الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

الشعب يختار نظامه السياسي

هناك سبعة أسس يبني الفكر السياسي الشيرازي ذاته عليها، من أجل فهم طبيعة النظم السياسية وعلاقتها بمواطنيها، وهذه الأسس هي:

1 ـ استيعاب المناهج والاتجاهات جميعها:

لقد رأينا في الفصل السابق أن الغربيين نظروا إلى مناهج البحث في علم السياسة واتجاهاته كما ينظرون إلى أشتات متناثرة، ورغم أن بعضهم قد دعا إلى منهج تكاملي إلا أنهم لم يستطيعوا أن يبلوروا ذلك في منهج محدد وواضح.

أما الإمام الشيرازي فينظر إلى تلك الاتجاهات والمناهج رؤية تجزيئية أولاً حسب موضوع بحث كل اتجاه أو منهج، ثم يوحّد بينها حسب ما يراه الإسلام نفسه.

لذا فقد عقد سماحته فصلاً كاملاً لهذا الموضوع(1) وكانت النقطة الأولى منه التأكيد على أنّ النظرة الإسلامية نظرة استيعابية كاملة:

(للإسلام نظرة واقعية إلى الأفراد الذين لهم شخصية علمية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، أو غيرها، وإلى التاريخ الذي يضمّ الأفراد في رحم التيار العامّ، فليس الإسلام مما يخصص بأهمية الأول وحده، ولا الثاني وحده، بخلاف المدارس الفكرية العالمية، على الأغلب، التي تهتم بأحدهما فقط.

فترى الإسلام تارة، يذكر أحوال الأشخاص صالحين كانوا أم طالحين، أمثال آدم عليه السلام والشيطان، وهابيل وقابيل، ونوح عليه السلام وولده، وإبراهيم عليه السلام ونمرود، وموسى وفرعون وامرأة فرعون، وامرأة لوط.. إلى غير ذلك، وتارة أخرى يذكر أحوال الأمم، كعاد وثمود وقوم يونس وبني إسرائيل، إلى غير ذلك، فقد قال تعالى: (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق)(2).

وفي الحديث: (من ورّخ مؤمناً فقد أحياه). وقال أمير المؤمنين، عليه السلام (فسر في ديارهم وانظر إلى آثارهم)(3). وأنشد عليه السلام:

باتوا على قلل الأجبال تحرسهم***غُلب الرجال فلم تنفعهم القللُ(4)

إلى غير ذلك.

وهذه النظرة الإسلامية المزدوجة هي النظرة الواقعية إذ كل واحد من الشخصيات والأحداث التاريخية، يتفاعل بعضها في بعض خارجاً، وكلّ واحد منهما يوضع نصب عين الإنسان اللاحق، والتاريخ اللاحق أسوة، فإنّ الأخيار تحيى للأسوة، والأشرار تبقى ليرى الإنسان أن شرّهم لم يعد إليهم وإلى غيرهم إلا بالخسران، فيجتنب، هذا بالنسبة إلى الأفراد. أما بالنسبة إلى الأحداث فالتاريخ تكاملي إذ الإنسان هو محور التاريخ وصانعه ميّال بطبعه إلى الكمال. ولذا يرى التاريخ في حال التكامل، وكلما صنع في التاريخ أبقى، وبنى عليه أكمل منه، كالمصباح يبتدئ بالسعف وإلى أن ينتهي إلى الذرّة، ووسيلة النقل في البحر تبتدئ بالخشبة، وإلى أن تنتهي إلى الباخرة وهكذا، والزمان يسير إلى الأكمل، وقد فسّر بعضهم قوله سبحانه: (لتركبنّ طبقاً عن طبق)(5) بذلك)(6).

ومن هذا المنطلق يرى الفكر السياسي الشيرازي أن هذه التكاملية تنبني على الأركان الستة الأخرى والتي هي:

1 ـ تفاعل الإنسان والتاريخ.

2 ـ الوحدة العليا، أي الدولة.

3 ـ الوحدة الوسطى أي الجماعات.

4 ـ الوحدة القاعدية أي الجماهير.

5 ـ الوعي السياسي.

6 ـ الالتفات إلى أنواع الانقسام في المجتمع والدولة.

والرؤية الشيرازيّة هذه غير منفصلة عن مقولات العلم السياسي، فقد اعترف كبار علماء السياسة المعاصرين أنّ هذه المرتكزات هي أسس النجاح في الممارسة السياسية. على رؤى تتفاوت من باحث إلى آخر، وعلى العموم فإنهم قد حددوا مجال نجاح النظام السياسي بمنظور هذه المرتكزات في حالة التصرف بكفاءة ومسؤولية. وذلك من خلال فهمهم للعلاقة بين السياسة والإدارة حيث إن السياسة لها إمكانية النشاط الخلاق ويجب ألا تتحول إلى الروتين القاتل في الإدارة.

وهذا التقرير يقود إلى استيعاب تأثير نظرية القيم السياسية وفي النظام السياسي نفسه، من حيث إن علم السياسة بكل ما يتضمنه من نظرية وممارسة لا يستطيع أن يكون ولا يمكن أن يكون متحرراً من القيم، على ما يؤكده الإمام الشيرازي.

هذا المنهج الذي وضعه الإمام الشيرازي والذي نستنبطه من بحوثه ومؤلفاته، لم يتكوّن لدى الإمام الشيرازي بمحض الصدفة، بل هو ناتج عملي تطويري مستمر للتنظير السياسي الإسلامي، واستيعاب للعلم السياسي ونتائجه أيضاً.

ومما لاشكّ فيه أن علماء عديدين قد شاركوا في وضع تصوّر لبناء الدولة، يقترب كثيراً من منهج الإمام الشيرازي، على تفاوت في المنطلقات والنتائج.

فلقد أفاد مونتسيكيو (1698 ـ 1755) من الإسلام كثيراً في كتابه (روح الشرائع) الذي يتوضّح من عنوانه مدى إفادته من الإسلام، تلك الإفادة التي مكّنته من اكتشاف ثلاث أدوات لتحقيق الصورة التي رآها مثالية لما سمّاه الوجود السياسي، وهي: النظم المهنية، واللامركزية النظامية، وأخيراً فصل السلطات الثلاث. وذلك من خلال تشخيصه لوظيفة النظام السياسي التي هي عنده ثلاث وظائف متجانسة:

* وضع القانون الذي يوضح ويحدد الحقوق والواجبات وينظّم العلاقات الاجتماعية.

فقد نظر مونتسيكيو إلى الإسلام، عبر كتب التاريخ وما قام بترجمته إلى الفرنسية علماء ما يسمى بعصر التنوير، ورأى منهج الإسلام في تكوين السلطة، فأخذ عن الإسلام شيئاً من ذلك المنهج، ولكنه بدلاً من أن يضع ما استفاده بضمن إطاره الواقعي والعلمي، وضعه في إطار الرؤية الغربية، ودعا أبناء جنسه إلى (وضع) القانون، لأنه لم يستطع أن يؤمن أنّ الله، سبحانه وتعالى، هو الذي له وحده وضع القانون، لأنّه هو الخالق العارف بما يفيد خلقه. فاختلاف المنطلقات النظرية بين المنهجين هو الذي جعل مونتسيكيو يدعو إلى وضع القانون ليحقق الغايات التي يذكرها، وهذا لا يغيّر شيئاً من حقيقة استلهامه الإسلام لابتكار آليّة من آليّات إدارة الدولة.

* ثم وصل مونتسيكيو إلى النقطة الثانية وهي تنفيذ هذا القانون، وذلك بمتابعة انتقال القانون من أمر تشريعي إلى قواعد واجبة الاحترام في الحياة اليومية.

* أما النقطة الثالثة فهي الفصل قضائياً في المنازعات التي تنشأ حول تفسير القانون وتنفيذه والالتزام به.

وهاتان النقطتان تكشفان بما لا يقبل الجدل أنّ مونتسيكيو قد استوحاهما من الإسلام، إذ أنّ أوروبا، وبحسب كبار المعنيين بالشؤون الغربية، من علماء الغرب، أمثال (7) (F.Moran) و (8) (A.Bontley) و(9) (C.Davidson) قد أكّدوا أن الغربيين لم يكونوا يعرفون القانون قبل ظهور مونتسيكيو الذي ترك آثاراً واضحة جداً على مجمل الفكر الغربي.

