الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

الأمانة الغالية

يؤمن الإمام الشيرازي إيماناً قاطعاً بأن حق الإنسان في الحياة حق طبيعي مقدّس منحه الله، سبحانه، له، ولا يمكن لأي قوة أن تسلبه ذلك الحق، ما دام المرء أميناً على رعايته.

ولما كان علم الاجتماع يدرس الحياة، ونظراً إلى أن الإمام الشيرازي يجمع الاجتماع والاقتصاد على مستوى واحد، ويشدّ عرى كل منهما بالآخر شداً محكماً، نراه يؤكد تلك العلاقة، حتى في شرحه لأدوار علم الاجتماع وعلاقته بالاقتصاد، فيحدد المراحل الثلاث لذلك العلم قائلاً:

العالم الاجتماعي:

أولاً: يلاحظ الاجتماع، ويدقق في سير الأمور المرتبطة به تدقيق ملاحظة، وإحصاء وكشف، لا تدقيق تجرية وعمل، إذ الاجتماع لا ينفعل وإنما يفعل بخلاف من يجرب دواء فإنه يجربه بالفعل، أي يزرعه، ويسقيه ماءً زائداً أو ناقصاً، ويقطعه ويعطيه لحيوان ليرى أثره فيه، إلى غير ذلك، فعلم الاجتماع داخل في سلسلة العلوم الانفعالية، أي ان العالم يلاحظ لا العلوم الفعلية فإن العالم الاجتماعي لا يفعل ولا يجرّب.

وثانياً: يدرك القوانين المطلقة، مثل قانون الحسن يحسّنه الاجتماع، والقبيح يقبّحه الاجتماع، وانه كلّما ارتفعت ثقافة الناس ارتفع اقتصادهم، أو كلما تحسنت أخلاق الاجتماع تقدمت سائر شؤونهم، أو المقيدة، أي بزمان أو مكان خاصين، مثل الولادة في الأرياف أكثر من الولادة في المدن، والثقافة في المدن أكثر من الثقافة في الأرياف، حيث إنه لا تلازم بين الأمرين، وإنما الحكم كذلك غالباً، في جملة من المدن والأرياف، لأسباب خاصّة سببت هذا الاختلاف.

وثالثاً: يضع عالم الاجتماع القوانين المكتشفة في مدونات خاصّة، مرتبة عمودياً وأفقياً، ويخرج علم الاجتماع إلى الظهور)(1).

حيث نرى بوضوح أن النقطة الأولى تعود بنا إلى ما ذكرناه في الفصل السابق من أن الإمام الشيرازي من المؤثرين في تشكيل مدرسة (الاعتباريين) في علم الاجتماع، وهي المدرسة التي تزحف حالياً على جميع مدارس علم الاجتماع، منهية بذلك المدارس الأخرى والتي على رأسها مدرسة الاختباريين.

وفي النقطة الثانية يعتبر أن من أبرز القواعد الاجتماعية (كلما ارتفعت ثقافة الناس ارتفع اقتصادهم) حيث ربط بين الأمرين، أحدهما (وهو الثقافة) ظاهرة اجتماعية، والأخرى (الاقتصاد) ظاهرة اقتصادية. بل ان سماحته يعتبر أن أول نقيصة تلحق المجتمعات هي نقيصة تتعلق بعلم الاقتصاد، وتلك هي سوء توزيع الثروة، أو حسب تعبيره هو: (تمركز رأس المال بيد النخبة الحاكمة في البلاد الشرقية، والرأسماليين في البلاد الغربية، إلى جانب فقر مدقع ومسكنة لا نظير لهما في التاريخ، شملا الملايين والملايين من الناس) (2).

وهذه هي أسس الحياة، الاجتماع والاقتصاد والسياسة، ولا اجتماع ولا اقتصاد ولا سياسة، بلا إنسان حي، وقد خلق الله سبحانه الخلق بمشيئته، وجعل الإنسان خليفته على الأرض، وخوّله كل الإمكانيات اللازمة للتطور والنمو. ولذلك فإن (الحياة) هي حق إلهيّ ومنحة ربانية، فليس لأي كائن مهما كان أن يسلب الحياة من أي إنسان، إلا في حالات إجرامية محددة إذا ارتكبها المرء سقط حقّه بممارسة الحياة، وهي حالات حددتها الشريعة الإسلامية الغراء.

إن نظرة الإمام الشيرازي إلى قضية الإنسان وحقه في الحياة، وكون الحياة قيمة مقدّسة، هي تجسيد لمفاهيم التاريخ الحضاري للإسلام، وصياغة معاصرة للأعراف المتنامية التي اكتملت عبر العصور تجاه مسألة الحياة، كما أنها بلورة علمية موضوعية لنظرة الإسلام للإنسان ودوره في هذه الحياة.

إن تقييماً موضوعياً لموقف الإمام الشيرازي من الإنسان من شأنه أن يدلّنا على أن الإمام الشيرازي ينطلق من نظرة الإسلام للإنسان، بلا زيادة ولا نقصان، فالقرآن الكريم يحدّد نظرته إلى الإنسان بموجب أن الإنسان قد خُلق ليعمر الأرض خليفة لله، سبحانه، فيها. وأن ذلك كان سبب الخلق، حسب قوله تعالى: (وإذ قال ربّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يُفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبّح بحمدك ونقدّس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون وعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين)(3).

