| فهرس الفصل العشرون |
|
|
إستراتيجية النهضة الإسلامية |
|
إذن ان نهج الإمام الشيرازي الذي انبثق من المجتمع لتطويره وتنميته ووضعه في مصاف المجتمعات المتقدمة تقدّماً حقيقياً، بحسب ما يريده الله سبحانه وتعالى، ينظر إلى علاقة المسلم بالنظرية علاقة واقعية بعيدة عن (الدراماتيكية). وبسبب ذلك أصبح في إمكان المسلم ـ وهنا يكمن جوهر القضية ـ امتلاك المقدمات الضرورية ـ بنتيجة المكانة التي يشغلها في حيّز الحركة الاجتماعية ـ لكي يحقق إرادة الله، سبحانه وتعالى، في الحياة الحرة الكريمة، له كمواطن، ولجميع أبناء المجتمع، وليساهم بفعالية خلاقة في التطور الحضاري الإنساني. وهكذا فالنهضة التغييرية، هي نهضة شعبية عامة، وهي نهضة اجتماعية، بمعنى أنها ذات بعد اجتماعي بعيد عن طغيان النزعة الأنانية الفردية في أداء الوظائف العامة تجاه الآخرين، وكذا في ترسيخ العلاقات الاجتماعية، أسرياً وعائلياً، وترسيم علاقات الأخوة بين جميع أفراد وفئات المجتمع. وبحسب رؤية الإمام الشيرازي يلعب الجميع ـ على تمايز نسبي ـ دور القوة الاجتماعية التي تنظم المسيرة، وتقود البلدان الإسلامية إلى أهداف النهضة. إن هذه القوة هي قاعدة النهضة، لا قيادتها العليا، ولا المنظرة لها، وهي بذلك قادرة في هذا العصر، حيث ينضج ـ وبشكل متسارع جداً ـ تتابع مراحل النهضة، وتتطور طرق أداء مؤسساتها، من التأثير الإيجابي الكبير في إنضاج العوامل الذاتية والعوامل الموضوعية للمرحلة اللاحقة، ضمن تنفيذ نظرية النهضة التغييرية المستمرة. لقد حظيت فكرة وحدة المجتمع المسلم، ووحدة الحكومة والشعب، واندماج المسلمين وانتظامهم في العمل النهضوي على تأييد تام، من قبل المسلمين مما سيساعد على رفع مستوى الإنجازات واختصار الزمن، وتقدّم نظرية النهضة المستمرة، وبالتالي، فإن نظرية النهضة التغييرية المستمرة ستلعب دوراً مهماً جداً في تثبيت السلام الاجتماعي، ووحدة المجتمع المسلم، وتنقل توحّد الحكومة والشعب إلى مستوى يترقى بانتظام، وبانسجام مع متطلبات كل مرحلة من مراحل الاستمرار. كما أن هذه النظرية استطاعت ـ من ناحية أخرى ـ إثبات خطأ الماركسية في تقسيمها الطبقي للمجتمع، وذهابها إلى أن البروليتاريا فقط هي مادة التغيير(1)، وهي تعني بالبروليتاريا العمال والشغيلة، ضمن نظرتها إلى الصراع الطبقي. العمال والشغيلة في الإسلام، وبحسب تجسيدات كتابات الإمام الشيرازي، مثلهم مثل الحرفيين والفلاحين والصيادين، وكذا التجار والمسؤولين والموظفين، والشباب والطلاب، هم مكونات أساسية متوحدة في منظومة اجتماعية، وهي أبعد ما تكون عن الصراع، يظللها التعاون والسلام الاجتماعي، والعمل الإيجابي المتدفق نحو تحقيق نظرية النهضة واستمراريتها، وخلق الظروف المواتية للإبداع الذاتي، ومن ثم التنعّم بالمنجزات. ومن جهة أخرى، أثبتت نظرية النهضة التغييرية المستمرة التي ينادي بها الإمام الشيرازي، أن جميع الفئات المكونة للمجتمع الإسلامي يجب أن تستوعب القيم والمتطلبات النهضوية، وتلتحم بالنظام السياسي الإسلامي الحقيقي ومؤسساته، وبالنتيجة تصبح قوى اجتماعية منتجة ومستفيدة من إنتاجها، وبهذا تستمر في ممارسة عملها، وأداء وظائفها متيحة للنظرية أن تأخذ مجالها الرحب في النجاح. ويجب الانتباه إلى أن ازدياد الرفاه الاجتماعي، حين يكون موظفاً ـ بدوره ـ لإنجاح المراحل اللاحقة من النهضة الإسلامية، ومن ثم تحقيق تصاعد في الرفاه الاجتماعي نفسه، ليس هو المرتكز الوحيد الذي يقرر نجاح نظرية النهضة التغييرية المستمرة. فهناك أيضاً اتساع أُفق التفكير العام، واستيعاب الانتقال الحضاري من الأوضاع المتردية حالياً إلى وضع متوهّج تخلقه دولة الإسلام الواحدة، وتطور النشاط الاجتماعي، وغير ذلك. واليوم، وبازدياد أعداد السكان، وأعداد المتعلمين، والمؤهلين مهنياً وثقافياً، وتصاعد الخط البياني للوعي الإسلامي، برغم كل الادعاءات المناوئة، فيجب النظر بجدية إلى ازدياد نسبة الفنيين والتقنيين والمثقفين الذين يندمجون في تنفيذ واجبات التوعية والعمل لصنع الغد الإسلامي المشرق. إن هؤلاء المندمجين الجدد، إن صحّ التعبير، بحاجة إلى التسريع في عملية دمجهم في المسيرة العامة للنهضة التغييرية، لأنهم ـ وهذا أمر طبيعي ـ بحاجة إلى مرور وقت وتوفر خبرة خاصة ووعي ذي ملامح معينة لكي يستوعبوا الفكر السياسي، ونظريته في النهضة المستمرة تحديداً. وربما كان هذا أحد أهمّ مسوّغات الموقف النظري من الشهادات الأكاديمية، حيث إن هذه الشهادات التي تجعل في بلاد كثيرة في العالم النامي معيار التفاضل في الحصول على الوظائف العامة، ليس لها في الإسلام تلك المنزلة، بل يسبقها الإخلاص والنزاهة والانتظام في الإيقاع العام لحركة المجتمع الناهض، وكذلك الخبرة المكتسبة من الممارسة، إلى أن يستطيع هؤلاء استيعاب ما تفرضه المرحلة، وتدريجياً يتناغم عملهم مع عمل المجموع، ويعتمد هذا على مدى قدرتهم على الفرز بين ظروفهم الذاتية وطموحهم المصلحي الشخصي، ومتطلبات العمل؛ وبعبارة أخرى استعدادهم للتضحية وتنازلهم عمّا يكون لديهم من شعور بالاستعلاء والتفوق بسبب الشهادات التي يحملونها. في كل عام هناك مندمجون جدد ومنتمون جدد للإسلام، وفي كل مرحلة من مراحل النهضة هناك من يلتحق بركب النهضة الإسلامية الحقيقية، كعامل مؤثر فيها. وعلى هؤلاء جميعاً أن يفهموا أنهم في خدمة الإسلام. وكلما أسرع هؤلاء في تطوير ذواتهم وإغنائها بمنظومة قيم النهضة، استطاعوا الاندماج مع المسيرة والتمتع بنتائج عملهم أسرع وأسرع. وهذا يؤدي إلى تلازم العلاقات الوظيفية بمتابعة الطموح، وتحقيق المشاريع المرحلية، وفق ما تستدعيه نظرية النهضة المستمرة. إن كل