الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

دور الشعب في تأسيس الدولة الإسلامية

ربما يتخيل بعض الناس أن العمل التغييري يتم بقوة سحرية، أو أن الله سبحانه وتعالى سيغير الحال السيئ إلى حال حسن، من غير أن يبذل الناس جهداً من أجل ذلك. ولكن هذا مجرد تخيّل ووهم ليس له نصيب من الصحة.

والإمام الشيرازي يذكرنا بأن الله سبحانه وتعالى أمر الناس بأن يكونوا مسلمين صالحين لذلك يقرر سماحته في مؤلفاته أن العمل التغييري يعتمد على جهود الناس وتضحياتهم.

ولكن يذهب بعض المؤلفين إلى أن الأوضاع السيئة الحالية لا تسمح بأن ينمو العمل التغييري أبداً.

إلا أن الإمام الشيرازي يقرر أن الأوضاع السيئة الحالية بالنسبة للدول الإسلامية ودول العالم كله، تمهد، أي تلك السياسة المتخبّطة والمحنّطة في أروقة الاستبداد والديكتاتورية والتبعية، التربة لصالح السياسية التغييرية الجديدة، لانطلاق الأمة من جديد لأن الأمة الحيّة لا يمكن أن تستكين للسوء والشر والانحطاط.

وفي كل مرحلة من مراحل التغيير لابد أن تتولد مشاكل ولكن الشريعة كفيلة بحل أي مشكلة، إذا أخذها كما هي وكما قدمها لنا الإمام الشيرازي في مؤلفاته ونظرياته، مما يمكّن المجتمع من السير قدماً في طريق تحقيق أهدافه. وحل هذه التناقضات هو من أبرز مهمات الحكومات إن كانت حريصة على مصالح شعوبها وحريصة على الاستجابة لأوامر الله، سبحانه وتعالى.

ولابد من الاعتراف أن ساعة البداية في النهضة الإسلامية المأمولة كانت منذ أول ظهور الإسلام، ثم بتعاقب جهود المسلمين وعلمائهم وفقهائهم وثوارهم عبر التاريخ، مما شكّل خطوات جديدة على طريق نشوء المقدمات المادية والروحية للنهضة الإسلامية المنشودة، مع الوعي الاجتماعي الذي يجب أن يرسّخ باتجاه الوصول إلى هذا التغيير الجديد. وعلى هذا فلا يمكن إغفال أن العصور السابقة هي تحضير مادي حقيقي لإرادة التغيير والنمو، بملاحظة تنامي وعي الناس، والتغيرات الإقليمية والعالمية وهو ما يسمى بمقدمات التغيير، ويمكن تحديده في درجات السلم التاريخي لتنامي الوعي بأن النهضة ترتسم مباشرة وعملياً من كل إجراء كبير يشكل خطوة إلى الأمام، وبناء على هذا نجد لدى الإمام الشيرازي اهتماماً كبيراً بأحداث التاريخ وقصصه ومروياته، لاستيعاب دروس التاريخ، وبيان المقدّمات التي ستنبني عليها النهضة الإسلامية القادمة، بإذن الله، سبحانه وتعالى.

