فهرس الفصل العشرون

 

الصفحة الرئيسية

 

عوامل النهضة والعمل التغييري

يشترط الإمام الشيرازي لنجاح العمل التغييري، أو النهضة، والوصول إلى تأسيس الدولة الإسلامية الواحدة، توفر وحدة العامل الذاتي والعامل الموضوعي، أو وحدة الظروف الذاتية (للنهضة لا للفرد) مع الظروف الموضوعية. وبالطبع فإنه لا يمكن على وجه التحديد الإشارة إلى معيار هذه الوحدة التي تؤمّن النجاح. هذا المعيار ليس مقداراً ثابتاً ولا يمكن تحديده مسبقاً. وهو يبرز من جديد كل مرة في سياق تصاعد الأداء وتطور وضعية البلاد الإسلامية الحالية؛ إذ أنّ أي تطوير باتّجاه ذلك الهدف أمر مقبول تماماً. وعلى قوى التغيير أن تضع بين أيدي العلماء الفقهاء العاملين بحذاقة حق تحديد جواز ووقت وكيفية الانطلاق في مستوى جديد يمكن أن يساعد على اختصار الزمن. ويتجلى بأوضح شكل ـ هنا ـ ان النهضة ليست علماً فقط، بل هي فن أيضاً، وان الفكر السياسي الناجح يتطلب معرفة جيدة بقوانينها، وامتلاك ناصية العلاقات في إطار المجتمع ككل، والخبرة العملية، والتحلي بالواقعية، وقبل كل شيء التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى.

إن التغيير، بحسب ما يقرّره الإمام الشيرازي، عملية إبداعية يمكن أن تحدث فيها هفوات وإخفاقات، وقد أشرنا من قبل إلى ذلك، ومن المريح جداً أن يجلس الفرد المسلم على شاطئ البحر تركاً للسمك فرصة الذهاب إلى السوق، أو ان يجلس الفلاح في بيته يحلم أن السماء ستحرث التربة وتبذر البذور وتنزل المطر، ثم تجمع له المحاصيل وترسلها إلى بيته... من المريح أن يحدث هذا، ولكنه لا يحدث ولا يمكن أن يحدث، بل لابد من العمل، والعمل بطبيعته قابل للهفوات والأخطاء، ومهمة الفكر السياسي، تجيير تلك الهفوات والأخطاء لصالح النهضة الإسلامية ضمن رؤاه وتخطيطاته وقواعده الارتكازية.. إلخ..

لقد كان الشيوعيون في البلدان الإسلامية، قبل انهيار النظام الشيوعي، يدّعون أن جميع الجهود التنموية والنهضوية في العالم لا يمكن أن تنجح ما لم تسيطر الأحزاب الشيوعية على مقاليد الحكم، ومن أجل أن يحققوا ذلك كانوا يشغلون الناس عن العمل، ويدفعون بهم إلى عالم الأحلام الوردية والشعارات التخديرية، آملين أن يؤثر ذلك على مسيرة العمل التغييري الذي ينادي به الإسلام ويعمل على إفشاله، أي أنهم حاولوا خلق (ظروف ذاتية) سلبية للقضاء على العامل الذاتي في تكوين النهضة الإسلامية ونجاحها في الوصول إلى أهدافها.

وكانت النجاحات الملموسة على أرضية التاريخ، على ما يسرده سماحة الإمام الشيرازي، خير رد موضوعي على تلك الادعاءات، ان الفكر السياسي الرصين يستطيع، وبكامل الثقة، أن يبرهن عملياً، على فشل المقولات الماركسية، وذلك بدعوته إلى تجييش مختلف قطاعات المجتمع للاستفادة من الظروف الموضوعية المؤاتية، والسير نحو إنجاز مشروع الدولة الإسلامية الواحدة. وهذا يعني أن المجتمع يجب أن يسعى إلى مراعاة جميع الفرص مسبقاً إلى أقصى حد. ويعني، أيضاً، أنه لا يجوز لأي فرد في المجتمع أن ينخرط في الأداء الوظيفي والعملي بصورة عشوائية مؤملاً بأنه سيتمكن في سياق تلك المعركة من إيجاد الظرف المناسب للتقويم.