واحد من هؤلاء هو جزء من الشعب، وعليه أن يحتفظ بولائه لاختيارات الشعب، ضمن شعوره العام بأنه مبدع مستقل، وفنان حر، يتعالى فوق الولاءات الجانبية، والأنانيات أو ظروفه الذاتية. ولقد أثبتت التجارب التاريخية إمكانية انتقال المثقفين وحملة الشهادات الأكاديمية، من حدود الذات الضيقة إلى رحاب الإنتاج الاجتماعي العام. فإن الحاجة المتزايدة إلى عدد كبير من الاختصاصيين ذوي التأهيل المتوسط والعالي، قد أدت إلى زيادة في أعداد المتعلمين والمثقفين، الذين اندمج قسم منهم، طواعية، في صفوف العمل التغييري، وأصبحوا كوادر منتجة مادياً شخصياً وعاماً، من غير تمايز فئوي بينهم وبين سائر القوى الاجتماعية الفاعلة. ونظراً لأن التعليم في الإسلام لم يكن الهدف منه مجرد التعليم، كما سبق أن أشرنا، فإن حملة الشهادات المتوسطة والعالية من خريجي المؤسسات الثقافية والتعليمية المحلية بما فيها الجامعة، عليهم واجب تاريخي للمشاركة في مسيرة التغيير النهضوي باتجاه تكوين دولة الإسلام بشكل طبيعي جداً، لأنهم ـ أساساً ـ عاشوا إرهاصاتها وتكوّناتها واستمراريتها، عبر الفكر السياسي الإسلامي المستنير الذي تمثّله آراء الإمام الشيرازي. كما أن هذا التعليم بتلك الهدفية يجعل الطلاب أنفسهم يساهمون مساهمة نشيطة في نمو العمل التغييري، لا بحسب ما سيحصلون عليه من علوم ومعارف فقط، ولكن أيضاً بمساهمتهم الفعلية في أنشطة عملية، يكتسبون منها خبرة مهنيّة ضرورية، كالزراعة والتشجير، ومكافحة الأمراض ومحاربة الأمية، ودخول بعضهم في الإدارة والوظائف العامة؛ حتى أنه ليمكن القول إن الطلاب، والشبيبة الإسلامية بشكل أعم، لا يقفون بعيداً عن حركة التغيير الهادفة إلى تأسيس دولة الإسلام من جديد. إن نظرية النهضة المستمرة، تستدعي تزايد أعداد الطلاب، وترقية مستوى الشبيبة الإسلامية، بتصاعد متناسب مع تطورات العمل التغييري ذاته، وملاحقة المجتمع وطموحاته. إن تغير مكانة المثقفين والطلاب والشبيبة عامة، في المجتمع المسلم، يؤدي إلى اتساع صفوفهم، وجعلهم أقدر على الاندماج والانتظام في حركة المجتمع، كما يساعدهم على التخلص من ظروفهم الذاتية، إلى حد كبير. وقد أصبحت هذه الشريحة الاجتماعية جزءً لا يتجزأ من النسيج العام للمجتمع، مطمئنة إلى غد مشرق تساهم هي مساهمة كبيرة في الوصول إليه. لقد أسفر انتشار رؤى الإمام الشيرازي، عن تطوير هذه الشريحة إلى درجة أن أخذ المثقفون والطلاب والشبيبة يدركون ضرورة التزامهم بأخلاقيات النهضة الإسلامية، ومواكبة مراحل التطور المتلاحقة للعمل النهضوي والتغييري، كما أصبحوا يلعبون دوراً كبيراً في اختصار الزمن، جنباً إلى جنب مع سائر الفئات والقطاعات الاجتماعية الأخرى. ولا يمكن إغفال دور المناهج والعلوم التي يحملها المثقفون أو يحصل عليها الطلاب، في تنميتهم أو تأخيرهم، ويعتمد ذلك بالدرجة الأولى على توعيتهم بحقيقة مرامي تلك المناهج، ليساعدهم ذلك في تخليق حالات التطور الذاتي؛ علماً ان تلك المناهج والعلوم والنشاطات، في الدولة الإسلامية يجب أن تكون منبثقة من (الأساس المقدس) نفسه، وما يتلاءم مع احتياجات البلاد، تلك الاحتياجات التي حدّدها الإمام الشيرازي على ما سبق استعراضه، وما سيأتي في دراسات لاحقة، إن شاء الله. إن البلدان التي تفتقر إلى فكر سياسي ناضج، يرسم لها الخطوط العريضة لهدفية التعليم، وتحديث مؤسساته ومناهجه، قد نظرت إلى التعليم على أنه ترف أو كمية (ديكورية) لتحسين صورتها في الخارج، ولم تستوعب فكرة توظيفية لصالح فكر سياسي يشيّد مستقبلها على أساس قويّ من القيم الخلقية والأهداف النبيلة. فتركته بين أيد غريبة، نزيهة وغير نزيهة، مما جعل ذلك التعليم ينقلب إلى الضدّ مما أريد منه، لأن الأيدي الغريبة حتى لو كانت نزيهة لا تستطيع جعل التعليم ذا صيرورة نافعة، ما لم يكن هناك فكر سياسي ناضج يقود البلاد، وما لم تكن تلك الأيدي (النزيهة) قد تفهمت بعمق منطلقات ذلك الفكر وغاياته، وطبيعة المجتمع الذي تتحرك بين ظهرانيه. إن نظرية التغيير المستمر، والمنبثقة من تعليمات الشريعة الإسلامية، لا تطلب من الكفاءات خبرتها ومهاراتها فقط، بل تفرض كذلك نزاهتها وإخلاصها وفهمها الواعي للفكر السياسي الذي يقود حركة المجتمع الإسلامي الموعود، ثم نقل ذلك إلى المناهج والعلوم بما يضفي على التعليم هدفيته اللازمة. ودائماً يربط سماحة الإمام الشيرازي بين واجبات أفراد الاجتماع كلهم وبمختلف أجناسهم وألوانهم، يربطها مع دور المعارف التي يتلقونها والتوجيه الذي يحصلون عليه، ويؤكد على الصلة الوثقى بين تطور البلاد وبين امتلاك ناصية الثقافة، باعتبارها ممّا اصطلحنا عليه (بالتجلّيات المتغيّرة) التي لا يمكن للنهضة أن (تستمر) من دونها. كما أنه يؤكد على أن المطلوب ليس فقط الإتقان، والإنتاج، بل أيضاً النزاهة والإخلاص. ومما لاشك فيه أن عملية إشراك الطلبة والشبيبة والمثقفين، وهم من مشارب مختلفة وتكوّنات أسرية ومناطقية متعددة في العملية التغييرية تجري على صعيد نظرية النهضة المستمرة بطرق مركبة، ولا يعود ذلك فقط إلى عدم التجانس الداخلي فيما بينهم، بل وكذلك بنتيجة الهوة بين وعيهم ووجودهم، ولا يندر أن يبدي الحرفيون والصيادون والمزارعون ملاحظات ناقدة لأفراد تلك الشريحة، متصورين أنهم (أولاد مدللون) ومتكبرون، ومن هنا تظهر فوائد هدفية التعليم المحكوم بالفكر السياسي الواعي، منعاً لأي شرخ في البناء الاجتماعي. وبالممارسة العملية، ومشاركة المثقفين والطلاب والشبيبة في مجالات النفع العام، ضمن العمل التغييري وبث الوعي الإسلامي، مع تزوّدهم بقيم النهضة الإسلامية وأخلاقياتها، وتجسيدهم لها، تتغير النظرة لهم، مما يساعد على