الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

النهضة الإسلامية والفكر السياسي الشيرازي

إن نهضة المسلمين، وعواملها المؤدية إلى نجاحها بموجب مقتضيات الفكر السياسي للإمام الشيرازي، هي ابرز المحاولات العملية الإسلامية لتغيير الواقع في العالم الإسلامي، وتقديم حضارة جديدة لدول العالم كلها، لتحقيق ما تصبو إليه الشعوب من العيش في عالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام.

وهذه النهضة تمتاز بالواقعية لأنها مستندة إلى مصادر التشريع الإلهي الأربعة، فتتجاوب مع نمو خبرة الشعوب المسلمة، في هذه المرحلة التي هي خاتمة مطاف القرن العشرين في الدول الإسلامية. وإضافة إلى ذلك، فهي حصيلة التحليل العلمي الواعي للاتجاهات الفعلية للتطور الاجتماعي ولحالة الوعي الاجتماعي، داخلياً، وفهم طبيعة العلاقات الدولية خارجياً. وهي تستجلي الحالة المعاصرة لطبيعة التطور البشري، كما يمكن أن تطبق بنجاح في حالة تحقيق وعي المسلمين بقوتهم، وإعادة الثقة إلى أنفسهم.

ومبادئ النظرية قد صاغها الإمام الشيرازي بناء على مركز شرعي تنطلق منه أشعة تنير طريق المسلمين لبناء دولتهم الموعودة عبر التاريخ لتحقيق الآمال والطموح.

وهذه المبادئ نتيجة لتحليل العلاقات الاجتماعية المحلية، وتوافق فئات المجتمع السياسي، في ظروف وعي إسلامي، بدأت تتكون فيها مقدمات ومؤشرات على طبيعة الخلل والصواب في الأداء والتنفيذ. وكان ذلك نافعاً جداً في الصيرورة النهائية للنظرية الشيرازية، الهادفة إلى رفعة الإسلام والمسلمين.

إن تحول البلاد الإسلامية من سياسة الجمود والتقهقر وتسليم الأمور إلى الدكتاتوريين والإرهابيين، إلى سياسة نهضوية عامة، وتحرير الشعوب من قبضة الإرهابيين والطغاة، والقيام بالعمليات الاجتماعية السياسية الناشئة عن النهوض المرتقب، قد يتطلب مواصلة تجريب النظرية الشيرازية للنهضة والتطور المتوازن نفسياً واجتماعياً عاماً بالاقتصاد والعلاقات الدولية، أي إنّ ذلك الفكر يحقّق موقفاً جديداً من القضايا الساخنة، ويعالج قضايا نظرية أخرى بارتباط وثيق مع الممارسة، وهذا ما فعله الإمام الشيرازي. فعلى أساس تفهم أنماط التطور الاجتماعي وتعميم التعليم والصحة، والخبرة الإدارية، صاغ الإمام أهم الأحكام الجديدة في نظرية النهضة والسنن الأساسية لبناء (دولة الإسلام الواحدة)، بحسب تعبير واضع النظرية نفسه.

وطبقاً لمبدأ التوارث والتطور، ذلك المبدأ الملازم للنهضة الشيرازية يواصل الإمام الشيرازي، في الوقت الحاضر، تطوير التراث الفكري السياسي الإسلامي، بما فيه من نظريات طُبّقت في بعض فترات التاريخ، ونظريات مأمولة التنفيذ بمنظور المستقبل الذي تتهيأ له ظروف التحقق باستمرار وتصاعد.

ولذلك فإن أداء الوظائف والواجبات، والأساليب العملية على كل الأصعدة هو تطوير مستمر للنظرية الشيرازية بصدد النهضة ببناء الحكومة ودمجها بسائر الناس، وليست الحكومة إلا مجموعة من أبناء المجتمع ارتقت بهم مؤهّلاتهم للقيام بواجب الخدمة العامّة.

وهكذا فإن نظرية النهضة الشيرازية هي بلورة خبرة أجيال عديدة من العمل والنزاهة والإخلاص في سبيل الإسلام. وهي محصلة الجهود الإبداعية للإمام الشيرازي نفسه ولتراث الأمة الإسلامية بما فيه من علماء ومؤلفات وأيام تاريخية مشهودة التأثير في الذات الإسلامية.