كلا، فالمجتمع الناهض، وضمن إطار الفكر السياسي الذي يقده، يسعى إلى حساب كل شيء ومراعاته إلى أقصى حد، وعدم التورط في المعارك الجانبية على قدر الإمكان، خاصة إذا كانت الموازين ليست في صالحه، إلا أن ذلك المجتمع لا يمتلك دائماً إمكانية ذلك الحساب بدقة وبلا خطأ، هذا أولاً، وثانياً: عليه أن يكون مستعداً لاحتمال سير الأحداث فعلاً على غير ما كان يتوقعه، وهذا يعود ـ بالدرجة الأولى ـ إلى حنكة القيادة السياسية العليا (وهي شورى الفقهاء) التي يُفترض فيها قيادة العمل التغييري، أولاً، ثم قيادة التطور النهضويّ، ثانياً، ومدى حرصها على تطبيق مقولات نظريتها في التنمية والنهضة وعلاقاتها الخارجية.

إن المجتمع الناهض يجب أن يمتنع ـ على قدر الإمكان ـ عن تبني الخروقات الناتجة عن الطفولة السياسية، والشعارات الرنانة؛ فإن المراقب السياسي لأوضاع المجتمعات العالمية، عبر التاريخ، كثيراً ما يلاحظ فشلاً عاماً في الاستمرار في المشاريع التنموية بسبب الطفولة السياسية والشعارات الطوباوية التي تطلقها فئات معينة في المجتمع مستفيدة من حالات التقدم التي تصل إليها الأوضاع وباستغلال الظروف الذاتية للأفراد الذين لم يستطيعوا مسايرة العمل الصارم الذي يجب أن تتصف به النهضة، أي نهضة. ان رغبة بعض الأفراد، أو القطاعات الاجتماعية، في الركون إلى الدعة والراحة ـ مثلاً ـ وترك تنفيذ المشاريع ليقوم بها الخبراء الأجانب والأيدي العاملة المستوردة، ان مثل هذه الحالة البليدة هي وضع للعصا في عجلة التقدم؛ لأن المفترض ـ وكما نص عليه الإمام الشيرازي ـ ان الاستعانة بالخبرة الأجنبية والعمالة الوافدة هي حل مؤقت لا يجوز استغلاله لإيصال المجتمع إلى حالة الركود التام فيتوقف البلد عند حدود التحديث فقط، وقد سلف الكلام على هذا الموضوع، ولكننا هنا نجده صالحاً للتذكير بأن هذه الظروف الذاتية للأفراد يمكن أن تكون محل استغلال من قبل فئة أو حزب (في حالة اختيار النظام الحزب الواحد) ترفع شعاراتها الطوباوية التي تعمل دائماً ـ في حالة استلامها للحكم ـ على تأخير البلاد وتحطيم بناه الاقتصادية والثقافية ومرتكزاته التنموية التي هي مجرد تجليات متغيّرة في عملية بناء النهضة. ويمكن التدليل على هذا بالمشاكل التي تتخبط بها مجتمعات ودول في الرقعة الإسلامية نفسها، كما هو الحال في الدول الحالية الموصّفة بالإسلامية.

إن المجتمع الحيّ، بطبيعة حيويته، يمتنع عن السير وراء الطفولية السياسية والشعارات الطوباوية البراقة، بل ان عليه ـ أيضاً ـ ألا ينساق وراء مشاريع لا يبشر إنجازها بأي نفع، خاصة إذا كانت تلك المشاريع سابقة لأوانها، بحسب رؤية الفكر السياسي الرّصين.