الاندماج والانتظام في المسيرة العامة بصورة جذرية، فيغتني العامل الموضوعي والعامل الذاتي للنهضة بإرادة جديدة ومقدمات جديدة لبدء مرحلة أخرى من مراحل النهضة التغييرية المستمرة. إن الحديث عن شرائح المجتمع المندمجة في مسيرة العمل التغييري باتجاه النهوض الاجتماعي الشامل، لابدّ أن يقودنا إلى الحديث عن دور القوات المسلحة، وقوات الأمن، والشرطة، وغيرها... وترتبط مسألة مواقف القوات المسلحة بجميع فصائلها ارتباطاً وثيقاً بقضية اجتذاب الفئات الاجتماعية إلى صف التغيير نحو الإسلام. وتبيّن الخبرة التاريخية، أنه لا يجوز عزل القوات المسلحة عن مراحل تنفيذ نظرية النهضة التغييرية المستمرة. ولا يمكن للقوات المسلحة أن تقف موقف الحياد بين النهضة وأعدائها. إن موقفها الطبيعي إلى جانب النهضة، وإلا انعزلت عن المسيرة الاجتماعية ووضعت نفسها في صف أعدائها هي ذاتها، لأن وجود القوات المسلحة وتطورها المستمر رهن بنجاح النهضة المستمرة في جميع الميادين، وفي جميع مناطق البلاد الإسلامية، وبين جميع شرائح المجتمع، إضافة إلى هذا فإنه ـ برغم الروابط المتشابكة القوية ـ فالقوات المسلحة ـ في جميع أرجاء العالم ـ ليست موحّدة من الناحية الاجتماعية والسياسية في أي بلد من البلدان، فغالباً ما تطفو على السطح ـ خاصة في العالم النامي ـ خلافات بين فصائل القوات المسلحة، مما يؤدي إلى تدهور فضيع ومرعب في الوضع الداخلي والسمعة الخارجية. ولكن... تدلنا أحداث التاريخ وتحليلها من قبل الإمام الشيرازي في كتبه ودراساته المتعددة أن وقف ذلك التدهور مرهون بأمرين اثنين: الأول: وجود فكر سياسي يستوعب تماماً منزلة القوات المسلحة وأهمية توحّد وتجانس فصائلها، ووضعها في موقعها الطبيعي من حركة المجتمع الناهض باعتبارها جزءً منتمياً تماماً إلى تلك الحركة، وغير قابل للانفصال عنها، ومن هنا فإن نظرية النهضة المستمرة، التي وضعها الإمام الشيرازي، تشمل القوات المسلحة من ناحيتين: أ ـ مشاركة تلك القوات في إشاعة السلام واستتباب الأمن العام وحماية أرواح المسلمين وممتلكاتهم من أيّ عدوان مهما كان نوعه. ب ـ تطبيق نظرية النهضة المستمرة على القوات المسلحة من حيث التوعية ومن حيث التطوير في المعدات والتجهيزات والعمليات اللوجستيكية والأوضاع المادية، ثم من حيث تغذيتها تغذية مستمرة بالكفاءات المدربة تدريباً عالياً من ضباط وضباط صف وفنيين آخرين. الثاني: الممارسة الفعلية للدفاع عن الوطن وتثبيت دعائم النهضة، بالتوحّد الفعال في مواجهة أعمال العدوان من أين ما جاءت. إن تلك المجابهة تمنح القوات المسلحة خاصّيّة النهضة المستمرة بحساب الواقع والطموح، والسعي الدائم لتقريب الفارق بين الاثنين، على غرار ما يحدث في الميادين الاجتماعية الأخرى؛ وهذا يعني ـ وبكل وضوح ـ تحقّق النظرية على صعيد القوات المسلحة أيضاً. ويغدو اجتذاب القوات المسلحة ودمجها تماماً في مسيرة النهضة الإسلامية وبناء دولة الإسلام أمراً ملحّاً، لاسيما وأنها تلعب دوراً اجتماعياً وسياسياً مهماً؛ وبخاصة في قدرتها التنفيذية العالية في التصدي لأعداء الأمة داخلياً وخارجياً، حيث إن تلك القدرة تتفوّق كثيراً على قدرات بقية أجزاء ومكونات التركيبة الاجتماعية المسيّسة في البلاد. وليس هذا فحسب، وإنما أيضاً من حيث تنظيمها وسرعة تحركها ومستوى اطلاع أفرادها على العلوم الحديثة والتقنية المتطورة، وخاصة الضباط والفنيين، فالنتيجة لا يندر أن تغدو للقوات المسلحة الكلمة النهائية في استتباب الأمن الاجتماعي، وتصاعد إنجازات النهضة، بالانحياز الكامل إلى صف الفكر السياسي الذي يشمل الاجتماع والاقتصاد كما يشمل السياسة. وهذا الفكر يعمل ـ بدوره ـ على ترسيخ الوحدة بين جميع فصائل القوات المسلحة، تلك الوحدة المغتذية ـ باستمرار ـ بمنظومة القيم، والالتزام، والإخلاص، وسائر الأخلاقيات المنبعثة من الشريعة السمحاء. إن القوام والشكل الملموسين للتحالف والاتساق بين هذه القوى الاجتماعية الفاعلة تحددهما ـ طبعاً ـ ظروف مراحل العمل التغييري، ما قبل تأسيس دولة الإسلام، وما بعد تأسيسها، فمنها مرحلة التصدّي للعدوان الخارجي، حيث يزداد دور الجيش مثلاً، ومنها مرحلة التصدي لأعداء الأمة في الداخل، أو ظهور بعض الخارجين على القانون من لصوص وما أشبه، وهنا تدخل قوات الأمن والشرطة بشكل أقوى من سائر فصائل القوات المسلحة. وأما في المراحل الهادئة، وبعد استتباب الأمن الاجتماعي، فإن القوى الاجتماعية الأخرى تتقدّم الصفوف لإنجاز التحولات الاقتصادية والإعلامية والثقافية.. وهكذا... والإمام الشيرازي عندما يتحدث عن المجتمع السياسي الموحد بوصفه القوة المحركة للنهضة، يحيلنا إلى تناول مسألة القيادة السياسية لذلك المجتمع، فلكي يكون المجتمع الموحد قوياً ـ في اللحظة الحاسمة ـ بما فيه الكفاية، وقادراً على تنفيذ برامج النهضة وإنجاحها، من الضروري أن تكون له قيادة سياسية واقعية وذكية، تتعامل مع مفردات الحياة اليومية للمواطنين، كما تتعامل مع القضايا الكبرى للبلاد. لم يعد من الغريب أن نقرأ في أخبار التاريخ التي يعوّل عليها الإمام الشيرازي لتقريب أفكاره إلى الناس، أن تذهب القيادة السياسية العليا إلى أقصى مناطق البلاد وأدناها في حركة تواصل مستمر مع المسلمين، إضافة إلى التواصل عبر الولاة أو المبعوثين إلى المناطق النائية. ويرى الإمام الشيرازي أن من واجب القيادة السياسية في الدولة الإسلامية، أن تبحث كل ما يهم المسلمين، وحتى مشاكلهم اليومية، كقضايا الزواج والمهور وتوفير الماء والكهرباء وسائر الخدمات الاجتماعية الأخرى. وبناء على هذا السلوك المنطلق من الفكر السياسي نفسه، وبمراعاة مراحل العمل