وهنا قد يظهر سؤال يقول: فيم يتجلى هذا (التحضير) عملياً؟ والجواب الذي يقدّمه الإمام الشيرازي فحواه أن هذا التحضير التاريخي للنهضة المنشودة يتجلى بالدرجة الأولى، في تهيئة المقدمات الماديّة، والنفسية أو الروحية لتوجيه تلك المقدمات نحو المنفعة العامة. فالنهضة تزيد كثيراً من إنتاجية العمل وتطور القوى المنتجة، والتقنية والعلم وغير ذلك، بل ان هذه الأمور هي جوهر النهضة. وتقوم أيضاً بخطوات نحو المزيد من تحقيق الرفاهية وتصاعد وتيرة المشاركة في صياغة السلام والحضارة العالمية. والهدف المباشر لهذه الخطوات ـ إسلامياً ـ هو الإنسان، وتعزيز مكانته وكرامته وسعادته، وهذا هو الهدف النهائي، أي تجسيد عمليات التغيير ومركزية الشريعة فيها، وهذا، بالنتيجة النهائية الضمانة الأكيدة لنجاح تحويل المجتمع بشكل يمحو الاستغلال، ويؤمن الغد المشرق للإنسانية كلها. ويمكن التأكد ـ بكل ثقة ـ أن درجة الاستعداد المادي والروحي لدى مسلمي العالم لتحويلهم إلى مستوى حضاري آخر تزداد بشكل مطرد في ظروف التمتع بالوعي الروحي والتطلّع نحو منجزات النهضة الإسلامية في تحقيق كرامة الإنسان وتوفير حقوقه، تلك الحقوق التي يراها الإمام الشيرازي متمثّلة في الحريات الواسعة التي منحها الإسلام للإنسان، بما يتجاوز الحريات المعروفة في عالم اليوم بعشرات الأضعاف. كما تتمثّل تلك الحريات بتوفير الإسلام حقوقاً للإنسان لم تحلم بها البشريّة بعد.

وهكذا يجري، عبر التاريخ ورواياته والمنقول من أخباره، اختمار المقدمات الروحية والمادية للتغيير الجديد ليس في ميدان واحد من ميادين الحياة فحسب، بل في جميع الميادين، وبملاحظة ان هدف النهضة هو الإنسان، فإن التغيير الأكبر سيصيب العلاقات الاجتماعية نفسها؛ وأن من الطبيعي أن يتشكل المجتمع الجديد من عدد من الشرائح ما بين الصناعيين والتجارة والحرفيين الصغار والمزارعين والموظّفين والطلبة الذين وإن كانوا من مستويات اجتماعية متفاوتة إلا أنهم ـ بهذا القدر أو ذاك ـ لهم موضعهم في مجمل التركيبة الاجتماعية الجديدة. وعلى القائد السياسي أن يستوعبهم ويستوعب مشكلاتهم بالتأني والتوجيه السديد والانشداد إلى الأساس المقدس ذاته. وتنشأ من جراء هذا التشكل الجديد للمجتمع مؤسسات غير رسمية، وأنظمة للتعليم والإدارة والاتصالات، والإعلام، والثقافة.. وغيرها... وبضمن ذلك كله تولد الحاجة إلى المشاركة الشعبية التي تتخذ في دول العالم المختلفة أشكالاً شتى، كالحزبية، والديقمراطية، في الدول الغربية وبعض دول العالم النامي، وكالتعددية في دول أخرى، وكالمجالس الاستشارية ومجالس الشورى في دول ثالثة، وخاصة الدول التي تصف نفسها بالإسلامية ذات الفكر الأساسي الموجّه، أو المفترض أنه يوجه المسيرة السياسية العامة للدولة.

إن كل نوع من أنواع المشاركة المذكورة ليس شعاراً يرفع أو تطبيقاً حرفياً لما في دول أخرى، فما يصلح في مكان لا يشترط فيه صلاحيته في مكان آخر. فهذه النظم إنما نشأت في الدول الغربية تعبيراً عن مصالح اقتصادية معينة، خاصة في مرحلة صعود نجم الاشتراكية والشيوعية، كما أن الديمقراطية بمضمونها الغربي، هي وليدة المجتمع الغربي نفسه، بنظمه الأخلاقية الخاصة، وظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية وإفرازاتهما... ولقد أثبتت الأحداث في بلدان العالم الثالث أن هذه التجربة، إذا أخذت بموجب التقليد للغرب تقليداً أعمى، غير نافعة لمجتمعات أخرى، بل بالعكس تماماً، إذ أثبت الواقع أنّها قادتها إلى انهيار تام وشامل على مختلف الأصعدة، لأنها ـ أساساً ـ نماذج لم تفصّل على مقاساتها واحتياجاتها وقناعاتها الروحية والأخلاقية، وأوضاعها الاقتصادية.