لقد نمت النظرية السياسية الشيرازية، وتطورت إلى فكر سياسي، بفعل صراع فكري وعملي حاد مع واقع متخلف وظروف عالمية متسارعة التغير، ومع التصدي الحازم للأعمال الإجرامية السلطوية في كثير من أرجاء العالم، والتي تهدف إلى تمهيد الأجواء لغزو خارجي لا يسيطر على بلد واحد فقط، بل يتسرب من خلال ذلك إلى سائر دول المنطقة وشعوبها.

كان ذلك الصراع يعني وقوف الإمام الشيرازي، في وجه الطغيان الداخلي، من جهة، ودول الاستعمار الغربي والشرقي، من جهة أخرى. فكر سياسي أصيل في مواجهة الواقع المتخلّف ودول عظمى تروّج لأفكارها المعادية للإنسان والإنسانية، فكر سياسي أصيل في مواجهة التحريفيين والمزيّفين وجميع العناصر الحاقدة على الإسلام والمسلمين الحقيقيين، والمدعمة من قبل حكّام يزعمون أنهم مسلمون.

لقد كان هذا الصراع حتمياً، وهو بصورة من الصور كان صراعاً بين قوى الخير الناهضة من أجل الإسلام، وقوى التخريب الشيوعية والاستعمارية؛ ولذلك فقد قدم هذا الصراع خدمة عظيمة للنظرية السياسية الشيرازية، إذ أكسبها صيغتها العلمية والعملية وصقلها لتستوضح طريق المستقبل بعيداً عن الديماغوجية والانتهازية السياسية، ومنحها بقوة بعدها الاجتماعي المبدئي.

وبذلك أصبح الفكر السياسي الشيرازي راية هدى في أيدي المسلمين أنفسهم في شتى أرجاء العالم؛ إلا أن عليهم ـ ومن وجهة نظر علم السياسة ـ السير وراء هذه الراية. ويعني هذا، فيما يعني، أن هذا الفكر يجب تناوله بارتباط وثيق مع الأهداف والمهمات الجسام التي تواجه عملية النهضة والتغيير، في سياق الظروف البشرية، التاريخية والمعاصرة.

ويتميز الفكر السياسي الشيرازي بالتنوع الفائق في المضمون والتطبيق، مما لا يهدف هذا البحث إلى حصره، وخاصة في ميدان التطبيق كتأسيس الحكومة والتشريعات القانونية المنظمة للأداء السياسي، ويكفي أن نحلل أسس ذلك الفكر ونستجلي تركيبته وأساسياته وملامحه ومركزه الشرعي والأشعة المنطلقة منه والتغييرات الإدارية والسياسية؛ مما يمكن الاستفادة منه على صعيد جميع دول العالم، وفي المقدمة منها الدول الإسلامية، من أجل التطبيق الإسلامي للحكم في العصر الحاضر، وبالتالي في فهم وتفسير الخبرة الإسلامية الخالصة وإدراك مكانتها في العمل الجاد من أجل التحويل الاجتماعي للبلاد، والوصول إلى الحلّ الصائب للمسائل والتعقيدات التي تفرزها مسيرة التغيير.

إن ثمة تاريخاً طويلاً لأحلام الإنسان في تحقيق العدالة الاجتماعية. إلا أن هذا الحلم في بناء ذلك المجتمع، لم يكن، بالنسبة للمسلمين بالذات مرتبطاً بإرادة تحقيقه. وقد يكون ذلك عائداً إلى تلاقي وضع داخلي ذي ملامح خاصّة مرتبطة بما شخّصه الإمام الشيرازي بالظلم وانتهاك حقوق الإنسان والتسلط الاستعماري، مع مستوى متخلّف في عموم الدول الإسلامية من حيث الإدراك والوعي اللذين لم يتبلورا، بعد، في خطة سياسية، أو نظرية سياسية، أو فكر سياسي... بل نعتقد ان بعض الدول في الإسلامية ـ وبرغم تطورها العمراني ـ مازالت بحاجة إلى تلك الخطة وتلك النظرية وذلك الفكر.

