعي والاقتصادي لسماحة الإمام الشيرازي هي التعليل النظري والواقعي للتحول من الأساس الشرعي ثم العودة إليه مرة أخرى بعد إنجاز مراحل البناء في جميع أوجه الحياة، فطاعة الله، سبحانه وتعالى، وتنفيذ أوامره لا يتمّ إلا أن يكون الهدف منها، الحصول على رضاه سبحانه وتعالى بتنفيذ مشيئته. فالأمر كلّه من أوامر الله يبدأ وإليه يعود. ولا يمكن أن يوصف هذا الشأن بأنه عملية عنف ضد التاريخ، بل هو إطلاق لعناصر المجتمع الفاعلة، وتفجير لطاقاتها الخلاقة بنفس اتجاه المسيرة التاريخية.

وليس في نظريات الإمام الشيرازي أدنى محاولة لتأليف الطوباويات والتكهن الفارغ بما لا يمكن معرفته أو لا يمكن إدراكه وتنفيذه. فإنه يتناول مسألة النهضة كما يتناول العالم الطبيعي مسألة التطور البيولوجي، مثلاً، طالماً ان متلقي تلك النظريات يعرفون أنواعها وأطوارها أولاً بأول، كما يدركون تحولاتها في اتجاه معين. وكدليل على هذا نذكّر بمقولة سماحته:

(يلزم على الممارسين (للتغيير) أن تكون أمورهم حسب التعقّل وتطلّب الظروف لا حسب ردّ الفعل)(1).

وهذا النصّ الآخر من الكتاب ذاته:

(إنّ فهم السياسة له جانبان: سلبي وهو ما ذكرناه، بأن يفهم الإنسان ماذا يجري في بلاد الإسلام؟ وكيف ذلك؟ ولماذا؟ وأمثال هذه الأسئلة؛ وجانب إيجابي: وهو أن يفهم الإنسان كيف العلاج، فالأمر في المقام هو تشخيص المرض وفهم العلاج إذ من الطبيعي أنه إذا علم الإنسان المرض ولم يعلم العلاج لم ينفع فهمه للمرض شيئاً، ولذا نرى أن المسلمين لما سقطت دولتهم الواحدة انقسموا إلى دولتين، ولما سقطت الدولتان انقسموا إلى أربع دول)(2).

إنّ مراحل النهضة، بحسب المنظور الشيرازي، متعددة يتراكم بعضها فوق بعض، للوصول إلى القمة العليا؛ شأنها شأن بناء الدولة ذاته، وهو البناء الذي يراه الإمام الشيرازي قائماً بحسب أوامر الله، سبحانه وتعالى وبتراض من المسلمين، يقول سماحته:

(أمّا الحكم في الإسلام، فهو مستند إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وإلى الإمام المعصوم (عليه السلام) المنصوب من قبل الله تعالى، وعصمته تمنع من ارتكاب أية مخالفة ولو صغيرة.

وإذا لم يكن الإمام المعصوم، (عليه السلام)، حاضراً، فالحاكم يلزم أن يتوفّر فيه أمران:

الأول: أن يكون جامعاً لشرائط الفتوى، وهي العلم بأمور الدين والدنيا، والعدالة، والذكورة، والإيمان، وغير ذلك مما ذكروه في الكتب الفقهية والأصولية.

الثاني: أن يكون مختاراً من قبل الناس بأكثريّة الآراء، ومثل هذا الحاكم هو السلطة العليا في الدولة.

ويأتي من بعده (الهيئة التطبيقية) أي التي تطبّق الإسلام على الظروف المعبّر عنها بـ(مجلس الأمة الإسلامية) و(الهيئة القضائية) و(الهيئة التنفيذية).

ولعلّ من الأفضل، للابتعاد عن الدكتاتورية إطلاقاً، أن يكون للأمة ثلاثة انتخابات:

الأول: انتخابات السلطة العليا من الفقهاء الذين هم مراجع الأمة (حقيقة لا صورياً أو أجوائياً) فيكون لهم مجلس الشورى، فإذا كانوا في مجلس الشورى تزعّموا الحكم والتقليد معاً، وحكموا بأكثرية الآراء، وإذا خرج بعضهم عن الحكم، ليأتي آخر مكانه، تزعّم الخارجُ التقليد، بدون الحكم.