فالعمل الصالح المتلاقي مع الإيمان هو الشرط الأساس لنظرية خلافة الإنسان في الأرض، وأن الإنسان لا يحقّق ذاته إلا بسبب من ذلك، وهذا ما توحي به آيات كثيرة في القرآن العزيز، كقوله، تعالى: (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين)(4). وقوله: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فيما آتاكم) (5). بل قد ورد النصّ الواضح بأن (الاستخلاف) مرهون بالعمل الصالح، وما العمل الصالح في المفهوم الإسلامي إلا ما فيه النفع العامّ والنزاهة والإخلاص. وحيث ارتبط العمل بالعدل، لأن الظلم إذا دام دمّر: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتّبع الهوى فيُضلّك عن سبيل الله)(6).

فالعدل أساس الملك، وأساس الاستخلاف، وأساس غاية الخلق التي هي (إعمار) الأرض. وقد عبّر القرآن عن ذلك بلفظة (استعمركم فيها) أي جعلكم تستعمرونها، من العمارة والعمران وهما ممّا لا يصل إليهما الإنسان إلا بتحقيق تقدمه المادي، العلمي والتقني، على أساس القيم، وذلك ما جاء مجملاً في قوله تعالى: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه)(7).

وهكذا أيضاً، يتم، مرة أخرى، ربط الاجتماع بالاقتصاد، فإعمار الأرض لها جانبان:

* جانب روحي،

* وجانب مادي.

وهما جانبان متكاملان، لا يمكن أن نقول إنهما عائدان لعلم الاجتماع فقط، ولا انهما من اختصاص علم الاقتصاد فقط، بل هما أمران متلازمان خاضعان لهذا العلم الجديد الذي وضع الإمام الشيرازي أعمدته وأسسه، وهو (الاقتصاد الاجتماعي).

وعلى هذه الأسس أصبح الناس خلفاء الأرض (أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض)(8).

ولقد عرض الإمام الشيرازي لهذه النقطة فمنحها بُعدها الإنساني بالتلاقي الفعّال بين الفرد والجماعة، بين الجهد الفردي والأهداف الاجتماعية، وبالمراعاة الكاملة للحقوق والواجبات ملخّصاً بذلك المنطلق الإسلامي لمنهج سماحته في أسسه وغاياته.

ففي بحثه عن الطبقية المنحرفة وتأثيرها السيئ في الحياة، ومناقضتها لغاية الخلق، يقول سماحته:

(الأمور الحيوية التي يحتاج إليها كل إنسان، يلزم على الدول والأفراد، على حد سواء توفيرها حتى لا تبقى حاجة ومحتاج، وقد ذمّ الإسلام الفقر، وأوصى بترفيع مستوى الفقراء حتى يصبحوا أغنياء، ونظم برامجه حيث لا يبقى فقر ولا فقير، كما فصّلنا في كتاب (الفقه الاقتصاد).

قال علي، عليه السلام: (الفقر يُخرس الفطن عن حجّته، والمقلّ غريب في بلدته)(9).

وقال عليه السلام: (الغنى في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة)(10).

وقال عليه السلام: (الفقر الموت الأكبر)(11).

وقال عليه السلام: (ينام الرجل على الثكل، ولا ينام على الحَرَب، أي سلب المال)(12).

وقال عليه السلام: (إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غني، والله، تعالى سائلهم عن ذلك)(13)... إلى غيرها من الروايات.

أما في بلاد الطبقات المنحرفة، والكلام مازال لسماحته) كروسيا وأمريكا، فالدولة ورأس المال يتعاونان لجعل الامتيازات لطبقة إلى حدّ الاتّخام وحرمان طبقة إلى حدّ الاحتياج.

وبصورة عامّة (يواصل سماحته) فالطبقية المنحرفة، تعطي إمكانيّات كثيرة لطبقة، مما تحرم طبقة أخرى عن مثلها، وهي:

أ ـ إمكان أن يحيى، فإن الفقير لا يتمكن كثيراً من الزواج، إما لأجل تكاليفه، أو لأجل إدامة المعيشة العائلية، مما يوجب حرمان الأولاد الممكن حياتهم لو تزوج، عن رؤية نور الحياة.. وإذا تزوّج منع من الولد إما بالإجهاض أو بالحيلولة دون تولّده خوفاً من الفقر، مثل ما كان في الجاهلية، قال سبحانه: (ولا تقتلوا أولادكم من إملاق)(14) وفي آية أخرى (خشية إملاق)(15). وقال، تعالى: (وإذا الموؤدة سئلت بأيّ ذنب قُتلت)(16). بينما ليس كذلك غير مثل هذه الطبقة، حيث إن المتمكن والمرفّه، أي الطبقة الوسطى والعليا، لا يشكون من مثل ذلك. أما قوله سبحانه: (نحن نرزقكم وإياهم)(17) وقوله: (إن يكونوا فقراء يُغنهم الله)(18) فذلك بصدد الرزق في المنهاج المستقيم، فإنه لو كان المنهاج مستقيماً لا يبقى فقير. أما إذا نهبت الدولة والرأسماليون الثروة، فالفقير لا يعاني من عدم أرزاق الله تعالى، بل من نهب الظالمين حقه، ولذا تقدّم في كلام علي، عليه السلام: (فما جاع فقير إلا بما مُتّع به غنيّ)(19).

