الفهرس

 

الصفحة الرئيسية

 

الأخلاق بين الاعتبار والاختبار

الإمام الشيرازي له نظرة توحيدية لجميع جوانب الحياة، بمعنى أن هذه الحياة وحدة متكاملة، فالسياسة تكمل الاقتصاد والاقتصاد يكمل الاجتماع وهكذا. فلا يصحّ، حسب هذا المنهج أن تفصل الاقتصاد لوحده من غير أن تعطيه معناه الاجتماعي في التكافل والتراحم، فالزكاة مثلاً، قد يعتبرها بعض الناس خسارة في أموالهم، فيبخلون بها، ولكنهم إذا وضعوا الاقتصاد مكملاً للاجتماع علموا أن الزكاة ستعود على غيرهم بالنفع العاجل، وهذا واجب عليهم، وستعود على معطيها بالنفع العاجل في الدنيا، والآجل في الآخرة، ولذا سميت زكاة، فبها يزكو المال وينمو.

وكذلك لا يصحّ أن تفصل الاجتماع عن الاقتصاد، فإن الفقر من جهة، وإلى جانبه الثراء والغنى الفاحش من جهة أخرى سبب للمظالم والتفرقة بين الناس، ولذا فيجب أن تكون هناك عدالة في توزيع الثروة، وهكذا قل بالنسبة للسياسة وعلاقتها بالاقتصاد والاجتماع.

ويمكن تلمّس النزعة التوحيدية في الفكر الاجتماعي الشيرازي، من جهات متعددة، في هذه الرؤي المبثوثة في طوايا المؤلفات العديدة لسماحته، كما تتجلى تلك النزعة في الطموح الحضاري لسماحته مما يمكن تمثّله فيما يلي:

أولاً: يجب توحيد البلاد الإسلامية التي هي الآن، متوزّعة على أجزاء مشتتة بفعل انعدام العلاقات الجيدة وقوة النزاعات القومية وغيرها، وقيام أعمال التخريب الهادفة إلى تمزيق الأرض الإسلامية، وبلا ريب فإنه، بمجرد الانتصار الإسلامي المأمول على قوى التخريب والظلام التي تعيث فساداً في البلاد بدعم القوى الاستعمارية، ستتوحّد البلاد الإسلامية من جديد، انطلاقاً من نظرة الإسلام التوحيدية الشاملة.

ومن الخطوات الأولى التي يراها الإمام الشيرازي لوحدة البلاد هو توحيد اسمها تحت اسم هو (دولة الإسلام) أو (الدولة الإسلامية) مبتعداً بذلك عن الشعارات الجوفاء الحديثة من جمهورية أو غيرها. وفي الوقت ذاته، تؤكد الرؤية الشيرازية على ضرورة أن تتّحد الدول الإسلامية وحدة حقيقية، ولذلك يجب على الأمة الإسلامية أن تتخذ كل الوسائل للوصول إلى ذلك الهدف النبيل، ومنها زيادة الترابط بين جميع البلدان، وفتح المجال لتنقّل الناس من بلد إلى آخر، كي يسهل على المسلمين الاختلاط ببعضهم البعض والتعرف على بعضهم البعض.

ثانياً: المسلمون الذين هم الآن متباعدون بفعل العيش في ظروف الفرقة التي تفصل فيما بينهم، وصعوبة الانتقال من بلد إلى آخر، بحيث ضعفت الوشائج بينهم، وجعلوا انتماءهم لبلدهم بديلاً عن الانتماء لأمتهم ودينهم، وفشلت جهودهم التنموية في بلوغ الأهداف المرجوّة، لأنها ممزقة ومبعثرة، وليس لها منظور تكاملي.. هؤلاء أنفسهم سيشكّلون مجتمعاً موحّداً، ويكون لهم جميعاً دورهم في عملية بناء دولة الإسلام، كلٌّ من موقعه وبحسب إمكانياته ومدى اندماجه في المسيرة العامّة لعملية التغيير.

ومنذ بدايات كتابات سماحة الإمام أعلن أن الحكومة الإسلامية والشعب المسلم جزءان من مجموع، يكمل كل منهما الآخر.

أي أن الفكر الإسلامي بجوانبه المختلفة من اقتصاد وسياسة واجتماع، ينظر إلى جميع أبناء المجتمع، ومهما كانت مواقعهم وأدوارهم ومسؤولياتهم، باعتبارهم مجموعة واحدة. وهي فكرة منبثقة من التعاليم الإسلامية، بل تكاد تكون تنفيذاً حرفياً لما جاء في الحديث الشريف من أن المؤمنين (في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمَثَل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بالسّهر والحمى).

ولقد أعلن الإمام الشيرازي أن توحيد البلاد الإسلامية لا يمكن أن يتحقق إلا بتطوير الاقتصاد الإسلامي العامل على تحقيق وحدة المجتمع الإسلامي، وهذه الوحدة بدورها لا تتحقق إلا بتوفير احتياجات الناس في ميادين الحياة المتنوعة والمتعددة، من الحرية والصحة والتعليم والمواصلات والطرق.

وأعلن الفكر الاجتماعي الشيرازي تشخيصه الصائب لطبيعة مستلزمات التطور والنهضة، فنبّه المسلمين ضرورة بذل الكثير من الجهد والتضحيات للتغلّب على المصاعب والعقبات، وأكّد على أن المسلمين يجب أن يحملوا هذا العبء بصبر وأن يسيروا في العمل بجد وحزم.