الثاني: انتخاب رئيس الدولة، مما يُصطلح عليه في الزمن الحاضر بـ(رئيس الجمهورية) ولعل الأفضل أن يسمّى بـ(رئيس الدولة الإسلامية) إذ الأحسن أن تسمّى حكومة البلد الإسلامي بـ(الدولة الإسلامية). وهذا يُنتخب بالموافقة بين (السلطة العليا) و(مجلس الأمة) و(جماهير الأمة).

الثالث: انتخاب (مجلس الأمة) لنوّاب الأمة في انتخابات حرّة، كما ذكرناه)(3).

فهذه كلها مراحل يفهمها المرء المسلم ويتجاوب مع متطلّباتها، وكذا مع مراحل بناء المجتمع المسلم والاقتصاد الإسلامي، والمشاريع التنمويّة.

ورغم هذا فإن الإمام الشيرازي يدرك بأفضل شكل، أنه يمكن أن تنتشر بين القوى الشعبية المنصهرة في عملية بناء النهضة، وعلى نطاق قد يكون واسعاً أحياناً، أوهام ونظريات بعيدة عن مفهوم العمل وهدفيته العامة، وهذه الظاهرة يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار لدى أي تخطيط علمي سليم وذلك بالإيمان الصادق بالمثل العليا لذلك الفكر، تلك المثل التي تحفز الناس وبشكل متواصل وتلهمهم روح المبادرة لتحقيق المآثر. وهذا يجعلهم محصّنين بالرفض الباتّ لجميع الأفكار الطوباوية، والنظريات الشيوعية، والحكم الدكتاتوري، وأي تحريف للمسار العملي المجسد لمتبنيات الإمام الشيرازي.

لأن الطوباوية والشيوعية والدكتاتورية، مهما كانت عناوينها وأغطيتها (وطنية، قومية، دينية، تقدمية، حداثة.. إلخ..) تعني توجيه التطور العام للبلاد في مجرى مفتعل، يجري خارج الواقع والتاريخ، وهذا ينتهي حتماً إلى هزيمة ماحقة وإلحاق خسائر فادحة في المجتمع السياسي برمته، كما يؤدي إلى ظهور بنى اجتماعية سياسية لا تمت بصلة كبيرة إلى الإخلاص الذي تتطلبه النهضة، وإلى المثل العليا المستوحاة من الأساس المقدس.

وقد أكدت تجربة المنطقة والعالم صواب هذا التشخيص، فإن تجارب الانقلابات العسكرية وغير العسكرية، وهي عادة التي ترفع تلك الشعارات وتتغنى بها، تثبت عقم بل وضرر محاولات استخدام العنف ضد التاريخ ومسيرته، لأن تلك التجارب قد جرّت فعلاً، وعلى نطاق واسع إلى نتائج مأساوية فضيعة ما زالت ماثلة للعيان في أكثر من مكان. بل ان الإمام الشيرازي، يؤمن بالسلام إيماناً قاطعاً، ويرفض العنف ما كان هناك مجال للسلام، ومن أقواله المأثورة في هذا الصدد(4):(شعار الإسلام هو السلام).

(وليست الحرب والمقاطعة وأساليب العنف إلا وسائل اضطرارية، شاذّة خلاف الأصول الأولية الإسلامية، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة وما أشبه، وإنما الأصل السلام).

(يجب أن يتّصف القائمون بالحركة (حركة التغيير) بالسلام تفكيراً وعملاً مع الأعداء والأصدقاء، فإنّ السلام أحمد عاقبة، وأسرع للوصول إلى الهدف. السلم والسلام والمسالمة أصول توجب تقدّم المسالم، بينما غير المسالم والعنيف، دائماً يظلّ متأخّراً).