إن الشعارات المضلّلة، والغفلة السياسية، أو افتقاد الوعي الكافي بفهم الوضع الداخلي، والعلاقات السياسية وغيرها بين دول العالم الحديث، ان كل ذلك هو الذي قد يؤدي إلى الاعتماد المتزايد على الدول الاستعمارية، فتصبح البلاد الإسلامية عالة على دول العالم الأخرى التي تنهب خيراتها وتجعلها سوقاً لبضائعها التي تكون من الدرجة الثانية والمخصصة للتصدير أساساً.

إن هذه العوامل قد أدت فعلاً إلى لجوء بعض المسؤولين المسلمين والفاعليات السياسية كذلك إلى الوقوع في دائرة التبعية للأجانب، فلا يملكون لأنفسهم ولا لشعوبهم أي نفع، فخسروا كثيراً، وخسرت شعوبهم وبلدانهم أكثر، لأنهم افتقدوا الفكر السياسي الواعي والمنبني على أساس شرعي يقود خطواتهم ويرشّد مسيرتهم، لأنهم ارتضوا الأنظمة الوضعية واللهاث خلف الأفكار والمبادئ غير الواقعية.

ومن أعظم افضال الفكر السياسي الشيرازي انه ربط التطور العمراني بل وكل ميادين التطور الاقتصادي والاجتماعي بالإنسان، وتحقيق سعادة المجتمع بتوفير الأمن له، والغذاء، والصحة، والسكن، والتعليم، ليكون ذلك الإنسان هو وسيلة العمل التغييري، بما يمكن اعتباره تغييراً جذرياً في كل ميادين حياة المجتمع، مع البناء الرصين على الأساس الشرعي نفسه.

وفي خلال ما يربو على أربعين عاماً، تكونت لدى الإمام الشيرازي، على صعيد الفكر، وعلى صعيد الواقع، حصيلة ضخمة من النظريات العلمية التي، من شأنها، أن تشق طريق البلاد الإسلامية إلى الإمام وتقودها من مرحلة تاريخية لتطور المجتمع السياسي إلى مرحلة أخرى. والنهضة، هي دوماً، اتّساق في التطور الاجتماعي، أي انتقال محكم إلى الجديد، إلى علاقات ومؤسسات ومشاريع جديدة، إلى أفكار جديدة ومتجددة، بالضوابط الأخلاقية والتشريعية. إن الفكر السياسي الشيرازي يرى أن النهضة تتحقق على أيدي الناس أنفسهم، وان المقومات المادية للنظام السياسي، والظروف الموضوعية للتغيير والتي تتحقق هذه المقومات بواسطتها في أنظمة وعلاقات جديدة، لا يمكن ان تتهيأ إلا بالسير الموضوعي للتطور الاجتماعي نفسه، وبالدرجة الأولى العلاقات التي تفرزها طبيعة التطور الاقتصادي والقوى المنتجة التي تدخل، خلال جميع مراحل التطور النهضوي، في علاقة اندماجية كاملة مع مشاريع العمل، وخطط بناء الدولة. وهذه العلاقة الاندماجية تتطلب، باستمرار، إعادة تنظيم جذرية تؤدي إلى إعادة تنسيق الحياة الاجتماعية، وإعادة بناء الإنسان المسلم نفسياً ثم توثيق ارتباطه بمجتمعه، ودفعه إلى القيام بواجباته باعتبارها أوامر إلهية لا مفر من تطبيقها بحذافيرها، من أجل أن يتخلص الإنسان من جميع السلبيات التي اكتسبها نتيجة عيشه في ظروف القهر والاستلاب والظلم والاستعمار الأجنبي، فهذه عوامل خطيرة جداً تنخر في روح الإنسان ونفسيته، فكيف وقد طال بها الزمن؟!