وأثّر مونتسيكيو على كل أوروبا فنقل الألمان آراءه إلى مستوى آخر هو مستوى القوة اللازمة لفرض القانون والمحافظة على النظام السياسي، ولتحقيق وحدة المجتمع وتطوره الحضاري. فالعلماء الألمان لم يكونوا، في تلك المرحلة، يؤمنون بفصل السلطات الثلاث، وكانوا يدعون إلى الحكم الشموليّ المطلق.

والحقيقة أن هذه الخلافات لفظية نظرية لا أكثر.

وبعرض رأي الفريقين على ما وصل إليه الإمام الشيرازي، نجد ثمة ملاحظات على كل من المنهجين، فالإمام الشيرازي يرسّخ مفهوم السلطات الثلاث، واستقلال السلطة القضائية عن السلطتين الأخريين، كما أنّه يؤمن أنّ السلطة التشريعية ليس لها أن تشرّع أسس القوانين، فتلك الأسس متوفّرة في صلب الفكر الإسلامي. أمّا السلطة التنفيذية فتنفّذ القوانين بحكم ما لها من هيبة السلطة، على أن ترتكز على إرادة الناس. كما أنّ الإمام الشيرازي لا يفصل بين الأهداف والمبادئ ويعدّهما وجهين لعملة واحدة هي إقامة العدالة، من غير حاجة للدخول في مماحكات لفظية، ونزاعات نظريّة لا تؤثر في صلب الأهداف المرجوّة من الأداء السياسي العام والخاص.

وبعد هذه الفترة بقليل بدأت المدرسة السياسية الأمريكية، ولكنها ظلت تنتقل من مرحلة إلى أخرى ولم تستقرّ على رؤية واضحة في العلم السياسي، باستثناء إيمانهم بأن وظيفة الدولة تنحصر في عملية اتخاذ القرار السياسي.

ولكي تلحق أمريكا بغيرها من الدول الأوروبية، ومن أجل أن تحافظ على مصالحها في دول العالم المختلفة، وخاصة في منطقة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، فقد شكلت مراكز للدراسات السياسية لفهم التصور الإسلامي، بالذات، لمسائل السياسة، وكيفية استثمار ذلك لإقامة علاقات تحافظ على مصالحها في العالم الإسلامي، وعهدت إلى المفكر ألموند (Almond) برئاسة واحدة من أبرز تلك اللجان.

ولم تخرج رؤى ألموند عن رؤى الإمام الشيرازي كثيراً، فقد تحدث ألموند عن واجبات الدولة التي رآها تنحصر ما بين الضغوط (Input Functions) والأداء (Output Functions).

وبناء على تعريفات ألموند هذه، ظهرت إلى الوجود مدرسة السياسة الوظيفية للسلطة، والتي ترى أنه يمكن تحديد أبعادها بالبعد العقائدي والبعد التطويري والبعد التوزيعي والبعد الجزائي، مع ما يتوزع عليه ذلك(10).

ومن الواضح أن جميع وظائف السلطة يتحدد نجاحها وانتكاستها وفق العديد من العوامل والتحديات، من بينها خصائص الآيديولوجية المسيطرة على المجتمع السياسي، والعادات والتقاليد الاجتماعية التي تحرك أعماق المجتمع...

وعلى سبيل المثال، فإن البعد التطويري لا يمكن أن يصادف التحديات ذاتها في مجتمعات تختلف في أصولها الحضارية، ما بين العقيدة الثابتة، والمصالح المتغيرة، وهكذا ستجد السلطة نفسها في حاجة إلى التدخل المستمر لإحداث عملية التغيير السياسي والحضاري، وبخاصة في المراحل الأولى من أي عملية تغييرية كبناء الدولة أو إعادة الحياة إلى مجتمع بلغ مرحلة الشيخوخة والانهيار. فالنظام السياسي، في أبسط تحديداته، هو التعبير عن الجماعة، والدولة هي التعبير القانوني للجماعة، أيّ أن الأداة الحكومية هي وسيلة الجماعة لتأكيد وجودها القانوني.

وباعتبار أن كل جماعة تمتلك جملة من الخاصيات الأخلاقية، والمثالية الموروثة أو المتولدة، فإن النظام، بالتالي، له تلك الخاصيات الأخلاقية والمثاليات ذاتها.

وقد تكون المثاليات مقصورة على كونها إرثاً تاريخياً حضارياً، وقد تتجاوز تلك الحدود لتعبّر عن ديناميكية يجري تمثيلها، عادة، في برنامج تنموي سياسي، بالمفهوم العام للسياسة، تسعى الجماعة إلى تطبيقه والوصول إليه عبر الممارسة العملية.

وهذه الرؤى نراها مبثوثة في طوايا كتب الإمام الشيرازي من قبل أن يعلنها الفلاسفة المعاصرون. فقد حدّد الإمام الشيرازي رؤيته للسلطة، ولعلاقتها بالناس، وتأثير القيم على الأداء السياسي الداخلي والخارجي لأيّ حكومة في العالم، وذلك في كتبه العديدة، وبخاصّة كتاب (السياسة) وكتاب (ممارسة التغيير) وكتاب (الصياغة الجديدة) على ما سنراه في موضوعه، إن شاء الله.

وبهذا يتضح ان النظام هو المسؤول عن تمثّل العقائد، وتوفير أساليب أدائها، سواء اقتصرت على حماية القيم والتقاليد والمثاليات التراثية، أم جعلت ذلك مهاداً للانطلاق نحو التغيير وبناء مجتمع جديد طبقاً لما تقرره الجماعة السياسية ويرتضيه الوضع السياسي الداخلي والخارجي.

وتتّسع الوظيفة العقائدية للسلطة، عند الإمام الشيرازي، لتشمل جميع أوجه النشاط، على عكس ما تراه الماركسية في نظرية العامل الواحد وهو الاقتصاد.

ويعلن الإمام الشيرازي موقفه من الدول التي لا تدافع عن كيانها الحضاري، بما يدلّ على أنه يرى أنّ الدولة التي لا تدافع عن شرعيتها الحضارية، وعن موروثها الثقافي، وعن آمالها في التطور الحضاري المنبثق من تلك الشرعية وذلك الموروث، هي دولة تفتقد أبرز أسس وجودها قانونياً. وهذه رؤية لم يتوصّل إليها الفكر السياسي العالمي المعاصر إلا قبل سنوات محدودة.

ويضيف الإمام الشيرازي إلى وظائف الدولة ما يمكن أن نسمّيه: الوظيفة التطويرية. وربما رأى بعض القراء أن الفقهاء عادة لا يؤمنون بمثل هذه الوظيفة، لأنهم يريدون المحافظة على شكل المجتمع القائم حالياً. وهذه نظرة مغلوطة بشكل فادح، بخاصّة فيما يتعلّق بفكر الإمام الشيرازي الذي لا يقرّ على الأوضاع السيئة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية، أو الموصوفة بذلك، بل يدعو إلى تطويرها وتغييرها وتنميتها وإنهاضها، بل ان له كتباً ومقالات عديدة في موضوع النهضة والتغيير وإعادة صياغة العالم من جديد على أسس تحقّق لذلك العالم العدالة والمساواة والسلام والأمن.

وربما كان لبعض من يزعم أنّ الفقهاء بعيدون عن التطوير أو الإيمان به، بعض عذر من عدم اطلاعهم على فكر الإمام الشيرازي، من جهة، وعلى فكر الفقهاء المستنيرين الآخرين، من جهة أخرى، ولتعقّد الوظيفة التطويرية ذاتها، من جهة ثالثة.

ولعلّ الوظيفة التطويرية هي أعقد وظائف السلطة جميعاً، على ما نلمحه في فكر الإمام الشيرازي ذاته، فهي، عنده، عملية تغييرية كبرى، وهذا يحمّل السلطة حدساً يجب أن يكون لمّاحاً وذكياً لاختراق حالات التوتر والاختناق التي تصاحب التغيير عادة؛ ويتم ذلك ـ غالباً ـ بالاستجابة التشريعية المقننة على ما سنلاحظ.