ب ـ إمكان إدامة الحياة، فإن الطبقة الفقيرة:

1 ـ يموت أولادهم أكثر من غيرهم، لعدم تمكنم من الغذاء والدواء للأولاد، وقد دلّت التجارب أن في بعض البلاد يبقى من أولاد الفقراء ما يقارب النصف فقط، بينما أولاد غيرهم أكثر من تسعين في المائة.

2 ـ يموت الفقير لعدم توفّر وسائل الغذاء والدواء والراحة، بنسبة كبيرة بينما ليس كذلك موت غيره، والإحصاءات في آسيا وأفريقيا بالنسبة إليها في البلاد الأوروبية واليابان وأمريكا، دلت على ذلك.

3 ـ الفقراء تلتهمهم الحروب أكثر من الأغنياء بنسبة كبيرة، لأن الفقراء غالباً لا يثقفون، ولا نفوذ لهم حتى يمنع نفوذهم عن الذهاب إلى الحرب، ولا مال لهم لإعطاء البدل، مستقيماً فيما كان للجندية بدل، أو ملتوياً بالتخلص بالرشوة ونحوها.

4 ـ الموت الناشئ من جهة الإجرام، فإن المجرم الفقير ينطبق عليه القانون فيقتل أو يسجن مما يوجب مرضه وموته، أو يعذّب مما يوجب موته، أما غير الفقير فيخلّص نفسه من الموت المذكور، بسبب ماله ونفوذه.

ج ـ إمكان الأخلاق الفاضلة، فإن سوء الأخلاق ناشئ من المرض والفقر، في كثير من الأحيان، والمرض ناشئ من الفقر أيضاً، والغني وإن كان يُبتلى بالكبر ونحوه، إلا أن توتّر الأعصاب، وضيق الصدر، ونحوهما يعطي الأخلاق السيئة غالباً، ولذا نرى النزاعات وسوء الأخلاق في العوائل الفقيرة وانتهاء الأمر إلى الطلاق أكثر من غيرهم، والأمر بحاجة إلى إحصاءات دقيقة حتى تظهر النسبة الواقعية بين الفقراء وغيرهم من الطبقتين المرفهة والمتوسطة.

د ـ إمكان حفظ الصحة، فإن الفقير حيث لا يقدر على الدواء من ناحية ولا من حفظ صحته من جهة عدم الوسائل من ناحية أخرى.

هـ ـ إمكان السلام، حيث إن الأغنياء يحفظون أنفسهم عن الحرب ببذل المال، أما الفقراء فحيث لا مال لهم، فلابد أن يلتجئوا إلى الحرب لحلّ مشكلاتهم، فإن الحل للمشلكة إما أن يكون من الطرق الدبلوماسية، وإما من طرق الحرب، وحيث يفقد الأول، لابد من الالتجاء إلى الثاني.. هذا بالإضافة إلى أن المستكبرين دائماً يحاربون المستضعفين لأجل السيطرة عليهم لاتخاذهم خولاً، وما بقي من ثرواتهم، بالقوة، دولاً. وحرب المستكبرين للمستضعفين إنما هو بواسطة مستضعفين آخرين، مما ينتج أن إمكانات السلام في الفقراء أقل من إمكانات السلام في غيرهم.

و ـ إمكان تحصيل العلم، وذلك لأن تحصيل العلم بحاجة إلى المال من جهة:

1 ـ وسائل العلم من الكتب وأجرة المدرسة ونحوها.

2 ـ إمكان النفقة على النفس ليتفرّغ الإنسان، إذ لو لم تكن له نفقة، اضطرّ إلى الكسب، وكلا الأمرين موفّران للغني دون الفقير.

ومنه يُعلم أن الدول مهما وفّرت المجانية للمدارس لم ينفع ذلك في تساوي مجال الفقير والغني لطلب العلم، فإنه بعد التوفير يبقى:

1 ـ أمر النفقة.

2 ـ بالإضافة إلى إمكان الغني من التحقيق الأكثر بسبب ما يملك، بينما يُحرم الفقير، ولذا نجد في كل المجتمعات أن الطبقة المثقفة أغلبهم من الأغنياء، بينما أقلهم من الفقراء، وكلما كانت الثقافة أرفع، كانت نسبة الأغنياء فيها أكثر.

ز ـ إمكان العمران، فإن العمران يستند إلى الأغنياء دون الفقراء، فإن الفقير مهما تعب لا يتمكّن إلا بناء دار لنفسه، أما الأغنياء فهم وحدهم القادرون على تكثير العمران، سواء بالبناء للدور، وإيجاد البساتين أو غير ذلك.

ح ـ إمكان العيش النظيف، فإن الفقر والحرمان والضغط الاجتماعي الوارد على الفقير، يوجب انحرافه وسقوطه في الرذيلة ولذا يكون أكثرية السجناء ونزلاء دور البغاء والمعطين للشذوذ الجنسي، وما أشبه، من الفقراء...