إن مجرد وجود هذا التوجّه هو ما يميز النهضة الإسلامية المأمولة، كعملية ذات أهداف إنسانية واضحة وذات منطلقات شرعية لا غبار عليها، على عكس ما يجري حالياً من تغريب، ليس من أهدافه أن يقضي على مظاهر التخلف، ولا على أسس الانحطاط الذي رسّخته الدول الاستعمارية والحكام الديكتاتوريين، ذلك التخلف الذي لا يؤدي إلا إلى الخدر الاجتماعي العام، وتجميد طاقات الشعوب في صناعة غدها وصياغة سعادتها.

وبحسب الرؤية الشيرازية، من أن النهضات المتعددة في العالم، إذ تتميز ببعض الصفات المشتركة، إنما تختلف عن بعضها البعض ـ وهذا أمر بديهي ـ من حيث طبيعتها الاجتماعية، وقواها المحركة لها، وأهدافها ومهماتها، وأخيراً من حيث مخطط آلية ظهورها ونموها واكتمالها، فكراً وسلوكاً عملياً، فالوعي بتلك النهضات، وبيان نقاط الخلل فيها، مما يتّخذه الإمام الشيرازي مرتكزاً من مرتكزاته العديدة لإثبات أصالة الفكر الإسلامي والنهضة الإسلامية.

ومن الواضح ان أي فكر سياسي يجب أن يستفيد من تجارب العالم وقواه الفاعلة في نقلاته الحضارية، وبخاصة ما حدث في الغرب منذ ما يسمّى بعصر التنوير والثورة الفرنسية، والنهضة الصناعية التي غيّرت وجه العالم وفرضت معادلات جديدة في العلاقات الدولية، وفي النمو الداخلي سواء في البلدان المصنعة نفسها، أم ـ وإلى درجة ما ـ في دول العالم الأخرى، وذلك للاستفادة من الإيجابيات والسلبيات التي تقدّمها تلك التجارب.

إن معطيات الفكر السياسي الشيرازي تتبلور على أرض الواقع في عصر دخل فيه العالم مرحلة جديدة من تاريخه، ويمكن اعتبار ان انهيار النظام الشيوعي، وتفكك المعسكر الشرقي، كانت له بدايات تفاعلت بقوة مع عوامل أخرى، تلك البدايات هي فشل المخططات الشيوعية وقيام العلماء المسلمين بفضح المخططات الشيوعية وإفشال أهدافها في المنطقة، وكشف زيفها أمام جميع مفكّري العالم. ذلك الفشل الذي أظهر للعالم هشاشة الفكر الماركسي، وانهيار قوى دولية عدوانية.

وبالنظر لهذا الدور الخطير الذي مارسه الفكر السياسي الشيرازي، استدعت الحاجة إلى ضرورة وضع حلّ لمجموعة واسعة من المشاكل التي لابدّ أن تتعرض لها مسيرة النهضة الإسلامية المرتجاة في مواجهة تخلف مفروض تاريخياً، وموازنة دقيقة في العلاقات مع الدول والشعوب الأخرى، لتحقيق النجاح المستمر لتلك المسيرة وانتماء العالم لشرعيتها وفرادتها وعمق تأثيرها، المنظور وغير المنظور، في التطورات السياسية والحضارية في المنطقة خاصة، والعالم عامة، وهي تأثيرات متعلقة بإنشاء الدول العصرية للمجتمع السياسي الإسلامي الجديد، وترسيخ العلاقات الاجتماعية على هداية من الشريعة عبر التراث والمعاصرة، وإشراك أبناء المجتمع كل من موقعه في عملية بناء البلاد الإسلامية، وغير ذلك من مهمات سيأتي الحديث عنها.

ولا يمكن أن تحل هذه المشاكل ولا أن تتحقق المهمات الجديدة بالوسائل والأساليب التي هي سائدة حالياً في عموم البلاد الإسلامية، ولذلك تختلف وسائل النهضة وأخلاقياتها العملية عما هو سائد من قبل، وأيضاً عما هو عليه في الدول الأخرى، ليس فقط من حيث الأهداف وآلية الظهور، بل وكذلك من حيث القوى المحركة واستراتيجتها وتكتيكاتها، علماً بأنه تتجلى هنا، كما يبين تاريخ القرن العشرين، السنن العامة والخصائص المرتبطة بتفرد التطور الإسلامي في هذه المنطقة أو تلك من مناطق البلاد الإسلامية التي لا يرضى الأعداء الداخليون والخارجيون توحيدها وصهرها في بوتقة الأداء السياسي الموحد، وذلك لا يتم إلا بمبايعة فكر سياسي متفرّد برؤاه وبخصائصه وميزاته الحيوية.