ومن الواضح أن واقعية نظريات الإمام الشيرازي ورؤاه السلمية لا تعني أبداً أن الإمام الشيرازي لا يقدر البطولة والتفاني والإرادة الحديدية القادرة على الرغم من كل شيء على بلوغ الهدف المنشود. لأن هذه السجايا التي لا يمكن بدونها وجود عملية نهضوية كالتي يريد الإمام تحقيقها في العالم، وهي سجايا مهمة جداً في أية عملية من ذلك النوع، أليست النهضة في حد ذاتها معركة اجتماعية سياسية واقتصادية ترتكز على التنمية البشرية، وتهدف إلى تغيير الإنسان نحو تغيير العالم؟

هذه السجايا قادرة أحياناً على تقرير مصير المعركة على انفراد. ولكن إذا لم تتوفر الظروف الموضوعية أو إذا طرح هدف لم تنضج المقدمات المادية والروحية اللازمة له، فإن أقوى إرادة وأصلب عزيمة تبقى عاجزة في آخر المطاف.

إن مبادئ النهضة الإسلامية التي تستند إليها النظرية السياسية لدى الإمام الشيرازي ترتبط ارتباطاً عضوياً بالواقعية التي هي القدر المحتوم للتطور، بمشيئة الله، سبحانه وتعالى. وتتجلى الطبيعة الواقعية لنظرية النهضة، ومبادئها بالدرجة الأولى في أن النهضة تعتبر عملية تشترط المرحلة منها المرحلة التالية وتنبع الواحدة من الأخرى. ويتجسد هذا الموقف بوضوح في نظرية النهضة المستمرة التي يؤمن بها الإمام الشيرازي إيماناً مطلقاً، حتى أنه ليجعل عدم الاستمرار في العمل التغييري من مظاهر الطفولة السياسية(5).

هذه النظرية تنبع من التحليل الشمولي للواقع المحلي والإقليمي والدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار الإرث التاريخي للمسلمين، لذلك فهي تتناول العمليات النهضوية التي ستجري في ظلال الدولة الإسلامية الواحدة، في هذا الموقع أو ذاك لا بصورة منعزلة، بل بالارتباط الوثيق مع ما يجري في المواقع الأخرى، لأن هذا الموقع أو ذاك يعتبر جزءً وعنصراً من النظام بالنسبة لعملية الأداء السياسي النهضوي على مستوى البلدان الإسلامية ككل.

فبالتحليل الشمولي للواقع، وبخاصة حين يُفهم على أنه تشكيلة اجتماعية سياسية اقتصادية، تمكّن الإمام الشيرازي من الكشف عن البعد الإنساني الشامل والحقيقي لمفهوم النهضة.

وبالتأكيد، سيسفر تحول البلاد من سياسة الدكتاتوريّة والتبعيّة إلى النهوض الإسلامي الشامل، عن ظهور ارتباطات جديدة أكثر تعقيداً بين أرجاء البلاد الإسلامية المختلفة، وعناصر المجتمع وتكتلاته. فالبلاد الإسلامية ليست جزراً منفردة، ولا مدناً منعزلة، بل هي منظومة متلاحمة، أما الطوباويون والشيوعيون والاستعماريّون وغيرهم ممن لا يريدون الخير للإسلام ولا للمسلمين، فإنهم يكفرون بشكل آخر ويتصورون إمكان الإبقاء على الانقسامات الجغرافية والديمغرافية بين أرجاء البلاد الإسلامية.

وردّاً على جميع تلك الجهود المحرمة، فإنّ الإمام الشيرازي لا يعرف ذلك النمط من التفكير، وهو غير مستعد أن يتنازل عن قناعته بضرورة تلاحم جميع أنحاء العالم الإسلامي ووحدة ناسه وأهله، فتحت فصل ذي عنوان له دلالته السامية في هذا الصدد (إلى حكومة ألف مليون مسلم) يقول سماحة الإمام الشيرازي:

(إقامة الحكومة الإسلامية الواحدة هو الحكم الذي كان يرفرف على أذهان جماهير الأمة الإسلامية على مدّ التاريخ، وهو الهدف السامي العظيم الذي أريق على مذبحه دماء ملايين الشهداء في البلاد الإسلامية وغيرها. وإقامة الحكومة الإسلامية الواحدة، هو الشبح الذي أرّق ليل الجبابرة، وجعلهم يجنّدون كلّ طاقاتهم للحؤول بين المسلمين وهذا الهدف)(6).