التغييري، والظروف الجديدة التي تفرزها، فإن القيادة السياسية العليا، لابد لها أن تعتبر المجتمع السياسي تنظيماً خاصاً، يختلف اختلافاً مبدئياً وأساسياً عن الأحزاب، من حيث قوامه ومسيرته ووظائفه وأهدافه ومهماته المنهجية. وبناء على هذا ـ أيضاً ـ فإن الإمام الشيرازي يرفض وبحزم السياسة التي تطبقها الانتهازية في ميدان العمل الحزبي، وهي الانتهازية التي تفرزها أوضاع اجتماعية لا يمكن ظهورها في دولة الإسلام إلا شذوذاً، بفعل وحدة الفكر، ووحدة الواقع السياسي للمجتمع. ويحدّد الإمام الشيرازي الموقف النهائي من الانتهازيات الحزبيّة، في طوايا بحثه لموقف الإسلام من الأحزاب، على ما جاء في عدد من كتبه، منها (الحكم في الإسلام) و (السياسة) و (الحريات) وغيرها. ونكتفي هنا بهذا التقسيم للأحزاب وموقف الإسلام منها: (1 ـ الحزب إذا كان مقدمة البرلمان الذي يحكم حسب الآراء والأهواء كان حراماً، وذلك لأنه مقدمة الحرام، وتعاون على الإثم والعدوان، بل يعدّ في عرف المتشرّعة من أبشع المنكرات، حيث إنّه يهيئ لهدم الإسلام كله، وإحياء الباطل كله، وانتهاك الأعراض والأنفس والأموال والحقوق، ولا يخفى أنّ مثل هذه الأمور تجعل الشيء من أشد المحرّمات، وإن قيل في الأصول بعدم حرمة المقدّمات. 2 ـ وكذلك يحرم الحزب إذا كان سبباً لقبض أزمّة السياسة في البلاد من دون الانضواء تحت لواء الفقيه العادل الجامع للشرائط، إذ الإسلام قرّر الولاية لله سبحانه، ثم الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ثم الإمام (عليه السلام) ثم الفقيه الذي هو نائبهم. 3 ـ ويحرم أيضاً إذا كان الحزب سبباً لتسليط من لا ترضى به أكثرية الأمة، ولو كان فقيها عادلاً، إذ ذكرنا في كتاب (الحكم في الإسلام) وهنا، أنّ رئيس الدولة في البلاد الإسلامية يجب أن يكون بالإضافة إلى كونه مرضياً لله سبحانه، منتخباً من قبل أكثرية الأمة، فإذا كان الحزب سائراً إلى جعل من ليس كذلك كان عاملاً على خلاف الموازين الإسلامية، وذلك محرّم. ومنه يُعلم حرمة الحزب الواحد، أي استئثار الحزب الواحد بالحكم، حيث إنه يوجب الدكتاتورية المحرمة في الإسلام، لأن الإسلام دين بُني على الشورى وحرية الآراء في الإطار الإسلامي، هذا مع الغضّ عن أنّ الحزب الواحد يكبت ويستبدّ، كما قال علي، (عليه السلام)، (من ملك استأثر) فإذا انضمّت إلى ذلك كلمته، (عليه السلام)، الأخرى، حيث قال: من استبدّ برأيه هلك) ظهر وجه حرمة الحزب الواحد من جهة ثانية أيضاً. أما الحزب الذي ليس أساساً لتشريع الأحكام، وكان الهدف منه إقامة حكم الله، وإيصال الفقيه المرضي لله وللأمة إلى رئاسة البلاد، حسب الشورى الإسلامية، وكان لا يستبدّ بالأمر، بأن يسمح بعمل سائر الأحزاب المكونة في الإطار الإسلامي، فمثل هذا الحزب، إن توقّف عليه إقامة حكم الله، كان واجباً تعيينياً وإن كانت هناك صورة أخرى لإقامة حكم الله، كان واجباً تخييراً)(2). فالحزب، إذن، إن كانت له ضرورة فهو من (التجليات المتغيّرة) بحكم الزمان والمكان. هذا إذا كانت الشروط المذكورة منطبقة عليه، ومتوفرة فيه، وإلا فإن الموقف منه هو ما سبق ذكره. وتجدر الإشارة ـ في الحال، بهذا الخصوص ـ إلى أن الفارق المبدئي بين هذه النظرة، وبين الانتهازية الحزبية، لا يعني بأي حال من الأحوال أن هذا المجتمع الموحد لا يجب أن يتحلّى في نشاطه بالمرونة التكتيكية، ما اقتضى الحال ذلك. فله ـ ومن خلال قيادته السياسية العليا ـ أن يدخل في علاقات متميزة مع مجتمعات أخرى، حتى لو كانت تلك المجتمعات قد نهجت طريقاً آخر في أداء نشاطاتها، حزبياً أم غير حزبي، بمعنى أن العمل التغييري سواء قبل قيام الدولة الإسلامية أم بعد قيامها، يستدعي، إقامة تلك التحالفات، إن اقتضت المصلحة الإسلامية، وضمن رؤى الفكر السياسي نفسه، إقامتها. وهذا يشير، بوضوح كاف، إلى أنّ المجتمع السياسي المتوحد، تحت ظلال الإسلام، يمكنه أن يستفيد وإلى أقصى حد ممكن من المجتمعات الأخرى، حتى ولو بإهمال الجانب العقيدي والسياسي لتلك المجتمعات، كما أن له أن يقف إلى جانب مجتمعات أخرى في الأعمال التي تكون نافعة للمجتمع المسلم نفسه وبشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر كمساعدة المظلومين والفقراء والمحتاجين والمرضى أينما كانوا. ويؤكد الإمام الشيرازي، إن هذه المرونة، إلى جانب الخط الاستراتيجي الثابت، هي شرط ضروري لنجاح أداء (شورى الفقهاء) لوظائفها، كقيادة واعية استنبطت الفكر السياسي ورصّنت به خطوات المجتمع الموحد. وكمثال على ذلك، يقول الإمام الشيرازي في مسألة الانتماء إلى هيئة الأمم المتحدة: (لا بأس بانتماء المسلمين في الأمم المتحدة للدفاع عن حقوق المسلمين وعن حقوق المستضعفين الذين يهضم حقّهم المستغلون، لكن بشرط أن لا يساعد المنتمي على قانون غير إسلامي. * وذلك لإطلاق الأدلة بشرط أن لا يساعد إلا المضطّر، وبقدر الاضطرار دقّة، وإنّما إذا اضطر جاز، لأنه من قانون الأهم والمهم، بين أن لا يدخل أو يدخل ويُمضي ما لا يجوز في الإسلام بالقانون الأولي، ولقوله: ليس شيء مما حرّمه الله إلا أحله لمن اضطرّ إليه)(3). وتحت عنوان الاضطرار، لدفع ضرر أو لجلب منفعة للإسلام والمسلمين، أجاز الإمام الشيرازي تحالف دول الإسلام فيما بينها، أو مع الدول غير الإسلامية، مع ملاحظة الشروط المذكورة في مسألة الانتماء إلى الأمم المتحدة(4). وعلى هذا فثمة فسحة من المرونة أمام القيادة السياسية في الإسلام للتحرك على ضوء مصلحة المسلمين وأداء الوظائف المنوطة بها، ولكن... ما هذه الوظائف؟ أو على وجه التحديد، ما الوظائف المقصودة في هذا السياق والتي تؤديها القيادة السياسية العليا، غير ما سبق ذكره؟ يمكن إيجاز الجواب، استلهاماً مما ذكره الإمام الشيرازي، بأن القيادة السياسية العليا كثيرة ومتشعّبة، ولكن يمكن إجمالها في تربية القوى الحقيقية القادرة على تنفيذ برامج النهضة ومهماتها، وعلى وضع أسس العلاقات الاجتماعية الجديدة، وأخلاقيات النهضة، موضع التنفيذ الحقيقي، وتسريع التحولات الحضارية في البلاد الإسلامية. وهكذا تؤدي القيادة دورها المركزي الذي يستنهض المجتمع لأجل أن يتوحد، وأن يقتحم هذا العصر الجديد، كما أنها (أي القيادة) توفّر ـ وبشكل منظّم ـ الظروف التي تساعد المجتمع السياسي على تنفيذ المهمات التي توكل إليه، وتعدّه ـ خطوة خطوة ـ للعمل التغييري، كما أن القيادة تنقل فكرها السياسي، ونظرياتها، إلى صفوف أفراد المجتمع، مما من شأنه توطيد العلاقات بين القيادة السياسية العليا ومجموع أفراد المجتمع المتربي على روح مبادئ النهضة الإسلامية وانتقالاتها. إن العمل التنظيمي والتربوي والتنظري والتنويري للقيادة بين المسلمين، يتّسم دوماً، بحسب رؤية الإمام الشيرازي، بأهمية كبيرة لقضية النهضة، وهذا العمل يكتسب اليوم أهمية ملحة، وعلى نطاق أوسع بكثير مما كان في السابق. ويقود هذا إلى التطوير المستمر لمهمة الإعلام الذي لابد له من أن يأخذ مداه الواقعي والحقيقي بهدف شرح منجزات النهضة، ورفع الوعي الاجتماعي وبصورة مستمرة بما يناسب مستوى التغييرات، أي تربية المجتمع بروح العطاء والتضحية والبذل والانتماء الكامل إلى مسيرة الإسلام. ونحن لا نبالغ في مفعول هذا النشاط، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ لا يمكن أن نتجاهله، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أواصر المحبة بين القيادة السياسية العليا والقوى الاجتماعية، ان هذه الأواصر وسائل طبيعية جبارة في التأثير على العقل الجمعي في إنجاح استعماله لبوصلة النهضة. وفي الظروف الخاصة بالدولة الإسلامية الموعودة، كدولة يقودها فكر سياسي علمي وواقعي، تصبح القيادة السياسية العليا هي المركز الأول، في توجيه جميع أنشطة المجتمع المسلم نفسه. ومن ناحية أخرى فإن وحدة المجتمع تزداد رسوخاً وصلابة بتنامي منجزات التقدم الإسلامي، وباكتساب الخبرة، وهذا بدوره ناتج عن خطط القيادة السياسية وإرادتها في التنفيذ؛ أي أن العلاقة بين الأطراف الثلاثة (القيادة السياسية ـ المجتمع ـ النهضة) هي علاقة جدلية، تلازمية، بصورة من الصور، مع بقاء المركزية السياسية ممثلة في القيادة العليا التي ارتضاها المجتمع. وفي هذه الظروف ذاتها، تكاد القيادة السياسية العليا والتي يقصد بها شورى الفقهاء المراجع، أن تكون المركز الوحيد الذي بإمكانه مجابهة الواقع، وصيانة الأمن الداخلي، وحماية حدود البلاد، إضافة إلى مهمات البناء والنهضة، بتنشيط المجتمع ونقله إلى مستويات أعلى، وذلك لأنها سبق لها أن حظيت بموافقة الجماهير ورضاها. إن القيادة ـ بحسب منظور الإمام الشيرازي ـ يجب أن تسعى إلى ترسيخ الوحدة الاجتماعية والوطنية والمحافظة عليها، وتذويب المشكلات التي تعترض طريق النهضة التغييرية المستمرة. والتصدي الحازم لتلك المشكلات التي كثيراً ما تكون مفتعلة، فلا تزال هناك قوى في كل مكان من العالم تهدف إلى شلّ المنجزات الحضارية وإفشال النجاح الذي تحققه شعوب الإسلام، وتلك القوى متشعبة ومتعددة مشخّصة أمام أنظار الجميع. لقد شخّصها الإمام الشيرازي منذ أوليات الستينيات. ونبّه على أنّ تلك القوى تستخدم ـ دائماً ـ الأوهام والشعارات المغرية بهدف تمزيق وحدة المجتمع تمهيداً لإفشال النهضة، وفرض مزيد من التشتّت والتمزّق والتخلّف على الأمة. وفي المقابل يجب أن يشعر المجتمع بأن مصلحته الحقيقية هي في وحدته، ومسيرته التغييرية. فالوحدة والتلاحم والانتظام في الأداء السياسي العام هي وحدها القادرة على تأمين تحقيق الغايات النبيلة. وان العمل المستمر من أجل ترسيخ هذه المفاهيم يشكل واحداً من الاتجاهات الرئيسية لنشاط وسائل الإعلام والثقافة الممثلة لطموح الفكر السياسي وأهدافه التكتيكية والاستراتيجية. إن المهمة الأولى التي دعا إليها الإمام الشيرازي هي تحقيق وحدة المجتمع والأمة، في منظور العلاقة بين المسلمين فيما بينهم، ثم مع الحكومة الإسلامية، وبمرور الزمن، ووصول الإدارة الحكومية إلى التأهل الكامل لإغناء وحدة المجتمع، وإثرائها، تقوم وسائل الإعلام والتثقيف بمهمة خطيرة في ذلك الميدان، وهي مهمّة ناجحة بسبب ارتكاز تلك الوسائل على حقائق موضوعية من المنجزات الملموسة، إضافة إلى كونها سائرة بموجب فكر سياسي واضح جداً لديها. وهكذا نرى أن طابع وأولوية المهمات التي تواجه القيادة السياسية العليا يتغيران تبعاً للمرحلة التي تمر بها النهضة ومراحل العمل التغييري وللمهمات التي يتعيّن عليها توجيه المجتمع (حكومة وشعباً) لتنفيذها، وتلك هي السنّة العامة لأداء القيادة العامة لوظائفها، باعتبارها الداعية إلى وحدة المجتمع والعاملة على ترسيخ تلك الوحدة، كونها منبثقة من ضمير المسلمين ومعبرة عنهم. وبديهي أن أي قيادة سياسية عليا لا تستطيع أن تؤدي دورها الفعال في قيادة البلاد وتنمية مراحل النهضة الإسلامية التغييرية، إلا إذا كانت أصول أدائها لوظائفها تتمّ على وفق فكر سياسي واضح، أو لا أقل على نظرية سياسية مفهومة تحقق التقدم بزمن قياسي وخلاق. وبالدرجة الأولى، فإن ترقية البلاد من مستوى إلى مستوى أفضل، لا يمكن القيام بها إلا بوجود القيادة المبدعة، والمبتكرة لفكر سياسي، أو على الأقل تتصرف وفق نظرية سياسية محددة. وفي حال توفر القيادة والفكر السياسي أو النظرية السياسية، يبقى تحديد مستوى تطور البلاد مرهوناً بكفاءة القيادة من جهة، وعلمية