الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

وحناناً من لدنّا

على العكس من جميع الادعاءات والمزاعم والأباطيل التي يروجها بعض من لا يخافون يوم الحساب، من أن سماحة الإمام الشيرازي يؤيد الحروب والقتل والتدمير والإرهاب.. فإن كتب سماحته ومواقفه السياسية والاجتماعية، تعطينا انطباعاً مختلفاً تمام الاختلاف عما يدعيه أولئك. ولا نجد في جميع كتب سماحة الإمام إلا ما يؤكد انطلاقه من موقف الإسلام من قضية الحرب والسلام وضرورة سيادة السلام والاطمئنان. حيث نرى سماحته يدعو إلى السلام في كتبه كلها، بلا استثناء، تصريحاً وتلميحاً، من أجل خلق المجتمع الإسلامي الآمن المطمئن. ولا يمكن وجود مجتمع متطور آمن ما لم يكن مجتمعاً منظّماً.

ومن المعلوم أن مجتمعات العالم تنقسم ما بين مجتمعات آمنة نسبياً، وما بين مجتمعات ساقطة في أوحال العنف والحرب والعدوان، ونلاحظ هذه الظاهرة الأخيرة خاصة في الدول التي تخدع الناس تحت شعار الحزب الواحد، أو صراع الطبقات، أو بأخذ تجارب مجتمعات أخرى ذات ظروف مغايرة، أو هي نقيضة أحياناً لمجريات الأمور في المجتمع الذي يراد إخضاعه لها. وقد أدّت هذه الأنظمة الديكتاتورية جميعاً إلى فشل عام. لذا فإن السلام والأمن الحقيقي يجب أن يكونا غير مستوردين من مجتمعات أخرى بل ينطلقان من الروح الإنسانية التي تتجلّى في الإسلام، وهو ما دعت إليه الأديان الأخرى في صورتها الحقيقية، ولها صلة وثقى بالقيم والمكونات النفسية لكل أبناء البشر.

في كتابه (الاجتماع) يعقد سماحة الإمام فصلاً طويلاً معمقاً عن (الحرب) يبحث فيه أسباب الحرب وكيفية معالجتها، وهو ما نستفيده في هذا العرض لأهم ما جاء في الفصل المذكور، الذي يعتبر الحرب حالة شاذّة وان الأصل هو إجراء الحوار بين الأطراف المتنازعة، يقول سماحته:

(الحرب حالة استثنائية في الإنسان، حالها حال إجراء العملية الجراحية، وإلا فاللازم عند الخلاف تحكيم الحوار، ورضوخ من ليس له الحق للحق، وقد كان من مفاخر الأديان أنها تحكّم الكلمة)(1).

ثم يقسم الحرب إلى قسمين، حرب باطل مع باطل، وحرب حق وباطل، ثم يقرر (والحق لا يقدم على الحرب إلا دفاعاً أو لأجل إحقاق الحق وإنقاذ المستضعفين)، ولذا قال سبحانه: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين)(2) فهي أيضاً حرب دفاعية، وإن كانت تسمّى بالجهاد الابتدائي. واللازم أن يأخذ الصلح مكان السيف، أما ما ذهب إليه دارون وأتباعه من أصل تنازع البقاء وبقاء الأصلح فذلك ما دلّ الدليل على خلافه، فهو مثل أن يقال بأصل الجريمة حيث لا يخلو مجتمع من الجريمة، وجاء بعده ماركس ليذهب إلى حرب الطبقات، وقد قام الدليل على خلافه)(3).

وللأسف الشديد فإن الأمة الإسلامية لم تلتفت إلى ما يراد بها من وراء نشر أفكار دارون وماركس وغيرهما، فضاعت وأضاعت أوقاتاً مهمة كانت تستطيع أن تستثمرها في بناء حاضرها ومستقبلها.

وإذا نظرنا إلى مجريات الأمور في العالم الإسلامي، نرى أن دعوات كثيرة انطلقت فيه، وكانت تنادي بشعارات معينة، وتبذل المستحيل من أجل إنجاحها، وتثبيت خيالاتها المبنية على الصراع الطبقي، أي الصراع الاجتماعي، باسم العلم والتمدن والحضارة؛ غير أن الأيام أثبتت فشل تلك الدعوات، وسقط معسكر كامل سبق أن تبنى تلك الأطروحات ودافع عنها دفاعاً مستميتاً، فضاعت هدراً جهود ضخمة وسالت دماء غزيرة، وزاد تخلف مجتمعات كثيرة فخسرت أبناءها وجهودها وأوقاتاً وأموالاً كانت في أمسّ الحاجة إليها للبناء والتعمير، لا للتخريب والتدمير.