وفي هذا الصدد، يعلّمنا الإمام الشيرازي أنّه يجب الانتباه إلى أن النظام الناجح في عالم اليوم، هو النظام الذي يلتفت إلى شؤون الناس في كل النواحي بحنكة، وحكمة سياسية، ومرتكزات صلبة، تقوم على أسس الخواص المحلية، والتفهم العميق للعلاقات داخل المحيط الدولي، مع الأخذ بعين الاعتبار عامل الزمن الذي يتحكم كثيراً في التحالفات السياسية داخلياً وخارجياً، وفي الأواصر الاجتماعية بين الناس... مع ملاحظة ذلك التوازن الدقيق بين التنمية الروحية القيمية والتنمية المادية العارضة باعتبار صيرورتها المستقبلية المتغيرة من يوم إلى آخر، في الوقت الذي تتمتّع فيه القيم الأخلاقية بالثبات غالباً، فالصدق محمود والكذب مرذول، منذ أول يوم من تاريخ البشرية وإلى يومنا هذا، بل إلى ما شاء الله؛ وكذا قل عن بقية القيم الأخلاقية.

وهذا النظام الناجح، من وجهة نظر الإمام الشيرازي، هو الذي يستطيع امتصاص جميع الظواهر التي تبرز نتيجة الوظيفة التطويرية عبر تشريع القوانين الديناميكية المتفاعلة مع الواقع ونتائج التطوير الحقيقية والمحتملة، على أن تكون تلك القوانين منبثقة من الإسلام، بحسب ما يؤكده الإمام في جميع كتبه، ومنها (حوار حول تطبيق الإسلام)(11).

أما عن دور السلطة في البعد التوزيعي، فقد رصّنها الإمام الشيرازي، سواء في موسوعاته الفقهية أم في كتبه الأخرى. وهذه الوظيفة تعتمد على نظرة موضوعية إلى اختلاف الدول في مستوياتها الاقتصادية، والحضارية، ومن هذا الاختلاف يتولد دور الحكومة في توزيع المشاريع الاقتصادية وناتجها المادي على المواطنين وعلى مناطق البلاد(12).

فالحكومة، من وجهة نظر الإمام الشيرازي، وهو المعمول به حالياً في كثير من دول العالم بدرجات متفاوتة، ونتيجة لمرحلة التقدم نفسها، لا تجد ضرورة في التدخل في الأنشطة الاقتصادية بنفس درجة تدخل الحكومة في المجتمعات النامية، ففي هذه الأخيرة أصبح من اللازم على الحكومة أن تراعي في خططها التنموية مختلف المدن والمناطق والتجمعات السكانية، بنفس درجة تدخلها في نشاط السوق، بما يضمن عدالة التوزيع وتحقيق الاكتفاء الذاتي، فيما إذا كانت ثمة حاجة لذلك التدخّل وعلى أن يتمّ وفقاً لأوامر الشريعة، وقاعدة (لا ضرر ولا ضرار).

وتتحكم العقيدة في التوزيع، لأن المهاد العقيدي والأخلاقي الذي يجد به المجتمع ذاته الحضارية هو الذي يوحي بطريقة أداء هذه الوظيفة.

وبرغم هذا فإن التوزيع، كما يحدّده الإمام الشيرازي، لا يمكن أن يكون جامداً على نمط واحد، لأن هدفه هو تحقيق العدالة بالمنظور العقائدي نفسه لمفهوم العدالة، من جهة ولأن التطويري يتحكم أيضاً في التوزيع من جهة أخرى، فأصبح لازماً أن تتدخل الدولة بصورة أو بأخرى لتحقيق عدالة الانتاج وعدالة التوزيع، بالنسبة للمواطنين، وبالنسبة لمناطق البلاد المختلفة.

وتعني عدالة الانتاج، أن الدولة ينبغي لها أن تحدد أهمية الميادين التنموية، مع عدم التدخّل في التفصيلات والإجبار والإكراه، ما استقامت أمور الناس بغيرها، والتفتت إلى ضرورات إنجاح تلك الميادين بإقامة المشاريع الصناعية والزراعية في المناطق الملائمة لطبيعة الانتاج.

فعلى الحكومة التي تريد أداء التوزيع بنجاح، أن تلتفت إلى الأولويات، فالمجتمع المتخلّف الذي ينهكه الفقر والجهل والمرض هو أحوج ما يكون إلى المستشفيات والمدارس وتطوير الصناعة والزراعة، انه أحوج إلى هذه المشاريع منه إلى ديكورات التحديث البعيد عن واقع الناس. كما أن على تلك الحكومة أن توزع المشاريع بحسب طبيعة المناطق، فليس من المقبول في عالم اليوم أن تؤسس الحكومة مصنعاً في منطقة وهو محتاج إلى مواد أولية متوافرة في منطقة أخرى بعيدة، إذ إن عدالة الانتاج تفرض إقامة ذلك المعمل قرب أماكن وجود المواد الأولية التي يحتاج إليها، إلا إذا كان ثمة معوّقات معينة، بحيث تصبح المسافة البعيدة تضحية لما هو أهمّ، كالحفاظ على البيئة، ونسبة التلوث وما إلى ذلك.

ولابدّ، لعدالة التوزيع، وبحسب تنظير الإمام الشيرازي، من سنّ القوانين التي تنظم النشاطات الصناعية والزراعية وغيرها؛ وهنا تدخل أهمية الثواب والعقاب، وهي القضية التي يمنحها السيد الإمام فسحة واسعة في كتبه وبحوثه. وتتمثل في سنّ القوانين التي على أساسها تبني الدولة نشاطاتها وأداءها السياسي ونجاحها في تنفيذ وظائفها على أفضل وجه ممكن.

وبالطبع فإن الوظيفة الجزائية تؤدي إلى تحديد مسؤولية السلطة تجاه الإخلالات، وحالات الخروج على القانون، وتهديد الأمن الاجتماعي، والتجاوز على حقوق الآخرين واستغلالهم، وانتهاك حريّاتهم، ومصادرة رأيهم؛ إلى غير ذلك.

مما يعني أن (الوظيفة الجزائية) عند الإمام الشيرازي ليست خاصّة بالحكومة، بل تتّسع لتشمل كلّ فرد من أفراد المجتمع، فكل منهم راعٍ ومسؤول عن رعيّته، وهذه المسؤولية تتّسع لألوان شتّى لا تقتصر على المسؤولية المادية كالإعالة والإعاشة وتوفير المأكل والملبس وأدوات المنزل وغيرها فحسب، بل تسمو إلى ما هو أبعد من المادة لتشمل جميع ما يدخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ويجد هذا المنهج السديد أمثلة كثيرة في القرآن الكريم والسنة النبويّة المطهرة وأحاديث أهل البيت، عليهم السلام، مما يستشهد به الإمام الشيرازي في بحوثه في هذا المجال، كقوله تعالى: (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)(13).

كما أن الجزاء عند الإمام الشيرازي، يتصاعد ليشمل الأخذ على يد الحاكم الظالم المستبد.

يكتب السيد الإمام:

(القوى الثلاث: التشريعية والتنفيذية والقضائية، تتفاعل وتتدخل بعضها في بعض ويقع الكلام حول ذلك في مباحث:

الأول: في تدخل القوة التنفيذية في القوة التشريعية، وذلك بأمور:

1 ـ إن القوة التنفيذية كثيراً ما يكون بيدها المال، كما أن بيدها القوة، والإعلام، وبذلك يتسنّى لها التدخل في التشريعية من ناحيتين:

أ ـ ناحية النصب والعزل...

ب ـ ناحية الترغيب والترهيب...

ومن أهم ما يفسد على الأمة مصالحها في البلاد التي تسمى بالديمقراطية (أما البلاد الشيوعية فهي خارجة عن محل البحث حيث إنّ التنفيذ والتشريع والقضاء وكل شيء بيد فئة خاصة هي الحزب) هو طغيان رأس المال، حيث إنّ الرأسماليين يصرفون المال لتسنيم من في صالحهم، سواء في التشريعية أو التنفيذية أو القضاء أو الإعلام أو غيرها، وبذلك تكون الأمة مكتوفة الأيدي لا أمام التشريع بل أمام كل شيء.

ولذا فالواجب لتحرير إرادة الأمة من قص أجنحة رأس المال الطاغي، وإلا فكل الإجراءات لعدم تدخّل التنفيذية في التشريعية، غير مجد)(14).