وواقعية الفكر السياسي أو النظرية السياسية من جهة أخرى. وبالإضافة إلى ما ذكرناه تختلف القيادة الحقيقية عن غيرها من القيادات بعدم وجود انقطاع في هذه الحلقات (القيادة السياسية العليا ـ وحدة المجتمع ـ النهضة) ووجود صلة تلازمية جدلية بين جميع هذه الحلقات يمكن أن نسميها بالصلة المطردة، أي التي لا يوجد أي تناقض بين أطرافها، ولا أي افتعال للعلاقة بينها، هي علاقة انسيابية. فالقيادة السياسية العليا، في نفس الوقت الذي تبدأ فيه بتكوين المجتمع المتحد والموحد، تقوم بتنفيذ الإجراءات النهضوية، والمجتمع الذي يقوم بالنهضة بالعمل والتنفيذ والانتظام، يتأثر بعمله فيتطور نحو مزيد من الوحدة، أي أنه يؤثر في الظرف العام، ويتأثر بما سيسفر عنه عمله من نتائج. ولابد أن القيادة السياسية العليا ستتأثر بدورها بتصاعد وحدة المجتمع، وتزايد منجزات النهضة، لتقوم تلك القيادة بإجراءات تنفيذ مراحل جديدة على طريق الصيرورة النهائية لمسيرة البلاد بتحقيق رسالة الله على الأرض. وصحيح أنّ أي خلل يصيب أداء أي طرف من أطراف هذه الحلقات، سيؤدي إلى انتكاسة مريعة في الوضع العام للبلاد، كما نلاحظه الآن، إلا أنّنا نعتقد أن وجود نتيجة واحدة فقط، هي بناء الدولة الإسلامية، في فترة قياسية، بالانتقال من مرحلة ما دون الصفر، إلى مرحلة الدولة الإسلامية بتدرّج العمل التغييري، فهي قادرة تماماً على معالجة أي خلل يطرأ على الإيقاع العام لمسيرة البلاد، عبر العمل الدائب والدائم للوصول إلى الأهداف المرسومة على صعيد النهضة الإسلامية التغييرية. ويعترف علماء السياسة بأن الشخصيات التاريخية قادرة على أن تلعب دوراً أساسياً في النهضة وهذا الاعتراف تؤكده شواهد كثيرة من التاريخ ومن الواقع المعاصر. والإمام الشيرازي حينما يذهب إلى تأكيد دور (شورى الفقهاء) وهي القيادة السياسية العليا، لا يدعو إلى عبادة الشخصية، كما أن الإمام الشيرازي نفسه يرفض فكرة عبادة الشخصية، ويؤكد دوماً على أنّ العبودية لله وحده، كما يؤكد على دور المسلمين في الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام، كما يعمل دائباً على إعطاء المجال لكل مسلم في أن يأخذ دوره في العمل البناء والمثمر. إن عبادة الشخصية هي أبرز مواصفات النظم الوضعية التي رفضها تماماً سماحة الإمام الشيرازي. كما أن التأكيد على دور القيادة السياسية العليا في رؤى الإمام الشيرازي (متمثلة في شورى الفقهاء) وهو موقف منسجم تماماً مع الواقع ومع مقولات علم السياسة، لا يلغي دور الجماهير، بل على العكس، هو يعطيها كل الاعتبار والتأثير، سواء عبر تأكيده على الانتخابات، أم على الشورى، أو في غير ذلك، حتى أنه جعل تراضي الأمة شرطاً لتنصيب رئيس الدولة. إن ظهور مؤسسات الحكومة وأجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية والتي تشكلها القيادة السياسية العليا يتلازم ـ حسب منطق التاريخ ـ مع البدء بالنهضة التغييرية المستمرة، وهو ما سمّاه الإمام الشيرازي بحكومة الظلّ أو ما يشبهها، من أجل تنمية الكفاءات ورعايتها وإعدادها وتأهيلها لتسلّم مسؤولياتها في الدولة الإسلامية(5). والمعلوم أن هذه المؤسسات الحكومية التي تعمل في الظل، أو تلك المعلنة للناس، يمكن أن توضع في إطار المسيرة النهضوية التغييرية، بتوفّر العوامل الموضوعية والمادية في المجتمع، وبوجود فكر سياسي يتضمّن نظرية العمل التغييري. كما يمكن ـ في حال غياب تلك العوامل، وانعدام وجود ذلك الفكر ـ أن تظل المؤسسات الحكومية قائمة ولكن من غير تطوّر لذاتها، ومن غير تطوير للمجتمع. وتكون العلاقة ـ في هذه الحالة الأخيرة ـ بين الأجهزة الحكومية وأبناء المجتمع، هي علاقة إجرائية بحتة، وعلاقة رسمية فقط لتمشية الأمور اليومية الاعتيادية. وهذه الظاهرة تتمركز في كثير من دول العالم الآن، على ما يلاحظه خبراء السياسة في العصر الحديث. الدولة الإسلامية، بحسب رؤى الإمام الشيرازي، يجب أن تأخذ بنهج التوظيف، بمعنى توظيف المؤسسات الحكومية لأداء واجباتها المحددة في تنفيذ مستلزمات النهضة المستمرة، والموصلة إلى المتغير النافع. وبمقدار ازدياد التلاحم والانتظام بين الاثنين، الحكومة والشعب يزداد إدراك المجتمع لتأثير العامل الزمني لتطوير أوضاعه وإيصالها إلى مرحلة إعلان الدولة الإسلامية الواحدة. الحكومات التي تضع نفسها في كفّة، والناس في الكفة الأخرى، مكتفية من مسؤوليها قيامهم بأداء واجباتهم الرسمية لمجريات الأمور الاعتيادية، تفقد الصلة تدريجياً بشعوبها مما يشكل مخاطر حقيقية على وجودها كله. أما الدولة الإسلامية فهي التي تصل إلى مرحلة الدمج الكامل بين المسلمين والحكومة، وعلى ذلك فإن مواطنيها يكونون أكثر إدراكاً للبرامج المنجزة، وأكبر وعياً بعامل الزمن، لأنهم بأنفسهم يصنعون تلك البرامج، ويعرفون خطط القيادة السياسية العليا، على مستوى الأهداف الآنية، كما على مستوى الأهداف البعيدة المدى. وبرغم هذا، فإن السؤال الآنف الذكر، يظهر بين فينة وأخرى، قد تقوده إرادة تتعجّل الوصول إلى الدولة الإسلامية قفزاً على الواقع، وهي بلا شك إرادة حسنة، ولكنها غير منضبطة إلا إذا تفهّمت أثر العامل الزمني الفاصل بين بدء العمل التغييري ثم وصوله إلى غايته، وتوفير عوامل ذلك واشتراطاته. يجب استيعاب المؤسسات الحكومية، تشريعية وتنفيذية وقضائية، وأي مؤسسات أخرى ذات نشاطات رديفة، تمهّد الطريق لتطوّر المجتمع الذي تنشأ في أحشائه المقدمات الموضوعية والذاتية للنهضة التغييرية المستمرة. هذا كل ما يمكن تقريره على صعيد العلم والنظرية، أما على صعيد الواقع الذي يعيش في خضمّه الناس، فإن هناك جملة عوامل تساعد على اختصار الزمن، وربما