ويواصل سماحته تحليل قضية الحرب، فيضع عنواناً فرعياً يقول (الشعوب تكره الحرب) يؤكد فيه أن الحرب خلاف طبيعة الإنسان: (لأنها تفني الأفراد وتهدم الديار وتلتهم الأموال، وتبعث على الخوف والاضطراب، بل وأحياناً توجب هتك حرمات النساء وسبيهن، وإذلال المغلوب، فالأمم لا تريد الحروب، وإنما جماعة من الناس لها مصلحة في الحرب هي التي تشعل الحرب وغالباً ما تتجنّب ويلات الحرب، فتقف خارج الميدان، بمختلف العناوين، وتدفع بالآخرين إلى الحرب.

ولذا كان سبب الحرب:

1 ـ إما جلب النفع.

2 ـ أو توهّم جلبه.

3 ـ أو دفع الضرر.

4 ـ أو توهّم دفعه.

نعم، قلة من الحروب، هي حروب التحرير، مما تندفع الإمم إليها، لأجل دفع المعتدي على العقيدة الصحيحة، أو على الاقتصاد، أو على ما أشبه ذلك.. ودوافع الحروب لم تتغير في الحال الحاضر عن دوافع الحروب عند الإنسان غير المتحضّر، فقد كانوا سابقاً يحاربون لأجل الغنائم أو لأجل إظهار الشجاعة، أو لأجل إرضاء الغرور... وعلى ما ذكرنا فتوهّم أن الحرب من طبيعة الإنسان مثل الجوع والعطش توهّم غير مدعوم بالدليل، ولو كان كذلك لزم تحققها في فواصل زمنية خاصة مثل سائر الغرائز الإنسانية مع أن الأمر بالعكس)(4).

ويعترف علماء الاجتماع المعاصرون بأن هذا التحليل الذي يستخلص من التاريخ دروس الحاضر هو النهج الأصوب في تحليل مشكلة الحرب، وكونها آثاراً بدائية متخلفة.

ويمكن في هذا الخصوص مراجعة الكتاب الثمين فكرة العدالة (The Idea Of Justice) الذي لخص فيه مؤلفه العالم أوتو بيرد (Otto A. Bird) تاريخ الحروب وطبيعتها وعلاقتها بالعدالة(5).

ثم يظهر سؤال عن فوائد الحروب؟ ألا توجد للحروب فوائد؟ وإذا لم توجد فلماذا نجد الإنسانية تغرق بالحروب في كل تاريخها القديم والحديث؟!

يجيب سماحة الإمام الشيرازي على هذا السؤال بقوله:

(إن توهّم كون الحرب لها منافع بقدر ما لها من أضرار أو أكثر، غير تامّ، وإن استدلّ لذلك بأنها تنفع:

1 ـ في توحيد الأقوام، إذ الطرفان يتعارفان بعد انتهاء الحرب، ويتوحدان أخيراً بعد أن كشف كل طرف نفسيات الطرف الآخر النظيفة.

2 ـ وفي تقدم الفكر، حيث تتلاقح أفكار الطرفين، بما يوجب تقدم الفكر، فإن حال الفكر حال البدن، في أن تلاقح البدنين يوجب النسل المقدم للإنسان إلى الإمام.

3 ـ وفي تقدم الصناعة، حيث إن حالة الحرب تفتق الكفاءات من جهة أن كل طرف يفكر لإنجاح نفسه وكثرة التفكير توجب ظهور الاكتشافات والاختراعات، مما ينفع الإنسان في حال السلم، أكثر من ضرره حال الحرب.

4 ـ وفي تقليل الناس فتكون سبباً لتحسين حالة الذين يبقون بعد الحرب ورفاههم.

5 ـ وأخيراً توجب تجديد المدن والقلاع وما أشبه، لبنائها من جديد، حيث يسيبها الخراب بواسطة الحرب، وكذلك تجديد الرياش والأثاث التي تتلف بسبب الحرب)(6).