ولما كانت النهضة الإسلامية تنجز ببناء المجتمع الجديد المرتبط بقيمه وتقاليده وعاداته النبيلة فإنها تستغرق مرحلة تاريخية طويلة ومعقدة وقد تكون أحياناً عرضة لسلبيات نفسية أو اجتماعية مولدة من تراكمات الماضي بالدرجة الأولى، ومما يمكن أن يحدث نتيجة عدم فهم الشريعة الغراء بالشكل المطلوب ودورها في صناعة البلاد وصياغة العالم كله من جديد.

ومن هنا يقرر الإمام الشيرازي أنه لا يجوز تصور عملية التغيير بشكل معركة واحدة على جبهة واحدة، التعليم ضد الأمية، أو الحرية ضد العبودية، أو الأمن الاجتماعي ضد الإرهاب... إلخ.. بل هي معركة دائمة ومستمرة على جميع الجبهات. فهذه النهضة ستكون بمثابة عصر كامل من السلام الاجتماعي بمفهومه الكلي، ومن الانتصار الحاسم على طائفة كاملة من المعارك على مختلف جبهات النمو والتطور، من أجل إنجاح مختلف أنواع التحويلات المختمرة والتي تتطلب عقلاً جماعياً جباراً، يعتنق فكراً سياسياً علمياً يتميز بعداء حاد لجميع المزايدات السياسية والشعارات الطوباوية.

ويجب الانتباه إلى أن القوى الشريرة ـ بحسب تقويم الفكر السياسي الشيرازي ـ استخدمت مختلف الأساليب لشق صفوف المجتمع المسلم وصرف المسلمين عن المشاركة في إنجاح مخططات النهوض الإسلامي، فحاول الكثيرون الإساءة إلى شخص الإمام الشيرازي وفكره، والتعتيم على رؤاه السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وجهوده الفقهية، وممارساته الجهادية بغرض هداية الناس وتوعيتهم بما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات، ولكن جميع تلك المحاولات لم تستطع الوصول إلى أهدافها بسبب قوة وصلابة الفكر السياسي الشيرازي، ونجاح استيعاب سماحته لتلك الضغوط ومعالجتها بطريقة علمية، ثم نجاحه في صياغة فكره وفلسفته من أجل تطوير البلاد الإسلامية وتحقيق وحدتها.

إن عملية نشر هذا الفكر السياسي الشيرازي ـ وهو التجسيد الحقيقي لنهضة الإسلام والمسلمين ـ هي خير رادع لتلك القوى، لأن تلك العملية تؤسس البلاد الإسلامية، من جديد، على أساس قوي، وتعمل على تحطيم التخلف ومظاهره المتعددة، ثم تبني شيئاً جديداً، وإنساناً جديداً. وإن أي تحطيم ـ كما نعلم حتى من تجاربنا اليومية ـ لا يمكن أن يتحاشى الصعوبات والحرمان أحياناً، وحتى التضحية بالغالي والنفيس في مواضعها، وعلينا أن نستمد من تجاربنا الماضية عزماً جديداً وتصميماً أكيداً على العمل متعاونين متكاتفين بكل ما لدينا من طاقات البذل والعطاء والتفاني في أداء الواجب، لنكون دائماً في مستوى القدرة على تذليل الصعاب وقهر التحديات وبلوغ الأهداف التي رسمناها لأنفسنا من أجل تحقيق خير بلادنا وخير أجيالنا الحاضرة والقادمة ولنكون قادرين كذلك على القيام بمسؤولياتنا تجاه منطقتنا وتجاه أمتنا الإسلامية والبشرية جمعاء.