اختزال الجهد المبذول خاصة بعد أن تتوفر مستويات معينة من النمو. وبالطبع فإن جملة العوامل هذه لا يمكن تحقّقها إلا بالانبعاث من فكر سياسي محدّد، وكلما زاد نضوج ووعي ذلك الفكر، توفرت العوامل، وتهيأت الأسباب لاختصار الزمن واختزال الجهد. ولئن كانت المقارنة بالأرقام والأحجام تدل على منجزات كبيرة إلا أن قياس التطور الذي يتم تحت الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية الملحوظة الآن. وخلال فترة قصيرة يجعل المقارنة صعبة وعسيرة. مع أن نتائجها تدل بوضوح على قدرة الشعب المسلم الفائقة على البذل والعطاء. كما أن النتائج المتطورة بما لها من دوام الحركة والقفز فوق الأرقام والمقاييس تجعل أرقام اليوم غيرها غداً. إن طاقة التغيير وان دوافع التطور اليوم كامنة متحفزة، تنتظر إشارة البدء لتنطلق، وان الحماس شديد إلى وضع الأمور في العالم الإسلامي بما يتفق ومنطق الأشياء، لهذا فقد تجاوبت الجماهير وأيدت وتفاعلت وأنجزت من أجل هذه الدولة الإلهيّة. إن الأيام في حياة الشعوب لا تقاس بوحدات الزمن، وإنما بوزن ما تفتحه من آفاق، وما تلهمه من أفكار، وما تحوله من الآمال إلى واقع حي، لتأخذ مكانها في عالم تظلله رايات التقدم والسلام والرخاء، في تلك الدولة تشرق على أرضنا الإسلامية الطيبة شمس جديدة توقد روح العطاء، وتلهب حماس المسلمين، فإذا بهم يهبّون نحو تشييد النهضة ويستعيدون أمجاد الماضي العريق ويؤكدون للعالم أن حياة الشعوب لا تحتسب بالسنين، وإنما تحصي بالإنجازات التي حققتها على طريق التطور الحضاري، والنمو الشامل في المجالات المختلفة، ومدى تأثيرها في قضايا العالم، وقيادة شعوبه وأممه إلى الخير والسلام والسعادة. وعبر التاريخ تمكن أبناء الإسلام من تحقيق نتائج إيجابية في شتى المجالات، وسط ظروف صعبة قاسية، وحكومات مغتصبة ظالمة. يتّضح من هذه الرؤى التي عبّر عنها الإمام الشيرازي منذ ثلاثة عقود، وكذا من الاستقراء الدقيق والشامل لإنجازات المسلمين القدماء، ومن التحليل التاريخي لمسار التطوّر الحضاري لهم، ان نشوء التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية السياسية وانتقالها إلى تشكيلة أخرى لا يمكن تحديده بزمن معيّن، بل هو متروك لعوامله الذاتية الموضوعية، ولمدى تحقق الاندماج والانتظام في مسيرة النهضة، ولإرادة المجتمع نفسه الذي يقوده فكر سياسي، ثم لطبيعة ذلك الفكر السياسي وشموله بقية جوانب الحياة، وقدراته على الإقناع وتجييش المسلمين وراءه. إن البشرية عاجزة عن تجاوز الزمن عجزها عن تجميده، والمجال الوحيد أمامها هو اختصار الزمن واختزاله. فالمجتمعات التي تتجاوز الزمن ـ اعتماداً على أسلوب الطفرة مثلاً ـ لابدّ أن تنهار، نفس انهيار المجتمعات التي تريد تجميد الزمن فتتجمد هي، ويتجاوزها هو، فتتخلف بنفس تسارع تقدمه عنها، وتخلفها عن مسايرته. ولا يوجد أحد من علماء السياسة يستطيع أن يغامر فيحدد الوقت الذي يستغرقه الانتقال من مرحلة حضارية إلى أخرى، علماً بأن التشكيلات المشار إليها قبل قليل، هي مراحل نهضوية، وبعبارة أخرى هي أجزاء من التجليات المتغيّرة، وبالتالي فهي ليست محكومة بالتطورات الداخلية، والعلاقات الداخلية، وحدها، بل هي ـ وإلى حد كبير ـ خاضعة أيضاً لتعقيدات العلاقات الدولية، المبنية على المصالح المشتركة والمنافع المتبادلة، وتؤثر فيها ـ أيضاً ـ الرغبة التي قد تكون متوفرة وقد لا تكون ـ والتي قد تكون متبادلة وقد لا تكون ـ في انسياب المواد الأولية إلى الدول المصنعة، وانسياب المواد المصنّعة إلى الدول النامية. فإذا علمنا أن قضية الساعة في العلاقات الدولية هي محاولة الربط بين انسياب المواد الأولية وانسياب المواد المصنّعة، وهي القضية التي تعدّ من أكثر القضايا المثيرة للخلاف بين دول العالم؛ أدركنا إلى أيّ مدى يصعب على علماء السياسة تحديد الوقت اللازم للانتقال من مرحلة حضارية إلى أخرى. ولكن... وكيفما يكن الأمر، فمما لا شك فيه أن كلّ مرحلة نهضوية، وضمن إطار نظرية النهضة الإسلامية المستمرة، تستلزم المرحلة اللاحقة، بدون أي فاصل زمني بينهما، بل على العكس بتداخل أواخر كل مرحلة بأوائل المرحلة اللاحقة لها. وبذلك تعود القضية إلى ما هو أقرب للواقع، التساؤل عن الوقت الذي تستغرقه المرحلة لتنتقل البلاد إلى مرحلة أخرى. فتحتل التقريرات السابقة محلّها الموضوعي الملائم لطبيعة الإشكالية الجديدة. وقد سبق أن أشرنا إلى حلّ هذه الإشكالية، وهو ما يقدّمه الإمام الشيرازي بالقول أن القوى الاجتماعية المندمجة في مسيرة النهضة هي التي تقرر ـ بجهدها وانتظامها ـ الوقت الذي تستغرقه المرحلة حتى تؤدي إلى مرحلة لاحقة، ضمن الموضوعة التي سميناها بالنهضة المستمرة. وبالعودة إلى مؤلفات الإمام الشيرازي نصل إلى أن بعض بلدان العالم، الآن وفي الماضي، قد عادت إلى درجة الصفر أو ما دونه، وبعضها توقف عن النمو والتقدم، بفعل لجوئها إلى أساليب غير واقعية لإدارة العملية التغييرية، كما أن بعضها قد اكتفى بأخذ الأشياء الجديدة، مهما كانت نافعة أم ضارّة، واستعاض بالطفرة عن التنمية، وبعضها حاول تغطية القصور النهضوي الاجتماعي والاقتصادي بالوفرة المالية التي حصل عليها بدون جهد يذكر نتيجة انسياب المواد الأولية وارتفاع أسعارها في العالم. ولهذا كله فقد أتاح لنا التحليل الموضوعي لما قرّره سماحة الإمام الشيرازي الاعتراف بأنّ هذا الفكر هو أحدث فكر سياسي إسلامي يمتاز بالعلمية والموضوعية والدقة؛ على ما مرّ إثباته سابقاً. فإن هذا التفرّد يعود إلى أن هذا الفكر، وخلال أربعة عقود من المعاناة، قد أمّن درجة عالية من نضوج القوى الاجتماعية، وأعدها عموماً لإجراءات التحويل