وهكذا فإن العناصر الإيجابية للديمقراطية الغربية يمكن أن يستفاد منها على صعيد العالم الثالث لإثراء تجارب المشاركة الشعبية، مع الأخذ بنظر الاعتبار نظرية (التقابل والاندماج) بين كل من السلطة والشعب، والتي سبقت الإشارة إليها؛ حيث إن الإمام الشيرازي قد أعلن أن السلطة في البلاد هي سلطة الشعب، وأن الحكومة هي امتداد لذلك الشعب، تعمل على خدمته وتحقيق تطوره.

وقد أثبتت النهضة الإسلامية عبر التاريخ، وفي الأوقات التي أتيح لها أن تتبدّى فيها، ولو بجزء من عظمتها ـ والتي هي التجلي الأمثل لذلك الفكر ـ أنها لا تستبدل شكلاً للاستغلال بشكل آخر له، بل إنها تضع حداً للاستغلال كظاهرة، وتدشّن عصر التاريخ الحقيقي للشعب المسلم.

ولذلك لا يمكن للمجتمع الجديد الذي يبشّر به الإمام الشيرازي، بعلاقاته الجديدة، ونظمه الإدارية، أن ينشأ بشكل جاهز في أحشاء المجتمع القديم، ونعني به هذا المجتمع المضطرب والمتخم بالمشكلات والمآسي، فهذا المجتمع الحالي، والذي سيكون مجتمعاً (ماضياً) في عصر الدولة الإسلامية الواحدة، يهيئ فقط القاعدة الروحية، وشيئاً من المقدمات المادية، لبدء عصر النهضة بتصفية أعمال التخريب والتسيّب ومن ثم التطوير المتناسق لشخصية الفرد، وغيرها من الظواهر الملازمة للتشكيلة الاجتماعية. ان وجود مستوى معين لتطور مقدمات النهضة هذه، هو الشرط الموضوعي للتقدم.

ولكن، ألا تهّيئ الأحوال الآنية للمجتمعات الإسلامية، بالإضافة إلى ما سبق، بعض أجزاء النهضة الإسلامية المنشودة؟

هذا السؤال ـ في الحقيقة ـ غير ذي موضوع، ولابد أن أنصار الدكتاتوريات والتخلّف في هذه المنطقة من العالم هم من وراء إثارته بين حين وآخر... حيث يقولون أنه للآن لم يستطع المسلمون، وبعد أربعة عشر قرناً من ظهور الإسلام، من إقامة دولة الإسلام بالصورة التي يحلمون بها، فهل سيستطيعون ذلك؟ ومتى؟ وبخاصة أن المجتمعات الإسلامية الحالية منهارة تماماً، بحيث يمكن أن يستفيد أهل التغيير من سلبياتها وينتقلوا بها إلى المجتمع الإسلامي المنشود؟ ثم يخرجون من هذه التساؤلات إلى فرضية مفادها استحالة إقامة حكم الله على الأرض، واستحالة إقامة دولة الإسلام وإعادة المجتمع الإسلامي إلى الحياة!!

لقد قلنا إن الأحوال السابقة، وبطريقة إيجابية أو سلبية، أمّنت جانباً من جوانب (الرغبة) الشعبية في التغيير، ولكن هذا الجانب لا يمكن ـ حتى لو استمر ـ أن يؤدي إلى نهضة نوعية وكمية شاملة، ولا يسفر عن تحول جذري جادّ في الأوضاع العامة للبلاد.

صحيح إن السياسة الديكتاتورية والسيطرة الأجنبية تعمل على تفريغ القيم الأخلاقية والتقاليد والعادات من حيويتها أو حركيتها الخلاقة، وتريدها أن تظل محافظة على حالها بصورة جامدة أو شبه جامدة، غير قابلة لتطور الاجتماع، بحيث يسهل استغلالها وتوجيهها من قبل أعداء الأمة والمستبدين من حكامها، بما من بشأنه أن يفجر وبخطورة بالغة كل الأسس الصالحة للنمو والتقدم، وقد حدث مثل ذلك الانفجار في دول عديدة في العالم الإسلامي الحالي، باستغلال الشعارات الدينيّة لتزييف الدين واستغلال الناس ومصادرة حقوق الإنسان.