غير أن سماحة الإمام يردّ على هذه الأقوال والآراء جميعاً ويفنّدها مقرراً:

(وفي الكل نظر، إذ:

1 ـ الأقوام إنما تتوحّد بالثقافة المشتركة، لا بقتل بعضهم بعضاً، سواء غلب أحدهما على الآخر، أو وقع بينهما صلح وهدنة، ولذا نرى أن الأقوام المختلفة لما توحّدت ثقافتها تحت ظل الإسلام، توحدوا، بينما الاختلاط والتعامل ونحوهما بين اليهود والمسلمين، لم يجعل منهما أمة واحدة، وإن بقي ذلك ألف سنة.

2 ـ وتلاقح الأفكار فرع وحدة الاتّجاه لا الحرب، فالحرب إن أتت بوحدة الاتجاه، أي اطلاع بعضهم على بعض، تلاقحت الأفكار، وإن لن تأت لم تتلاقح، وأيهما أصلح هل التحارب حتى تتلاقح الأفكار، أو توحّد الاتجاه بدون حرب حتى تتلاقح؟ وتوحيد الاتجاه يحصل بانفتاح العلماء على أفكار الآخرين وذلك ما عمله الإسلام.

3 ـ وكذلك الحال في تقدم الصناعة فتهيئة الأجواء الصالحة للعلم والعلماء بصنع المختبرات وتشويق العلماء بالمال والذكر والمنافسة ونحوها، تعطي نفس النتائج التي تعطيها الحرب، بدون أضرار الحرب، وهل من التعقّل أن يسير الإنسان في الطريق المعوج وأمامه الطريق المستقيم؟

4 ـ وتحسين حالة الإنسان يمكن بعدم صرف الثروة في الهدم والدمار وقد ذكر في تقرير أنه تصرف الدول كل يوم مليار دولار في التسليح (هذا رقم زمان تأليف الكتاب قبل حوالي ربع قرن) فأي مال ضخم هذا يصرف في الدمار؟ لو صرف هذا المال في البناء لم يبق جائع، ولا حاجة معطلة، هذا مع الغض من أن كثيراً من الثروة تكدّس أو تصرف إسرافاً وتبذيراً.

5 ـ ولماذا نجدد المدن والأثاث بالدمار؟ أليس من الأفضل أن نجددها بالثروة التي تصرف في الدمار والتكديس والإسراف؟)(7).

فمع سماحته نصل إلى أن لا مبرر للحروب، مادام هناك مجال للحوار والكلمة الطيبة، سواء كانت تلك الحروب خارجية أو حروباً أهلية في داخل الدولة، ولذا يرى سماحته أن حل ذلك الموضوع أن تكون هناك توعية تعليماً وتثقيفاً وأن يحاسب الطامعون حتى لا يتمكنوا من التحرك (وذلك ممكن إذا وعى الشعب أنّ الباعث على الحرب أطماع قلة من المستكبرين في تحسين أوضاعهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية. فإن وعى الشعب ذلك لم يقدر أولئك القلة أن تغريه بالحرب باسم مصالح الشعب، كما هي العادة في القلة، حيث إنهم يريدون منافعهم، لكنهم يظهرون أنهم يريدون منافع الشعب، وبذلك يتمكنون من تزييف الواقع والدفع بالشعب الغر إلى أتون الحرب)(8).

وفي هذا الصدد يكتب سماحته توجيهاً لممارسي التغيير أن يعيش الجميع في سلام، فيقول: (من الضروري لممارسي التغيير أن يجعلوا في مقدمة أهدافهم مسالمة الجميع، وأن يعيش الكل بسلام، فكما أن للإنسان نفسه الحق في أن يعيش بكرامة ورفاه وسلام، عليه أن يترك الآخرين يعيشون كذلك)(9).

إن سماحته حين يتحدث في هذا الموضوع، يثير في أذهان الناس جملة من الأسئلة: كيف يمكن ضبط مسيرة الاجتماع بما فيه تحقيق السلام والأمن والطمأنينة؟ وكيف يمكن التوفيق بين مصالح الفرد الأنانية ومصالح الجماعة؟ وبين الأطماع الفردية وتطوير المجتمع؟

الإمام الشيرازي أجاب على هذه الأسئلة من ناحيتين:

الناحية الأولى تهذيب مشاعر الفرد.