إن النهضة الإسلامية التي يحكمها الفكر السياسي الشيرازي، مضطرة ـ شاءت أم أبت ـ إلى تحطيم التخلف ومظاهره المتعددة، بقدر يتناسب مع حجم الأهداف المراد تحقيقها، وذلك هو مبعث الكثير من الصعوبات والمشاكل التي يضطر إلى معاناتها في الواقع سماحة الإمام الشيرازي، شأنه شأن جميع المصلحين العظام الذي عبروا تخوم التخلف وحاولوا نقل الناس من مشارف الضياع إلى مشارق اليقين، خاصة في هذه الظروف العالمية الشديدة التعقيد.

ومرة أخرى أثبت الواقع صواب الفكر السياسي الشيرازي في منطلقاته واستقرائه للأحداث، وفي غاياته ووسائله لتحقيقها. وبيّن ـ إلى جانب ذلك ـ ان أمد ونطاق الفوضى وجرائم الدكتاتوريين ليست من الأقدار التي لا يمكن مقاومتها. فالكثير من الصعوبات التي تواجهها النهضة ليس نابعاً مباشرة من عملية بناء البلاد والمجتمع، بل تنشأ بصورة مفتعلة وتدعمها قوى التخلف والظلام. إلا أن أموراً غير قليلة تتوقف كذلك على المسلمين أنفسهم، على مستوى ثقافة العمل والرغبة والمهارة في العمل بحرص عليه كقيمة في حد ذاته، وعلى إدراك المجتمع لكون النهضة تحرر الإنسان ليس من ضرورة العمل المثابر بنقله إلى حال الرفاهية، بل من التخلف وفقدان الإرادة الحرة، ولدى توفر الظروف الخارجية والداخلية الملائمة، ومنها المستوى الكافي من الإرادة الجماعية يمكن القضاء على أشكال التخلف وأساليب التخريب وتضييق نطاق التشويش، وخاصة ان كان هناك فكر سياسي واع لإبعاد هذه المشكلات داخلياً وخارجياً.

ومن المتوقع أن نطاق وأمد التخريب والتشويش المصاحبين لكل عمل نبيل، سواء من أعدائه أم الذين يسيؤون استخدام بوصلته، يمكن أن يتقلصا عموماً بقدر ازدياد درجة نضج المجتمع السياسي، وتطور وعيه بضرورة مساهمته الإيجابية في ذلك، وزيادة قدرته على التأثير الفعال في عمليات النهضة.

ومهما يكن الأمر، فلدى الفكر السياسي الشيرازي جانب آخر أكثر أهمية وأكبر شأناً، وهو ما تلزم قوى التخلف والظلام الصمت بشأنه، هو الجانب التنفيذي لخططه، ونعني به التنفيذ المستمر المتواصل لترقية المسلمين ورسم مستقبل زاهٍ لهم.

فعندما يعتبر الفكر أن أولى مهماته إنهاء التخلّف لصالح ما ينفع الناس، فإنه بذلك يمهد ساحة البناء لأجل إنشاء بُنى اجتماعية جديدة، وتكوين علاقات أكثر ارتباطاً بالأساس المقدس، باعتباره هادفاً إلى ديناميكية تطورية متصاعدة، وبناء إنسان سليم ثقافة وصحة وسلوكاً وحسن أداء للواجب.

إن طرق البلدان المختلفة نحو النهوض متنوعة للغاية، ويعود هذا التنوع إلى خصائص تطورها التاريخي. ومما لاشك فيه أن النهضة أمر لا مفر منه، إن لم يحدث بالأمس، فسيحدث اليوم، وإن لم يحدث اليوم، فسيحدث غداً بكل تأكيد لأن ذلك هو منطق الحياة وقانون العالم المعاصر. ولكن البلدان المختلفة ستصل إلى تحقيق نهضتها بأساليب مختلفة، لا تكون متطابقة، وإن كانت أحياناً متماثلة، فكل منها سيحمل تفرداً إلى هذه الطريقة أو تلك من طرق النمو والتكامل الحضاري، وإلى هذا النمط أو ذاك من أنماط التشريعات القانونية، والمؤسسات الرسمية والشعبية، وسيكون نجاح هذه الطرق والأنماط مرهوناً بميزات الفكر السياسي والقائد السياسي الذي يرسم ذلك وينفذه.