ولن يتحقّق ذلك إلا بتطبيق الرؤية العلمية الصائبة للإمام الشيرازي الذي استطاع أن يشخص أبرز سبب من أسباب التطور، وهو الوحدة الإسلامية السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبالتأكيد، فإن تطبيق الأخلاق الإسلامية، تعمّق من تلك الوحدة الاجتماعية، مما يعجّل بإنجاح العمل التغييري وزيادة فرص النجاح في تحقيق الأهداف المرتجاة.

ولجأ الإمام الشيرازي، من أجل تأصيل رؤيته الاجتماعية، إلى الأخلاق والقيم الإسلامية، واتخذ منها لبنات لترسيخ مفهوم الوحدة الاجتماعية، ومن أبرز تلك القيم العمل المنتج المثمر، ومن هنا جاء تأكيد الإمام الشيرازي على أن العمل الجادّ له تأثيره الكبير في بلوغ الغايات وتحقيق الأهداف.

ويؤكد الإمام الشيرازي أنه لا وحدة أقوى من تلك التي يحققها الولاء للإسلام. والتمتّع بالأخلاق الإسلامية، فهذا التأكيد لم يأت اعتباطاً بل كان نتيجة حتمية لرؤية بعيدة المدى تستشرف آفاق الماضي والمستقبل في وقت واحد. فمما لا شك فيه أنّ الوحدة الاجتماعية لا يمكن أن تتحقق إذا سادت أخلاقيات الاستعلاء والغرور والتكبّر، لذا فإن التواضع هو الصفة الأولى التي يجب أن يتحلى بها الجميع لتتأكد الوحدة الاجتماعية وتأخذ أبعادها ومكانتها في المسيرة الناجحة للبلاد الإسلامية. وقد كتب الإمام الشيرازي فصلاً خاصاً عن (الغرور والتواضع) أكّد فيه على أن الغرور (هو سبب سقوط الأمم المنتصرة، غالباً، فإن سبب تحرك الإنسان هو الشعور بالنقص، فإذا اغترّ الإنسان توقّف في مكانه، فيأتي قوم آخرون ويعملون ويثابرون حتى يتقدّموا على تلك الأمة المغرورة والإنسان المغرور) ثم يرسم سماحته طريق التخلّص من الغرور(1).

وهكذا يأخذ الإمام الشيرازي، معتمداً على التعاليم الإسلامية، اعتبار مسألة التطور واجباً دينياً قبل أن تكون موظّفة لصالح فكرة الوحدة الاجتماعية. فمما لا ريب فيه أن استحضار القيم الدينية الحقيقية في كل عمل سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي، سبب رئيسي لتعميق روح الوحدة بين المسلمين وتقريب بعضهم من بعض.

وكل هذا يوضّح الارتباط المباشر وغير المباشر الذي يتزامن دائماً، لدى الإمام الشيرازي، مع الدعوة إلى رصّ الصفوف وتوحيد الطاقات والسير نحو غد أفضل لعموم المسلمين.

وبنفس الطريقة الحاذقة يدعو الإمام الشيرازي إلى تحويل الصعوبات التي تعترض المسيرة إلى قوة عمل إيجابي يرفد يقينه الذي لا يتزعزع بحتمية تحقيق نزعة الإسلام التوحيدية. وبذلك فيجب على كل مسلم أن يدرك أمرين أساسيين:

أ ـ أنه لابد له من أن يضم جهوده وطاقاته إلى جهود المسلمين الآخرين من أجل إنقاذ البلاد الإسلامية من عبث زمر التخريب وعملاء الاستعمار والحكام الديكتاتوريين، وبهذا تتصاعد الوحدة الاجتماعية عبر التلاحم لتنفيذ ذلك الهدف.

ب ـ أنه لابد له من أن يزيد من تلاحمه مع السائرين في طريق التغيير والتطوير في ميدان الاكتفاء الذاتي والعمل الاقتصادي المنتج إنقاذاً للبلاد من التخلف وسيراً بها إلى آفاق المستقبل.

وتعمل كل من هاتين النقطتين على تعميق الوعي بضرورة التلاقي بين المسلمين وزيادة وعيهم بأهمية وحدة بلادهم ومجتمعهم. وبخاصّة أن الإمام الشيرازي نفسه يؤكّد لهم أن من واجباتهم الشرعية تحرير البلاد الإسلامية من الاستعمار والتخلف وتوفير الحياة الطيبة لجميع السكان وهذا التأكيد دعوة إلى مزيد من التلاحم الاجتماعي والوحدة المجتمعية التي ينضمّ إليها كل مسلم ليحقق واجبه تجاه دينه وأبناء مجتمعه. فيقول سماحته:

(إن الهدف، كما تعلمون، هو تحرير البلاد الإسلامية التي ترزح تحت نير الاستعمار والديكتاتوريين، وإقامة حكومة إسلامية عالمية ذات ألف مليون مسلم. وكما يوجد لنا دين واحد وإله واحد وقرآن واحد وكعبة واحدة، كذلك يجب أن تكون لنا حكومة واحدة، فتزول هذه الحدود المصطنعة، فيتحرك المسلم من بغداد إلى طهران، ومن طهران إلى القاهرة ومن القاهرة إلى جاكرتا، ومن جاكرتا إلى فاس ومن فاس إلى دمشق، وهكذا، كما يتحرك من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة إلى العمارة ومن طهران إلى مشهد.