والناحية الثانية وحدة الاجتماع.

ونلاحظ هاتين الناحيتين بوضوح في مواضع عديدة من مؤلفات سماحته بما يوازن بين الطموح الفردي وتطوير المجتمع ككل، ويجعل ذلك الطموح جزءاً من عملية التطوير التي تحتاج، دائماً، إلى شيء من التضحية التي تناقض الأنانيات الفردية الضيقة.

وقد جمعها كلها فيما اشترطه للعمل التغييري من قواعد وأساليب، في ثمان وثلاثين قاعدة، جعلها المقدمات الأساسية للتغيير، أي بدونها لا يكون هناك عمل تغييري، ونستخلص منها أن سماحته يرى تلك القواعد وسيلة لتوازن الفرد والمجتمع، فمنها ما يخص الفرد ومنها ما يخص المجتمع. وهي(10).

1 ـ الوعي السياسي وذلك (ان من أهم الأمور التي تجب على الممارسين للتغيير هو فهم السياسة، إذ بدون الفهم المذكور لا يتمكن الإنسان من الشروع في العمل، وإن بدأ فإنه لا يتمكن من الاستقامة في أمره وإن تجلّد وقاوم فإنه لا يتمكن من مواصلة السير بالحركة إلى شاطئ السلام والهدف المنشود...

ويجعل سماحته ضمن هذا الباب معرفة حقيقة السياسة بجوانبها السلبية والإيجابية، ثم يفرد حديثاً خاصاً عن الحرب، يقرر فيه:

(فالحرب مثلاً إذا نشبت في جماعة سببت مآسي لا تعد ولا تحصى والتي من أبرزها: قتل الأبرياء / هدم الأبنية والعمارات / فساد الأرض وفقد صلاحها للزراعة / التشوهات الجسدية من نقص الأعضاء والأطراف / التشويهات العقلية من الجنون وتوتر الأعصاب التي تبقى إلى جيل وأكثر / شيوع الأمراض المختلفة / سوء الخلق / ظهور العداوة والبغضاء بين الناس / حرق المحاصيل الزراعية / صرف قوى البناء في الهدم سواء قوى البناء البشرية أو غير البشرية / تيتّم الأطفال / ترمّل النساء / تصدع الأسرة وتفتتها / شيوع الفقر والحرمان / غلاء الأسعار والأجور / ظهور الفساد والفسخ الخلقي / إشاعة الفحشاء والمنكرات / قلة البضائع والخدمات / تأخر البلاد والعباد / تحطيم الصناعة والاقتصاد / تقهقر العلم والثقافة / تفسخ المجتمع وتشتته / انتشار الخيانة والرذيلة / انهدام النظام... إلى غير ذلك)(11).

2 ـ التربية الروحية: ويعني بها سماحته التضرّع إلى الله سبحانه، والتسلح بالدعاء والقرآن الكريم، ليكون ذلك عوناً على التصرف وفق الموازين الطبيعية، التي أبرزها (سعة الصدر). وهذه الصفة ما حلت بقوم إلا حملت معها السلام والهدوء.

3 ـ الصبر على المكاره: متخذين في ذلك الأسوة الحسنة بالرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، وبأهل بيته، عليهم السلام. مما سيعين هؤلاء الممارسين للتغيير على المتابعة والمواصلة.

4 ـ جمع الطاقات والقدرات، وهذه صفة تبدأ بالفرد لتنتهي بالجماعة، وجمع الطاقات والقدرات هنا لا يراد بها الطاقات والقدرات البشرية فقط، بل وأيضاً الطاقات والقدرات الاقتصادية حتى الاستفادة من النفايات التي ترمَى في الشوارع.

5 ـ الهمة العالية: وهي التي أدت وتؤدي دائماً إلى نشوء الحضارات والفتوحات والإنجازات العلمية. وهي شأن فردي ولكن المجتمع يشارك في تكوينه، كالأسرة والأسوة الحسنة والتربية والظروف الاقتصادية وغيرها. وعلو الهمة لا يرتبط بمظهر واحد من مظاهر الحياة، بل هو عام يشملها كلها.