ولكن، هل يعني ما سبق أن النهضة نفسها التي يجب أن يعمل لتحقيقها الفكر السياسي، ستكون ـ في آخر المطاف ـ مختلفة من بلد إلى آخر؟ خاصة بالنظر إلى العلاقات الدولية وحركة التأثير والتأثر بين دول العالم المعاصر.

نعتقد ان الجواب متوقف على طبيعة الفكر نفسه، ومدى علميته وأصالته، وعمق هيمنته على خطوات التنمية والتحديث، أي أداء الإجراءات النهضوية.

النهضة ـ في آخر تجلياتها ـ هي نمط جديد من الحياة، بما فيها من علاقات اجتماعية واقتصادية، وهذا النمط ينشأ ـ تاريخياً ـ بالاستجابة للواقع بغرض التغيير، ولذلك فإن المحاججة في مستوى النمو والتطور، بين البلدان المختلفة، تصبح أمراً لا معنى له.

فالنهضة واحدة بطبيعتها، في كل مكان، ولكن ألوانها، تختلف من بلد إلى بلد، ومن نقلة حضارية إلى أخرى، فقد تقتضي أوهام القادة في بلد من البلدان الاعتماد على أنموذج محدد، كما نراه في التجربة الهندية والباكستانية والتركية، وحتى إلى درجة ما التجربة اللبنانية، والجزائرية مؤخراً.

وقد تقتضي الموضوعية ـ في بلدان أخرى ـ ولغرض تحقيق السلام الاجتماعي، والأمن والعدالة، الأخذ بالمفهوم الأصيل للحكم الشعبي، وإدماج الشعب مع السلطة في مجتمع سياسي متوازن ومتضامن يعمل معاً نحو غد مشرق، وهذا الطريق الأخير هو الذي اختاره الفكر السياسي الشيرازي، وتبنته النهضة التي يسعى ذلك الفكر لتحقيقها كوسيلة هي الأجدى في الوصول إلى الغايات المأمولة.

وربما اقتضت الظروف الموضوعية وسائل أخرى للوصول إلى هدف النهضة وتسريع عمليات التنمية وبذلك تختلف النهضات التي شهدها ويشهدها العالم اليوم في شتى أرجائه، وبخاصة في الدول النامية، ومن هنا يختلف تقويم تجربة عن تجربة، وتختلف مديات النجاحات والإخفاقات، ونعتقد أن النجاح هو حليف تلك النهضة التي يحكمها فكر سياسي علمي، له جوهريته الكامنة في (أساس مقدس) يرصّن كل خطوات تنفيذه على أرض الواقع. ومن جهة أخرى توجد طائفة من النهضات تتوقف عند حدود معينة لا يمكن أن تتخطاها إما لقصور في الفكر السياسي في حال وجوده، وإما لوصول المجتمع إلى حال من الكسل والخدر والإهمال نتيجة للترهل الاقتصادي الذي يصيبه في صميم قيمه الأخلاقية، وإما لتكالب قوى عاتية تعمل على تقويض إنجازاته عن طريق التشويش والتخريب وأحياناً الاحتلال العسكري.

ويعني ذلك أن الحركة التغييرية، وبغض النظر عن مكان نشأتها ونموها وتطورها، وبرغم الخصائص المحلية والإقليمية والميراث التاريخي، لا يمكن أن تسمى (عملية تغييرية) ما لم يكن لها فكر سياسي علمي يقودها، وما لم يكن لذلك الفكر (بؤرة شرعية) تكون من أبرز مهماتها الحفاظ على كرامة الإنسان، وتحقيق شروط حيويّة أفضل لأدائه العام، وتوفير جو الحرية والطمأنينة له، وإفساح المجال أمامه للإبداع والابتكار. وبدون البؤرة الشرعية، والأشعة التي تنطلق منها وتحدد مسار التغيير تصبح العملية التغييرية فوضوية ولا تؤدي إلى الأهداف الإنسانية المتوخاة منها، على ما شاهده العالم كله في الانقلابات العسكرية والثورات الفوضوية التي حدثت في أرجاء العالم المختلفة.