الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

موضوعية العمل التغييري وذاتيّته

تتجمع اليوم في سماء العالم الإسلامي إشارات عديدة تعلن أن المسلمين يرفضون الظلم والطغيان كما يرفضون السيطرة الأجنبية الاستعمارية التي تستغلّ جهودهم وتنهب ثرواتهم وتسخّر الحكام في هذا البلد وذاك من أجل افتعال المشاكل وخلق الأزمات. وبذلك فإن الواقع يؤكد أن الإسلام سيسود من جديد، وهذه هي علامات التغير واضحة وهي تلك التي تحدث عنها سماحة الإمام الشيرازي باستفاضة ووضوح في كتابه (الغرب يتغيّر).

وبعبارة الإمام الشيرازي، فإن التغيير بحاجة إلى مجموعة كاملة من الظروف التي تظهر في سياق التطور التاريخي للمجتمع، وبناء على ذلك، يمكن من حيث المبدأ تقسيمها إلى: موضوعية وذاتية.

وتكمن خاصية الظروف الموضوعية في كونها خارجة عن إرادة الأفراد والجماعات والفئات التي تضطلع بدور العنصر الفاعل في العملية التاريخية حتى وإن كانت تلك الظروف نتيجة ـ على صور ما ـ لنشاط هذه الذات.

وطبيعي أنه لا يوجد حد فاصل ثابت بين الظروف الموضوعية والذاتية، ولكن لا يجوز الخلط بينهما، كما لا تجوز المعارضة بينهما، فهذه وذاك ينطويان على هفوات سياسية خطيرة، وسوف نتوقف خصيصاً ـ فيما بعد ـ عند مسألة الظروف الذاتية للنهضة ودرجة التناسب بين الظروف الموضوعية للنهضة وندرس مضمون تلك الظروف وقوامها.

وفي مقدمة هذه الظروف توفّر المقدمات المادية والروحية للنهضة، وقد سبق الحديث عن شيء منها سابقاً.

المقصود ـ بالدرجة الأولى ـ وجود مستوى معين من الأداء التغييري في البلاد ـ مهما كان مستواه ـ على أن يترافق ذلك مع صورة من صور الرغبة العامة في النهضة، وتلك الرغبة تمثل، إلى حد كبير، درجة الوعي الاجتماعي السياسي. ولكن... كيف يتعين هذا المستوى من الوعي؟ وهل يمكن تلمّسه خارج إطار النمو التغييري في نفوس الناس وعقولهم؟ بمعنى هل يمكن انطلاق النهضة من وضع ممزّق ضائع، على ما هو عليه حال المجتمعات الموسومة بالإسلامية في هذه الأيام؟

لقد أثبتت التجربة العملية، تاريخياً، أن للوعي المرتبة الأولى، بغض النظر عن المستوى الاقتصادي، وهذا يغاير تماماً المقولات الماركسية التي تعيد موضوع التغيّر برمته إلى الوضع الاقتصادي، وترى أنه لا يمكن وجود الوعي خارج المادة إلا إذا كان نتيجة لها.

الإمام الشيرازي لا يربط بين الوضع الاقتصادي الذي كان في العالم، وبين ظهور تباشير النهضة والنهوض الإسلامي في عصر الرسالة، وبالتالي فهو يتجاوز المقولة الماركسية في الربط بين الاقتصاد وظهور الوعي، وكون هذا الوعي تابعاً للوضع الاقتصادي. ولكن هذا الفكر يذهب إلى أن تصاعد المستوى الاقتصادي يؤثر في تصاعد الوعي العام، كما أن هذا الوعي يؤثر في المستوى الاقتصادي فينقله إلى مرحلة أكثر تطوراً؛ وبملاحظة الواقع الإسلامي نرى أن الوعي بضرورة النهضة يسبق أي شكل من أشكال النمو الاقتصادي؛ فالمستوى العالي لتطور الاقتصاد في إطار عملية النهضة ككل كأنما هو تعويض ـ بقدر ما ـ عن المستوى الأولي (المنطلق) غير العالي في لحظة اختيار طريق النهضة؛ ففي تلك اللحظة يكون مستوى الوعي أعلى من المستوى الاقتصادي، ثم يتصاعد الاثنان سويّة، ولكن الظروف الإقليمية والدولية، واكتشاف الثروات الطبيعية في البلاد، قد ساهمت في تصعيد المستوى الاقتصادي بشكل سريع ألقى على كاهل المجتمع السياسي ضرورة المسارعة في تصعيد الوعي العام بما ينسجم ومتطلبات الاستفادة من النمو الاقتصادي المتسارع استفادة يعود نفعها على البلاد والمسلمين جميعاً، وإذا لم يتصاعد العمل التغييري، ولم يتصاعد الوعي بضرورة الدولة الإسلامية الواحدة، بتسارع منتظم سيظلّ المسلمون مستنيمين إلى روح التواكل والكسل والاعتماد النهائي على الآخرين، على شكل اتّكال على الخارج، أو الخبراء غير المسلمين، ومن غير تخطيط دقيق لحاجات البلاد، وبلا استراتيجية الاعتماد على القوى المنتجة المحلية، نظراً لأن هذه الدول القائمة اليوم، وبشكل عام، لم تتحرك في أدائها السياسي الشامل على وفق فكر سياسي متقدم.

الوعي، بحسب كتابات الإمام الشيرازي، إذن، هو الذي يسبق التطوير الاقتصادي، بمعنى أنّ العمل التغييري لا ينظر إلى لائحة الأرباح والخسائر، بل يعتمد على روح البذل والعطاء والتضحية. وبالطبع فإنه لا يمكن قياس هذا الوعي وتحديد مستواه الذي سيساعد على نشوء عمليات النهضة، لأن الوعي لا يمكن حسابه بدقة لا تشوبها شائبة، كما أن من غير الممكن تحديده مسبقاً، وان أية محاولة للقيام بذلك لن تقدم شيئاً للفكر السياسي، ولا لتحقيق آمال الجماهير في الدولة الإسلامية الواحدة. والمسألة الإسلامية ان هذا المستوى من الوعي ليس مقداراً كميّاً ثابتاً، لأنه يتغير تبعاً لدرجة نضوج (أجزاء) مقدمات النهضة في أعماق المجتمع.