هذا من ناحية.. ومن ناحية أخرى فإن الفكر السياسي الرصين المنبثق من أرضية صلبة. كما هو الحال في (الأساس المقدس) بالنسبة للفكر السياسي الشيرازي، يستطيع أن (يحافظ) على القيم والعادات والتقاليد النافعة، وأن يشذّب كل ذلك ويهذبه، ويرتقي به إلى مستوى ما يتطلبه (الأساس المقدس) وتفرضه نظرية النهضة، ويجعله أساساً مكيناً لعمليات التنمية والتطوير، من غير أن يدفعه إلى خسران هيمنته على عمليات الأداء السياسي المتنوعة؛ وينبثق كل هذا من حقيقة أن النهضة لا تتحقق ـ بشكلها العلمي النافع ـ ما لم يكن ذلك متزاوجاً مع القيم الخلقية السامية، وبسعي دائب من حملة تلك القيم أنفسهم، على أن يتحولوا إلى قوى حقيقية وذات تأثير جبار في المسار المستقبلي للأداء النهضوي المؤذن بانتصار دولة الإسلام على قوى التخلف جميعاً.

غير أن من التطرف غير المقبول أن يقال إن المجتمعات الحالية الموصوفة بالإسلامية مستعدة للقفز فوق الواقع والوصول، فجأة إلى الوعي الإسلامي الذي يقود إلى عملية التغيير، فهذا حلم لا حقيقة له. فإن الشواهد الماثلة تدفعنا إلى تقرير أن في أحشاء هذه المجتمعات ثمة شيء من الرغبة، والإحساس بضرورة البدء بالعمل النهضوي، غير ان هذه الرغبة لا تعني أكثر من كونها رغبة، ونعتقد أنه لولا ما قدمه الإمام الشيرازي، بنظرياته الواقعية، وممارسة الوظيفة السياسية في الحياة المرجعيّة والكشف عن قوانين نمو النهضة وتطوّر عملية التغيير، لأصبح الشوط أكثر طولاً وعرضاً وصعوبة، وليس من يُنكر أساساً دور السيد الإمام الشيرازي في تنمية الوعي الإسلامي سواء في داخل العراق أم في خارجه، ولا حاجة لتوضيح ما هو واضح لكل ذي بصيرة وقلب سليم.

وفي الظروف الحالية، حيث اتسعت جبهة الوعي، والموقف القوي الذي يتخذه الإمام الشيرازي ضدّ التقوقع والانكماش في هذا الموقع أو ذاك، من النفس ومن المجتمع، وحيث تتشابك أجزاء ذلك الفكر ومكوناته الأساس، من أجل تغيير الوضع العام والخاص للمسلمين، فإنه يمكن البرهنة على أن المجتمع الحالي لا يحتوي على جميع شروط البدء بالنهضة، فلابد من مواصلة التوعية، وممارسة العمل التغييري باستمرار.

وعلى كل حال، فمهما كان الرأي في هذا، فإن الواقع يؤكد ان أية (أجزاء) من مقدمات النهضة وشروطها مما يختمر في أحشاء المجتمع اليوم لا يمكن أن تؤدي عفوياً وبحد ذاتها إلى النهضة، ما لم يحدث انتقال الحكم نفسه إلى مستوى آخر، ذلك المستوى الذي يتشكّل بناء على المنطلقات الإسلامية، مما وضّحه الإمام الشيرازي بجلاء ووضوح كافيين.

إن علم السياسة الحديث يقرر أن للعلماء الواعين الدور الأول في تغيير بنى المجتمع، وعليهم تطوير الأداء السياسي وتصعيد العمل النهضوي، بامتلاك الإرادة الواعية والنزاهة والإخلاص، أي أن السلطة الفقهائية ومن معها ممن نذر نفسه للتغيير، وهي تلك القوى التي تمتلك فكراً سياسياً علمياً هي التي تستطيع أن تستفيد مما يختمر في أحشاء المجتمع، وهي التي تستطيع ان ترسم الطريق الصحيح للوصول إلى الغايات. وصحيح ان المهارات التي يكتسبها المسلمون، وراثة أو ممارسة، لها دور لا جدال فيه لإنجاح بدايات النهوض والتطور، إلا أن المجال الذي تستخدم فيه المهارات بجد، لن يكون له أن يتهيأ من غير قيادة العلماء والفقهاء.