الهدف هو إعادة هذه الحكومة الواحدة، فلا قوميات في بلادنا بل الكل يعيش في ظل الإسلام الواحد ولا فلسطين يهودية ولا أفغانستان شيوعية ولا عراق بعثية.

الهدف أن توجد انتخابات حرة في إطار الحكومة الواحدة، ويتولى شؤون هذه الحكومة شورى الفقهاء المراجع التي تتوفّر فيها العدالة والإدارة و.. وأن يكون القانون السائد هو الكتاب والسنّة والإجماع والعقل، هذا هو الهدف. أما إنقاذ البلد الفلاني، كالعراق مثلاً، فهذا جزء من الهدف، وليس الهدف كله.

أما الطريق إلى هذا الهدف فيجب أن تعرفوا في البدء أنكم طاقات كبيرة جداً كما قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام:

وتحسب أنك جرم صغير***وفيك انطوى العالم الأكبر

إنّ فوهات العيون وإن بدت في النظر عيوناً صغيرة إلا أنها طريق إلى بحر من الماء كامن تحت تلك الفوهات، وفوهات الآبار النفطية وإن استصغرت الأبصار رؤيتها إلا أنها طريق إلى مخزون هائل من النفط يختبئ وراءها، وهكذا الإنسان، وإن كان صغيراً في الظاهر، إلا أنه كبير جداً في الواقع. إن هؤلاء الذين أقاموا الحكومات الضالة والمنحرفة والديكتاتوريين كاليهود والشيوعيين وأمثالهم لم يكن أغلبهم سوى شباب فجّروا طاقاتهم فاستطاعوا الوصول إلى أهدافهم. ونحن ليس بأقلّ عن أمثال هؤلاء، بل ونملك ما لا يملكون (وترجون من الله ما لا يرجون)(2). إن المسؤولية تقع على عاتق الجميع، لكنّ الشباب هم الأقدر على العمل والتحرك وعليهم:

أولاً: أن يتقنوا فن الخطابة والكتابة، فإنهما من أهمّ أسباب انتشار الوعي في الأمة.

وثانياً: أن ينزلوا إلى الميدان، فلا يتقوقعوا في الأبراج العاجية، بل يكونوا مع الجماهير وفيهم وذلك من أجل تحقيق الأمور التالية)(3).

ثم يحدد سماحته تلك الأمور فيراها في التنظيم والتوعية والاكتفاء الذاتي وتوجيه طاقات الأمة وجمعها، وهذه مسائل تربط بين المجتمع والاقتصاد وشروط التغيير في الاجتماع والسياسة.

فالمسلم تزداد رغبته للالتحاق بركب التغيير الذي يتصاعد عمله ويتصاعد وعيه في أرجاء البلاد الإسلامية، مما يساعد على تكوين قاعدة صلبة تشارك بفعّالية في تحرير العالم الإسلامي. بالإضافة إلى أن الآخرين في المناطق الأخرى ستتحفّز قواهم أكثر فأكثر ويتجمعون تحت راية الإسلام.

كل هذا مظهر من مظاهر التوحد الاجتماعي، والذي نعده واحداً من أبرز صفات الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي، ذلك الفكر الذي يريد أن يصهر المسلمين في بوتقة واحدة فيشاركون في المجتمع الإسلامي الموحّد، وهو أمر ملحوظ بكل جلاء في العلاقات الحميمة التي تربط المسلمين في أخوة حقيقية، بحيث نستطيع القول إنه من غير ذلك الترابط المكين لما أمكن للإسلام أن يصل إلى ما وصل إليه بفضل اجتماع كلمة الأمة على ضرورة النهوض والتغيير، في جميع أنحاء العالم.. والإنجازات العظيمة تلك لن تتحقق إلا بالتلاحم والتآلف والعمل والكفاح والتضحية، ومواجهة المستقبل بإيمان عميق وقلوب ملؤها الثقة والعزيمة والأمل.

ولقد أضفى الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي على الوحدة الاجتماعية معنى القداسة باعتبارها أساس بناء الحضارات، والمهاد الذي تنطلق منه معاني طاعة الله، سبحانه وتعالى. وكمثال على ذلك نذكر ما جاء في البحوث الشيرازية من احتفاء كبير بالروابط المقدسة والمتينة التي تربط أبناء الإسلام معاً بأصدق معاني الحب والولاء والتفاني لدينهم ومجتمعهم الموحد، متذكّرين أمجاد ماضيهم العريق وانتصاراته المجيدة، وناظرين إلى الطريق أمامهم بعين ملؤها الأمل.

وبالتأكيد فإن مسيرة التغيير ذاتها وبمقدار حاجتها إلى الوحدة الاجتماعية، فإنها تعمل، في الوقت نفسه، على تعميق تلك الوحدة وتوفير مستلزمات نمائها وتصاعدها وتعميق مفاهيمها. وقد نبّه الإمام الشيرازي إلى حقيقة أن وحدة الهدف حاجة ملحّة وضرورية، وذلك لأنها تعمل على تجميع الطاقات والجهود وتوحد الكلمة لما فيه خير المسلمين وإيصالهم إلى أهدافهم.