إن الاستنتاج الذي نخرج به من دراسة الواقع التاريخي للحضارات في نشوئها ونموّها وسقوطها، يعني أن النهضة الاقتصادية يمكن ـ وبكل تأكيد ـ أن تبدأ حتى من أوضاع سلبية، وفي وضع متخلف تماماً، وذي مستوى واطئ للتطور، أو هو خال من ذلك المستوى أصلاً. وهذا يناقض ـ على طول الخط ـ المتبنيات المادية، الرأسمالية أو الاشتراكيّة.

وقد اتضح ـ تماماً، عبر التاريخ ـ أن الانتقال من مرحلة متخلفة إلى مرحلة لاحقة متطوّرة بشكل كبير، اقتضى أولاً: استلام السلطة السياسية، ثم ـ ثانياً ـ رفع تطور المجتمع ـ اقتصادياً وثقافياً وصحياً ـ إلى المستوى الذي يمكن الانطلاق منه نحو أهداف بناء الدولة الإسلامية. لأن بناء الدولة الإسلامية لا يراد بحدّ ذاته، كهدف نهائي، إلا من خلال تحقيق تلك الدولة للحرية والعدالة وسائر القيم الإسلامية الرفيعة التي من شأنها إسعاد الناس وحثهم على العمل من أجل رضوان الله، سبحانه وتعالى، وذلك تحقيق أهداف الإسلام البعيدة المدى.

مرة أخرى، يقودنا هذا التحليل إلى أن الطفرة التي حدثت في التاريخ، بظهور الإسلام، كانت ضرورة تاريخية، وهي ضرورة لا تستتبع انتهاج أسلوب الطفرات اللاحقة.

إن السنّة العامة للتطور في التاريخ العالمي كله لا تستبعد (الطفرة الأولى) قيد أنملة، بل على العكس، تتطلب (طفرة) ما في تدشين مرحلة تطورية جديدة للبشرية، تفتح نهجاً جديداً، ولكنها تستبعد من ميدان الفكر السياسي تبني أسلوب (الطفرات).. وعلى سبيل المثال، لا يمكن أن يحدث أنّ طاغية مثل يزيد بن معاوية، يمكن أن يصدر بياناً بتحويل ملك بني أميّة إلى خلافة إسلامية وتقديمها إلى مستحقيها من أهل البيت (عليهم السلام) والذين كان منهم يومذاك الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام). لذا كان لابد للإمام الحسين (عليه السلام) أن يقود حركة تغييرية خلدت عبر التاريخ، ومهّدت الأجواء لنهوض إسلامي شامل تجلّى في إقامة دول عديدة، يذكر الإمام الشيرازي بعضاً منها، في شيء من مؤلفاته(1).

فإذا كان إنجاز أهداف النهضة يتطلب مستوى معيناً من الأداء السياسي، فإن البدء بأولى الخطوات النهضوية يتطلب مستوى تغييراً ذا طبيعة خاصة، وهي استلام الحكم بالطريق الشرعي. فلماذا لا تبدأ النهضة في أول الأمر (بطفرة) أو عمل خلاق، أو معجزة، ينتقل فيها حلم الشعب إلى واقع، ثم يسير بعد ذلك بحركة متوافقة منسجمة لا دور للطفرة فيها؟

ويؤكد الإمام الشيرازي أنه بسبب هذا النوع من تغير التعاقب لا يمكن ـ في إطار بلد واحد ـ أن يتغير لا الخط العام لتطور التاريخ طبيعياً، ولا التناسبات الأساسية بين الفئات الرئيسية التي تنجذب إلى مركزية الفكر السياسي.... وهي لا تتغير لا المقدمات الموضوعية (الاقتصادية والروحية) الموجودة في أغوار المجتمع القديم على درجة من الدرجات، الأمر الذي يمكن أن يعوض ـ مؤقتاً ـ التباين الموجود بين الدول المختلفة في درجات نموها وتطورها ضمن قوانين العالم المعاصر، وهذا سيساعد ـ في حالة تنفيذ نظرية سياسية واعية ـ في التحاق تلك الدول بمسيرة الدولة الإسلامية، عن طريق التشريعات الاستثنائية وانسياب الخبرات وتبادل مواقع العمل النهضوي، ذلك التبادل الذي يبرهن على جماهيرية التغيير الإسلامي من جهة، وعلى صواب الفكر الذي يقودها، من جهة أخرى.

إن مهمات البناء النهضوي في هذه المنطقة أو تلك، من مناطق العالم، لا يمكن أن تحل إلا بشرط أن يهيئ النظام السياسي، وبالقدر الكافي، المقدمات الروحية الاقتصادية ذات الوظيفة السياسية العامة الضرورية لتنفيذ المتغيرات التحويلية وصولاً إلى الأهداف الاستراتيجية، وهذه أولى مسوّغات (الطفرة) في طريقة استلام مقاليد الحكم. بمعنى أنّ هذا الذي يُعتبر منجزات تطوريّة في دول العالم الآن، يظلّ ناقصاً، ولا يشارك في صنع سعادة البشريّة، ما لم يتّزن بالإسلام وقيمه الأخلاقية الإنسانية السامية. فشقّ الطرق وإقامة الجسور وتشييد القصور والمعامل وغيرها، شيء نافع ومفيد ولكن، وفي لحظة من اللحظات يمكن أن يتحوّل كل شيء إلى خراب هائل عن طريق الحرب أو عمليات التخريب، في حال غياب القيم الأخلاقية التي تصون الإنسان ومنجزاته الحضارية. وبالرغم من ذلك فإن العمل التغييري يستفيد جداً من تلك المنجزات، فمن دون شبكة متطورة بهذا القدر أو ذاك من الطرق والمواصلات البرقية والبريدية، وبدون شبكة متطورة بهذا القدر أو ذاك من مؤسسات التعليم العام، وبدون منظومة متكاملة من العنايات الطبية والصحية، وبدون إعلام موجه وتثقيف رصين... إلخ... لا يمكن بالطبع البدء بحل جميع إشكالات العمل النهضوي، وهذا الحل سيكون في المرحلة الأولى ـ على الأقل ـ من مهمات الأناس الواعين بالدرجة الأولى.