ط ـ وإمكان تحصيل القدرة والوصول إلى المناصب الرفيعة في المجتمع يتوفّر للأغنياء ومن إليهم من الطبقة المتوسطة أكثر مما يتوفّر للفقراء، وذلك لأن المال يعطي للإنسان إمكانات لا يجدها غير ذي المال، وتبعاً لهذا الإمكان يصل الأغنياء إلى مناصب شامخة أكثر من وصول غيرهم)(20).

ولا يخطئ الملاحظ في معرفة أن هذه الأمور المذكورة، هنا، لا تنفصل عن الاجتماع إلى الاقتصاد، ولا تنفصل من الاقتصاد إلى الاجتماع، بل هي خاضعة لامتزاج العلمين، في علم جديد هو (الاقتصاد الاجتماعي).

فهو يتحدث عن التأثيرات التي تتركها الطبقية المنحرفة على الناس، ويقف سماحة الإمام الشيرازي بكل قوة إلى جانب المستضعفين من الفقراء ويطالب بحقوقهم عبر حديثه عن الأخطار التي يحملها الفقر، على الفقير نفسه أولاً، ثم على الاجتماع برمّته، ثانياً.

ونلاحظ أن هذه المعاني متبلورة بشكل واضح جداً لدى الإمام الشيرازي، فكل بحوث ومحاضرات ودراسات سماحته، وكل دلالاتها، منبثقة بأصالة ووضوح من قدسية الحياة التي منحها الله للإنسان، على أن يترافق ذلك مع تحقيق رسالة الخلق وهي العدالة الشاملة، بما فيها إلغاء الطبقية المنحرفة.

فقد أرسى الإمام الشيرازي أركان الاقتصاد الاجتماعي على ذات النظرة الإسلامية للإنسان. ومن ثم ينبغي ألا يتوقّف التغيير عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليه أن يتعدى ذلك إلى تحقيق تقدّم الإنسان وإيجاد الفرد القادر على الإسهام بجدارة ووعي في تشييد صرح الإسلام من جديد وإعلاء بنيانه على قواعد متينة راسخة.

وتتجلى نظرة الفكر الاجتماعي الشيرازي، هذه، في التشريعات العديدة التي وردت في مؤلفات سماحته حول الحرية وحقوق الإنسان. كالعناية بالمرأة، كونها أمّاً وربّة بيت، ثم العناية بالطفولة وتوفير سبل التوجيه والتعليم والإرشاد. حتى أن الإمام الشيرازي ينصّ على أنه يجب أن يُربّى الأطفال منذ الصغر على إدراك أن من واجبهم خدمة دينهم طاعة لأوامر الله، سبحانه وتعالى، وتحقيقاً لسعادة الدارين.

ولما كانت الحياة الإنسانية تبدأ بالطفولة ثم الصبى فالشباب وهكذا إلى مرحلة الشيخوخة والهرم، فإن الإمام الشيرازي، قد أعطى لكل مرحلة من مراحل العمر حقّها من العناية والتشريع، وفقاً لنظرته الشمولية لقضايا المجتمع.

* فمرحلة الطفولة، لدى الإمام الشيرازي، ليست مرحلة الجهل والتسيّب، بل هي مرحلة التربية والتوجيه، مصداقاً لموقف الإسلام من تلك الفترة واعتبارها أساس تكوّن الفرد الناضج الذي سيشيّد عليه مستقبل أيامه.

يقول سماحته: (الغاية من الزواج هو حفظ النوع البشري، فاللازم أن يهتمّ الأبوان بتربية الأولاد من حين الانعقاد (أي حين تكوّن الجنين في رحم أمه) بل قبله، ففي الرواية: (اختاروا لنطفكم فإن العرق دسّاس) من غير فرق بين اختيار الرجل أمّاً حسنة، أو اختيار المرأة أباً صالحاً للأولاد، فإن الولد، مهما كان، يأخذ منهما.

ثم يأتي دور وضع النطفة في الرحم، مما قرّرت كيفيته في الإسلام، ودور الحمل ودور الرضاع، حتى يستحبّ فيه مراعاة إرضاعهم من امرأة جميلة، فإن الجمال يسري.

وبعد ذلك يأتي دور التربية والتعليم، وتعهدهم عند الدراسة من الروضة حتى الجامعة، وكذلك رعاية اختيار أسمائهم، فإن الاسم يوحي، كما ثبت في علم النفس، ولذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يغيّر الأسماء السيئة إلى الحسنة)(21).