بل إن الإمام الشيرازي لا يكتفي بالدعوة إلى الوحدة الاجتماعية بين المسلمين فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى دعوة الشعوب الأخرى أن يقفوا صفاً واحداً لصنع الأمان والطمأنينة من أجل حاضرهم ومستقبل أجيالهم اللاحقة. كما أنّ سماحة الإمام الشيرازي يمنع كل أعمال العنف والإرهاب(4) من أجل سيادة الأمن والاطمئنان.

وتظلّ قضية الوحدة الاجتماعية مرافقة لكتابات الإمام الشيرازي، باعتبارها واحدة من أخطر القضايا التي تجابه مجتمعات العالم المختلفة التي بناها الحاكم على الاستغلال، استغلال رأس المال الفردي في النظام الرأسمالي، واستغلال رأس المال الحكومي للمواطنين في النظام الاشتراكي والشيوعي.

ومن هنا جاء تركيز سماحته على هذه النقطة بالذات، في أكثر من مناسبة، مؤكداً على ضرورة المحافظة على روح التآخي والمحبة التي يريدها الإسلام أن تسود جميع فئات المجتمع وتعكس الترابط المتين بين أبناء الإسلام.

كما دعا المسلمين إلى الوقوف صفاً واحداً ضد كل من تسوّل له نفسه محاولة التأثير على هذا الترابط الذي اعتبره الإمام الشيرازي الدعامة الأساسية لقوة وازدهار الأمة الإسلامية في حاضرها ومستقبلها.

وكان من نتائج هذه الرؤية الصافية لدور الوحدة الاجتماعية وما تحققه من إنجازات ثرّة أن تبنّى الإمام الشيرازي رؤية سياسية تقوم على الترابط الوثيق بين الحكومة والمجتمع المسلم في الاضطلاع بمسؤولياتهم وواجباتهم تجاه أنفسهم ومجتمعهم، فلا حكومة دون طاعة الله تعالى، وتراضي الناس.

وتأكيداً لهذا الترابط، دعا الإمام الشيرازي، بكل قوة، إلى تطبيق الشورى وفقاً لمتطلبات مراحل التطّور التي تعيشها البلاد الإسلامية، ووفقاً لمبدأ أساسي يلتزم به الإمام الشيرازي، وهو أن تكون كل محاولات التغيير، وكل الممارسات الحالية والمستقبلية للمسؤولين الإسلاميين، يجب أن تكون نابعة من صميم الواقع الإسلامي، ومتلائمة مع القيم والتقاليد السائدة في المجتمع الإسلامي.

وبديهي أن تلك الوحدة الاجتماعية ستصبح قوية ومتماسكة بفعل العوامل التي توفرت لها مما ذكرناه سابقاً من وحدة الهدف ونجاح العمل التغييري، وزيادة الوعي.. وغيرها.. وبالتأكيد فإن كل هذه العوامل لا تكون حاسمة إذا لم تتوفر للبلاد وحدة القيادة المتمثّلة في شورى الفقهاء، بما يضمن وحدة القرار والتخطيط للنهضة الإسلامية التي تنقل البلاد من مرحلة التخلف والتبعيّة إلى مرحلة الدولة الإسلامية القادرة على تجاوز العقبات والعراقيل وبناء حضارة حقيقية تظلّلها أغصان الأمان والطمأنينة، بتفجير طاقات المسلمين وتوجيهها، بدورها، للاضطلاع بمسؤولية المشاركة في تحقيق الأهداف المرسومة لما فيه خير المسلمين وسائر بني الإنسان.

وعلى هذه النزعة التوحيدية لدى الإمام الشيرازي، ارتكزت جميع جوانب النشاط السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وعلى مختلف مستويات العمل التغييري واشتراطاته. ففي الإسلام هناك (وحدة البلدان الإسلامية) و (وحدة المجتمع) و (وحدة القيادة) و (وحدة القيم) سواء أكانت قيماً أخلاقية أم قيماً تفرزها مراحل النهضة. وقد أعلن الإمام الشيرازي رفضه البات والقاطع لكل محاولة تريد النيل من تلك الوحدة، وتجلّى ذلك في كتابات سماحته كثيراً. كتأكيده على أن التعاضد والتراحم صلة وثقى بين المسلمين، وأنّ تعزيز الوحدة الإسلامية واجب، وأن على الدولة أن تمنع كل ما يؤدي إلى الفرقة أو الفتنة أو المساس بالوحدة الاجتماعية الإسلامية. فالمحافظة على الوحدة الاجتماعية الإسلامية واجب مقدّس.

ولعلّ أبرز سمات منهج الإمام الشيرازي أنه لا ينظر إلى الحكومة الإسلامية باعتبارها منفصلة عن الناس، فانفصال الحكومة عن الناس كان السبب المباشر في انهيارات دول عديدة عبر التاريخ، وفي هذا العصر الحديث أيضاً. لأن هذا الوضع، إن تمّ، فيعني أن هناك صراعات، كل طرف يتصارع مع ما يقابله. وهذا ـ وبكل تأكيد ـ يناقض تماماً النزعة التوحيدية للفكر الاجتماعي الشيرازي(5).

لقد لاحظنا أن الإمام الشيرازي يضفي صفة القداسة على الوحدة، سواء كانت وحدة أرض البلاد الإسلامية أم وحدة المسلمين، وهذه الوحدة لا تسمح بظهور تلك الصراعات لأنها قائمة على القيم والأخلاق الإسلامية الداعية إلى التآلف والوحدة والتكافل الاجتماعي.