يرى الإمام الشيرازي أنّ المجتمعات المسلمة اليوم، وبالرغم من كل ما فيها من خلل سببه الأول السلطات الحاكمة بغير ما أنزل الله، سبحانه وتعالى (تحلم) بالتغيير وبالنهضة وبإقامة الدولة الإسلامية الواحدة، ولكن افتقاد تلك المجتمعات إلى المقدمات الضرورية للبدء، جعلها تظل حبيسة في إطار الحلم؛ فهي لديها طائفة كاملة من الإرادة الروحية، وأجزاء كثيرة من تراثها وتاريخها الحضاري تدفعها إلى طريق النهوض والتقدم، ولكنه كان يفتقد إلى وعي تاريخي من نوع خاص، تنطلق منه، وتنبثق من معاناتها، وتسعى به لتجسيد أحلامها على أرض الواقع.

وبتحقيق ذلك الوعي، ستواجه القيادة السياسية العليا في الدولة الإسلامية المنشودة أموراً ضرورية جداً، لا يمكن من دون حلّها توفير الأجواء الإيجابية للبناء التجديدي الشامل، فالبلاد الإسلامية، حالياً، تشكو من نقص الخبرة، ومن نقص الموارد الاقتصادية، بفعل تبذير الثروة البترولية والمعدنية على مشاريع لا أهمية لها غالباً، ومن شحة في المياه والزراعة، ومن فقر تام في الآلات والأدوات المصنعة، ومن تخلف صحي وتعليمي، ومن أعمال تخريب في أرجاء متعددة من البلاد الإسلامية. فمن سيرث هذه التركة الثقيلة عليه أن يحسب منذ الآن ما سوف يحتاج إليه من جهد وتفانٍ لتغيير الواقع السيئ وبناء واقع نقيض.

يشخّص الإمام الشيرازي الصعوبات التي ستواجهها الدولة الإسلامية المنشودة، وتحت عنوان (صعوبات الحكومة الجديدة) فيقول سماحته:

(للحكومة الجديدة صعوبات، إذا لم يتجنّبها الحكّام الجدد وقعوا في مشاكل تنتهي إلى إحدى نتيجتين:

1 ـ تنحية الأمة إياهم عن الحكم بالقوة وبسرعة.

2 ـ كره الأمة لهم مما يسبّب أن تقوم الأمة بعزلهم عن الجماهير، ويلتجئ الحكّام حينئذ إلى تحصين أنفسهم، خوفاً من الأمة، بالسلاح، ويقع التحارب بينهم وبين الأمة، بفتح السجون والمعتقلات، ونصب المشانق، وأخيراً ينتهي الأمر بإسقاط الأمة لهم وإبادتهم عن آخرهم.

ومن أهم المشاكل التي تقع فيها الحكومة الجديدة، هي:

أ ـ إن الحكومة الجديدة إنما قامت لأنّ الأمة رأت السوء من الحكومة السابقة، فأرادت تحسين حالها، بتنحية الحكومة السابقة وتبديلها إلى الحكومة الجديدة، فإذا لم تر الجماهير في الحكومة الجديدة ما كانت تريد وتأمل ثارت على الحكومة الجديدة.

ب ـ لما لم تكن للحكومة الجديدة خبرة كافية في الحكم، فلابدّ وأن تسيء التصرّف وإساءة التصرف توجب استفزاز الأمة.

ج ـ الحكام القدامى وذووهم يخلقون المشاكل للحكومة الجديدة ويضعون العراقيل في عجلة تقدمها.

د ـ الحكام الجدد يختلفون فيما بينهم، مما ينتهي بذهاب بعضهم إلى المقابر، وذهاب بعضهم إلى السجون، وذهاب بعضهم إلى المنافي، كما حدث ذلك في العديد من الدول الأوروبية، وهذا يوجب أولاً تضعيف الحكومة وثانياً سوء نظر الأمة إليها)(2).

ثم يضع الإمام الشيرازي الحلول لكلّ مشكلة من هذه المشكلات. ومن البديهي أن نتصوّر هذا قانوناً عامّاً يشمل جميع الحكومات حتى لو تغطّت بشعارات إسلامية. وهي الصعوبات ذاتها التي يجب أن تتخلّص منها الحكومة الإسلامية الحقيقية، والتي يمكن أن تنهج رؤى الإمام الشيرازي لإخراجها من محنها؛ فسماحته يرسم طريق الخروج من تلك المشكلات، أو ما يسميه علم السياسة الحديث بالضغوط، عبر ما يذكره الإمام الشيرازي باعتباره سلسلة إجرائية من القدرات أو الحلول، وهي:

(والعلاج لهذه المشاكل منحصر في (الشورى) حقيقة مع الأمة:

أ ـ فإن الأمة إذا اشتركت في الحكم (كل الأمة، لا الفئة المفضلة التي يستقطبها الحاكم حول نفسه بالترغيب والترهيب والتضليل، لم تثر على الحكم الجديد، وعرفت المشاكل التي هي قابلة للحلّ فحلّتها، والمشاكل التي تحتاج إلى مدة من الزمن في حلّها، فلم تتوقّع من الحاكم الجديد حلّها بسرعة، حتى تقع المنافرة بين الحاكم والأمة.

ب ـ وبانعدام الخبرة الكافية خاصّة بالحكام الجدد، وإلا فالشورى توجب مجيء الأكفاء إلى الحكم، وهم لهم خبرة كافية، وحتى فيما لا خبرة لهم فيه لا يغضبون على الحاكم الجديد، لأنهم شركاء في الحكم، فلا فضل حتى يكون غاضب ومغضوب عليه.

ج ـ والحكام القدامى:

أولاً: يدخل الصالح منهم في الحكم، لكن تحت نظام جديد وإشراف من الأمة، كما رأينا كيف أن الرسول، صلى الله عليه وآله وسلم، كان يفوّض أمر القبيلة إلى رؤسائها وكيف خرط حكّام مكّة في قيادة الجيش وغيرها، وكيف أشرك الأوس والخزرج في الاستشارة والقيادة وغيرهما.

ثانياً: لا شأن للحكام القدامى أمام كثرة الجماهير، بينما إذا استبدّ الحكام الجدد بالحكم، وانفصلوا عن الجماهير كان الحكام القدامى وأنصارهم الذين كانوا ينتفعون بهم، فئة في قبال فئة الحكام الجدد، والأولون لهم الخبرة، والآخرون لهم الجدة، وبذلك يتمكن الحكام القدامى من إيجاد المشاكل للحكام الجدد.