إن القضية ـ على وجه التحديد ـ هي أن فهم النهضة التي يرسّخ أركانها الإمام الشيرازي، ومبادئها النظرية، وفكرها السياسي، وقيادتها المنفذة لها يتطلب ـ بالدرجة الأولى ـ إلقاء نظرة عامة على وضع البلاد الإسلامية وسكانها تاريخياً، ويجب أن لا تؤخذ أمثلة منفصلة ولا حالات منفردة يسهل انتزاعها دوماً من ارتباطات الظواهر الاجتماعية كالنسب والمصاهرة والانتماء القبلي والطبقات والقوميات، وما شابه ذلك، لأن هذه الارتباطات، بمنظور النمو الاجتماعي العام ليس لها حق تمزيق البلاد إلى وحدات ضعيفة، وان من السهولة بمكان إيراد أمثلة مضادة، في الوقت نفسه. إذن، يجب أن تأخذ السياسة طريقها نحو مجمل التطور النهضوي في العلاقات المتبادلة التي تتسامى على الأعراق والأنساب والقوميات والطبقات، لكي نفهم ـ من جانب آخر ـ كيف نبع هذا الفكر من المنظومة الأخلاقية الإسلامية نفسها.

وعلى هذا النحو، يجب تناول السياسة النهضوية كلها للمنظومة الاجتماعية كلها ومحصلة العلاقات والاتجاهات الذاتية الواقعية، بأي طريق وأي مجرى يمكن أن يسير به تطور النهضة كعملية تنضج وتتفتح في إطار المنظومة الاجتماعية المتلاحمة، وليس فقط في إطار مناطق معينة، أو بلدان محدّدة، وهذه الصفة بالذات إحدى الصفات التي مكنت سماحة الإمام من إقناع المسلمين بحتمية انتصار النهضة المأمولة في جميع البلدان الإسلامية، بالرغم من أن بعض المناطق كانت، ومازالت، تعاني أكثر من غيرها من مشكلات التخريب الاستعماري والصراعات الأيديولوجية، والاحتراب القومي، وإذا علمنا أن هذه المنطقة بالذات لن تستطع أن تأخذ طريقها الطبيعي في التنمية إلا بعد أن تتخلّص من كلّ ظواهر التغريب والتبعيّة، أدركنا مدى الإصرار الهائل للفكر السياسي الشيرازي على واقعية نظريته في المنظومة الشمولية للمجتمع كله.

وفي الظروف الحاضرة يعتبر الأسلوب المنظومي في تحليل الأداء السياسي النهضوي أكثر ضرورة مما كان عليه في سنوات سابقة، فالفوارق بين التكونات والكيانات غدت أضيق من السابق بكثير، كما ازدادت درجة الترابط والاعتماد المتبادل بين أجزاء البلاد الإسلامية ومناطقها المتنوعة، وأيضاً في داخل كل منها، بفعل توسّع طرق المواصلات، وتطوّر أجهزة الاتصال.. وغيرها.

وباشتداد عملية انتشار مبادئ وأهداف الإمام الشيرازي، وخصوصاً بنمو جوانب الحياة المتعددة، في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والثقافة والشورى ووسائل الإعلام، صار من غير الجائز تناول مسألة المقدمات والظروف المادية والروحية لبدء النهضة الإسلامية المرتجاة، وأشكال تطورها وكذلك العقبات التي تعترض مسيرتها، في موضع معين أو منطقة محددة، إلا بمراعاة النظرة الشمولية لذلك كله في أرجاء البلاد الأخرى، وكذلك بمراعاة طبيعة المناطق، وطبيعة السكان الذين يعيشون في كل منطقة، وتنوع المواد الأولية، وصلاحية استثمارها في هذه الوجهة أو تلك من وجوه التنمية السياسية على صعيد الاقتصاد بوجوهه المختلفة من زراعة وصناعة وتجارة وغير ذلك.