وهذا عائد إلى وحدة الأخلاق الإسلامية التي تبناها ذلك الفكر. فهي أخلاق لا تتقبل أي انتهاك، مثلها مثل وحدة الاقتصاد والاجتماع والسياسة، لأنها منبثقة ـ أساساً ـ من التاريخ وتعاليم الإسلام والتقاليد الاجتماعية الإسلامية.

وهناك عشرة عوامل تمنح الأبعاد التوحيدية للفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي وجوده الصلب على أرض الواقع. تلك العوامل هي:

1 ـ إيمانه بأن الوحدة الإسلامية، اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً، لا يمكن أن تتم إلا إذا عاد المسلمون إلى الحق، ونظروا نظرة سليمة إلى آيات القرآن العزيز، ومستفيدة من السيرة النبوية الشريفة، وأحداث حياة أهل البيت عليهم السلام، لأن ذلك سيؤسس الأساس القوي الذي يجب أن ترسى عليه السلوكيات الفردية والاجتماعية. وكذلك إيمانه بضرورة اتخاذ الأسوة الحسنة في رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، والمعصومين عليهم السلام، وكذلك في رفع الظلامة عن السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، فهي بنت رسول الله، وزوجة ابن عم الرسول، وأم الأئمة من ولده عليهم السلام، ولها من الفضائل والمناقب ما من شأن الأخذ به أن يعزز وحدة المجتمع المسلم والدولة الإسلامية، فإن السيدة فاطمة الزهراء، عليها السلام، خير أسوة وقدوة لجميع المسلمات بل والمسلمين أيضاً:

(ففي سيرة وحياة الزهراء، عليها الصلاة والسلام، مواضع كثيرة للتعلم، إذا تعلّمها المسلمون، بل البشرية، سعدوا في الدنيا قبل الآخرة، وأسعدوا الآخرين)(6).

2 ـ إن الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي مؤسس على المقولات الإسلامية بصفتها المتحركة المتطورة. والإسلام يجمع القيم على مستوى واحد، ولا يفكّكها إلى أجزاء متناثرة أو متصارعة، فتكون كل قيمة من تلك القيم متكاملة مع القيم الأخرى. وليس من المعقول أن يجري التأكيد على ظاهرة الإخلاص مثلاً وفي نفس الوقت تباح الخيانة، كما أنه من غير المعقول أن تتم دعوة الناس إلى الصدق في المعاملات وتلغى قيم الأمانة والتعاطف والتراحم بين الناس. بل إن جميع تلك القيم الخيّرة يكمّل بعضها بعضاً، ولا يجوز الاكتفاء ببعضها دون البعض الآخر، أو الاستغناء عن بعضٍ منها بهذه الذريعة أو تلك.

وبهذا أكّد الإمام الشيرازي على ضرورة الجمع بين جميع قيم الخير والحقّ التي وضعها المشرّع، سبحانه وتعالى، منها قوله تعالى: (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزيٌ في الحياة الدنيا ويوم القيامة يُردّون إلى أشدّ العذاب)(7). وما المقصود بذلك إلا منظومة القيم التي يكمّل بعضها بعضاً.

ولقد حفلت كتابات الإمام الشيرازي بتلك القيم الخيّرة، كالنزاهة، والإخلاص، والتجرّد من الأنانيّة الضيّقة، والتضحية، والصبر، والاعتزاز بالكرامة، والتوحّد مع مجموع المسلمين، والتعاطف، والتراحم.. وغيرها، وصولاً لتحقيق الوحدة بين الناس ومنع استغلال بعضهم لبعض، وتصفية الصدور من الضغائن والأحقاد والغيبة والنميمة والحسد وغيرها..

3 ـ نجاح الإمام الشيرازي في جعل وسائله الفكرية وأهدافه العملية إنسانية الروح، عالمية الطموح، فالإمام الشيرازي ذكر مراراً وتكراراً حقوق الإنسان وسيادة العدالة وفق ما قررته الشريعة التي هي البؤرة المركزية التي تنطلق منها الأشعة المتعددة لبناء الدولة الإسلامية الواحدة، وتوحيد صفوف أبناء المجتمع المسلم.

فالبناء الاقتصادي، مثلاً، ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو من أجل منفعة الناس، ومن ثم ينبغي ألا يتوقف العمل التغييري عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليه أن يتعدى ذلك إلى تحقيق تقدم الإنسان وإيجاد المسلم القادر على الإسهام بجدارة ووعي في تشييد صرح المستقبل وإعلاء بنيانه على قواعد متينة راسخة.

4 ـ الإمام الشيرازي، يضع منهجاً مترابط الأجزاء خاصة في تلاقي الاقتصاد والاجتماع، ولذا فهو يمتاز بالواقعية، إذ ينطلق ضمن الإطار الحضاري للإسلام. وذلك أن الدولة الإسلامية ذات المجتمع المسلم دولة هي الدولة المتماسكة الأرجاء، وباعتبارها دولة إسلامية، فإنها تكتسب صفة تستوعب اللغة والتاريخ والقيم. فوصف دولة ما بأنها (إسلامية) يحمل في تضاعيفه أموراً كثيرة، فلا يصح أن يقال إن المراد بهذه الصفة، اللغة أو لون البشرة وما إلى ذلك.

بل الأحرى أن تكون الدلالة شاملة لكل ما يتضمنه ذلك من ارتباط بالتراث الحضاري الإسلامي وقيمه، والعمل المتواصل لاستعادة الأمجاد التاريخية على أساس من بناء الحاضر بصورة سليمة والتطلع إلى آفاق المستقبل، بما يحقّق حاجات المسلم وطموحه وآماله.