* وفيما يتعلّق بالشباب، فالإمام الشيرازي سبّاق إلى التأكيد على أهمية الأخذ بنهج رعاية الشباب وتوظيف طاقاته لما فيه الخير والنّفع العام. وقد نصّ سماحته على أهمية هذه المرحلة في عديد من النصوص والمواقف الدالة على أن الشباب الصالح هو ثروة إسلامية لا تقدر بثمن. ولذلك كتب الإمام الشيرازي كتاباً خاصاً للشباب، تحت عنوان (الشباب) عالج فيه مشكلة الشباب في هذا العصر، قائلاً في مقدمته:

(مأساة الشباب في هذا القرن من أكبر المآسي، حيث لم يعرفها التاريخ المكتوب فيما سبق، وذلك لأنّ الشباب قديماً لم يكونوا طبقة مستقلة لا تستشير الكبار ولا تأخذ بنصحهم، وإنما هم تبع لآبائهم الناضجين، فكانوا يوردونهم الحياة تدريجياً بنضج لا بأس به، حتى يسدّوا مسدّ الآباء، فلم تكن مشاكلهم إلا بمقدار المشاكل الطبيعية للإنسان، حيث قال أمير المؤمنين الإمام علي، عليه السلام: (دار بالبلاء محفوفة).

لأن الإنسان، في هذه الدنيا، مهما كانت شرائطه، فعادة ما يكون مبتلى ببعض المشاكل كالفقر والمرض والعدوّ والقلق وما أشبه ذلك. وهذه المشاكل بمقدارها الطبيعي كانت من قبل وستكون، وكما هي للآباء في دورهم، كذلك للأبناء.

ولكنّ الكلام في مشاكل اليوم التي تجاوزت حدّها الطبيعي بكثير. فالمناهج العالمية في هذا القرن أوجدت فاصلاً حديدياً بين طبقة الآباء وطبقة الأبناء، وذلك بسبب الجوّ الذي هيأوه للأبناء من المدارس والنوادي والجرائد والمجلات والإذاعة والتلفاز والفيديو والسينما ومختلف المنظمات والتجمّعات غير الصحيحة. كما اتّهمت الآباء بالخرافة والرجعيّة وعدم الفهم، وما أشبه مما سبّب عزوف الأبناء عن الآباء، وهذا أول الوهن.

بالإضافة إلى تبعيد الشباب بمختلف الوسائل عن الله واليوم الآخر، فلا رقابة ذاتية ولا أبوية ولا غيرها من الأسباب، وبذلك أصبحوا في واقع الحياة قبل أن تعركهم التجارب، فأصبح الكثير من القرارات التي اتّخذوها لأنفسهم خاطئة.

هذا وقد استغلّ جماعة من الصيادين ومن طلاب المال والشهوات قدرة الشباب وأخذوا بأزمّتهم فأوردوهم موارد الاستعمار ومناهل الفساد والانحلال، وتبعاً لذلك جاءت المشاكل التي منها العنوسة والعزوبة، فملأوا بهم المباغي والملاهي والمراقص والنوادي الفاسدة، وبذلك امتلأت بهم السجون ونصبت لهم المشانق.

كما أن كثير من الشباب الواعين وقعوا تحت مختلف أنواع التعذيب في الدول الدكتاتورية، وما أكثرها في العالم، وملئت بهم القبور.

بالإضافة إلى المشاكل الأخرى التي غطّت حياة الشباب، من البطالة والفقر والمرض والتسيّب والقلق وغير ذلك، مما لم يفرق في ذلك شرقاً عن غرب، وغرباً عن شرق، ومسلماً من غير مسلم، وبنين عن بنات، فالكلّ فيه سواء.

نعم، وقع العبء الأكبر على النساء، حيث حرمن، على الأكثر، من دفء العائلة، وصرن سلعة رخيصة بيد طلاب الهوى والشهوات أو وسيلة من أرخص الوسائل لترويج البضائع وجلب الزبائن في واجهة الإعلانات أو ما أشبه.

وحيث إن المرأة أكثر عاطفة ورقّة من الرجل، كانت آلامها أكثر وأكبر لسرعة تأثرها. وأمامي الآن عشرات التقارير حول مأساة المرأة بصورة خاصة، وقد نقلت إحدى المجلات ما هذا لفظه: ولعلّ من أكثر الأمور مأساويّة في ميدان الطب التعامل مع المراهقات الحوامل غير المتزوجات، ولقد رأيت عدداً منهن غير قليل عندما كنت أتابع اختصاصي الطبي في الولايات المتحدة، وكنّ في معظمهنّ جاهلات ساذجات في أسرة مفكّكة حطّمتها الخمور والمخدرات، وكانت الواحدة من أولئك المراهقات عندما تبحث عن الحنان والحب خارج نطاق الأسرة تغدو فريسة سهلة. وبسبب جهلها وقلة خبرتها تصبح حاملاً، حينها تحلّ المصيبة فتجد الفتاة أمامها أكثر من خيار فهي إما أن تلجأ إلى إجهاض الجنين أو أن يستمرّ الحمل وفي هذه الحالة ثمة جمعيات تقدّم للحامل الرعاية الكاملة مجاناً طوال مدة الحمل حتى الولادة، ثم بعد ذلك تأخذ الوليد كي تعطيه لأسرة تتبناه وتتقاضى على ذلك آلاف الدولارات من الأسرة المتبنّية، تصرف جزءاً منه على رعاية الحوامل الأخريات. وكانت إحدى هذه الجمعيّات متعاقدة مع المستشفى الذي كنت أتدرّب فيه، فكانت أولئك الحوامل يراجعننا دورياً لفحصهن والتأكد من سلامة الحمل وعندما يحين المخاض كانت المأساة تبرز أكثر ما تبرز، فبينما ترى الحوامل المتزوجات يأتين إلى المستشفى للولادة وهنّ مليئات بالأمل والسعادة، فإن هؤلاء المراهقات يأتين وهنّ غاية في الكآبة واليأس والبؤس وكثير منهنّ يطلبن، وهنّ يجهشن بالبكاء، عدم رؤية طفلهنّ بل عدم إعلامهنّ هل أنجبن ذكراً أم أنثى! لأن ذلك يجعل فراقه أقل صعوبة عليهن. وقليلاً من كنّ يطلبن أن يضممن الوليد إلى صدرهنّ فيقبّلنه وعيونهنّ مغرورقة بدموع الحزن وهنّ يودّعنه عالمات بأنّ الطفل سيغادرهنّ إلى الأبد، وفي حين كانت بعض الحوامل المتزوجات يطلبن أن يرين مراحل الولادة بواسطة مرآة معلّقة في السقف فإن هؤلاء المراهقات كنّ يطلبن بإصرار تغيير وجه المرآة حتى لا يرين شيئاً.