د ـ واختلاف الحكام الجدد بين أنفسهم ينشأ من الديكتاتورية، وإلا فلماذا الاختلاف؟ والحال أن الطريق لحلّ الاختلاف لاحبٌ، وهو التحاكم إلى أكثريّة الآراء للحكّام، بالشورى، وإذا تساوت الآراء فالمرجع القرعة لأنّها لكلّ أمر مشكل، أو الرجوع إلى الأمة باستفتاء عامّ ليظهر أحد الرأيين على الآخر.

وإذا لم يمكن جمع مراجع الأمة في مكان، أمكن أن يُجعل لكلّ مرجع نائباً عن نفسه، فهم نوّاب مجلس السلطة العليا، وإذا اتّفقوا على شيء بأكثريّة الآراء نُفّذ)(3).

فالأمور وغيرها تمثل مطالب على الحكومة التي تشكلها القيادة السياسية العليا لإدارة دفّة الأمور، هي بمثابة ضغوط ليس من السهل في الظروف الحرجة أداؤها.. ولكن وجود الفكر السياسي الناضج يستطيع أن يجد سبل الأداء اللازمة لحل إشكالية الواجبات والضغوط. وما كان لهذا أن يُتصوّر حدوثه لولا الحلول الواقعية التي يقدّمها الإمام الشيرازي، بناء على مراقبة وتحليل دقيق لما حدث للأمة في حاضرها وتاريخها.

وهكذا نرى أن المستوى المعين من توفر أجزاء محددة لمقدمات النهضة في المجتمع الحالي، أي قبل قيام دولة الإسلام المأمولة، ضروري جداً للانطلاق، فإنّ رفض السوء الموجود حالياً، لا يعني التقوقع، بل يعني ضرورة فهمه وفهم عوامله وإيجاد (مخرجات) أو حلول ملائمة، وكل هذا لا يحدث بطفرة، ولا في سياق منعزل عن مقتضيات العصر، وتدرّج العمل التغييري، ذاته.

وليس من قبيل الصدفة أن الإمام الشيرازي قد أكد في مؤلفاته على الحديث عن ضرورة التعليم والثقافة والصحة والإعلام والقوات المسلحة، وعن الزراعة والصناعة والتجارة وسائر المهن والوظائف، وعن النشاطات الاقتصادية الأخرى.

ولم يكن حديثه عن ضرورة تحقيق هذه الأمور والنجاح فيها، مقصوراً على مستوى معين أو فئة معينة أو موقع معين، بل كان عاماً شاملاً على المستويين الأُفقي والعمودي، وبخاصّة أنها جميعاً ذات علاقة بالفقه الذي كرّس له الإمام الشيرازي حياته كلّها، وعلى أساسه بنى تصوراته العلمية والواقعية، في مسائل الحياة المتنوعة، من سياسية واقتصادية واجتماعية وقانونية. فكل تطوّر، مهما كان ضئيلاً، في مستوى الوعي حالياً، له تأثيره الكبير في تسريع عملية التغيير والتقدم بخطى ثابتة، نحو المجتمع المسلم والدولة الإسلامية.

فالثقافة ـ مثلاً ـ عند الإمام الشيرازي ليست مجرد وسيلة لرفع مستوى تعلم الناس القراءة والكتابة، مع أن هذا له أهمية قصوى في جميع الظروف، وبخاصّة تحت إرادة عملية التغيير ولكنها أيضاً، أي الثقافة، تعني كمية من المعارف والمهارات العملية في مختلف ميادين الحياة، سواء في الإنتاج الزراعي والصناعي، أم الإدارة، أو الاستهلاك، أو توعية قوى الأمن الداخلي بالمخاطر التي تهدد البلاد، أو ترشيد مسيرة القوات المسلحة بالتوعية والتقنية العسكرية الحديثة وتدريبها عليها، وفي كل هذه الجوانب تلعب الثقافة دوراً خطيراً، ضمن واجبها الإعلامي والتراثي، وفيها تتركز الخبرة التاريخية للأجيال الماضية.

كما أن الإمام الشيرازي أكّد تماماً أن امتلاك ناصية هذه المهارات والمعارف لا يتم إلا بإعلام ذكي متطور، وإتاحة فرص الثقافة أمام الجميع، لأن هذا من شأنه أن يساعد على التوفير في الوقت، ويمكن كل أبناء المجتمع من إتقان مفردات الثقافة بما تتطور إليه، فتقوم بخطوة أخرى إلى الأمام في التطور التاريخي الحضاري الذي يراد تحقيقه من قبل الدولة الإسلامية الواحدة والواعدة.

وبتحقق ذلك أو بتحقق شيء منه منذ اللحظات الحالية (بغض النظر عن الكمية) يمكن أن تتكون (مخرجات) جديدة لنقص الخبرة عن طريق الاستفادة من الخبرة الأجنبية كدراسات أو كأشخاص... ففي هذه الحالة يحدث تعويض فريد عن الحاجة المحلية بالاستعانة المؤقتة بالعمالة غير المحليّة. ان وجود مستوى تطور الثقافة الضروري ـ في إطار البلاد الإسلامية كلها ـ لتحقيق التنمية والنهضة مما سيوفّر لأبناء المجتمع الإسلامي استطاعة تذليل التخلف في تلك الميادين في آجال قصيرة نسبياً عن طريق استخدام ما وصلت إليه البلدان الأُخرى من خبرة ومعارف وتكنولوجيا متقدمة ومهارات عملية بالنسبة للأيدي العاملة، بما في ذلك إعداد الكوادر الإسلامية في الخارج واستخدام الخبراء من ذوي الكفاءة في الميادين التي لم يتهيأ لها ـ بعد ـ الكادر الإسلامي.

وفي الوقت الحاضر يزداد عدد المتعلمين والمثقفين الذين اكتسبوا العلوم الحديثة وأضافوها إلى ثقافتهم الإسلامية وإيمانهم بالهدف الشامل للإسلام بخلق دولة إسلامية واحدة تشمل العالم كله، وتجعل العلم في خدمة الإنسانية بحق.