وقد أجمل الإمام الشيرازي هذه المفاهيم، في عديد من الصياغات، نلاحظها في مواضع كثيرة من مؤلفات الإمام الشيرازي، كقوله:

(من الضروري على القائمين بالحركة الذين يريدون الوصول إلى حكومة إسلامية عالمية ملاحظة أن الحكم هدم وبناء، هدم لما سلف، وبناء الحكومة الإسلامية ذات الألف مليون مسلم، وإذا كان الهدم والبناء يتكونان من مائة عنصر، فواحد للهدم، وتسعة وتسعون للبناء، فمن الضروري ملاحظة أنّ البناء يحتاج إلى أفراد يقومون بملء الفراغ الذي سببه ذهاب الأنظمة السابقة، فإنّ الأنظمة السابقة لابدّ أن تكون لها تشكّلات وأسس وأفراد وكوادر ومؤسسات وما أشبه، فإذا فرغ البلد من تلك المؤسسات فلابدّ أن تقوم مقامها مؤسسات أخرى تملأ الفراغات التي حدثت بسبب سقوط الأنظمة البائدة، وليس هذا بالأمر السهل.. فعلى القائمين بالحركة أن يمهّدوا لذلك بأمرين:

 

الأمر الأول:

 أن يهتمّوا لتربية الأفراد كحكومة كاملة، مجموعة للأمن ومجموعة للوزارات، ومجموعة للسفارات، ومجموعة لقيادة الجيش، ومجموعة للنجدة، ومجموعة للإعلام، ومجموعة للتخطيط، وهكذا.. فيشكّلون حكومة ظلّ تتمكن إذا ذهبت الحكومات السابقة ملء الفراغ في المراكز والقيادات والجيش والشرطة والأمن والنجدة والإعلام والبنوك، وغيرها..

 

الأمر الثاني:

 أن يستقطبوا العناصر الحميدة في الحكم السابق والأفراد الذين لم يكونوا أعضاء في الحركة حتى يشغل الفراغ، ولا يسبّب الفراغ سوء نظر الناس إلى الحكم الجديد، فيقولون إنّ الحكم القديم خير من الحكم الجديد.

وهذا الأمر بكلا بَندَيه، أي تربية الأفراد من ناحية واستقطاب أفراد آخرين، يحتاج إلى تخطيط سليم وتفكير شمولي وسعة صدر)(1).

وبعبارة أخرى أن الذات الفاعلة للعملية النهضوية يجب أن تمتنع عن العنف ضد التاريخ، عن محاولات دفعه بصورة مفتعلة، يجب ألا تحاول استباق عملية التطور التدريجي، بمعنى أن تتخلى عن نهج الطفرات في عملية النمو، لأن هذه الأمور هي أعمال ارتجالية بدون توفر الظروف الضرورية لإنجاحها.

إن العنف ضد مسيرة التاريخ وقوانينه، وسنن الله في الكون، لا يؤدي إلى النتيجة المطلوبة أبداً، إلا إذا كان الهدف هو الدمار والخراب العام.

إن الاعتراف بهذه الحقيقة هو الفارق الجوهري الذي يتميز به فكر سماحة الإمام الشيرازي عن النزعة الطوباوية واللاعلمية التي تنتشر وعلى نطاق واسع بين قطاعات واسعة، وفاعليات سياسية هنا وهناك وهنالك، وبالدرجة الأولى تلك الجهات الواقعة تحت تأثير التنظيرات الماركسية ومؤلفات ماركوزه وفانون وديبريه، وكذا الجهات المتخبّطة في رؤاها السياسية المضطربة أساساً، إضافة إلى الجهات الخاضعة للتوجيهات الإمبريالية كنظريات أو توجيهات أو تواطؤ، مثلها مثَل تلك الجهات التي تفتقد إلى خطة نهضوية يحكمها فكر سياسي، مكتفية بأسلوب الطفرة والتحديث على أنه (نهضة) و (تطور). وقد سبق أن أشرنا إلى أن التحديث جزء من النهضة حين يكون موظفاً لتحقيق غايات الفكر السياسي، ولكنه يصبح عبئاً ثقيلاً إذا كان مقصوداً لذاته فقط، كما لو كان (ديكوراً) للوضع السياسي. أما الطفرة فليست جزءً من عملية النهضة إلا في مرحلة واحدة، هي مرحلة تغيير السلطة، لغرض تحقيق مقدمات النهضة وتنفيذ برامج الفكر السياسي، وقد سبق بحث هذا الموضوع.