وحتى تكتمل المأساة فصولاً يوضع الطفل برسم التبنّي وفق شروط من أهمّها أن يكون الوالدان بالتبني من المذهب الديني لأم الطفل الحقيقية، ولا أقصد بالمذهب الديني الديانات الرسمية، بل أعني المذاهب المتفرعة عنها مهما كانت صغيرة. وفي بعض المدن الأمريكية قد يكون أتباع بعض هذه المذاهب يعدّون بالعشرات أو بالمئات، وعندما سألت مرة إحدى الباحثات الاجتماعيات في بعض جمعيات التبنّي: لنفرض أن طفلاً ما من مذهب ديني صغير تبناه والدان من المذهب نفسه فأخذ لقبهما ونُسب إليهما، أفلا يُحتمل أن يلتقي بأخت له طبيعية من أمه أو أبيه الحقيقيين فيتزوج منها، خاصّة أنهم يعيشون في مجتمع ضيّق؟ ومعروف أنه حتى في أمريكا نفسها نجد كثيراً من الزيجات تتم ضمن المذاهب الدينية أو الأصول العرقية الضيقة. فذو الأصل الإيرلندي مثلاً يبحث عن فتاة ذات أصل ايرلندي، وكذلك ذو الأصل الإيطالي يبحث عن فتاة ذات أصل إيطالي وهكذا. ونعلم علم اليقين أن كثيراً من المغتربين العرب لا يتزوّجون إلا من عربيات مغتربات أو انهم يعودون إلى وطنهم الأم كي يتزوجوا غالباً ما يختارون زوجة من قريتهم الصغيرة أو من محيطهم الضيّق، فتوجهت بالسؤال الآنف الذكر للباحثة الاجتماعية فأعياها الجواب، وقالت: سوف أبحث في هذا الأمر، ثم أخبرك. وحتى الآن مازلت أنتظر!

لكنه لا داعي لأن أنتظر طويلاً فلقد أخذت جوابي بعد مدة من حادثة قرأتها في مجلة نيوزويك الأمريكية عن شابّ متبنّى علم أن له أختاً متبنّاة فأخذ يبحث عنها ويراجع سجلات الولادات وقيود جمعيات التبني وما أشبه حتى عثر عليها فتعارفا وبما أنه قانوناً ليس أخاً لها وبما أنها قانوناً ليست أختاً له إذ ينتسب كل منهما إلى والديهما بالتبنّي، وقد طلبها للزواج ووافقت فسمع بذلك الوالدون الستة الأب والأم الحقيقيان والآباء والأمهات بالتبني فجنّ جنونهم وردّ عليهم الشابّ والفتاة أنهما قانوناً ليسا أخوين، وعندما قيل لهما أنّ هذه العلاقة قد تؤدي إلى أولاد مشوّهين أجابا بأنهما لا يريدان الانجاب إطلاقاً. وكان أن لجأ الوالدون الستة إلى المحاكم لمنع حصول هذا الزواج الفاضح.

كان ذلك جواباً عملياً عن سؤال وجهته آنفاً إلى باحثة اجتماعية، فلم تعرف جوابه. وأعود إلى المراهقات الحوامل، فقد حدث أن جاءت إحداهن إلى المستشفى وهي في حالة المخاض وكانت ولادتها عسيرة فوضعت تحت مراقبة مستمرة، وأثناء هذه المراقبة خطر لي أن أسألها بما أنك لم تكوني راغبة في الحمل أصلاً، فلماذا لم تأخذي حبوباً مانعة للحمل فتتجنبي كل هذه المشاكل؟! نظرت إلى المراهقة وكأني نطقت كفراً، ثم ردت علي قائلة لكن مذهبي الديني يحرّم تناول حبوب منع الحمل، هكذا انتهى.

ويعقب سماحة الإمام على هذه المآسي، قائلاً:كان هذا التقرير والكلام في موضوع صغير من مشاكل الشباب التي انتشرت في العالم بسبب ما ذكرناه في هذه المقدمة من مأساة الأبناء بنين وبنات. والحديث يدور حول عدد من النقاط الهامّة)(22). ثم إن سماحة الإمام الشيرازي يعالج في ذلك الكتاب القضايا التي يعاني منها الشباب، ويرسم لهم منهجاً للإنقاذ، انسجاماً مع رؤيته التغييرية لهذا العالم المتخبط بالمشاكل، والذي لا سبيل إلى إنقاذه منها إلا بالإسلام، وبتكوين المجتمع المسلم.