6 ـ تحمل الصعوبات: وذلك لأن تحمل الصعوبات تسجل للإنسان التاريخ المشرق وتدفع الأجيال إلى الأمام، لذا فعلى ممارسي التغيير، من وجهة نظر الإمام الشيرازي (أن يكونوا أشداء في سبيل الهدف ويتحملون المشاقّ والصعوبات برحابة صدر حتى يصلوا إلى ما يهدفونه من خدمة الإسلام ورفع رايته وتوحيد بلاده تحت ظل حكومة شرعية واحدة بإذن الله)(12).

7 ـ بعد النظر: أي التسلح بالرؤية البعيدة حتى يتمكنوا من تمييز الصالح من الطالح، والصحيح من الفاسد. ويدخل سماحة الإمام إلى موضوع الحرب من هذه النقطة أيضاً، فيمثل بالحرب مع الأكراد في شمال العراق، وكيف أنها نتيجة لعدم وجود بعد النظر لدى الطرفين مما سبب الخراب والدمار.

8 ـ الحيلولة دون التفرقة: لما كانت التفرقة شرارة الحرب حسب رؤية الإمام الشيرازي، فإن الحيلولة دونها ستقي الأمة من مخاطر شتى في أولها مخاطر الحرب بين بلدان المسلمين أو بين عناصر السكان في كل بلد على حدة. ويحدثنا الإمام الشيرازي، هنا أيضاً، عن الحرب ضد الأكراد، كمثال على ما تسببه الفرقة، حيث قال سماحته:

(ان التفرقة أساس كل تأخر ونشوب أغلب النزاعات الدامية، فإن كثيراً من الحروب التي رأيناها إنما كان منطلقها التفرقة التي سبّبها الحكام الجاهلون أو أذناب الاستعمار، فمثلاً الحرب العراقية الكردية التي دامت أكثر من نصف قرن واشتعلت مجدداً مدة ثلاثين سنة لم يكن سببها إلا التفرقة بين العرب والأكراد، وبهذه المناسبة ننقل ما تلقيناه في زمن قاسم وعبد السلام عارف من الضغوط لإصدار فتوى بوجوب محاربة العراقيين للأكراد، لكنا أبينا عن ذلك، وصبرنا على تهديداتهم. فمثلاً جاءنا وفد من بغداد من قبل عبد السلام عارف يقول بأن هؤلاء استعماريون ويريدون بلبلة البلاد وشق الصفوف فاللازم عليكم تصدير فتوى بوجوب الحرب ضدهم والنفير العام للعراقيين لمحاربتهم حتى يستأصلوا شأفتهم.

قلنا: وإن لم نفعل؟ قالوا: فيجب أن تستعدوا لتحمل النتائج. قلنا: إننا مستعدون لما نتلقاه في هذا السبيل. قالوا: وما يمنعكم عن الفتوى؟

قلنا: واضح ان الأكراد مسلمون، كما أن العرب مسلمون، فإذا أنتم بنيتم حكومتكم على القومية العربية فهم تعلموا منكم ويريدون أن يبنوا حكومة لأنفسهم على القومية الكردية، وهل باؤكم تجر وباؤهم لا تجر؟

إن المناصب الكبرى في الدولة محرمة على الأكراد، فهل بعد ذلك نتمكن أن نقول لهم لا تحاربوا حتى يستعمركم العرب العراقيون؟

ثم أضفنا: انكم إذا طبقتم المساواة الإسلامية بين الأكراد والعرب حتى يتمكن الكردي المسلم كأخيه العربي المسلم من الوصول إلى العلم والمال والقدرة والمنصب والسلاح وغير ذلك من الشؤون الشخصية والاجتماعية ففي ذلك اليوم يلقي الكردي سلاحه تلقائياً لأنه يعرف أنه أخ ويعامل معاملة الأخ، أما أن تستبدوا بكل المزايا وتقولوا للأكراد لا تحاربوا واستسلموا لكي تكونوا في الدرجة الثانية فهذا شيء غير منطقي كما أنه غير إسلامي.

فرجع الوفد خائباً حانقاً يتربص بنا الدوائر ويستهدفنا بسهامه وضغوطه)(13).