ونتبيّن من مجمل ما كتبه الإمام الشيرازي في مسألة الحكم والحاكم، وبكل جلاء ووضوح أن هذه الوظائف التي هي ليست خاصّة بالحكومة، وإنما بكل أطراف الدولة، يجب أن تتداخل فيما بينها، وأن يرتبط بعضها ارتباطاً قوياً؛ بحيث ان العقيدة هي التي تتحكم في الجزاء والتطوير والتوزيع. إضافة إلى أن العقيدة تستجيب للمتغيرات، استجابة لا تمسّ الأسس العقيدية الجوهرية. وهذا مبيّن بكل تفصيل في موسوعته الفقهية، وفي كتاب (الحريات) وغيرها من مؤلفات ذات علاقة بالموضوع، وخاصّة ما ورد ضمن مبحثه: قاعدة السلطنة وقاعدة الأهمّ والمهمّ، في موسوعة الفقه، كتاب (القواعد الفقهية) وكذا في (المسائل المتجددة)(15).

ويتأكّد صواب هذه الرؤية كلّما تقدّم العلم السياسي في كشوفاته وتطوراته، وكلما ازداد فهم العلماء الغربيين لآراء من سبقهم، ونقدهم لها، لا من حيث التقسيمات الفرعيّة، ولكن من حيث الرؤية العامّة لوظيفة الحكومة، بالتمييز بين الحكومة والناس.

وبإدخال منهج مونتسيكيو بضمن إطار رؤية (الموند) يصل المنهجان إلى تخوم بدايات نظرية الإمام الشيرازي في السلطات الثلاث، وعلاقتها بالدولة. فهو يؤمن بذلك الفصل، ويجعله مظهراً من مظاهر الدولة ككلّ، لا الحكومة أو السلطة فحسب.

ولو سرنا مع تطورات أخرى وتعديلات إضافية أدخلها اللاحقون على نقد ألموند لمونتسيكيو، لوجدنا هذه النظريات مع منقودها تقترب أكثر فأكثر إلى رؤية الإمام الشيرازي ومنهجيّته.

فلقد سارت تحديدات ألموند شوطاً أبعد على يد آخرين منهم (16) (Hall & Fager) باعتبار النظام السياسي مجموعة من الظواهر التي تكوّن نظاماً فرعياً من النظام الاجتماعي، وهي تلك الظواهر الخاصة بالحكم وتنظيمه. وهو بالذات ما سبق أن قرّره الإمام الشيرازي قبل ذلك بأكثر من عشرين عاماً، إذ أوجب أن يكون النظام السياسي فرعاً على النظام الاجتماعي، باعتبار النظام السياسي مختاراً من قبل الناس وممثلاً لقيمهم وآرائهم وطموحهم وأخلاقياتهم.

ويتعرّف منهج الإمام الشيرازي على حدود النظام السياسي من خلال مجمل السلوكيات التي تتصل مباشرة أو غير مباشرة بتنفيذ القرارات الإلزامية للمجتمع، ومن ثم فإن كلّ اجتماعي لا تتوفر فيه هذه الخصيصة لا يمكن اعتباره جزءاً من مكونات النظام السياسي، بمعنى أنّ الشريعة التي هي دين المجتمع، يجب أن تكون ممثلة في كلّ فرد داخل السلطة وخارجها.

هذه الرؤية الدقيقة التي يكشفها الفكر السياسي للإمام الشيرازي، التفت بعض الغربيين إليها في سنة 1994 م حين دعا اجتماع الرؤساء الحكومات الأوروبية ضمن اجتماعات ممهدة لإعلان الوحدة الأوروبية، إلى ضرورة استجابة السلطة لإرادة الناخبين وتمثيل قيمهم، وأن كل سلطة لا تمتثل لذلك، لا يحقّ لها الانضمام إلى الوحدة الأوروبية، أي أنهم نظروا إلى علاقة الاجتماعي بالسياسي، وضرورة التواصل بين الأمرين. على أنهم، بطبيعة منهجهم، لم يمعنوا النظر في الأساس الذي ينبغي أن يقوم عليه ذلك التمثيل، وهو عند الإمام الشيرازي، الشريعة بكل قواعدها وأسسها وتجلياتها وضرورة الوعي بها.

والمعروف أن ألموند نفسه قد طوّر نظريته لاحقاً نتيجة محاولات تطبيقها في الدول الغربية. وصحيح أنه لم يدخل تغييرات جذرية وجوهرية على أسسه النظرية، لكنه أعاد صياغتها بما ينسجم مع (العقل الجمعي) الذي نادى به عالم الاجتماع أميل دوركايم (1858 ـ 1917) حيث حدد الوظائف(17)، بما يجعلنا نحتمل احتمالاً قوياً باطّلاع ألموند على أشياء كثيرة من الفكر الإسلامي والمنهج العامّ للإسلام في بناء الدولة، من خلال كتابات الباحثين والعلماء المسلمين، سواء كانت كتابات باللغات الأوروبية أم مترجمة إليها. فهو قد حدد رؤاه بصورة نراها لائحة واضحة في كتابات الفقهاء المسلمين منذ عقود، والتي كانت من الأسس التي شيّد عليها الإمام الشيرازي، بحوثه ونظرياته، سواء ما يتعلّق بما يريده الناس من الحكومة أو ما تريده الحكومة من الناس.

ومن أدلّ الأدلة على تأثر كتاب الغرب بتنظيرات الإمام الشيرازي ذلك الالتقاء العجيب بين نظريات الإمام الشيرازي في موضوع القدرة، وما ذكره ألموند في نفس الموضوع، حيث إنّ نظريات الإمام الشيرازي قد سبقت ما ذكره ألموند بحوالي عقد كامل من الزمن.

لقد حدد ألموند القدرات التي هي في الوقت نفسه وظائف الدولة بما يلي: القدرة الاستخراجية والقدرة التنظيمية والقدرة التوزيعية والقدرة الرمزية والقدرة الاستجابية.

وإذا كان (ألموند) قد توقّف عند هذه التحديدات، وكذا فعل فلاسفة السياسة الآخرون.. فإن للإمام الشيرازي رأياً آخر أكثر شمولاً وسعة لهذه القدرات التي يعتبرها قدرات مستمدّة من الشريعة أولاً، ومن الشريعة أخيراً، ومن الناس حيثن يتشبّعون بالوعي بتلك الشريعة ومقولاتها.

يحدد الإمام الشيرازي موقفه من القدرات بناء على علاقتها بالحقوق، وانقسامها إلى قدرات متنوعة، يقول سماحته:

(إنّ كل قدرة استندت إلى القانون الموضوع من قبل الأكثرية ابتداء واستدامة فهي قدرة حقّة وما عداها باطلة، بينما في الاصطلاح الإسلامي القدرة الحقّة ما كانت مستندة إلى القانون الإلهي. وبذلك نتبين أن القدرة التي تريد النفوذ على الإنسان على قسمين:

الأول: ما يثقل على كاهل الأفراد والجماعات، وهي القدرة التي يراها الفرد أو الجماعة غير حقّة.

الثاني: ما لا يثقل، بل أحياناً يكون موجب الراحة والسرور، وهي القدرة التي يرونها حقّة.

وعليه فإذا تصادمت القدرات سواء في العرض كقدرة الجمعيتين أو في الطول، كقدرة الجمعية وقدرة الحكومة، لابد وأن يرى الإنسان حقيّة إحداهما، فإذا كان الإنسان حراً في الاختيار، اختار ما رآه حقاً)(18).

ومن أجل الوصول إلى محاولة تقويم قدرة النظام السياسي، فثمة معايير ومؤشرات، يتّخذها الإمام الشيرازي مرتكزات تتجمع في مسألة مركزية تثير تساؤلاً لا مناص منه عن كيفية أداء النظام السياسي؟ وهل يحقّق ذلك الأداء الوظائف المنوطة به أم لا؟!

إن الإجابة ترتبط، عند الإمام الشيرازي، لا بالسلطة السياسية وحدها، وإنما بتلك العلاقة الشفافّة من التعاون بينها وبين المواطنين.

ومن هنا، نستخلص نتيجة من النتائج التي يوصلنا إليها الفكر السياسي للإمام الشيرازي، والتي تتمثّل في أن تصنيف النظم السياسية تبعاً للممارسات التي تؤثر على عملها الداخلي، لا يعدّ كافياً من غير تحليل القدرة ذاتها. ان تحليل القدرة يمدنا بمساعدة قيّمة في التحليل السياسي لخصائص النظم السياسية.