وهكذا في كل مرحلة من مراحل عُمُر المرء، يجد الفرد المسلم أمامه طريقاً واضحاً يضمن له تحقيق التزاماته، ويوفر له سبل تأكيد ذاته ومعناه الإنساني العميق. وقد وضع الإمام الشيرازي آليّةَ الوصول إلى ذلك، بإعطاء عناية أكبر لتوعية الإنسان بطبيعة كل مرحلة من مراحل النمو ومتطلباتها الضرورية وتوعيته، كذلك، بكل ما له من حقوق وعليه من واجبات، تجاه ربّه ومجتمعه فإن هذه التوعية يجب أن تكون من مهمات كل فرد من الأفراد لأنها مسؤولية شرعية لابد من أدائها، حفظاً للحياة الإنسانية نفسها، تلك الحياة التي وضعها الله أمانة في عنق كل إنسان.

ذلك لأن هدف الفكر الاجتماعي الشيرازي أن يبني مجتمع الإسلام وأن يوفّر لجميع أهله الحياة المرفّهة والعيش الكريم.

ويرى الإمام الشيرازي أن هذه الغاية لا يمكن تحقيقها إلا عن طريق مشاركة أبناء الشعب في تحمل أعباء مسؤولية التغيير ومهمة البناء من أجل تطوير الحياة والحفاظ على قدسيتها، وفتح الأبواب في سبيل الوصول إلى هذه الغاية. لذلك يجيب سماحته على سؤال يقول:

ـ هل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتبليغ والإرشاد خاصّ بعلماء الدين أو يعمّ جميع الفئات في المجتمع الإسلامي؟

فيجيب سماحته: يعمّ جميع المسلمين بشروطه(23) أي أن عملية التوعية واجبة على جميع أبناء المجتمع.

ومن هذا النص، وأمثاله كثير، نتبيّن أن الحياة الإنسانية في مفهوم الإمام الشيرازي، ليست كمية مهملة، أو عفوية، بل هي العمل والتواصل بين جميع البشر، وذلك هو ما نفهمه من تركيز سماحته على الحرية وحقوق الإنسان.

والإمام الشيرازي يعتبر الحلول التي يقدّمها الإسلام يجب أن تدعهما مشاركة الجميع في بذل الجهد الواجب تحقيقاً للهدف الذي يسعى إليه الناس جميعاً، حيث إن ذلك مرتبط بجملة مسائل متصلة فيما بينها كالوضعية العامة للاقتصاد المحلي والعالمي. لذا فإن الفكر الاجتماعي الشيرازي يتّخذ من تلك الحلول وسيلة لتطوير الإنسان ذاته، وإيصاله تدريجياً إلى درجة الكفاءة والوعي التي تفرض عليه أن ينظر إلى واجبه في تحقيق آماله وآمال أمته. كما أن ذلك الفكر يأخذ بيد المجتمع إلى تطور اجتماعي عام، حيث يفتح عينيه على ما ينبغي أن يواجه به مشاكله، وبخاصة أن ذلك المجتمع يعيش حالياً مفكّكاً ومتخلفاً ومليئاً بالمآسي، فالانتقال من أي مرحلة متخلفة إلى مرحلة متقدّمة نسبياً، وفي أي مكان من العالم يتطلب توجيهاً إسلامياً شاملاً.

وبالإضافة إلى ذلك، أوضح الإمام الشيرازي أن الهدف هو تكوين إنسان جديد، متخلص من ظواهر التخلف، ومنطلق في رحاب جديدة من البذل والعطاء وتشييد المجتمع المسلم المنشود.

إن كل ما سيتم في المستقبل، سواء على صعيد إنشاء الجهاز الإداري للدولة الإسلامية أو تكوين المؤسسات أو تراكم الإنجازات في كل ميادين الحياة، يثبت بلا أدنى شك، أن فكر الاقتصاد الاجتماعي الشيرازي لا يمكن أن يتخلى عن نظرته الإنسانية واعتباره أن الحياة قيمة مقدّسة لا يجوز التفريط بها أبداً، بل، على العكس من ذلك، يجب أن تتوفر فيها أقصى ما يمكن الوصول إليه من سعادة ورفاه وتقدّم، استجابة لإرادة الله، سبحانه، وإحلال كل فرد في موضعه الملائم من مسيرة التغيير؛ ليندمج بخطط التغيير مُستخلفاً فيما عُهد إليه من مهمات تصبّ في المحصّلة النهائية في تعميق دوره في المجتمع وترسيخ مفهوم الاستخلاف ذاته، لما فيه النفع الاجتماعي العام ومنفعته الفردية التي لا تتناقض مع ذلك النفع العام.