9 ـ وضع المنهاج الصحيح للمواجهة: ذلك لأن كل حالة لها منهاجها، ولكن، على العموم، يجب أن يتجنب ممارسو التغيير الانتحار والاستدراج والاستفزاز. وهذا مما يجنبهم مخاطر الانزلاق في معارك لا يفيدون منها.

10 ـ المناصب حسب الكفاءات، منعاً للتفرقة وتحقيقاً لنجاح الأهداف.

11 ـ الاستمرارية التي تعني عدم اليأس.

12 ـ تفجير الطاقات الكامنة، وذلك بالاستفادة منها وعدم بعثرتها.

13 ـ مقابلة السيئة بالحسنة، مما سيسبب التفاف الناس حول من يفعل ذلك.

14 ـ الاهتمام لتحقيق الهدف.

15 ـ كل شيء من أجل الهدف.

16 ـ الاعتماد على الذات.

17 ـ التوكل على الله.

18 ـ الفعل لا ردّ الفعل، أي أن تكون الأمور حسب التعقل وتطلب الظروف لا حسب ردّ الفعل، حيث إنّ الإنسان إذا هيأ نفسه لرد الفعل يكون دائماً في أزمة يخلقها طرفه.

19 ـ رعاية المحيطات الستة، وهي النفس والجسد والبيت والمحيط الاجتماعي والطبيعي والصناعي.

20 ـ عدم الانشغال بالهامشيات والإصلاحات البسيطة، فإن الانشغال بالجانبيات والتوافه يمنعهم من الوصول إلى أهدافهم.

21 ـ اتخاذ الرسول، (صلى الله عليه وآله وسلم)، خير أسوة في كل الأعمال.

22 ـ عدم ممارسة التعذيب، وذلك لأن التعذيب ظاهرة غير إسلامية، وضمن هذه القاعدة يفرّع سماحته فرعاً يقول: لا للسجون والمعتقلات(14).

23 ـ محاربة القوانين المبتدعة، لأنها قوانين منحرفة تسبب سقوط المجتمعات وانتشار الجرائم والمنكرات وتقود إلى الحروب الأهلية والخارجية.

24 ـ تقليل القوانين والموظفين لأنها تسبب هدر أموال الدولة وإضاعة الانتاج الذي يبني المجتمع الآمن المطمئن الذي لا يشكو من الحاجة والفقر.

25 ـ إزالة القوميات، وبإزالتها يزول سبب من أهم أسباب قيام الحروب والفتن الأهلية وتمزيق الاجتماع.

26 ـ المحاكم العشرة للإنسان وذلك أن الإنسان مسؤول أمام نفسه وعليه محاسبتها ومحاكمتها، وهذه المحاكم العشرة هي: محكمة النفس / محكمة البدن / محكمة التاريخ / محكمة الاجتماع / محكمة القضاة / محكمة الآثار التي تبقى من خير الإنسان أو شره / محكمة الزمان / محكمة المحيط الطبيعي كخراب سامراء أو أهرام مصر / محكمة القبر / محكمة القيامة.

27 ـ تجنّب الطفولة السياسية لأنها توجب تأخّر الإنسان، ويذكر سماحته من ظواهرها سبعة وستين مظهراً(15).

28 ـ ليحيى الجميع بسلام. وسبقت الإشارة إليه.

29 ـ حرمة الدماء والنفوس في جميع الحالات سلماً وحرباً. لذا يدعو سماحته إلى (المنع البات عن سفك الدماء وإهانة الآخرين والترفع عليهم)(16).

30 ـ تجنّب الوعود الفارغة.

31 ـ قل الحق ولو على نفسك.

32 ـ لا للطغيان، ويرى سماحته ان ردع الطغيان له جانبان، الأول نفسي وهو أن تكون النفس رفيعة، والثاني اجتماعي وهو أن تتوزع القدرات على الجهات الكفوءة في البلاد. ليسود العدل ويحل السلام والاطمئنان.

33 ـ الشجاعة المزيجة بالحكمة.

34 ـ مكافحة الجهل فهو سبب رئيسي من أسباب مصائب المسلمين وخضوعهم للاستعمار.

35 ـ سياسة العفو والصفح، وهي ركن أساسي من أركان السلام في الداخل والخارج.

36 ـ التواضع.