وهذا يؤدي إلى ظهور ظرف موضوعي لاحق يساعد على أداء أفضل على جميع أصعدة التجليات المتغيرة، وهو توفر بنية اجتماعية، أو قوى اجتماعية قادرة على الاضطلاع بدور القوى المحركة أو الذات الفاعلة للنهضة؛ علماً بأنه ليس من اللازم إطلاقاً ـ خلافاً لما يزعمه الديماغوجيون ـ أن يظهر من خلال الأداء النهضوي صراع بين الطبقات الاجتماعية، وخاصة بوجود منظومة القيم، وقواعد الانطلاق، وأسس الوفاق الاجتماعي كالحرية والعدالة. فإن قوة المجتمع ككل هي أكبر بما لا يقاس من قوة أية فئة على انفراد.

وبديهي أن وجود العمال والفلاحين والفئات الاجتماعية الأخرى القادرة على العمل والإنتاج سيفترض توفر مستوى معين من تطور الوعي ودرجة معينة من الانتظام والانسجام، وهذا الوجود البديهي يهيئ الظروف الموضوعية لإنجاح برامج الإسلام وخططه، بهذا القدر أو ذاك، نتيجة للنشاط الهادف المرصّن بالفكر السياسي نفسه.

ومن ناحية أخرى، فإن مستوى الإنجاز النهضوي ومستوى الانتظام والانسجام بين فئات الشعب، أمران متداخلان كهدف وكوسيلة، حتى يمكن القول ان العلاقة بينهما علاقة جدلية تؤدي كل واحدة منهما إلى الأخرى، وإذا اختل أحد الطرفين اختل الأخر. فلو افترضنا أن مستوى الإنجاز النهضوي لم يكن محكوماً بالنظرية الواقعية، ولا بالفكر السياسي الرصين، فإنه سوف يتعثر ويتوقف في مرحلة من مراحل النهضة، مما يدفع بالمجتمع إلى عنق زجاجة، كما أنه إذا كان مستوى الانتظام والانسجام الاجتماعي مفقوداً استحال على قوى التغيير الإسلامي مواصلة طريقها وتحقيق أهدافها، وحينذاك تعيش الحركة التغييرية ضمن سياسة (محلك سر) التي تعني التحديث الفوقي، واستيراد التقنية العلمية المتطورة من غير تهيئة الأرضية الصالحة للاستفادة منها، على ما هو ملحوظ اليوم في شتّى أرجاء العالم الإسلامي.

وفي مجال الانتظام والانسجام الاجتماعي تفقد الإحصائيات قيمتها، إذ يعوّل على عدد أفراد الفئة الاجتماعية في تحديد دورها في خطط التنمية أو الأداء التغييري؛ والإمام الشيرازي يرفض المقولة الماركسية التي تحتم أن يكون معظم الناس (طبقة عاملة) حتى يمكن تحقيق التطوير، كما يرفض المقولة الماوية والتروتسكية التي ترى أن التطور لا يحدث إلا إذا كثر عدد الفلاحين، كما أن علم السياسة لا يمكنه تبني مقولة لينين من أن الفلاحين هم أعداء التطور والانتقال من مرحلة إلى مرحلة. فالعمال والفلاحون وأي فئات اجتماعية أخرى، لا يمكن أن تظهر وتختفي بحسب إرادة المنظرين، كما أن أدوارها لا يمكن ان تحتسب في إطار الكم، وإنما يجب أن تحتسب في إطار الكيفية، أي في إطار الوعي، بغض النظر عن العدد، وعمّا سمّاه الفكر الماركسي ـ اللينيني، بالانحدار الطبقي، هذه التسمية التي أصبحت مجال السخرية في الفكر السياسي الحديث، وفي مجال التطبيق النهضوي في الواقع العملي لدول العالم المختلفة، حتى تلك الدول غير الإسلامية.

إن الفكر السياسي الرصين هو الذي يستطيع أن يجعل من العمال والفلاحين والموظفين والصيادين والتجار وسائر المسؤولين، والحرفيين، كتلة واحدة مختلفة الأدوار، ومتنوعة الواجبات، تسير بشكل منسجم، نحو أهداف واضحة عبر تحقيق منجزات ملموسة.

وتبين التجربة الإسلامية، عبر التاريخ، أنه كلما ازداد الانتظام والانسجام الاجتماعي، وتعمقت روح (الأخوة) بين أعضاء المجتمع السياسي، عجّل ذلك بتسارع وتائر نشوء مقدمات النهضة مما يترك أثراً كبيراً على وتائر وطرائق وأشكال الانتقال من حالة متخلفة إلى حالة متقدمة ثم من حالة متقدمة إلى حالة أكثر تقدماً وتطويراً. وهو يتطلب ـ من الحكومة خاصة ـ قدراً أكبر من تعبئة الوسائل والموارد الموجودة، وتوتراً أكبر لروحية الشعب، واستعداده للتضحية، التي هي ضرورة اضطرارية في مراحل معينة من النهضة نابعة في آخر المطاف من المجتمع ذاته وللمجتمع ذاته.

وإذا كانت هذه المراحل ناتجة عن موضوعية النهضة، فكيف سنفهم ذاتيّتها؟ ترى ما الظروف الذاتية للنهضة التي هي التجلي الأمثل للعمل التغييري؟ وما الفارق المبدئي بينها وبين الظروف الموضوعية؟ وكيف حلّ الإمام الشيرازي التصادم بين الذاتي والموضوعي، في مسألة النهضة، والنجاح في بناء دولة الإسلام الواحدة؟

إن هذه الأسئلة التي تتسم ليس فقط بأهمية نظرية، بل وبأهمية سياسية عملية كبيرة، لأن تفسير الظروف الذاتية يؤثر على وضع استراتيجية وتكتيك العمل التغييري، إنما تحدد (أي هذه الأسئلة) إلى درجة كبيرة اتجاه نشاط المجتمع السياسي برمته.

ويحذر الإمام الشيرازي من أن العملية النهضوية الإسلامية لا يمكن أن تحدث وتتطور إلا إذا أضيف التغير الذاتي إلى التغيرات الموضوعية، أي عندما تضاف قدرة الإنسان المسلم إلى العمل النهضوي العام، بقدر يكفي لإنجاح (التجليات المتغيّرة) وإيصال البلاد إلى (المتغير النافع). ولذا يتعيّن جعل أغلبية السكان (وعلى أية حال أغلبية السكان الواعين والمفكرين والنشيطين) تدرك تماماً ضرورة النهضة في بعدها الإسلامي، وتكون مستعدة للإقدام على التضحية من أجلها، أو ما يمكن أن تتصور أنه تضحية، كالالتزام الدقيق بتنفيذ واجباتها، وبذل الجهود المضنية للتثقف والعمل، وتطوير البلاد وخدمة الناس، وتنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى. وبذلك تتحول الحركة إلى حركة جماعية عامّة تستقطب تأييد الجماهير الشعبية، ولا بدّ أن تنتج عنها حكومة شعبية. وفي هذا الخصوص يقرر الإمام الشيرازي:

(فإذا اتّسمت الحركة بالواقعية والشعبية، لابد وأن تنتهي إلى حكومة واقعية شعبية)(4).