والإمام الشيرازي، بالرغم من هذه النتيجة لا ينفي مكانه الأداء السياسي الذي هو دائماً مركز الاهتمام في العلم السياسي، ولكنه يضيف معياراً خطيراً جداً وهو معيار القدرات، وهذا المعيار من شأنه أن يصل إلى وضع تصوّر دقيق جداً للقواعد والأسس على أساس تجريبي، أي علمي، بملاحظة التغييرات التي تحدث، ومدى أهميتها، وأماكن حدوثها، ودور ذلك في تخليق العلاقة المثلى بين السلطة والمواطنين:

(القدرة قد تكون بالسلطة، وقد تكون بالشخصيّة، وقد تكون بالسنديّة، فإن كلّها قدرات وإن اختلفت أسبابها:

 

1 ـ السلطة:

فالسلطة هي القدرة التي توجب خضوع الضعفاء أمام الأقوياء، والخضوع إنّما يكون لرغبة أو لرهبة، ثم الرغبة والرهبة قد تكون بالحقّ وقد تكون بالباطل، فالديكتاتوري يكون مرهوب الجانب مرغوباً فيما عنده، وتكون سلطته بالباطل، بينما الحاكم العادل يرهبه الفسّاق والمجرمون، ويرجوه الضعفاء والمحرومون، وسلطته بالحقّ، وقد مرّ في مسألة سابقة، موضوع الحق والباطل. والسلطة تأتي بواسطة المال، وقد تأتي بواسطة السلاح، وقد تأتي بواسطة السياسة والحكم، وإلى غير ذلك. ثم قد تكون السلطة حاصلة بالتدريج، كمن يجمع السياسة قطرة قطرة، وقد تأتي فجأة، كمن ينصّبه الناس أميراً أو يختاره الناس رئيساً.

والقدرة لها مصادر، ولها مراكز، ولها موارد، فإن كانت الثلاثة بالحق، كانت القدرة في مجراها الصحيح، وإلا كانت باطلة، مثلاً قد تكون الآراء، مصدر السلطة ويكون المركز الذي فيه الآراء له الكفاءة والقابلية والشرائط، وتصرف السلطة في إقامة العدل وإعطاء كل شيء حقه، كما أنّه بالعكس قد لا تكون آراء بل قفز إلى الحكم بواسطة السلاح، وقد تكون آراء لكن حصّلها غير الكفوء بالتزوير، وقد يجتمع الشرطان، لكن يصرفه ذو السلطة في ما ليس بموردها، وفي كل هذه الموارد يكون الأمر باطلاً.

 

2 ـ الشخصية:

والشخصيّة هي القدرة التي تعطي لفرد أو أمّة رفعة على الآخرين، سواء كانت من ناحية العلم أو المال أو السلاح أو الإرادة أو الصناعة أو الفن أو غيرها. فالخطيب البارع، والكاتب القدير، والعالم المتفوّق علماً، والفنّان الماهر، والصناعي المتقدّم، والبطل القويّ، والإداري الحسن الإدارة، وغيرهم من أمثالهم، له قدرة الشخصية ولذا يقال فلان له وزن، فلان له ثقل، فلان له شخصية، وهذا يجري في الأمم والأحزاب والمنظّمات والجمعيات كما يجري في الأفراد أيضاً. والمحتفون حول مثل هذه القدرة ينالون منها دائماً، كالذي في أمّة قويّة أو ولد عالم عادل، أو زوجة خطيب بارع، أو ما شاكل ذلك. وفي الحديث (المرء يُحفظ في ولده) وذلك ليس عطاء من الاجتماع اعتباطياً، بل هو نوع تشجيع للفضيلة، فإن الإنسان إذا عرف أنّه تكون له الشخصية لنفسه ولذويه إذا حصل على الكمال الفلاني، كان اهتمامه بتحصيله أكثر من اهتمام من يعلم أن شخصيته لا تتعداه إلى ذويه.

واحترام الناس لمثل هذه القدرة له عاملان:

الأول: التشجيع على الكمال.

الثاني: استفادتهم منها، فالعالم يفيض علماً، والفنّان يعطي الرفاه إلى غيرهما، وهذا هو سرّ انجذاب الناس إلى ذوي الشخصيّة، والمنجذب قد لا يستفيد بنفسه إلا أنّه يعيش حالة سرور وغبطة كالإنسان الذي ينزح إلى بلد قويّ ليجد السرور النفسيّ في كونه من أتباع تلك الدولة.

 

3 ـ السَّنَديّة:

والسَّنديّة قسم ثالث من القدرة، قد يحصّلها الفرد أو الجماعة أو الأمة بسبب ما، مثلاً: يقال: المحقق سند فقهيّ، والطريحي حجة في اللغة، والكليني مطّلع على موازين الحديث، وإلى غير ذلك. والمقصود أنه إذا قال أو كتب أصغي إليه، وأخذ قوله مدركاً، وهذه السنديّة تعطي الإنسان نوع قدرة، وإن لم تكن قدرة السلطة، وقدرة الشخصيّة، إذ بين هذه الأقسام الثلاثة عموم من وجه (على الاصطلاح المنطقي).

وعن كيفية دوام القدرة يقول الإمام الشيرازي:

(ثم إنّ كل الأقسام الثلاثة من القدرة إنّما تدوم بشرطين:

الأول: أن تكون القدرة قد حصلت من مجاريها الطبيعية، فإذا حصلت بالتزوير أو القفز أو الصدفة أو ما أشبه ذلك لم تدم، كما أن العكس أيضاً كذلك، فإذا خرج من له قدرة حقيقية عن مجرى القدرة بالديكتاتورية، أو التزوير، أو ما أشبه ذلك، لم يدم وسار إلى الانعزال.

ففي:

(1) لو وصل إنسان إلى السلطة صدفة، أو حصلت له الشخصية بالتزوير، كما إذا زوّر شهادة دكتوراه لنفسه، والحال أنه لم يحصل عليها حقيقة، أو جعل نفسه سنداً بالدعاية، فإنه سرعان ما ينكشف زيفه، وتنفلت القدرة من يده، ولذا أجاب الإمام عليه السلام لمن سأله: ما الحيلة؟ بقوله: في ترك الحيلة.

وفي (2) لابد أن يظهر الحق، وقد قال الحكماء (القسر لا يدوم) إذ القسر باق ما دام القاسر، فإذا زال القاسر ظهر الأمر على حقيقته.

ثم يقول سماحته:

(ولذا فاللازم على صاحب القدرة الذي غصب السلطة أو الشخصيّة أو السنديّة إن كان أحبّ نفسه وأراد بقاء قدرته، أن يحوّل الزيف حقيقة)(19).

وعلى هذه الوتيرة يعالج سماحته مسألة القدرة في نواحيها المختلفة، وأقسامها المتعددة، بإضافات ثرّة وثريّة إلى عموم الدراسات المتعلّقة في هذا الموضوع في دول العالم المختلفة.

وبموجب رؤية الإمام الشيرازي، للقدرة التي هي من معايير العلاقة بين السلطة وأبناء المجتمع يصبح من الواجب أن تُفهم تلك العلاقة على أساس أن النظام السياسي الذي هو فرع من العلم السياسي إنما هو جزء لا يتجزأ من النظام الاجتماعي، وقيمه الأخلاقية، كما سبق أن ذكرنا.

كما أن هذه العلاقة يقيمها الإمام الشيرازي، على معطيات سائر أنواع المعرفة وهياكل النظام الاجتماعي، في تشابك وتداخل بين مكوّنات متعددة يصعب فرزها من اجتماعية وثقافية واقتصادية وعقائدية ونفسية وتاريخية وقانونية وجغرافية، وغيرها..

ومرجع العلاقة الحقيقية بين السلطة والمواطنين بموجب هذه الرؤية أيضاً، إلى الاحتكاك المباشر، وإلى أن النظام السياسي الناجح برمته لا ينشأ خارج الشريعة ولا ينمو إلا في محيط أخلاقي.