ولذلك تعتبر أجزاء مقدمات النهضة الناشئة في (العقل الجمعي) حالياً، ممثّلة لشكل خاصّ، له في واقع الأمر تأثير نسبي يكمن في القبول العام بالنهضة باعتبارها تحقيقاً للمشاعر الداخلية، سواء أدرك الناس تلك المشاعر أم لم يدركوها بوضوح كاف.

ومن البديهي أن تزايد عدد (أجزاء) مقدمات النهضة واتساع نطاق تأثيرها في أحشاء المجتمع الحالي مرتبط بتغير الزمن، وتسارع التبدلات التي شهدتها المنطقة الإسلامية، حتى تصبح تلك (الأجزاء) قادرة على التأثير في تصاعد وتيرة التنمية والأسلمة وهما أهم دعائهم النهضة. ولذا صار من اللازم أن ينظر القائمون بالتغيير إلى هذه (الأجزاء) وأن يعملوا على تشذيبها وتنمية الموجب منها بما ينسجم مع المسيرة الجديدة، وأن يراعوه في كل نشاطاتهم وصور أدائهم؛ وبرغم أن الإمام الشيرازي لا يؤمن بمبدأ الطفرات وتقليد المجتمعات الأخرى، فهذا المبدأ يسببه ضيق الصدر وانعدام الصبر، ولا يراعي أولويات الحركة، فلا تكون نتيجته إلا الفشل، ولنقرأ هذا النص:(من الضروري على أعضاء الحركة (حركة التغيير) فهم روابط الحياة، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الحياة ذات روابط خاصة، وأسباب ومسببات، وعلل ومعلولات، واللازم على الإنسان الذي يريد هدفاً أن يتّبع الطريق المجعول لذلك الهدف، فإن الله، سبحانه وتعالى، أبى أن يُجري الأمور إلا بأسبابها)(1).

غير أن الإمام الشيرازي، وبتحليله للتاريخ وحوادثه، يؤصّل فكرة أنّ (الطفرة) ضرورية في حالات معيّنة، وهي الحالات التي تحدث فيها المعجزات، مثل ناقة صالح وعصا موسى، ونزول القرآن الكريم، حيث تبدأ بهذه المعجزات عصور جديدة من النهوض. ولذا فإن (الطفرة) المقصودة بالرفض لدى الإمام الشيرازي، هي التي تتمّ في سياق مسيرة النهضة ومسيرة العمل التنويري، وليست التي تتم في نقطة الانتقال من عهد إلى عهد مختلف. لأن جميع (الأجزاء) النهضوية التي أشرنا إلى اختمارها في أحشاء المجتمع اليوم، لا تستطيع أن تتجمع في مسيرة نهضوية شاملة ما لم ينسّق خطواتها فكر سياسي واعٍ له ميزاته العلمية والواقعية، بحيث يستطيع الاستفادة من تناقضات هذا الواقع، لتعميق المسيرة العامة للبلاد والمجتمع، نحو الدولة الإسلامية المنشودة.

فالحاجة إلى الفطرة ـ إذن ـ من وجهة نظر الإمام الشيرازي، تظل قائمة في حالة الانتقال من حالة إلى حالة أخرى مغايرة، وقد تكون مناقضة للحالة السابقة، كلياً أو جزيئاً؛ فأما في المسار الطبيعي للنهضة المحكومة بفكر سياسي ناضج، فإن أسلوب الطفرة أسلوب ضار جداً، لأنه لا يمتلك الواقعية السياسية ولا المهاد الاجتماعي الملائم، على ما يحدث في الانقلابات العسكرية القائمة على المتاجرة بالشعارات الهدّامة، التي يحدّد الإمام الشيرازي موقفه منها بوضوح وجلاء وحين يتحدث عن سبل الوصول إلى الحكم، فيجعل النقطة الثانية:

(الخداع، بأن يجتمع جماعة من العسكريين ومن إليهم، ثم يقفزون على الحكم بالسلاح ثم يفعلون ما يشاءون من الانغماس في الملذات، وقتل الناس، ومصادرة أموالهم، وملء السجون بهم، وخراب البلاد (وبعد أن يضرب سماحته جملة من الأمثلة على ذلك، يقول) وهذا القسم، كان في الزمان السابق متداولاً بدون الاستعمار، وفي العصر الحاضر يتعارف ذلك بمعونة الاستعمار في قضايا معروفة، ولا تحصد البلاد من وراء أمثال هؤلاء الحكام إلا الدماء والخراب والقتل والحرب والسجن والتعذيب والاضطرابات والإضرابات والمظاهرات والثورات.

وقد يأتي الحاكم إلى الحكم، ولما يصل يمهّد الجو لنفسه، ليعمل بعنف يصادر الحريات ويسلب الأموال ويملأ السجون، ويحطم البلاد، اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، بتحطيم الكفاءات واستقطاب الإمعات، ومن الواضح أنّ الحكم لا يبقى مع العنف، فقد قال علي (عليه السلام): (من علائم زوال الحكومات تقديم الأراذل وتأخير الأفاضل).

والسبب واضح، حيث إن الإمعة لا تأتي معه الإدارة، لعدم كفاءته فيأخذ الحكم في الذوبان حتى يسقط.

ولا يخفى أن صفة الحاكم هذا أنه يقطع عهده بأصدقائه، ويحاول الانتقام من المحسنين إليه، ويقتّل الناس، ويتنكّر لعهوده، ويتخلى عن الرحمة، ويسلب أموال الرعية، إما لنفسه إذا كانت له شهوة جمع المال، وإما باسم المشاريع العمرانية أو تحت ستائر أخرى، وترى البلاد في عهده أقرب إلى الشعارات من الحقائق، والكلّ يسبّح بحمده، ويذكرون له ما لا يتّصف به، ويحتقرون أعمال الآخرين، إلى غير ذلك من لوازم الفرديّة)(2).

نخرج من هذا بنتيجة مفادها أن التطور المعتمد على أسلوب الطفرات يقتصر باستمرار على التحديث فقط ويتوقف عنده، من غير أدنى تطوير حقيقي في طبيعة التفكير السائد، مما يدفع إلى ظهور مجتمع استهلاكي، يتعامل مع منجزات التحديث نفسها بالعقلية السابقة، ذاتها، التي كان يتعامل بها مع ممتلكاته القديمة. ولقد حدث في بعض الدول الإسلامية الحالية بالذات وإثر انقلابات عسكرية، أن الحكومة تعمد إلى سن قوانين يعجز أبناء المجتمع عن استيعابها والتأقلم معها مما يسبب فشل تلك القوانين والأنظمة التي شرّعتها، وكمثال على ذلك نرى أن الحكومة العراقية في سنة 1959 م قد شرّعت قانون الإصلاح الزراعي الذي اعتمد على مصادرة الأراضي من الملاك وتوزيعها على الفلاحين، وكان هذا القانون يمثل (طفرة) غير محسوبة، لا من الناحية الشرعية ولا من الناحية الاقتصادية، ولا من الناحية الإنسانية، سواء مع طريقة الإنتاج الزراعي، أم مع متطلبات (الطفرة) الجديدة، فكانت النتيجة فشل القانون تماماً، وهجرة الفلاحين إلى المدن الكبرى، وخاصة العاصمة، بغداد، وهناك ـ في مهاجرهم الجديدة ـ لم يستطيعوا أن يتأقلموا مع متطلبات المدينة، فظلوا على هامش المجتمع، فلا هم احتفظوا بارتباطاتهم القديمة، ولا هم استطاعوا أن يتحولوا إلى عناصر منتجة، وبالتالي أصبح البلد مستورداً لغذائه بعد أن كان مصدراً لفائض كبير من الإنتاج الزراعي الهائل. وهكذا قل عمّا حدث في مصر وغيرها، وفي بلدان أخرى اعتمدت أسلوب الطفرات نرى أن (التحديث) أصبح عبئاً ثقيلاً على ميزانية الدولة وذا تأثير سلبي على اقتصادها، فاستيراد ـ الكومبيوتر ـ مثلاً يجب أن يتزامن مع وعي قادر على الاستفادة منه استفادة مثلى، إن لم نَقُل تطويره، على الأقل، أو تصنيعه، وذلك كله لا يمكن أن تحققه (الطفرات) بل يحققه التقدم المحسوب والتنمية السليمة المبنية على نظرية لنهضة شاملة يحكمها فكر سياسي واع، وبالمشاركة الشعبية الفعالة.