ولقد اختبر المسلمون، عموماً، هذه الدلالة نفسها، عبر التاريخ، بنجاح الإنسان المسلم في اجتياز طريق النهضة والتطور.

5 ـ أما الحرية والاستقلال والسيادة التامّة فأمور لا يعرف الإمام الشيرازي تنازلاً عنها. وذلك امتداد طبيعي للانتماء التاريخي للإسلام. فهو المصطلح السياسي المعاصر الذي يتداخل مع المصطلح العقائدي الذي يؤمن به المسلمون، وهو توصيف بلادهم بأنها (دولة إسلامية).

6 ـ الإيمان القاطع بلزوم تطبيق الشريعة، وإعمار البلاد الإسلامية، واعتبار كل مسلم مسؤولاً عن مشاركته التي يجب أن تكون فعّالة وخلاقة في إنجاح إرادة التغيير، سياسياً واجتماعياً، واقتصادياً.

7 ـ لا تمايز قومي بين الناس، بل لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. يقول سماحة الإمام الشيرازي:

(القومية في الحكم تقابل الإنسانية، بكل معنى الكلمة، لأن القومية ترى تقدم القوم، ولا تعتني بالكفاءة، بينما الإنسانية لا تتقدم إلا بالكفاءة، ولذا كانت القومية، حتى في الفرد، نوعاً من القوقعة والانغلاق، والانحطاط إلى الأسوأ، فإذا طبيبان أحدهما أفهم لكنه ليس من القوم، والآخر أقّل فهماً لكنه من القوم، قدم القومي الثاني على الأول، وهكذا في كل الأمور إلى أن يصل إلى الحكم، بينما المعيار عند غير القومي الكفاءة)(8).

8 ـ يؤمن الإمام الشيرازي بضرورة ما يمكن أن نسميه بالروح الاقتحامية، أي ان الفرد المسلم عليه أن يقتحم التكونات والمجتمعات الأخرى، وأن يواصل بث أفكاره وآرائه.

ففي كتابه (إلى أبنائنا في البلاد الأجنبية) يقول سماحته: (من اللازم على شبابنا الذين يذهبون إلى البلاد الأجنبية لأجل الدراسة أو العمل، أن يهتموا لإدخال غير المسلمين في الإسلام)(9).

وبعد أن يعدد الفوائد التي يجنيها أولئك الناس وكذلك البلاد الإسلامية من إدخال غير المسلمين في الدين الإسلامي، يستعرض أهم الأساليب التي تساعد على ذلك، فيقول: (وإدخال الناس في الإسلام يكون:

أ ـ بنشر الكتب الإسلامية بينهم.

ب ـ بإلقاء المحاضرات الإسلامية عليهم.

ج ـ بالمقابلات الفردية، وذكر حقائق الإسلام ومحاسنه وآثاره ونتائجه.

د ـ بدعوتهم إلى بلاد الإسلام، لمقابلة العلماء والمرشدين المسلمين، كي يتأثروا بالإسلام ومُثله.

هـ ـ وبالسلوك المستقيم من نفس الشاب الذي يريد إدخال غير المسلمين في الإسلام، ولذا ورد في الحديث الشريف: (كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم(10). وقد يستغرب الشابّ من هذا الكلام، فهل يمكن أن يسلم أحد على يد شابّ ذاهب للدراسة؟ فليعلم أن كثيراً من شباب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أدخلوا الناس في الإسلام، كما أن جملة من الناس دخلوا في الإسلام، على طول التاريخ، على يد التجار من المسلمين الذين ذهبوا إلى البلاد الأجنبية لأجل التجارة)(11).

9 ـ يؤمن الإمام الشيرازي أن طلب العلم فريضة لابد أن يؤديها المؤمنين بالإسلام، وهي فريضة لا تراجع عنها لأن الحضارات لا تقوم إلا بالعلم، يقول سماحته:

(يلزم على شبابنا الذين يذهبون إلى البلاد الأجنبية للدراسة، الاستمرار في الدراسة، إلى أن يحصلوا على أرفع درجة في العلم، فإن الحضارة لا تقوم إلا بالعلم، وكل أمة كانت أكثر علماً، وأرفع ثقافة، كانت أحرى بقيادة العالم. والمسلمون إذا قرنوا الإيمان بالعلم، تمكنوا من أن يتبوّؤا مكانتهم السابقة في التاريخ، حيث كانوا يقودون العالم وكانت تدين لهم البلاد والعباد. ومن هذا المنطلق اني أحرّض شبابنا على الاستمرار في الدراسة، سواء كانوا في بلاد الإسلام، أم في البلاد الأجنبية، لا لأن لا يبقى أمّيّ في المسلمين، بل لأن يحصلوا على أرقى درجات العلم، فإن ذلك واجب إسلامي، حيث إن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه(12) فلا يجوز للمسلمين أن يتخلفوا عن ركب العلم، بل لا يجوز لهم أن يبقوا في مستوى سائر الأمم في العلم، بل الواجب عليهم أن يسبقوا العالم في كل الشؤون العلمية والعملية. وبالإضافة إلى كونه واجباً إسلامياً، هو واجب حضاري، فإن الأمة التي تريد التفوق الحضاري، لابد لها من الأخذ بأرقى وسائل الحضارة من علم وعمل، ولا تقتنع بالوصول إلى مستوى سائر الأمم)(13).