ويؤكد الإمام الشيرازي على نقطة بالغة الأهمية، مفادها أن هذا النظام السياسي، وعبر نجاحه في أداء وظائفه، وتصعيد وتائره، يستمد قوته من بناء علاقات متينة مع مجتمعه، وذلك من خلال العمل المستجيب لضرورات الواقع وحاجة المواطنين، ومن القرارات الحسّاسة التي يتخذها لترجيح المصلحة العامة في كل أنشطته الداخلية والخارجية، بما يحقق الأمن الاجتماعي والرفاه والعدالة.

وكيفما يكن أمر الخلافات بين العلماء الغربيين الحاليين، وسواء أيدوا نظرية منتسيكيو بالفصل بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، أم أخذوا بنظرية ألموند الذي يعترف بالسلطات الثلاث لكنه يدمجها مع بعضها البعض(20) فإن الفكر السياسي للإمام الشيرازي يرى أنّ كل عضو في المجتمع على مساس واتصال مباشر مع المؤسسات الحكومية كجباية الضرائب، وقوات الشرطة، والقضاء، وغيرها.. بل ان هذه المؤسسات ذاتها تتكون من أعضاء المجتمع نفسه، وتنفذ أو تقنّن قواعد سلوكية منبثقة من واقع ذلك المجتمع.

كما أن الإمام الشيرازي يتجاوز رؤى الغربيين في تقسيم الدولة ومؤسساتها، ففي بحث فريد في بابه، عنوانه (موضوع علم السياسة) يحلل الإمام الشيرازي رؤى الغربيين لميادين ذلك العلم، ويضيف إلى رؤاهم إضافات هي أسس لا غنى عنها في فهم موضوعة الدولة ومؤسساتها:

(المؤسسات السياسية الشاملة:

1 ـ المؤسسات السياسية المقارنة.

2 ـ المؤسسات التشريعية، كالدستور.

3 ـ والمؤسسات التنفيذية كالحكومة.

وهذه الثلاثة بمجموعها تتحلّل إلى ستّ مؤسسات هي:

1 ـ الدستور.

2 ـ الحكومة المركزية.

3 ـ الحكومة الإقليمية والمحلية.

4 ـ الإدارة العامّة.

5 ـ وظائف الحكومة الاقتصادية والاجتماعية.

6 ـ المؤسسات السياسية المقارنة)(21).

وهذه المؤسسات لا تنبعث من فراغ ولا تعمل في فراغ، ولا يمكن أن توجد خارج إطار المجتمع، وإنما هي جزء من النظام السياسي الذي يعمل ـ أو يجب أن يعمل ـ على تنظيم الأفراد والجماعات والتكتلات ضمن إطار رسمي هو (الحكومة). والحكومة ـ في أبسط تعريف علمي لها ـ هي جهاز يضمّ مجموعة من الموظفين المخلصين ذوي الكفاءة ومجموعة من النظم والقوانين، ولها نشاط منظّم ومحدد يهدف إلى تحقيق التواصل بين الشعب والحكومة.

ويذهب الإمام الشيرازي إلى تفضيل الكفاءة وتقديمها على أي اعتبار قومي أو نسبي، فيقرر ذلك في حوار له حول القومية والكفاءة بكل وضوح وصراحة، برغم الإرهاب السلطوي المتاجر باسم القوميّة(22).

وبهذا المفهوم للحكومة ووظائفها ودورها فإن شرعية النظام السياسي تستمد من خلال مؤشرات تعتمد جميعها على تمتّع السلطة السياسية ذاتها بالشرعية القانونية محلياً ودولياً، مما يوفر للحكومة النجاح في تحقيق أهدافها فالتفاف الناس حولها، حينما يلمسون مصداقيتها في الشعار والتنفيذ وقيامها بوظائفها على أحسن وجه ممكن.

وبحسب الفكر السياسي للإمام الشيرازي أن السلطة السياسية، قد تهتم بأهداف معينة، او تتبنى شعارات معينة، كالأمن الاجتماعي، والرفاهية، والعدالة، والتعاون مع دول الجوار الإقليمي، وغير ذلك... إلا أن هذه الأهداف والشعارات لن تزيد من المشاركة الشعبية، إلا إذا ساندتها قيم صادقة، وإرادة مخلصة، في وضع القوانين المنظمة للنشاطات العامة، والقيام بتنفيذها، وكذلك في الدفاع عن الوطن الإسلامي ووحدته، وفي استقلال البلاد، وكذا في تحقيق التوازن الاقتصادي الذي يستدعيه النمو الاجتماعي والتطور.

ويجب الانتباه إلى أن السلطة السياسية ليست وحدها التي تفرض شرعيتها وإرادتها، فثمة تجمعات سكانية، وأقليات عرقية ودينية، وهياكل قبلية وعشائرية، لها القدرة على تنفيذ تقاليدها الداخلية؛ الأسرة، على سبيل المثال، والهيئات الدينية في حالة انفصالها عن السلطة، تمتلك في بعض البلدان، حق استخدام واجبها الطبيعي للمحافظة على الأخلاق والتماسك العائلي والقبلي والعرقي. بل ان هذه الظاهرة موجودة حتى في أكثر دول العالم تقدماً، وبخاصة في الجانب الديني، كالتجمعات اليهودية في المجتمعات غير اليهودية، خلافاً للنظم اللادينية المبتعة في التشريعات القانونية التي تنظر إلى الأفراد بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والعرقية.

يجب إدراك ان النظام السياسي نفسه، كما سبق أن قلنا، يتكون من أفراد يقومون بوظائف متداخلة في الوقت نفسه، فهم يؤدون (وظيفة) ما ضمن السلطة السياسية، في الحكومة أو القضاء أو غيرهما، وفي الوقت ذاته يقومون بأدوار أخرى على صعيد الأسرة أو الانتماء القبلي أو القومي أو الديني، وذلك ما يجب أن ينتهي لصالح الانتماء العقائدي الأصيل على ما يرسّخه الفكر السياسي للإمام الشيرازي.

وصحيح أن هذه الوظائف متداخلة، ولكنها يجب ألا تصل إلى مرحلة التناقض، وذلك بتحقيق شرطين ضروريين لتنظيم التداخل، وهما:

1 ـ التفات التشريع القانوني إلى ذلك، ووضع القواعد القانونية المنظمة لذلك التداخل، بحيث تكون مستجيبة لطبيعة المجتمع بعناصره المتعددة ونظمه الأساس كالأسرة والقبيلة وغيرهما.

2 ـ ضرورة التزام أبناء المجتمع أنفسهم بالنظام العام للدولة، بشرط توفّر شرعية السلطة السياسية وحقها في تبني كل ما من شأنه الحفاظ على المصلحة العامة ووحدة البلاد وتحقيق العدالة والتوازن.

إن أفراد المجتمع الذين يؤدون وظائفهم المتداخلة يجب ألا يعبروا الخطوط الحمر التي تحدد حقوقهم وواجباتهم، ولكنهم إن عبروها فإنهم يعبرون الحدود ما بين القانوني المشروع، وما هو خروج على القانون.

وعلى ذلك، يبني الإمام الشيرازي دعوته إلى وجوب حرص الحكومة على خلق التجاوب الشعبي مع السلطة السياسية ككل، عن طريق إدراكها الواعي للحقوق والواجبات المترتبة عليها. لأن التجاوب الشعبي له تأثير كبير على مستقبل الحكومة وقدرتها على خلق حالات التجاوب الشعبي بتعاملها العلمي والواقعي مع تلك الهياكل والتيارات.

هذه التداخلات المتعددة والمتشابكة تدعو إلى تقرير أن الوصول إلى اكتشاف جوهر الحقيقة في النظام السياسي، بناء على الفكر السياسي للإمام الشيرازي، يستلزم الاحاطة الدقيقة بالقوى الفاعلة في النظام السياسي وفي الأداء السياسي للحكومة، سواء كانت تلك القوى متجسدة في طبقات اجتماعية (متصارعة أو متوافقة) أم في الثقافة أو في التغيير الاقتصادي والاجتماعي، أو في النخبة الحكومية التي تدير نشاطات الوزارات، أو في البيئة المحلية والدولية التي يؤدي النظام السياسي نشاطاته فيها؛ ولذا يقرر ديفيد ايستن (David Easton) ان المفاهيم الجديدة مثل الثقافة السياسية والوظيفة السياسية والمشاركة الشعبية أصبحت مفاهيم شائعة في توضيح مدى العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع(23) ويقترف هذا الرأي كثيراً من رؤية الإمام الشيرازي، المبنيّة على أساس الوعي الذي يجب ان توفّره الدولة للمجتمع.