وكما هو واضح، فإن الحديث هنا ليس عن وجود أو غياب الذات الفاعلة للعملية التغييرية، وليس عن مستوى تطور وعي تلك الذات، وليس عن درجة انتظامها في حركة المجتمع، بل عن قدرتها واستعدادها للعمل وتصميمها على التقدم وصياغة الغد المشرق للمسلمين بإقامة دولتهم الإسلامية الواحدة.

وبديهي أن الانتظام في حركة المجتمع، والوعي، ووجود الفكر السياسي الذي ترسمه القيادة العليا للدولة الإسلامية، مسترشدة بالواقع ومنطلقة نحو آفاق المستقبل، هي أمور في منتهى الأهمية لإنجاز المخططات التغييرية... ولكن تلك ليست ظروفاً ذاتية للنهضة، بل هي ظروفها الموضوعية التي لا يجوز وضع علامة المساواة بينها وبين قدرة المجتمع واستعداده وإرادته في العمل الموجب. ان اعتبار مستوى انتظام المسلمين بمختلف فئاتهم الاجتماعية كشرط ذاتي أو عامل ذاتي، إنما يعني المبالغة في تقييم إمكانيات الوعي الاجتماعي ودوره في تطور العمل التغييري وتكامله، وبالتالي تعليق آمال على نشاط الوعي هو عاجز عن تحقيقها.

ورغم ذلك فإن تقدم مستويات الأجهزة الإدارية وتحسن أدائها لوظائفها سيستدعي ـ بلا شك ـ زيادة كبيرة في نشاط المسلمين الذين تندمج قواهم في المرحلة التاريخية المستقبلية مدفوعة بحالة الترقب، وتنفيذاً لتعليمات الإسلام وأوامره.

وبدون هذه التغيرات الموضوعية غير المعتمدة على إرادة الجماعات والفئات المعينة، بل وحتى على إرادة المجتمع كله... نقول: بدون هذه التغيرات لا يمكن نجاح النهضة، كقاعدة عامة. ولكنّ التعويل عليها فقط لا يؤدي إلى نتيجة مشجعة، بملاحظة أن إرادة الله، سبحانه وتعالى، لها القول الفصل في نجاح المساعي، أو تأجيلها، أو فشلها. ولذا فإنّ الإمام الشيرازي يحيل، دائماً، إلى منظومة الأخلاق الإسلامية، ويدعو إلى اللجوء إلى القرآن الكريم، والأدعية المأثورة ليكتسب العامل في ميدان التغيير قدرة مضافة، وليُوفق في مسعاه، يقول الإمام الشيرازي:

(على ممارسي التغيير التوكّل على الله سبحانه وتعالى في أمورهم كافّة، صغيرها وكبيرها، حقيرها وجليلها، فمن يتوكّل على الله فإنّه يكفيه ما أهمّه، وفي القرآن الحكيم: (ومن يتّق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكّل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدراً)(5) كما أنّ التوكّل على الله يسبب الاطمئنان وهدوء النفس)(6).

ويقول أيضاً:

(ومما يلزم على الممارسين للتغيير هو التضرّع إلى الله، سبحانه، ودوام الذكر بقلوبهم وألسنتهم في كلّ حال، في المدرسة والشارع والمسجد والسوق والبيت والمعمل، وفي كلّ مكان، كذلك التوجّه إليه، سبحانه، بكثرة قراءة القرآن والاستهداء به، والدعاء)(7).

ولكي لا تُتّخذ هذه التوجيهات مأخذاً تواكليّاً لا توكّليّاً، فإنّ الإمام الشيرازي، يحيل إلى العمل، وإلى الجدّ والنشاط والاجتهاد وبذل ما يحتاجه الهدف من جهود، فيقول في أعقاب النصّ السابق:

(إنّ دائرة الدعاء ما كان خارجاً عن إرادة الإنسان على الأغلب، أما ما هو تحت إرادة الإنسان فالدعاء لا شأن له فيه، وإنما يلزم العمل، فمثلاً: من يدعو لتحصيل الولد بدون أن يتزوّج، أو أن يحصل على الثمرة بدون أن يزرع، أو يحصل على الماء بدون إجراء النهر إلى المزرعة، أو من يدعو لأن تكون له دار بدون أن يبني، أو يدعو لأن يُشفى من مرضه بدون العلاج، أو ما أشبه ذلك، فإنه لم يكن له إلا الحرمان. وكذلك من يريد تبديل الحكم غير الإسلامي إلى الحكم الإسلامي بدون أن يعمل العمل المناسب لذلك، فإنّه ليس له إلا الحرمان)(8).

وهكذا نرى أن ازدياد نشاط المسلمين ليس ظاهرة ذاتية بل موضوعية، لأنها لا تتوقف على إرادة الذات نفسها، ثم هي موجودة بغض النظر عما إذا كانت الذات تدرك ذلك أم لا.

هذه الذات المنفذة لخطط النهضة يجب ـ بل هي ملزمة في الإسلام ـ بأن تبذل قصارى الجهود لتحفيز ازدياد هذا النشاط، وتطوير وعيها، ورصّ صفوفها، وتعزيز ارتباطها بالقيادة السياسية العليا الملتزمة بنصوص فكرها السياسي من أجل مصلحة المجموع. وهذا من الأمور الأساس التي كثيراً ما أكّد عليها الإمام الشيرازي، كقوله:

(الكثير من القائمين بالحركة يتوهّمون أنّه ليس من المهمّ إعطاء حوائج الناس، وإنّما المهم هو الاشتغال بالحركة فقط، وهذا زعم خاطئ فإن الحركة لا تتقدّم إلا بالجماهير، والجماهير لا تلتفّ حول حركة إلا إذا قدّمت لهم الخدمات الاجتماعية، وقضت حوائجهم، ومهما كانت الحاجة صغيرة فإنها في نظر المحتاج كبيرة)(9).