10 ـ التركيز على الأخلاق السامية مهما كان الأذى الذي يمكن أن يلحق المتّصف بتلك الصفات. وهذا التركيز منبثق من المركز الشرعي وهو المنطلق الذي ينطلق منه الإمام الشيرازي لبناء منظومته الفكرية في السياسة والاجتماع والاقتصاد وغيرها من مجالات الحياة المتشعّبة.

ويمكن تلمّس هذا التركيز في جميع كتابات الإمام الشيرازي، وخاصة في كتابه (الفضيلة الإسلامية) حيث ذكر فيه مكارم الأخلاق وجعلها واجباً شرعياً لا يجوز التخلي عنه أبداً.

وقد استعرض في كتابه هذا أبرز القيم وأجلّها مثل الحلم وحسن الظن والعفو وكظم الغيظ والمداراة والتواضع وغيرها.

وفي ترسيخ سماحته للقيم الأخلاقية السامية، ينطلق من أساس معرفي عميق الجذور في الفكر الإسلامي، وهو تكون الإنسان من روح وبدن، فكما أن البدن بحاجة إلى إصلاح فكذلك الروح:

(الإنسان له روح وله بدن، والأول مصدر العلم والفضيلة، والرضا والغضب، والحزن والسرور، والجبن والشجاعة، والسخاء والبخل، وما إليها.

والثاني مصدر الإدراك والذوق، والسمع والبصر، والشباب والهرم، والصحة والسقم، وما إليها..

ولكل من هذين استقامة وانحراف، فانحراف الجسد المرض، واستقامته العافية، وانحراف الروح البخل والجبن، وما إليها، واستقامته الكرم والشجاعة، وما إليها.

وكما أن بدن الإنسان لا يقوم إلا بالوقود، من أكل وشرب وهواء وضوء.. كذلك روح الإنسان لا يقوم إلا بعلم وعدل ومروءة وفضيلة.. وكما أن المريض يحتاج إلى الطبيب الجسماني وإلا هلك، كذلك المريض النفسي يحتاج إلى الطبيب الروحاني وإلا هلك.

والأخلاق إنما وضعت لإصلاح الروح، كما أن الطب إنما وضع لإصلاح الجسم. فعلينا إذن، أن نزوّد أنفسنا بالوقود الخلقي، كما نزود أجسامنا بالوقود البدني. وعلينا أن نعالج روحنا المريضة، كما علينا أن نعالج جسمنا المريض)(14).

هذه العوامل العشرة منحت الفكر الاجتماعي للإمام الشيرازي صلابته العملية ونجاحه في تكوين نظرة اجتماعية عامة تتوحّد فيها جميع جزئيات الدولة ومفرداتها وصيغها وقيمها، ما بين الحاكمين والمحكومين. انطلاقاً من الحديث الشريف: (كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته).

وهذا هو الطريق الذي اختطّه الإمام الشيرازي انسجاماً مع قناعته وخبرته وما نتج عن إدراكه العميق لماضي المسلمين وحاضرهم وما يقدمه لهم الإسلام لبناء مستقبلهم، مع مكوناته التراثية والمعاصرة، وتلاؤماً مع مفاهيم الحضارة الإسلامية.

ومن هذا كله يمكن أن نعتبر الإمام الشيرازي واحداً من كبار المنظرين الاعتباريين لا الاختباريين، ذلك أنه ظهرت في تاريخ علم الأخلاق مناهج عديدة في دراسة الاجتماع والاقتصاد والسياسة، وهي تنقسم إلى منهجين رئيسيين:

أ ـ المنهج الاختباري.

ب ـ المنهج الاعتباري.

أما المنهج الاختباري فيرى أنّ ظواهر المجتمعات وقيمها وأخلاقياتها ذات طبيعة اختبارية تجريبية، وهي في حالة تغيّر مستمر، أي ان القيم تفقد ماهيّتها، ولا تصبح قيماً، فتتساوى عندها القيم مهما كانت نبيلة أو وضيعة(15). غير ان هذه النظرة لا قيمة لها فالمجتمع الإنساني، حدّد القيم النبيلة التي يجب اتباعها باعتبارها حقاً من حقوق الفرد عليه أن يمارسه ولا يمكن لأي قوة أن تجبره على غيره. كما أن ذلك المجتمع قد حدّد القيم المرذولة، وشنّع على كل من اتّصف بها. وإلى اليوم هناك اتفاق ضمني بين مختلف الأقوام والشعوب على الارتضاء بهذا التحديد.

أما النهج الآخر فيمثله العلماء الاعتباريون وهم الذين يرون أن الأخلاق ثابتة الأركان راسخة البنيان، وأنها ليست بحاجة إلى التجريب المتكرر، فقد أصبحت أساساً يقوم عليه معنى الإنسانية(16).