وقد صرّح الإمام الشيرازي، بهذا البعد في كل مناسبة تقريباً، وتجلى ذلك البعد الاجتماعي فيما جاء في البحوث الشيرازية وخاصّة ما ورد في كتاب (المرض والعلاج) حيث شخّص فيه سبب انهيار المسلمين بأنه اتباع القانون الغربي بكل تشعباته، وحدّد سبيل النهوض بتنقية المجتمع المسلم وبنائه على أساس الأخلاق الإسلامية والتخلّص أولاً وقبل كل شيء من القانون الغربي وتأثيراته:

(ما هو مرض البلاد الإسلامية؟

والجواب: انه القانون ذو الأصول الممتدة من بلاد الكفار والفروع الداخلة في جميع شعب الحياة.

ما هو الهدف الذي ينبغي أن يسعى إليه المسلم العامل؟

والجواب: ان الهدف هو إزالة القانون وقطع أصوله، وفروعه حتى يرجع إلى البلاد الإسلامية حكم الإسلام كما أنزله الله تعالى.

ما هو العلاج؟

والجواب: العلاج هو أن يعمل المسلم الواعي لنشر الإسلام في مختلف المجالات، وأهمها المجالات الفكرية، حتى يلتفّ الأنصار حول قضية الإسلام... فيقوم الإسلام من جديد... ليسود البلاد)(24).

وإذا كان الإنسان هو خليفة الله في أرضه فإن الإمام الشيرازي، يرى أن هؤلاء الذين يمارسون القتل والعدوان، فلا يحق لهم أن يكونوا مُستخلفين في الأرض، بل هم يناقضون إرادة الله حين يعملون على تحويل الإنسان إلى آلة معدّة للقتل والإرهاب.

وكذلك الذين قد فقدوا الإخلاص، فخسروا واحداً من أبرز الشروط التي يجب أن تتوفر فيمن يصلح لأن يكون منسجماً مع إرادة الله. فلا يمكن للظالم أن يتّسم بتلك الصفة إطلاقاً.

فالأساس المكين للفكر الشيرازي، بجوانبه المتعددة، والمتجسّد في أن الحياة قيمة مقدّسة، يعتبر من أبرز الدوافع التي تؤدي إلى مقاومة تلك الممارسات.

ويعود الإمام الشيرازي إلى هذه المسألة بإلحاح لأنها تتعلق بالحياة نفسها، وطرق ممارستها وصيانتها والعمل على تحقيق أحلامها وطموحاتها المشروعة، وذلك ما عمل من أجله المصلحون عبر التاريخ وإلى يومنا هذا. وعلى هذه الأسس الموضوعية العلمية المستنبطة من واقع العقيدة الإسلامية وما يجري في العالم اليوم، يشخّص الإمام الشيرازي الموجبات الاجتماعية التي تفرض على كل فرد في المجتمع مقاومة الظلم والظالمين سواء كانوا في داخل البلاد الإسلامية أو من خارجها.

ومن جهة أخرى، وبناء على نظرة الإمام الشيرازي للعلاقة بين الحقوق والواجبات، فإنه اعتبر أن الحياة يجب أن تنمو وتتطور وتواصل مسيرتها، بأداء الحقوق وتقديم الواجبات، استجابة لهدف الخلق المتمثل في إرادة الله، سبحانه وتعالى، واتباع أوامره والانتهاء عن نواهيه. ولذا فإن على الناس كافّة المشاركة الفعالة في التغيير لتحقيق مستقبلهم ومستقبل أجيالهم؛ ذلك النهج المتّسق في تفاصيله وجزئياته وأهدافه مع المتبنيات الفكرية للمجتمع الإسلامي ومع الموروث الثقافي للمسلمين.

وارتكازاً على هذه القناعة الراسخة بقدسية الحياة يريد الإمام الشيرازي أن يوثّق الروابط الاجتماعية بين جميع أبناء الإسلام مهما اختلفت مواقعهم وقومياتهم وتعددت رؤاهم فيما فيه خير الاجتماع كله، دنيا وآخرة.

1 ـ الاجتماع 1 / 59 ـ 60 .

2 ـ نفس المصدر: ج 1 ص 58 .

3 ـ سورة البقرة، الآية 30 ـ 34 .

4 ـ سورة الأنعام، الآية: 133 .

5 ـ سورة الأنعام، الآية: 165 .

6 ـ سورة ص، الآية: 26 .

7 ـ سورة هود، الآية: 61 .

8 ـ سورة النمل، الآية: 62 .

9 ـ نهج البلاغة / صالح 469 .

10 ـ نهج البلاغة / صالح 478 .

11 ـ تحف العقول: 153 .

12 ـ نهج البلاغة 529 .

13 ـ نفس المصدر 532 .

14 ـ سورة الأنعام، الآية: 151 .

15 ـ سورة الإسراء، الآية: 31 .

16 ـ سورة التكوير، الآية: 9 .

17 ـ سورة الأنعام، الآية: 151 .

18 ـ سورة النور، الآية: 32 .

19 ـ نهج البلاغة 532 .

20 ـ الاجتماع: ج 1 ص 189 ـ 195 .

21 ـ العائلة 71 وما بعدها .

22 ـ الشباب: 9 ـ 17 .

23 ـ نفس المصدر: 101 .

24 ـ المرض والعلاج: 11 ـ 12 .