ولكن، ماذا سيحدث، إذا طفت طموحات الناس على السطح، وكانت أكبر من الإمكانيات، وخلافاً لكلّ التحذيرات تحولت إلى ضغوط أو تمثل عبئاً على الحكومة الإسلامية؟ وذلك حين تكون الإمكانيات المتاحة أقلّ مما يطمح إليه أبناء المجتمع المسلم.

في هذه الحالة، غالباً ما يقع التناقض بين الواقع والطموح، ويكون هذا التناقض خطيراً من عدة جوانب:

1 ـ إمكانية استغلاله من قوى تسير خارج حركة المجتمع السياسي الإسلامي، قوى داخلية أو قوى خارجية.

2 ـ إمكانية تفجره الذاتي وتحوله إلى طفولة سياسية، فيكون عائقاً حقيقياً أمام العمل التغييري المتوازن المؤدي إلى إنجاز مشاريع النهضة في ظلال الدولة الإسلامية الموعودة.

3 ـ إمكانية تحوله إلى الضدية من بعض المؤسسات القائمة أو ضدها جميعاً.

4 ـ إمكانية قيام بعض الأفراد أو الجماعات ـ بحجة القصور أو التقصير ـ إلى نشاطات سلبية، قد تدفعهم إلى التحالف مع قوى خارجية معادية.

5 ـ احتمال قيام الحكومة الإسلامية ـ وبغرض امتصاص تلك الظاهرة ـ بأعمال ومشاريع غير مدروسة، مما يؤدي إلى تفاقم الوضع وانهيار مشروع النهضة الإسلامية ونظريتها، وبخاصّة في غياب مسألة الشورى أو عدم قيام المسؤولين عن الشورى بواجباتهم المنوطة بهم.

إن الذين يريدون اقتحام السماء بالأقمار الاصطناعية والصواريخ، عليهم أن يبدأوا من شقّ التربة وتوفير المياه وزرع البذور، وأن يتعلموا كيف (يصنعون) ما يحتاجون، ويكتسبون ما هم بحاجة إليه. وهو ما يعبّر عنه الإمام الشيرازي بالاكتفاء الذاتي ومقاطعة البضائع الأجنبية. ونظراً لأهمية هذا الموضوع نبيح لأنفسنا هنا، نقل هذا النص للإمام الشيرازي:

(كان الكلام حول كيفية إقامة حكومة ألف مليون مسلم، وقلنا إنّ ذلك يتوقّف على أسس هي التوعية، التنظيم، أصول الحركة العامّة، والسلام، هذه أسس أربعة ذكرناها في حلقات سابقة، أما الأساس الخامس لمثل هذه الحكومة فهو: الاكتفاء الذاتي: يعني أن يهتمّ المسلمون بأن تكون حوائجهم من عند أنفسهم، فلا يطلبون من الشرق والغرب حاجة، سواء كانت صغيرة أم كبيرة. وذلك ممكن، فالبلد الإسلامي إذا صار يداً واحدة من غير فرق بين السودان وليبيا والمغرب ومصر والأردن وسوريا والعراق وإيران والخليج والباكستان وإندونيسيا وبنغلادش وأفغانستان وغيرها من الأجزاء المقطّعة من الجسم الإسلامي الواحد.. إذا عدّت هذه البلاد بلداً واحداً أمكن أن يعطي كلّ بلد حوائج البلاد الأخرى.