وقد أكد العديد من المفكرين أن التنمية السياسية للمواطنين هي أساس وظائف الحكومة وقد تسبق مستوى التنمية الاقتصادية، أو على الأقل تواكبها، لأن تنمية اقتصادية تخلو من اقتناع واعٍ بالشرعية السياسية للسلطة هي تنمية عرجاء لن تؤدي الغرض منها أبداً.

والعكس صحيح أيضاً إلى درجة ما، لأن عدم إشباع حاجات المجتمع مادياً سيعمل على تقويض شرعية النظام وطاقته النفاذة(24).

فتحقيق الانسجام بين التنمية السياسية والتنمية الاقتصادية، أو بتعبير آخر بناء الإنسان، هي مسألة جوهرية لحفظ القانون والنظام ولتنفيذ خطط الحكومة.

ونلاحظ أن هذه التوجّهات تتفّق، إلى حد كبير مع الرؤى التي يقدمها الفكر السياسي للإمام الشيرازي، مع أن هذا الفكر له سعة أكبر وعمق أسبر غوراً. فقد تبنّى الكثير من مفكري الغرب، حلول المراحل الأربع لتأسيس أي دولة، والتي هي:

1 ـ الاتحاد السياسي للبلدان ذات الفكر المتشابه، وهي الدعوة (الشيرازية) الأصيلة لوحدة الأمة الإسلامية.

2 ـ التصنيع ومكننة الزراعة بهدف إنجاح التنمية الاقتصادية.

3 ـ الرخاء والرفاهية ووصولهما إلى مجموع السكان.

4 ـ الوفرة حيث يعيش الأفراد في بحبوحة ومستوى ماديّ مرتفع. وهذا الحلّ ينبع عند الغربيين من الفكر المادي أساساً. أما عند الإمام الشيرازي فهو متلازم مع مصلحة المسلمين العليا ومؤسس على أساس الشريعة وقواعدها.

ومن الملاحظ أن حلول الغربيين عموماً قد أغفلت التنمية الروحية، غير أن بعضهم، قد أدرك، ولو متأخّراً جداً، أهمية تلك التنمية، ودعا إلى ضرورة ممارستها بحسب اختيار المجتمعات(25).

الاستعمار الذي دخل إلى العالم الإسلامي قسمه إلى عدد كبير من الدول المتحاربة والمنقسمة على نفسها والمتخلفة عن غيرها. ولكن الشعوب الإسلامية لم تتقبل ذلك الوضع، فقامت ثورات متعددة وانتفاضات قادها الفقهاء لقّنت المستعمرين دروساً لا تُنسى، مما دعا الغربيين إلى الاهتمام بدراسة هذه المجتمعات، في محاولة لإحكام السيطرة على شعوبها.

وقد انصرف لدراسة هذه المجتمعات مجموعة من علماء الغرب من أمثال لوفي (26) (M.Levy) وسملسر (27) (Smelser) وايزنشتات (28) (S.N.EisenTadt) ولكن هذه المحاولة أظهرت، وعلى غير رغبة المستعمرين، بعض دراسات جادة في محاولة فهم المجتمعات الإسلامية بشكل أكثر دقة وموضوعية وارتقاء، ولأسباب متباينة، بعضها علمي، والكثير منها مجرد انطباعات. وبغض النظر عن كلّ ذلك يمكننا أن نقرأها لنتبيّن مدى تأثير علمائنا الكبار فيها، حتى وإن لم يعترف كاتبوها بذلك التأثير، وحتى لو كانوا قد ابتسروا الرأي الإسلامي ابتساراً ووضعوه في قوالبهم المادية الجاهزة.

ولعل مما يمكن أن يشار إليه في هذا الصدد الدراسة التي قدمها برنار (29) (C.Bernard) و (30) (Howard Wringgins) كما أصدر كوترايت (31) (PHILIPS CURTRIGHT) فهرساً إحصائياً عن مستويات التنمية السياسية بتفاوت درجات التصنيع والاستقرار السياسي ومعايير أخرى. فأمكن من وراء هذه الدراسات والبحوث أن ينتبه العالم الإسلامي إلى ما يراد به وأن يفتح عينيه مرة أخرى على أهميته في العالم المعاصر.

وتعتبر سنوات الستينيات من هذا القرن علامة فارقة في تاريخ الدراسات السياسية عن العالم الإسلامي، ثم تصاعدت لتبلغ ذروتها في الثمانينيات من هذا القرن، بسبب ما حدث في إيران وفي دول المنطقة الأخرى من أحداث كانت ترهص بميلاد صحوة إسلامية جديدة تنقذ الأمة من ضياعها وشتاتها، لو أحسن القيّمون على زمام الأمور التعامل معها، ولو أدركوا أسباب اهتمام الدول الغربية والشرقية بهم، ولو كانت أمورهم بأيديهم!!

ففي تلك السنوات تأسست في الولايات المتحدة الأمريكية لجنة الدراسات المقارنة وفهم العالم الإسلامي، برئاسة جابرييل ألموند الذي مرّ ذكر نظرياته قبل قليل.

ويشير القانون التأسيسي لهذه اللجنة أنها تتألف من الكتاب والباحثين الذين يعملون في ميدان دراسة التنمية السياسية في الدول الإسلامية وما يدور في فلكها من مشكلات الاقتراح والخطاب والشعار والتحديث والتعليم والثقافة ومنزلة الفقهاء وتأثيرهم على الرأي العام. وبلا شكّ فإن هذه اللجنة، وبما عُرف عن أعضائها من جدّ في تنفيذ مهماتهم، قد اطلعوا على دراسات الإمام الشيرازي، سواء باللغة الأصلية التي كتبت فيها تلك البحوث، أو ما ترجم إلى اللغة الانجليزية من قبل متخصصي تلك اللجنة. وإنما نجزم بهذا الاطلاع، لوجود شواهد عديدة على أنّ القوم قد درسوا تلك الأفكار وظهر تأثير بعضها في كتاباتهم، كما بيّنا قبل قليل.

وعلى كل حال، فقد استطاعت هذه اللجنة أن تحصل على وثائق مهمة، وباتالي أن تصدرعدداً كبيراً من الدراسات والتنظيرات التي يختلف حظها من التوفيق باختلاف وجهات نظر كاتبيها ومناهج بحثهم ومدى فهمهم لنفسية شعوب الدول الإسلامية وقيمها الأخلاقية والعقائدية، وطبيعة علاقتها بالسلطة.

كما تأسست في مختلف دول العالم كثير من المراكز المعنية، ضمن اهتماماتها هي الأخرى، بالتطورات الحاصلة في الفكر الإسلامي ودراسات الفقهاء المسلمين.

ومن تلك المراكز والمؤسسات مركز الدراسات الدولية في كل من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وبرنامج (ييل) للمعلومات السياسية، وكونسورتيوم جامعي في بريطانيا ومثله في الولايات المتحدة يتفرغ للدراسة السياسية، ومكتبة المعلومات الدولية، وغيرها في الولايات المتحدة، وجامعة لندن واوكسفورد وكامبردج في المملكة المتحدة، وهكذا في جميع دول أوروبا تقريباً. وفي أرشيفاتها ومكتباتها كتب للإمام الشيرازي، ودراسات حولها وترجمات لبعضها، وحواش وتعليقات عليها.

ومع الاعتراف بأنّ بعض هذه المراكز موظّفة لمصالح الجهات التي تغذّيها وتموّلها، كما سبق أن ذكرنا قبل قليل، فإن من هذه المراكز ما يتمتّع بشيء من هامش الحريّة والاستقلالية النسبية، وبعضها يقوم بدراسات غير رسمية، ولذلك استطاع أن يكتسب في غالب الأحيان شيئاً من صفة الاستقلال والموضوعية، وأن يقدم قدراً كبيراً من المعلومات الإحصائية والمسح والعرض والتحليل؛ وقد استفاد مجلس ارشيف المعلومات الخاصة بعلم السياسة والأديان المقارنة والدراسات الإسلامية في نيويورك وما يماثله في لندن من هذه الجهود في بحوثه التي نشرها في كتب خاصة أو ضمن المجلات السياسية الأكاديمية.