ولا يقتصر الأمر على التحديث في مستوى نقل التكنولوجيا، وإنما يمتد ليشمل نقل التجارب السياسية نفسها، ان التغيير السياسي المعتمد على الطفرة الفجائية يكلف البلد غالياً، كما هو ملاحظ تماماً في أوضاع المجتمع الجزائري ـ مثلاً ـ في (الطفرة) التي حدثت أواخر عهد الشاذلي بن جديد، في إدخال الديمقراطية الغربية بقضّها وقضيضها على المستويين الرسمي والشعبي، وبمضمونها الغربي إلى مجتمع غير مؤهّل لقبولها على الرغم من الادعاءات التي تذكر غير ذلك. كما عانت دول أخرى من مذابح جماعية وحروب أهلية بسبب تلك (الطفرات) النظامية أو الأيديولوجية، أو الأخذ الحرفي بتجارب شعوب ذات مستوى حضاري مغاير، بمنظور العادات والقيم الجمعية.

إن عدم اقتناع الإمام الشيرازي بأسلوب الطفرات في نظريته لصنع الدولة الإسلامية ونهضة المسلمين، يعود إلى أن (أجزاء) مقدمات تلك الدولة والنهضة في المجتمع الجاهلي القديم، لم تكن بحاجة إلا إلى (طفرة) واحدة، أو نقلة واحدة من عهد إلى عهد آخر، تمت بنزول الوحي على الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأما ما بعد ذلك فلا مسوغ لطفرة أخرى، وإنما هناك حاجة مستمرة، للواقعية والتقدم المتزن المحكوم بذلك الفكر.

ومن هنا نتبين أن الإمام الشيرازي يعتقد ان تأسيس الدولة الإسلامية لا يمكن أن يحدث في حال تراخي المسلمين عن تحقيق ذلك الأمل المنشود، ولن تحدث طفرة جديدة، ولم ينزل قرآن آخر ليهديهم إلى سواء السبيل، فلديهم كل المقومات التي تساعدهم ليستهلّوا عهداً جديداً يستثمر (أجزاء) النهضة الكامنة في أحشاء المجتمع، ثم يصوغونها من جديد، ويطلقون طاقاتهم للإبداع والعمل النافع، ناظرين إلى طبيعة الناس وطبيعة مناطق البلدان الإسلامية كلها، من حيث التاريخ والجغرافية ومشكلاتها الاجتماعية الآنيّة التي قد تختلف من بلد إلى آخر، ثم يبحثون عن وسائل تحقيق التنمية البشرية والتطوير الملائم لكل منطقة، كما سبق أن أشرنا إليه.

إن هذا النوع من التفاوت بين البلدان الإسلامية، سواء التفاوت الجغرافي والسكاني، أم التفاوت الاقتصادي، أو التفاوت في إرادة السلام الاجتماعي، سوف يحدد كذلك كثيراً من صفات النهضة والعمل التغييري في كل منطقة، بما فيها حركية سيرها ووتائر التطور، وطابع الأولويات، ويرتبط أيضاً بتفاوت نوعيات (أجزاء) مقدمات النهضة الكامنة في كل منطقة.