وهكذا يقوم المسلمون الألف مليون بحوائج أنفسهم، فلا يستوردون من الشرق أو الغرب أي جهاز من الأجهزة، وهذا الشيء يبتدئ من الصفر بأن تقوم الحركة بنفسها بتطبيق هذا المبدأ على نفسها وأعضائها أولاً، ثم تقوم بالدعايات الكافية وتوفير الشروط اللازمة لأجل الاستغناء، فقد قال عليّ أمير المؤمنين، (عليه السلام): (امنن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى مَن شئت تكن أسيره، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره)(2) فما دام المسلمون محتاجين في لباسهم وفي أدواتهم الكمالية، وفي المأكل والمشرب والمركب وغير ذلك، إلى أمريكا وإلى فرنسا وإلى بريطانيا وإلى روسيا وإلى الصين وإلى اليابان، أو إلى غيرها، فهم أسراء في أيديهم، وبالفعل نحن أسراء، ولذا لا استغلال لنا ولا حرية، ولا آراؤنا تُسمع، ولا لنا كلمة يُصغى إليها، نحن أسراؤهم وفي حال الأسر لا يمكن أن تقام الدولة الإسلامية الواحدة، كما لا يمكن أن تقوم حركة حقيقية تتقدّم حتى تصل بالمسلمين إلى حكومة ألف مليون مسلم)(3).

ولذا فإن الإمام الشيرازي مع اعترافه بوجود شيء اسمه (واقع) وشيء اسمه (طموح) إلا انه دائماً يربط بين الواقع والطموح بعد أن ينقذ (الطموح) من براثن أحلام اليقظة والطفولية السياسية.

كما أنه، بتوفيره العامل الموضوعي والعامل الذاتي للنهضة، وبدعوته المتواصلة إلى ترسيخ المؤسسات بالارتكاز على، والانطلاق من البؤرة الشرعية وبإعلام تغييري رصين ومتشعب الإنجازات، وبتحقيق مستويات متلاحقة من النمو الاقتصادي ـ الاجتماعي الحقيقي وغير المزيّف، يمكن أن يحد من الفارق بين (الواقع) و (الطموح).

وبلا ريب فإن وجود فارق بين الواقع والطموح، مسألة مهمة جداً، لأنها تسمح لذلك الواقع بملاحقة الطموح دائماً، وذلك هو الطريق إلى الدولة الإسلامية الواحدة، ونعني به طريق مواصلة العمل التغييري.

ولكن هل يمكن ـ على صعيد الواقع ـ تحقيق هذه النظرية (نظرية العمل التغييري المستمر) بشكل يؤدي ـ فعلاً ـ إلى استمراره وديمومته؟

للإجابة على هذا السؤال يجب أن نفهم أن العمل التغييري المستمر، هو حركة المجتمع إلى الأمام، وليس ذلك فقط، لأنه يتحقق لصالح المجتمع، بل وكذلك لأنه يتحقق من قبل هذا المجتمع نفسه، المندمج أفراده، بهذا القدر أو ذلك في وظائف عمليات الحكومة.

ولما كانت نظرية (العمل التغييري المستمر) وهو ما سنسمّيه بالنهضة المستمرة، هي المعاكس الموضوعي الدائم لمنهج الطفرات، والعنف ضد التاريخ، لما كان منهج الطفرات، والعنف ضدّ التاريخ قد أثبتا فشلهما في مختلف أنحاء العالم، وعبر المسيرة التاريخية للمسلمين وغيرهم، أمكن القول أنه لا مفر من نجاح نظرية النهضة المستمرة.