المتواصل، ذاتاً ومجتمعاً، وإزالة العقبات من أمام العمل التغييري. وبالطبع فإنّ العمل في سبيل النهضة يؤدي، بحدّ ذاته وبطبيعته كذلك، إلى إزالة العقبات والمعوقات الموروثة أو المستحدثة، والتي تعترض طريق النهضة؛ وهذا من شأنه ـ بلا ريب ـ اختصار الزمن اللازم للتحول من مرحلة إلى أخرى. ويجب الالتفات إلى أن إزالة العقبات والمعوّقات لا تتمّ دائماً بأسلوب القضاء عليها، بالقوة أو التربية أو كليهما، بل ان ذلك قد يتم ـ أيضاً ـ بأسلوب تحويلها وتغييرها إلى نمط جديد وأسلوب جديد وإرادة جديدة توضع في خدمة النهضة، لا في التضّاد معها. وقد تعامل الإمام الشيرازي مع تلك العقبات والمعوّقات بالأسلوبين معاً، أسلوب القضاء عليها بالقوة والتربية، وأسلوب تحويلها وتغييرها والاستفادة من التحويل والتغيير؛ ويعتمد اختيار الأسلوب المناسب على طبيعة العقبات والمعوّقات نفسها. ويمكن التمثيل على ذلك بموقف الإمام الشيرازي من مسألة الشيوعية، ومن مسألة الحرب، ومن مسألة القوميات. إن الإمام الشيرازي، قد أخذ في حسبانه احتمالات ظهور شيء من تلك المفاهيم التي تريد حمل الدين بعيداً عن غاياته، لذا اعتمد على الوجيه، إعلامياً وثقافياً، وعلى الحوار البنّاء الهادف إلى إشراك المسلمين في صناعة غدهم واختياراتهم، كما في مسألة الحث على العمل، ورفض التكفف والاستجداء، والعمل الدائب لتحقيق العدالة والحفاظ على كرامة الإنسان، مع تعرية كاملة لجميع أنواع التفرقة بين أعضاء المجتمع لأي اعتبار كان. إن استقراء مؤلفات الإمام الشيرازي، يشهد بأنه قد نجح تماماً في تحويل النظرة الجامدة إلى الأفكار، وروح التواكل والكسل، والاستغناء بالتكفف عن العمل، إلى حيوية خلاقة من شأنها أن تشارك في انتقال المجتمعات الإسلامية من حالة متخلفة هم عليها، إلى حالة منطلقة ومستغنية بالعمل ومندمجة ومنتظمة في مسيرة نهضة إسلامية شاملة ومستمرة. إن المعوقات والعقبات التي تعترض طريق النهضة تؤدي، إذا تركت من غير معالجة جادة، إلى إطالة الفترة الزمنية للمرحلة التي تظهر فيها تلك المعوقات والعقبات. ان هذه الحالة ستعمل، بالتأكيد، على تقويض المنجزات، لأن النهضة الإسلامية المستمرة لا تعرف التوقف، وليس من طبيعتها الانتظار، ولا سياسة منتصف الطريق، بل هي تتواصل بفعل ظروفها الذاتية والموضوعية، فإذا تخلفت القوى الاجتماعية الفاعلة عن ذلك المنطق، انكفأت الدولة، وتسارعت عملية الانهيار والعودة السالبة إلى نقطة الصفر. لذلك فإن سماحة الإمام الشيرازي يرفض تجميد الزمن، وكذا تمديد المراحل النهضوية، بل هو يدعو إلى الاستمرار، ومؤكداً عليه في كثير من نصوصه وتنظيراته. إنه يتناول قيم المجتمع الإسلامي عموماً، وعلاقاته بالعالم الخارجي بفكر واع متفتح عركته التجربة وعلمته الأيام. بهذا تكون علاقة المسلمين بالتاريخ علاقة تفاعل إيجابي مستمر، ويؤدي موقفهم التاريخي الحاضر خير معانيه، ويرتفع إلى أسمى ذراه. ويمكن القول ان التاريخ نفسه قد فرض على ذات الحركة التغييرية منطق استمراريتها بحكم العمل والنمط الذي سيتولّد في الدولة الإسلامية للعلاقات المتفاعلة بين الحكومة الإسلامية والشعب المسلم. ومن الناحية السياسية، يغدو التحول من سياسة الانهيار الحالية في الدول الإسلامية إلى سياسة النهضة التغييرية المستمرة، بحاجة إلى زعامة جديدة، قيادة جديدة، تضع موضع التنفيذ فكراً سياسياً جديداً مؤهلاً لإنجاح العمل النهضوي الشامل، وترتكز، في الوقت نفسه، على الإرادة الجماعية، ومن ثم تمارس التعبير عن تلك الإرادة، بأصالة وإبداع. إن هذه الزعامة الجديدة ضرورة حتمية، تفرضها الأزمة الخانقة التي تعيشها سياسة الانهيار أو الرتابة، لأن منطق الإسلام لا يسمح بتلك السياسة، لم يعد يسمح بتقييد المسلم، وتضييق رغبته في العمل الجاد، والمشاركة في صنع مستقبل بلاده، وتنمية مجتمعه، فليس أفضل من شورى الفقهاء المراجع. إن هذه الزعامة الجديدة، والتي يراها الإمام الشيرازي متمثلة بالفقهاء القادرين المتمكّنين، تعتبر إنقاذاً للمجتمع من تخلف مفروض عليه، ونقله إلى آفاق من التطور، كانت تشكل هاجساً من هواجسه، وحلماً من أحلامه. وفي هذا الإنقاذ، والنقل، يغدو العمل الجماعي في سبيل التنفيذ الثابت لمبادئ النهضة التغييرية ومشاريعها، وتطبيق وتوسيع مفاهيم العدل والحرية، مقدمة هامّة لتأسيس دولة الإسلام الواحدة، من جهة ولتحقيق سعادة المجتمع ورفاهيته، من جهة أخرى. إن هذا الإيمان بدور الفقهاء المستجيبين لمنطق النهضة التغييرية المستمرة، هو عامل أساسي، وبالغ الأهمية، في اختصار الزمن، وتسريع المراحل. وبهذا الاعتبار، فإن التغيّر، بطبيعته وطبيعة النهضة التغييرية، لا يعرف التوقف بل يعرف (الديمومة) ويولّد بُنى انتقالية ذات طراز جديد أيضاً، بما من شأنه أن يحقق مقولة التسابق مع الزمن التي أفصح عنها سماحة الإمام الشيرازي. هذا آخر ما استلهمناه من كتابات الإمام الشيرازي فيما يتعلّق بفكره السياسي والاجتماعي والاقتصادي مما بثّه سماحته في كتبه وبحوثه التي أربت على السبعمائة مؤلف. وقد أشرنا إلى بعض قليل منها في حواشي الفصول السابقة أما سائر الكتب التي أفدنا منها فاكتفينا بأن أعدناها للقارئ الكريم على طريقة التمثّل والاستيعاب والاستلهام.. ومنه، سبحانه وتعالى، نستلهم العزم على مواصلة هذه الدراسات عسى أن ينفع الله، سبحانه وتعالى، بها أمتنا التي ترنو إلى غد الإسلام العظيم. |
|
1 ـ يُنظر ماركس وإنجلز، المؤلفات 8 ـ 706 . 2 ـ السياسة 117 ـ 118. وكذلك الحكم في الإسلام في مواضع متعددة . 3 ـ المسائل المتجددة 195 . 4 ـ المصدر نفسه 196 . 5 ـ يُنظر السبيل إلى إنهاض المسلمين 216 وما بعدها . |