إن هذا التفاوت يجعل النهضة، من وجهة نظر الإمام الشيرازي تتخذ مسارات متعددة، بتعدد المناطق المختلفة تقريباً، ففي بعض المناطق يكون من السهل البدء ببث الوعي، أي وعي النهضة اللازم للبدء بالعمل التغييري، ولكن إنجاز هذا الأمر تماماً أمر صعب؛ وفي مناطق أخرى يكون من الصعب البدء، ولكن الإنجاز سهل، وفي مناطق أخرى يصبح الأمران سهلين، الانطلاق والإنجاز، بحسب القوى الاجتماعية المؤهّلة للتضحية والعمل التغييري. وإن من أهم ميزات نهج الإمام الشيرازي في هذا الصدد تيسير الوعي الضروري لتسير البلدان في إيقاع واحد نحو إنجاز متبنياتها الحضارية، وتحقيق حلمها الدائم، الدولة الإسلامية الواحدة، بضمن إطار المتغير النافع، وصدق الله العلي العظيم بالتبشير الذي لاشكّ فيه: (ونريد أن نمنّ على الذين استُضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين)(3).

ويؤكد الإمام الشيرازي أن النهضة تنتصر ـ بشكل عام ـ في جميع المناطق الإسلامية، بل في جميع مناطق العالم، وهي مناطق ذات مستويات متباينة للتطور الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، برغم اختلاف مستوياتها الحالية؛ وبيّن هذا الفكر كذلك أن نشوء العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية يمكن أن يجري بوتائر أسرع حتى في المناطق ذات المستوى غير العالي نسبياً من حيث توفر (أجزاء) مقدمات النهضة، كما هو الحال في المجتمعات البدائية في أدغال أفريقيا مثلاً.

ونصل من هذا إلى أنّ بثّ الوعي، وإيجاد الأرضية الصالحة للحركة، يرتبط، إلى حدّ كبير، بتطور مواقع الدول حضارياً وازدياد قدرتها على العمل والإنتاج، ونضوج فكرها السياسي، وتعمق التلاحم بين الحركيين التغييريين وعموم أبناء المجتمع.

وثمة نصوص كثيرة تجسّد هذا المعنى، في كتابات الإمام الشيرازي، وبخاصة في تحديد نظرته إلى دور الثقافة في تسريع عملية التغيير، يقول سماحته:

(قلنا فيما مضى أنّ الثقافة هي التي تعيّن اتجاه الإنسان، إن خيراً فخير، أو شراً فشرّ... مثلاً: الشخص الذي يذهب إلى المبغى فإنّما توجّهه ثقافته نحو ذلك، والذي يذهب إلى المسجد فإنّما يسير بدافع من ثقافته.

هذا في الجزئيات، وكذلك الأمر في الكليّات، فالثقافة إذا تحوّلت لدى المسلمين من ثقافة استعمارية إلى ثقافة إسلامية، تحوّلوا هم أيضاً من الانحطاط والاستغلال والعبوديّة إلى العزة والتقدم والاستقلال.

وعندما نتطلع إلى تاريخ المسلمين قبل ظهور الإسلام وبعد ظهوره، نشاهد ذلك بوضوح، فعندما كانت عقليات (الغاب) وثقافة (الأنا) تحكم الناس، كانت أعمالهم هي النهب والحرب والسرقة وشرب الخمر وتعاطي البغاء، وكانوا متخلّفين فكرياً واقتصادياً وفي سائر المجالات.

ولكنهم، بعد الإسلام، على إثر تحوّل ثقافتهم إلى ثقافة ربانية رحمانية ثقافة (أحب لأخيك ما تحبّ لنفسك)(4) نشاهد حدوث انقلاب واسع وعميق في ضمير الشعب وحياته، فلا خمر ولا فجور، ولا مشاحنات، ولا حروب تطحن الأخوة بعجلاتها، بل حروب لتحرير من بقي تحت الظلم من المستضعفين، وبذلك تمكن هؤلاء أن يشكلوا أعرق حضارة في التاريخ، هؤلاء خرجوا عن طوق الشهوات وسلخوا عن أنفسهم عبوديّة الأهواء والملذات فصاروا أحراراً يعملون للعقيدة والمبدأ والإنسانية)(5).

1 ـ السبيل 96 .

2 ـ المصدر السابق 266 ـ 267 .

3 ـ سورة القصص، الآية 5 .

4 ـ الكافي: ج 2 ص 170 .

5 ـ السبيل 32 ـ 33 .