ولا يعني ذلك أبداً أن الإمام الشيرازي، يرى أن الاختلافات الذاتية عن المناطق الأخرى، أو الظروف الداخلية القائمة في البلاد المعنية لم تعد تلعب الدور الرئيس في عملية النهضة، وتترك المجال لإنجازات المناطق الأخرى أن تطغى على جهودها الخاصة، كلا، فهي لا تزال جزءً من البلاد الإسلامية ونهضتها، ولا ينبغي في أي وقت من الأوقات أن تعزل إحدى المناطق نفسها عن بقية أرجاء العالم الإسلامي، بأيّ حجة كانت، مكتفية بما حققه لها التاريخ، أو ما سيصل إليها من ثمار النهضة في المناطق الأخرى؛ ومن هنا كان حرص الإمام الشيرازي على التوازن المطلق في تخليق الحالات النهضوية في كل المناطق والبلدان الإسلامية، بحسب طبيعة كل منطقة واحتياجاتها وقدراتها.

والصفة الأخرى الملازمة للتحليل الشيرازي لنظرية النهضة هي واقعية الأُسلوب. فإذا تناولنا فكر الإمام الشيرازي لرأينا انعدام المحاججات العمومية وادعاء الخلود للوسائل المتغيّرة بطبيعتها، في تسيير الدولة وإنشاء مؤسساتها، لأنّ المؤسسات تتغيّر من زمن إلى زمن، ومن عصر إلى عصر.

فالإمام الشيرازي يفرّق بين أمرين، بين ما هو ثابت على مرّ الزمن، كالإيمان بالله وأخلاقيات الإسلام ومقولاته، وبين الوسائل التي تحقّق ذلك كالمؤسسات والوزارات وغيرها. وبناء على ذلك لا نجد في تلك النصوص غير التحليل الملموس للوضع الحاضر ووصفه لما هو عليه من سوء وتردّ وبين المستقبل الزاهر الذي ينتظر الأمة على شواطئ النهضة وبناء دولة الإسلام الواحدة. وأما ما نجده أحياناً من تعميمات وروايات وحكايات في طوايا عرض ذلك الفكر، فهي فقط تلك التي يستفيد منها التحليل الدقيق الشامل للظاهرة المدروسة إضافة إلى نتائج اختبارها في الممارسة والتطبيق، بذكر الشواهد التاريخية، وتقريب المراد من أذهان السامعين والقراء المعاصرين.

كما أن ذلك الفكر لا يمت بأية صلة إلى النفعية الذاتية الضيقة لأنه، وبما فيه نظرية النهضة، قد ولد من حاجات التطبيق وحاجات العمل الفعلي في إنجاز مخططات المستقبل الإسلامي.

لقد كان ارتباط النظرية بالتطبيق، وفحص النظرية بالتطبيق، ولا يزالان جزءً من طرق عرض المبادئ الأساسية التي تستند إليها نظرية النهضة الشيرازية. ولذلك بالذات، يراقب المعنيون بشؤون التطور العالمي ـ بكل اهتمام ـ التغيرات وأساليب الأداء السياسي المناوئ للتخلف والجمود والمشكلات التي يشكو منها المجتمع المسلم، والحلول التي يقدّمها سماحة الإمام الشيرازي.

وبلاك شك، فإن من شأن تلك المراقبة، أن تؤدي إلى التحليل الذي يمكن أن يغني نظريات النهضة والتحول في أرجاء أخرى من العالم، كما أن مراعاة النتائج يمكن أن تعجل في تطور الفكر السياسي العالمي نفسه.

1 ـ ممارسة التغيير 130 .

2 ـ المصدر السابق 120 .

3 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 241 .

4 ـ السبيل 143 وما بعدها .

5 ـ ممارسة التغيير 172 .

6 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 11 .