لقد ولى زمان المفاجآت على مستوى النمو والتغيير، وتعيّن على المسلمين ملاحقة طموحاتهم النهضوية الجماعية، وأن يكونوا على علم كامل بمدى مصداقية وواقعية وأهمية تلك الطموحات. ويتعيّن عليهم التساؤل: إلى أي هدف تسعى النهضة؟ ومن أجل ماذا يصبّون جهودهم ويوجّهونها؟

ومن جهتها، فإن القيادة السياسية العليا في الدولة الإسلامية ممثلة في شورى الفقهاء المراجع تقوم بتقديم ما يمكن أن نسميه (الكشف الدوري) عمّا تمّ إنجازه، وعمّا تطمح إلى إنجازه، وتشرك الرأي العامّ في كل ذلك، بالاستشارة والعمل، ومن خلال محاسبة المسؤولين على كيفية أداء واجباتهم.

على أولئك المسؤولين أن يقفوا وقفة تأمل وأمل، للماضي والمستقبل، وأن يبيّنوا للناس ماذا فعلوا؟ وماذا سيفعلون؟ ما دام الهدف المنشود هو إعادة أمجاد الإسلام السالفة.

إن هذا الكشف الدوري، إضافة إلى تلاحق مراحل النهضة، يسند ما سبق أن ذكرناه من أن تحليل البنية الاجتماعية والتاريخية للإسلام، واتجاهات التطور التاريخي للمجتمع المسلم، يدلل على أن القوى الفاعلة في العمل التغييري، بحسب مقولات الإمام الشيرازي، هي جميع فئات المجتمع، وبمختلف مناطق البلاد الإسلامية، فالنهضة ليست فئوية ولا طبقية، كما أن إنجازاتها لا تخص فئة دون فئة، ولا منطقة دون منطقة، هي منبثقة من الجميع، وهي عائدة للجميع، بحسب الجهد المبذول.

إن كل فئة، وكل شريحة في المجتمع، لا تستطيع أن تواكب أخلاقيات النهضة، وفكرها السياسي، لابد أن تضمحل وتتلاشى بسبب أن هذه النهضة هي نهضة مستمرة، وباستمراريتها كفيلة بمنحها بعدها الأفقي، كما تمنحها بعدها العمودي.

إن استمرارية العمل النهضوي التغييري نابعة ـ بالدرجة الأولى ـ من وجود النهضة ذاتها، ومكانتها في منظومة علاقات المجتمع السليم بناء على متبنّيات الإسلام ذاته، حتى لو كانت بعض الفئات الاجتماعية غير مستوعية بشكل دقيق لهذه النظرية، معتقدة أنها اكتفت بالعبادات كالصلاة والصيام والحج عن ممارسة التغيير والمشاركة بتطوّر المجتمع؛ لأن هذا الاعتقاد، بقدر ما ينهي استمرارية النهضة، ينهي أيضاً النهضة ذاتها، ويقف بها عند نقطة تجمد، في حين يقتضي منطق العصر كسر الجمود، كما أنه يسيء إلى موضوع العبادات ذاتها، وقد رأينا فيما سبق كيف أنّ الإمام الشيرازي يرى العمل من أجل إقامة الدولة الإسلامية نوعاً من أنواع العبادة.

القضية تكمن في: ماهية النهضة واقعياً؟ وفيما ستضطر إلى فعله تاريخياً تبعاً لوجودها هذا؟ ان مكانتها الحيوية الذاتية، شأنها شأن مجمل عمليات التنمية، تشير بأكبر قدر من الوضوح وبصورة لا جدال فيها إلى هدفها وقضيتها التاريخية.

وبديهي أن ارتفاع درجة نضوج الفرد المسلم، وتحوله من ظروفه الذاتية المناقضة لاستمرار النهضة، إلى الظروف الذاتية للنهضة نفسها، لا يتحقق ـ موضوعياً ـ بخدمة النهضة، لأنه حين يشعر ذلك الشعور، يضع بينه وبين العمل التغييري ذاته حاجزاً نفسياً، قد يخترقه حيناً، ولكنه سيفشل في اختراقه أحياناً كثيرة، ولذا فإن ذلك يتحقق ـ موضوعياً ـ بممارسة وعيه التاريخي برسالته الحضارية وضرورة اندماجه وانتظامه الكاملين في مسيرة العمل التغييري، سواء من قبل إقامة دولة الإسلام أم من بعد إقامتها، فهو جزء منها بلا أي نوع من أنواع الحواجز.