37 ـ ردّ مكائد كفار الشرق والغرب.

38 ـ الزهد والورع.

فهذه القواعد تستطيع أن توفّر، في حالة تطبيقها، التوازن بين الفرد والاجتماع، وتعمل على سيادة التفاهم والأخوة بين البشر، وتقضي على الحروب والنزاعات بين الناس، حين يتخلص كل واحد منهم من النزعات العدوانية والأنانية الضيقة، ويساهم مع الآخرين في تطوير الاجتماع.

كما أن هذه القواعد تشمل جميع الأطراف والنشاطات، ففيها الجانب الإنساني والجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي والجانب السياسي.

ومن الواضح أن الإمام الشيرازي لم يفصل بين هذه القضايا، بل جعلها مرتبطة بقوانين الإسلام وقيمه ومعتنقاته الفكرية.

هذه القواعد تجد تأييداً كبيراً لدى علماء القانون والاجتماع المعاصرين، فقد كتب القانوني المعروف (17) (C. K. Allen)  يقول: إن تطبيق القانون يجب أن ينبعث من داخل الإنسان أولاً، ولكنه ينكر دور المجتمع في تطهير نفوس أفراده وذلك بسبب كون انفصال الفرد عن الاجتماع بسبب أنانيته وحبه لذاته ولو على حساب المصلحة العامة، هو اتجاه سلبي، أي انه لا يؤمن بأن المجتمع النظيف يجب أن يُنتج، دائماً وأبداً، أفراداً نظيفين، لأن هناك ظاهرة طبيعية تتكرر عبر التاريخ، وهي ظهور أفراد غير منضبطين في مسيرة عموم المجتمع وغير عاملين من أجل ترقية بلادهم وتطويرها، وهؤلاء يجب أن ينالوا عقابهم المتناسب مع جرمهم أو جريرتهم أو جنايتهم، كما أن وجودهم لا يعني إلا ان المجتمع لم يُكمل صياغة شخصياتهم، ولم يواصل عملية تغييرهم وتوعيتهم، هذا إذا كان المجتمع نفسه نظيفاً، فما بالنا بالمجتمعات الفاسدة أصلاً مما يضرب به (اوتو) الأمثال، وهي المجتمعات الغربية التي تتفاقم فيها مشاكل الجريمة من الاغتصاب إلى القتل إلى السرقة إلى غير ذلك. كما أن هذه الظاهرة تتجلّى في البلدان التي قصرت اهتمامها على بعض نواحي الحياة، كالسياحة والثروات المعدنية وهياكل البناء والتعمير، من غير اهتمام كاف بالإنسان وتطويره حسب المنهج الرباني الموضح في الإسلام.

ومعلوم أن التطور يجب أن تكون فيه جبهة قوية، إن لجهة الأمن، أو الاقتصاد، أو التقدم الاجتماعي.

فالأمن والسلام والاقتصاد والتقدم الاجتماعي مترابطة للفرد والاجتماع.

وقد ذكرنا سابقاً أن سماحة الإمام الشيرازي لا يعتبر التطور الاقتصادي غاية في حدّ ذاته، وإنما هو من أجل بناء الإنسان، ومن ثمّ ينبغي ألا يتوقّف عند مفهوم تحقيق الثروة وبناء الاقتصاد، بل عليه أن يتعدى ذلك إلى تحقيق تقدّم الإنسان وإيجاد الفرد القادر على الإسهام بجدارة ووعي في بناء دولة الإسلام على قواعد متينة راسخة.

وليست هذه القواعد إلا حصيلة المنهج الشيرازي المبني على أساس البؤرة الإيمانية التي تنطلق منها أشعة بناء الدولة، شعاع الحريات وشعاع الاجتماع وشعاع الاقتصاد وغيرها.

كما أن تلك القواعد والمقدمات اتخذت صفة التدرج من الفرد إلى الاجتماع. ولذا نلاحظ أن المسيرة التي يريدها سماحته ليست مسيرة نحو المجهول، بل هي مسيرة واضحة المبادئ والأهداف، بحيث يمكن أن ينمو المجتمع بها محقّقاً توازن أبنائه نفسياً، مما يضع مهاداً صُلباً ينمو عليه الأمن والطمأنينة والسلام، تحت ظلال المحبة والتسامح.