إلا أن مستوى الوعي والتلاحم، ودرجة الارتباط، لا تبدوان كظاهرتين ذاتيتين. بل هما ظاهرتان موضوعيّتان، بمعنى أن الوعي يستطيع أن ينقل أولئك الناس من مستوى التطلّع إلى قضاء حوائجهم الآنيّة إلى التفكير في البذل والعطاء والتضحية، وليس كلّ الناس سواء في هذه الناحية، ولذا فإن الإمام الشيرازي، ينظر إلى مختلف طبقات الناس وفئاتهم، من كان مهتماً بحلّ مشكلاته الآنيّة أولاً ثم ممارسة العمل التغييري ثانياً، ومن كان مهتماً بالبذل والعطاء والتضحية ولو على حساب راحته بل وحياته، وهناك صنف ثالث يوازن بين الأمرين. ويحدّد ذلك الفكر موقع كل من هذه الأطراف في العمل التغييري، فيتقدّم المضحون الواعون على غيرهم، بطبيعة الحال.

إن الظروف الذاتية للنهضة، بالمعنى الدقيق للكلمة، هي إرادة وقدرة واستعداد وطموح الذات إلى النشاط الرامي إلى التحويل والتطوير الحقيقي والتقدم الجدير بتسميته. وكذلك هذا النشاط نفسه الذي يستهدف رفع مستوى وعي وانتظام أفراد المجتمع، وتأمين شروط الحياة الكريمة لأبناء المجتمع كلّهم، مثل ارتفاع المستوى الاقتصادي، وتطوير مؤسسات التعليم والصحة وغيرهم، مما من شأنه أن يدفع بأفراد جدد إلى المسيرة العامة للمجتمع، أولئك الأفراد الذين سيجدون أن عدم انتظامهم في تلك المسيرة سيحرمهم من التمتع بثمارها، وخسارتهم لرضوان الله سبحانه وتعالى؛ وهذه إحدى المتبنيات الأولى التي أعلنها الإمام الشيرازي:

(إن من يقطع جذوره بالسماء ليخلد إلى الأرض، ومن يقطع جذوره من الأرض ليطمئنّ إلى السماء يتلقّى كلّ واحد منهما، فرداً أو جماعة أو أمة، جزاءه الطبيعي المناسب له، فإن هنالك خمسة أنواع من الجزاء يتلقّاها الإنسان، فالجزاء الشخصي هو أنّ الإنسان المحسن يُحسَن إليه، والإنسان المسيء يُساء إليه)(10).

فهذه الأمور جميعاً، لا تغدو من صلب الظروف الذاتية للنهضة، بل هي من ظروفها الموضوعية، وتلك حالة ملموسة لتحول المثالي إلى واقعي، أي الانتقال من النظريات الشرعية إلى تطبيقها من أجل تحقيق سعادة الإنسان وطمأنينته.

وتتحول إرادة الذات وقدرتها واستعدادها للعمل إلى فعل ملموس. وهذا الفعل يسفر عن نتيجة معينة. وتتجسد في هذه النتيجة إرادة الذات المتطورة بالظروف المحيطة بنشاطها، بل وبها ذاتها. إلا أنّ هذه النتيجة ـ تغدو ـ كما قلنا، بحكم وجودها خارج وعي وإرادة الذات، شرطاً موضوعياً لنشاط الذات اللاحق.

إن الخلط بين نشاط الذات ونتائج هذا النشاط واعتبارهما عنصرين متساويين من عناصر العامل الذاتي، ناهيك عن التفسيرات التي تحصر العامل الذاتي بنتائج نشاط الذات، إنّما يخلق صعوبات في التحليل الملموس للوضع الملموس، وفي تحديد الاتجاه الأهم لتطبيق النظرية السياسية، ومركزيتها لدى الإمام الشيرازي.

وتوجد جملة أسباب تجعل الإمام الشيرازي يفرّق بدقة خاصة بين الظروف الموضوعية والذاتية للنهضة الإسلامية المأمولة، وتدقيق دور الظروف الذاتية في عملية الإنجاز. ومن هذه الأسباب ضرورة مكافحة الاتجاهات الأنانية الذاتية في المجتمع المسلم. فإن طموح المسلمين الذين عاشوا حقباً طويلة من الحرمان، إلى دخول عصر الدولة الإسلامية المنشودة، بأسرع ما يمكن، زائداً عزيمة وتضحية العديد منهم، يؤدي ـ أحياناً ـ إلى المبالغة في تقدير أهمية إرادة الذات ووعيها، ويخلق ذلك لدى قسم من الناس وهماً بأنّ المستوى غير العالي بقدر كاف لانتظام ووعي واستعداد بعض فئات المجتمع للعمل التغييري حتى في داخل الدولة الإسلامية، إن شاء الله، هو نتيجة مباشرة لتقصير في الوظيفة الحكومية، أو في الدوائر والمؤسسات، أو المسؤولين عنها، من غير أن ينظر الناقدون في سلوكهم هم، تجاه أنفسهم وتجاه المجموع، وتجاه تنفيذ أوامر الله سبحانه وتعالى.

وقد يزعم هؤلاء الناقدون، لتبرير كسلهم وتوانيهم، أنه إذا أمكن اليوم العمل كما ينبغي، فسيمكن القيام بتبديل مسار التاريخ كلّه غداً، بحجة أن مقدمات التبديل متوفرة.

إن هذا الوهم يعلق آمالاً كبيرة أكثر من اللازم على تبني أطروحات العنف والصراع الاجتماعي وربما الإرهاب، وهذا التبني في أساسه وهم أثبت الواقع بطلانه وفشله في أي عملية تبديل وتغيير.