ولقد أثبت التطور اللاحق للمجتمع الإسلامي والنهضة الإسلامية عبر التاريخ، من منظور الإمام الشيرازي، ان الرسالة التاريخية للبلاد هي المحافظة على السلام الاجتماعي، فهذا المجتمع المسلم يجب أن يكون مجموعة واحدة متناسقة ومتناسبة، تنمو بشكل مطرد وطبيعي، أي أنها يجب أن توسع من مجال عملها ونطاق تأثيرها، ليكون نموها نوعياً، أي أن المجتمع يجب أن يتحول مادياً كما يغتني روحياً عبر تطوير كوامنه الموروثة، ليصبح ذاتاً فاعلة واعية للإبداع الحضاري.

إن هذا النمو الطبيعي الذي يرسمه سماحة الإمام الشيرازي يأخذ على عاتقه الإسقاط المستمر لمظاهر التخلف في شتى ميادين الحياة، كما يهيئ الإمكانية والقوة لتحقيق ذلك. وفي الوقت الذي تظهر فيه خروقات متعمدة من القوى المناوئة للنهضة واستمراريتها، كأمر طبيعي أو مفتعل، فإن ذلك النمو يرصّ الصفوف أكثر فأكثر. وقد جعل الإمام الشيرازي ذلك الموضوع من أهم ما يلزم الدولة الإسلامية أداؤه(4).

إن هذا النمو الطبيعي، وبحكم دور المسلمين التاريخي والحضاري، في الإنتاج العالي حضارياً ـ نسبة إلى ظروف البلاد وخصوصياتها ـ قادر على إنجاح نظرية النهضة المستمرة في مواجهة الإرهاب والاستعمار وكل أشكال الاستغلال المناقض أساساً لجوهر النهج الشيرازي.

وتجدر الإشارة ـ هنا ـ إلى أن الإمام الشيرازي لم يضف أبداً طابعاً (دراماتيكياً) على دور المسلمين ـ في نموهم الاجتماعي العام ـ في تنفيذ النهضة المستمرة. فذلك الفكر، يدرك بوضوح، أن الشعارات الطوباوية، والإرهاب، والاستعمار، والتأثيرات الأيديولوجية لمنظري الماركسية والإمبريالية، لابد وأن تعالج على مستوى الأداء التغييري، أي على مستوى العمل، لا على مستوى الشعارات، يقول الإمام الشيرازي:

(وليست المسألة مسألة المبادئ والتاريخ فقط، وإنما مسألة التطبيق أيضاً، فقد رأى المسلمون والعالم أجمع المجتمع الإسلامي الأول الذي بناه الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) مجتمعاً مبنيّاً على الألفة والثقة والتعاون والمحبّة ووحدة الكلمة والاستشارة.. و.. لقد رأوا منهجاً سليماً وتطبيقاً كاملاً لذلك المنهج.

بينما لا يرى الناس في كثير من المنظّمات والأحزاب إلا النموذج (أي الشعار) الذي تدعو المنظمة أو الحزب أو الجماعة أو الهيئة إليه، بل يرون العكس من ذلك.

مثلاً: المنظمة أو الحزب أو الجماعة تدعو إلى الشورى في الحكم، والناس يرون أن الاستبداد والدكتاتورية يسودان التنظيم فيقولون: هؤلاء يمارسون الدكتاتورية فيما بينهم قبل الحكم فإذا وصلوا إلى الحكم ماذا يصنعون؟

ويرون بينهم الاختلاف الفاحش في مستوى المعيشة، فبينما يرون الطبقة العليا من المنظمة أو الحزب يتمتّعون بالدور والأثاث والسيارات والزوجات وما أشبه يرون قاعدة الحزب محرومة من كل ذلك.