ومن هذه البحوث الأكاديمية يمكن أن تفرد البحوث التي كتبها باي (32) (Pay) وبخاصة ما ذكره عن عناصر الفكر الإسلامي الحديث، وقد رأى أن وعياً متزايداً يتحقق لدى الشعوب الإسلامية على صعيد السكان ككل. وعلى صعيد تأثير الفقهاء على الرأي العام. وعلى صعيد بعض الحكومات، وعلى صعيد دعوة الوحدة السياسية الإسلامية.

وهذه الأصعدة بالذات نجدها واضحة في كتاب الإمام الشيرازي (الصياغة الجديدة) بل ان التوصيات التي رفعتها اللجان المتعددة إلى ذوي الشأن، وهي تلك اللجان المشكّلة لذلك الغرض، قد حذّرت من السماح لفكر الإمام الشيرازي بالانتشار بين الناس، لأنّه يركّز على إثارة مكامن القوة في التاريخ الإسلامي ويوظّفها لصنع الحاضر والتبشير بالمستقبل، مما سيؤدي إلى رجحان كفّة الدول الإسلامية وتعاظم تأثيرها على مكانة الدول الصناعية الكبرى وهيمنتها على مقدرات الدول الإسلامية حالياً.

وتعترف تقارير تلك اللجان أنّ من شأن نشر فكر الإمام الشيرازي، بالذات، إنهاض المسلمين الغفاة على واقعهم الأليم، ودورهم التاريخي الذي فقدوه، كما أن من شأن ذلك الفكر أن يمنح الوعي اللازم للفرد المسلم كي لا يتصرف كواحد من (الرعية) يتلقى الأوامر بصورة سلبية من السلطات العليا، وأن ينفذها من غير اقتناع كاف، ولكنه سيصبح، في حالة سيادة ذلك الفكر، مشاركاً نشيطاً وبفعالية مهمة لجهة تشكيل قرارات سياسية تعده منطلقاً للنهضة الإسلامية الجديدة وغاية لها.

وبمعنى آخر أن الفكر السياسي للإمام الشيرازي يستطيع، إن أتيح له مجال العمل والتطبيق، أن يجعل المرء المسلم مندمجاً بطواعية في عملية الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، وهذا يعني انتماء أوسع الجماهير للنظام السياسي الإسلامي الذي تبشّر به كتابات الإمام الشيرازي، وتطوير أداء الأجهزة الإدارية في الدولة الإسلامية، وتعديل القوانين واللوائح والتعليمات التي تنظم العلاقات داخل المجتمع الإسلامي: الناس والحكومة، بناء على المقولات الإسلامية.

لأن هذا الفكر يدعو إلى مزيد من الحريات ومن تطوير حقيقي للتنمية السياسية، مما يؤدي إلى السيطرة على نتائج التنمية وإفرازاتها. وذلك بفعل أن هدف النهضة الإسلامية، بحسب مفهوم الإمام الشيرازي، هدف منسجم مع الذات الإسلامية، يتمثل في المساواة والقدرة على التفاضل وتقرير درجة التطور بناء على الواقع الملموس لا على الشعار المعلن وحده. أي أن وصف أي حكومة لنفسها بأنها إسلامية غير كافٍ لإسباغ صفة الإسلامية عليها(33) وغيره كثير في كتب السيد الإمام.

وتعترف تلك اللجان، من جهة أخرى، أن الفكر السياسي للإمام الشيرازي يعمل على تزايد وثاقة العلاقة بين المرء المسلم وقيادته الشرعية، وتعدّ هذه العلاقة، بحسب علم السياسة الحديث عاملاً أساسياً من عوامل نجاح التغيير الذي ينادي به الإمام الشيرازي، بناء على ما استخلصوه من أحداث تاريخية سبق للإمام الشيرازي أن قام بتحليلها تحليلاً تاريخياً.

فالسيد الإمام يرى أن التنمية السياسية في العالم الإسلامي واجب شرعي.. انه يراها عملية مستمرة، وعلى القوى التغييريّة في المجتمعات الإسلامية أن تطوّر ذاتها وبلدانها نحو تشكيل الحكومة الإسلامية الواحدة كي يتحقق التلاقي المنشود بين القيادة حين تكون شرعية وبين الاجتماع بكل مخزونه التراثي وإرادته المعاصرة في غد أفضل.

فقد اعتبر الفكر السياسي للإمام الشيرازي أن القيادة الشرعية حسب مقررات الإسلام، هي وحدها التي تستطيع أن تمارس التطوير السياسي والاجتماعي والاقتصادي، من أجل تحقيق مسيرة ناجحة تصل إلى الأهداف الإسلامية المتوخاة. وتلك القيادة تتمثل عند سماحته في (شورى الفقهاء) وهذا الاصطلاح من ابتكار سماحته، كمصطلح دالّ على مجلس يتكون من الفقهاء يتولى إدارة الدولة برضا الناس، ومن المعلوم أن ذلك الرضا متوفر ضمناً، باعتبار أن أولئك الفقهاء هم مراجع التقليد للناس، فهم في حقيقة الأمر يديرون أمور الناس حتى قبل قيام الدولة، وبالتالي فلهم وحدهم الحق بإدارتها بعد قيامها ضمن الاستشارية أيضاً لئلا تكون الديكتاتورية والتسلّط.

1 ـ السياسة: ج 1 ص 96 ـ 117 .

2 ـ سورة العنكبوت، الآية: 205 .

3 ـ نهج البلاغة / الخطبة 224 .

4 ـ مروج الذهب: 4 / 94 .

5 ـ سورة الانشقاق، الآية: 19 .

6 ـ السياسة: ج 1 ص 96 ـ 97 .

7 ـ F. Moran, The World, London, 1978, p. 210 .

8 ـ A. Bantley, Politique, Paris, 1956, p. 344 .

9 ـ C. Dauidson, The Reality, London, p. 201 .

10 ـ Arnold G. A., The Coleman, J. S. The Political of the Developing Area, (Princeton University, 1965).

11 ـ حوار حول تطبيق الإسلام، ص 11 وما بعدها .

12 ـ الصياغة الجديدة ص 117 .

13 ـ سورة طه، الآية: 133 .

14 ـ السياسة: ج 2 ص 45 ـ 46 .

15 ـ المسائل المتجددة 228 وما بعدها .

16 ـ Hall and R. Fager, Definition of a System, General System, VI (1965), pp. 15-25.

17 ـ Almond Gabriel: A developmental Approach to System, op. cit. Pp 32-35, and: (a Functional approach to Comparative Politics), in: Gabriel Almond and James S. Coleman, Eds, The Politics of the Developing Area (pr. N. J.: Princeton University, 1985), p. 131 .

18 ـ السياسة: ج 1 ص 113 .

19 ـ السياسة: ج 1 ص 112 وما بعدها .

20 ـ Almond Gabriel A, A Functional Approach to Comparative Politics, pp. 45-55.

21 ـ السياسة: ج 1 ص 130 .

22 ـ حوار حول تطبيق الإسلام

ص 80 وما بعدها .

23 ـ David Easton, the Political System, an Inquiry in to the Political Science, Alfred A Knopt (New York, 1960), pp. 55-60 .

24 ـ M. Lipset, (Some Major Reduisties of Democracy Economic Development and Political Legilmacy); American Published Science Review, III (March, 1959), pp. 69-105 .

25 ـ Fred R. Von Der Mehden, Politics of the Developing Nations, (Englewood Chiefs, N. J.: Prentice Hall, 1976), p. 154.

26 ـ M. Levy, Modernization of the Structure of Societies, (Princeton, 1966) .

27 ـ J. Smelser, Toward a theory of Modernization (new York, 1966) .

28 ـ S. N. Eisentadt, Modernization. Protest and Change (new York, 1966). P. 402 .

29 ـ Crick, Bernard, The American Science of Politics, California 1971, p. 471 .

30 ـ Howard Wringgins, Foreign Assistance and Political Development, Robert E. Asher, Development of the Emerging Countries, an Agenda for Research (Washington Dec, 1969) .

31 ـ (Philips Curtright National Political Development, Measurement and analysis), in: American Sociological Review, Vol. XXVIII, (April, 1963), pp. 253-264 .

32 ـ Lucian Pye, Communications and Political Development ed. (1963), p. 19 .

33 ـ يُنظر حوار حول تطبيق الإسلام: 80 ـ 81 .