ويذهب هؤلاء العلماء الاعتباريون إلى أن الأخلاق لا تخضع للتجربة، ويعتبر ذلك مضيعة للوقت لأن البشرية قد جرّبتها وانتهت من تحديد الصالح منها والطالح. ومن أشهر الذين تبنوا هذا الاتجاه روي أندرسون (17) (R. Anderson) وليون برامسون (18) (L. Bramson) وجورج دالتون (19) (G. Dalton) وهم الذين جددوا المدرسة الأخلاقية في الاجتماع، وكذا في الاقتصاد، بحيث نادوا بضرورة جعل الاقتصاد ذا بعد اجتماعي أخلاقي. وقد تمت دراسة الأخلاق على يد هؤلاء الثلاثة بصورة أكثر رصانة من البحوث التي ظهرت قبل ذلك والتي كانت متأثرة بهذا القدر أو ذاك بدراسات الاختباريين. يكتب برامسون قائلاً: (ان العمل أو التصرف أو السلوك أو غيرها من الأشياء التي ندرجها عادة كقيمة أخلاقية، هي دائماً محددة وملموسة وملتقية مع سائر المفاهيم والقيم، لذلك فإن الأحكام والتوصيفات يجب أن تكون بالمثل محددة. وهذا التحديد يستدعي التطابق بين القيم حينا، ويستدعي التكامل حيناً آخر، ولكنه لا يمكن الفصل بين قيمة وأخرى إلا بمدى الضرر والنفع الذي يلحق مفهوم الإنسانية المتّسع للخير)(20).

أي أن مفهوم الأخلاق يناقض حصرها في ميدان الاختبار، واحتمال الصواب والخطأ، لأن الأخلاق ذات مفهوم شمولي نهائي، وهي، بلا ريب، أجزاء متلاقية ومنضمّة إلى بعضها البعض، متكاملة دائماً وباستمرار، ولا يجوز فصل بعضها عن بعض، كما سبق أن أشرنا إلى ذلك.

وقد رأى دالتون أن الاختبار ليست له قداسة توصله إلى حق إخضاع الأخلاق للاختبار. وأقام دالتون تحليله على أساس الخبرة الشمولية ورفض سيطرة المفاهيم الآيديولوجية التي تسربت من الماركسية، وانتقلت عدواها إلى عديد من البحوث الاجتماعية والسياسية، إلى أن أثبتت الوقائع فشل تلك المفاهيم وإغراقها في لغة معقدة غير علمية.

ويؤيد ديفيد ريكاردو (21) (D. Recardo) هذه الرؤية قائلاً: إن من يعتقد بإمكانية استطاعة القيم أن تتعلم شيئاً من طرق البحث العلمي فهو مخطئ تماماً وفكرته فكرة زائفة. فالقيم عنده يجب أن تبحث لذاتها ويجب أن تحافظ على استقلالها. وهناك علماء أوروبيون وأمريكيون كثيرون أخذوا يقتنعون بهذه الآراء، فأخذت مدرسة الاختباريين تتقلّص نظرياً وإن استمر ساسة غربيون كثيرون على اتباعها بتجريد الاقتصاد من القيم الاجتماعية واعتبار الأخلاق لا أهمية لها، وخاصة فيما يتعلّق بأطماعهم في البلدان الإسلامية.

والحقيقة ان نظرة الاعتباريين ليست جديدة فقد نادت بها الأديان جميعاً، كما نجده بكل وضوح في بحوث الفلاسفة أيضاً منذ عهد أفلاطون وأرسطو وإلى آثار الفارابي وابن رشد، مما يجعلنا نقرر أن منهج الإمام الشيرازي في الاقتصاد الاجتماعي إنما هو تجديد عصري علمي للفكر الإنساني نفسه، ولرؤية العلماء المسلمين الأقدمين أولاً وقبل أي شيء آخر.

فلقد أوضح الإمام الشيرازي هذه الرؤية، ودعا إلى الأخذ بها، لا في مجال فهم الأخلاق فحسب، بل في جميع جوانب العمل التغييري والتربوي. وقد جاء ذلك الإيضاح في عديد من الكتابات التي تحدد لنا الأسس التي بنى عليها الإمام الشيرازي رؤيته، وهي المتمثلة في العلم والقيم الإسلامية والحضارية. ومن البديهي أن هذه الأسس قد اعتمدها الإمام الشيرازي في صياغة المناهج التي تسير عليها الدولة الإسلامية، ومنها الفكر الذي ينبثق من الإسلام ويقود الدولة الإسلامية الموعودة.

1 ـ شروط الانتصار 27 وما بعدها .

2 ـ سورة النساء، الآية 104 .

3 ـ شروط الانتصار 7 ـ 10 .

4 ـ الشباب 137 .

5 ـ المحاضرات: ج 2 ص 83 .

6 ـ من فقه الزهراء (عليها السلام): ج 1 ص 41 .

7 ـ سورة البقرة، الآية: 84 ـ 85 .

8 ـ السياسة: ج 2 ص 78 .

9 ـ إلى أبنائنا في البلاد الأجنبية 43 .

10 ـ بحار الأنوار: ج 67 ص 303 .

11 ـ إلى أبنائنا 45 ـ 46 .

12 ـ صحيح البخاري، الجنائز 12 .

13 ـ إلى أبنائنا 61 ـ 63 .

14 ـ الفضيلة الإسلامية: ج 1 ص 9 .

15 ـ R. Lazarus, Personality, New York, 1972, p. 281 .

16 ـ نفس المصدر 311 .

17 ـ R. Anderson, Politics, Englewood, 1982, p. 110 .

18 ـ L. Bramson, The Political Context of Sociology, London 1973, p.66 .

19 ـ G. Dalton, Economic Development and Social Change, New York, 1971, p. 322 .

20 ـ L. Bramson, p.90 .

21 ـ Ricardo, David, Principles of Political Economy, New York, 1968, p. 204 .