إن المستوى غير العالي الذي قد يطرأ على قيام الحكومة بواجباتها يمكن أن يعالج بوسائل أخرى، بوسائل عملية وواقعية تنطلق من تعليمات الشريعة وقوانينها، وكذا في التطوير الثقافي، وتنشيط الوعي، وزيادة الارتباط بالإسلام الحنيف. لن عملية النهضة ليست مجموعة طفرات أو رغبات يمكن تغييرها بطفرات نقيضة كالعنف والإرهاب، بل هي تسلسل طبيعي لتطور العمل التغييري نفسه، وتناميه بجهد الناس أنفسهم، فتصبح المؤسسات الحكومية متوازنة مع طبيعتها وطبيعة المرحلة النهضوية التي تقتضيها، إضافة إلى ارتباطها القوي مع الشريعة كما تتجلى في كتب التراث الإسلامي العريق. ويتأكد فعلاً الدور النشيط للذات الفاعلة، والأهمية الكبيرة للظروف الموضوعية في قضية إنجاح أداء الحكومة الإسلامية لوظائفها، وحينذاك ستظهر نتيجة ذلك الحاجات الفعلية الآنيّة لتحقيق تطور الدولة كي تستطيع تحضير المسلمين بشكل واع هادف للانتظام في مسيرة الحضارة. إن التخلف المفروض على البلدان الإسلامية، ثم انطلاق نظرية النهضة الإسلامية، وتحولها بالممارسة إلى فكر سياسي شامل، وكذلك التأييد الجماعي لآمال تحقيق دولة الإسلام الواحدة، وارتفاع مستوى ذلك التأييد إلى مستوى الاندماج والانتظام حين أحس المسلمون أن العمل التغييري المرحلي هو جزء من عملية نهضوية إسلامية شاملة، كل ذلك من شأنه أن يقود العالم كلّه إلى أفياء السعادة والرخاء تحت ظل حكومة الإسلام.

ولذلك، وبحكم الظروف الموضوعية، يغدو من قضايا الساعة للأمل المذكور تحضير المجتمع السياسي الشامل المباشر لدخول معترك التغيير بكل متطلبات ذلك الدخول، من أجل تحقيق الإجراءات التي تشكل العملية التغييرية وجوهرها، واكتساب الهدفية الإنسانية، أي أن يكون الإنسان هدفها الأخير، كما هو وسيلتها.

ومما يلفت النظر موقف الإمام الشيرازي من قضية العلاقة بين السلطة وأعضاء المجتمع المسلم، فهو مقتنع بأن هذه العلاقة تبدأ تعاونية لتتحول إلى علاقة اندماجية، وكذلك في هذا الموضوع، حيث نلاحظ أن ذلك الفكر يؤمن بوحدة الظروف الموضوعية والذاتية، لا باعتبارها المقدمات الضرورية لانطلاقة العمل التغييري فتأسيس النهضة الإسلامية، فحسب، وإنما، أيضاً باعتبارها عاملاً من أبرز عوامل نجاح استمرار دولة الإسلام، وتطور أداء المؤسسات والوزارات لوظائفها المرسومة لها.

ولدى تحليل الظروف الذاتية للنهضة، بحسب وجهة نظر الإمام الشيرازي، يتعين علينا ان ندقق نقطة خاصة بالمصطلحات أكثر مما تتعلق بالمضمون، ولكنها نقطة هامة لفهم جوهر القضية. فقد انتشرت مضامين متعددة للعامل الذاتي، وأبعاده، وبما يدخل فيه أحياناً من العوامل الموضوعية المرتبطة بنتائج نشاط الذات الفاعلة، وفي بعض الأحوال حتى الذات الفاعلة نفسها. غير أن التداخل غير المقبول ـ على الصعيد النظري ـ يؤكد بشكل تعميمي دور الذات الفاعلة، الفرد والجماعة، في إعداد وتحقيق النهضة. وكذلك منظومة القيم التي يجب أن تتحلى بها تلك الذات، مثل الوعي والانتظام والتلاحم.. إلخ..

بيد أنه ينبغي ـ دائماً ـ التفريق بين الظروف الذاتية الفردية والظروف الذاتية للنهضة، والعامل الذاتي للنهضة، وعدم المقارنة بين هذا الأخير وبين الظروف الموضوعية للنهضة.

فالظروف الذاتية الفرية تختلف عن الظروف الذاتية (للنهضة) أي أنها تختلف عن العامل الذاتي للنهضة، لأن الظروف الذاتية الفردية لا يشترط ارتباطها بالنهضة، حتى لو كانت (الذات) جزءً من مجتمع ناهض. فإن المشاعر النفسية ـ مثلاً ـ كالإحباطات أو النكبات الفردية كوفاة قريب أو ما شابه ذلك، وكالمشاعر التنافسية غير الشريفة على المستوى التعاملي التجاري، أو ما يتّصل بالعلاقات الإنسانية، ولا يُستبعد ظهورها في أيّ مجتمع، حتى المجتمع الإسلامي، بملاحظة أنّه متكوّن من بشر لا من ملائكة، فهذه، جميعاً، قد تكون عوامل مثبطة لحوافز العمل التغييري، وربّما لأي نشاط حيويّ منتج، من غير أن يكون للتشريعات، ومنظومة القيم الأخلاقية، الانتصار الحاسم في تغيير النفسية ومشاعر الفرد اتجاه الآخرين، فثمة جملة أمور معقدة جداً، لا يمكن أن تحل تشابكاتها وتبسيط تعقيداتها بالنصح والإرشاد والتشريع القانوني، فحسب، بل لابدّ من تصعيد متواصل للوعي ولإيجاد القدوة الحسنة باستمرار. هذه (ظروف ذاتية) قد تتأثر بالعمل التغييري، وبالتالي، بالنهضة وتؤثر فيهما، سلباً أو إيجاباً في الحالتين، لكنها أبداً لا يصح اعتبارها (عاملاً ذاتياً) للنهضة، وإذا ما تداخلت الظروف الذاتية الفردية، مع العوامل الذاتية للنهضة، وجب على الفكر السياسي حل هذا التداخل لما فيه مصلحة (العامل الذاتي) الذي لا يمكن الاستغناء عنه في التنمية والتحديث، وبالتالي في إنجاز مشروع النهضة العامّة، والوصول إلى مقاصد العملية التغييرية.

1 ـ يُنظر ممارسة التغيير: ص 267 وما بعدها .

2 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 242 ـ 243 .

3 ـ المصدر السابق 243 ـ 244 .

4 ـ المصدر السابق 376 .

5 ـ سورة الطلاق، الآية: 2 ـ 3 .

6 ـ ممارسة التغيير 127 ـ 128 .

7 ـ المصدر السابق 60 ـ 61 .

8 ـ المصدر السابق 61 .

9 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 128 ـ 129 .

10 ـ الصياغة الجديدة 58 .