ويرون أن قيادات المنظمة والحزب أو ما أشبه يجلسون في الأبراج العاجية، ويأمرون الأفراد بالأعمال الشاقّة من السهر وإلقاء أنفسهم في المهالك والمشاكل ونحو ذلك.. وكل ذلك مما يزهّد الناس في الانضمام إلى هذه الأحزاب وما أشبه، أولاً. ويوجب على اطمئنان الناس بهم حتى يساعدوهم في الوصول إلى الحكم، ثانياً)(5).

ويظل هناك سؤال يفرض نفسه، في هذه المسألة، انه في أي مرحلة من مراحل الوعي، يستطيع المندمجون في عملية النهضة المستمرة، من وضع نظرية خاصة بهم لتنظيم أدائهم لواجباتهم بعد تحديد تلك الواجبات؟

يجمع علماء السياسة على أن الظروف التي يوجد فيها الشعب لا تتيح لهم، حالياً حتى مشاركتهم في بناء حاضرهم بشكل سليم، وعلى فرض مشاركة بعضهم في بعض البلدان بصورة من الصور، في عملية بناء الدولة، فإنّهم، بالرغم من ذلك، لا يتمكّنون بمجرد مشاركتهم في ذلك، من وضع تلك النظرية، بصورة مستقلة. فهذه النظرية يجب أن تضعها قيادة فقهائية سياسية عليا ضمن منظور عام نظري وعملي لمختلف العوامل والظواهر على جميع الأصعدة الحيوية، وهذا ما تحقق الآن ـ فعلاً ـ في حيّز مؤلفات الإمام الشيرازي، لو أحسن الناس قراءتها، بحيث يتمهّد للجميع طريق التقدم والخلاص من أوضاعهم المزرية الحالية.

كما أن الإمام الشيرازي يعمل، من جانب آخر على (تنمية) الفرد المسلم نفسه، ويفتح له الأبواب إلى ذرى الثقافة والعلم، ويدفعه إلى اكتساب خبرة إدارة الأنظمة الإدارية والمؤسسات الاجتماعية، والاستفادة من مرحلة التحديث إلى أقصى حدّ ممكن. وقد يفرض هذا التوجه أعباء إضافة على الأداء التغييري في مواجهة (المدخلات) مما يفرض، بدوره، على قوى التغيير ضرورة ممارسة واجباتها بعمل ذي توتّر عال من استباق الزمن وإنجاز التحولات النوعية والكمية للحاق بركب المستقبل الذي لا يعترف إلا بالجادين، وذلك باعتبار ملاحظة البعد العالمي للنهضة الإسلامية والدولة التي تشيّدها تلك النهضة.

ومع ذلك فإن كل هذا لا يعطي ـ في الواقع ـ لجميع أبناء المجتمع إمكانية صياغة نظرية سياسية، تتحرك بموجبها النهضة، فالمسلم هو أولاً وأخيراً، فرد، هو جزء من كل، وعمله ليس عملاً استثنائياً ولا هو يمتاز بطبيعة خاصة، بل ان عمله يكمل عمل الآخرين في انتظام واندماج، بينما تحتاج النظرية إلى تفكير شمولي، يجمع بين الجزئيات، وصولاً إلى الكليات، ثم ينطلق من تلك الكليات ليعالج كل جزئية على حدة، ضمن إيقاع واحد؛ وقد تعرّضنا لهذا في الفصول السابقة من هذا الكتاب.

1 ـ السبيل 225 ـ 226 .

2 ـ بحار الأنوار: ج67، ص411، ح21 .

3 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين: 177 ـ 178 .

4 ـ يُنظر مثلاً السبيل إلى إنهاض المسلمين 291 .

5 ـ الصياغة الجديدة 672 .