ومعلوم أن المحبة والتسامح طريقان ممهّدان للسلام والأمان والاطمئنان؛ ولذا فإن الإسلام قد حثّ كثيراً على هاتين الصفتين اللتين تتجلّيان، لا في القرآن العزيز فقط، بل تظهران، أيضاً، في السيرة النبوية الشريفة، كما حدث في فتح مكة، إذ عفا الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّن أساء إليه وحاربه وحارب أتباعه وهجّرهم من مكة إلى الحبشة وغيرها ثم إلى المدينة المنورة؛ وعن هذه الحادثة بالذات يحدثنا الإمام الشيرازي قائلاً:

وكانت راية الأنصار مع سعد بن عبادة، فلما مرّ بأبي سفيان قال له:

اليوم يوم الملحمة***اليوم تسبى الحرمه

يا معشر الأوس والخزرج ثأركم يوم الجبل. فسمعها أبو سفيان فأضمرها في نفسه، حتى إذا مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) به قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ انه قال كذا وكذا. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس مما قال سعد شيء، ثم أرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إلى سعد فنزع الراية منه ودفعها إلى علي (عليه السلام)، وقال: ادخلها دخولاً رفيقاً. فأخذ علي (عليه السلام)، الراية بيده، ثم جعل ينادي ويقول:

اليوم يوم المرحمة***اليوم تُحمى الحرمة(18)

ويجب هنا أن نفهم أن الإمام الشيرازي حين يتحدث عن رفضه للحروب فهو يخص تلك الحروب العدوانية حتى لو تغطّت بشعارات إنسانية، بل انه يرفض مقدماتها أيضاً، كالمبادئ الهدامة والأفكار الاستعمارية التي تؤدي إلى الحروب العدوانية.

وكمثال حيّ على ذلك فإن الإمام الشيرازي أكّد رفض المبادئ الهدامة بسبب أنها تنتهك أمن المسلم وسلامة البلد وتهدد السلام الاجتماعي، وتريد القضاء على سعادة المسلمين، وإبقائهم في حالة الفردية والضياع، فهو يدعو إلى الوقوف بحزم في مواجهة أفكار التخريب والإلحاد والأفكار الشيوعية والرأسمالية الاستغلالية، للمحافظة على شرف كيان الإسلام وحرمة مقدساته وضرورة التطور الآمن، والقضاء على كل العراقيل والتحديات. وكل ما يضر البلدان الإسلامية وسعادة أبنائها.

ويرى سماحته أن ذلك التصدي يجب أن يكون بالوعي والعلم والثقافة، وتجنيد كل الطاقات لردع الزمر التخريبية والتضليلية والحكام الطواغيت. بمعنى أن الإمام الشيرازي يرى في التخريب نقيضاً لإرادة الله سبحانه وتعالى، ورغبة البشر في التغيير والتطور. ولما كان عموم المسلمين قد ارتضوا السير في طريق التغيير والتطور، بحكم إرادة الباري عزّ وجل، فإن القضاء على كل ممارسة تخريبية واجب ولا مفرّ منه أبداً، لأن تلك الزمر دكتاتورية أو إلحادية وتروّج للإلحاد والظلم والعدوان، وتلك الأمور هي نقيض الإيمان، فالإمام الشيرازي، في رفضه لها يكشف عن دور الإيمان في صياغة الحاضر والمستقبل.

والإمام يرفض الأفكار الهدامة والاستعمارية وجميع ما يؤدي إلى الفساد والإفساد، وليس الجانب الإلحادي فقط. وقد أثبتت الأيام أن تلك الأفكار لا يمكن أن تنسجم مع الفطرة الإنسانية ومشاعر الناس وأحاسيسهم وطبائعهم، ولذلك سقطت الشيوعية ذلك السقوط الهائل في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من هذا القرن، وستسقط بقية الأفكار الضالة المضلة حتماً بإرادة الله سبحانه وتعالى. يقول الإمام الشيرازي:

(إن الفطرة الإنسانية ستنتصر على أعدائها في نهاية المطاف، وستُحسم المعركة قريباً لصالح الفطرة. لكن الأمر يبقى مرهوناً بعدد الرجال الذين يدافعون عن الفطرة وبالأساليب العلمية التي يعتمدونها في تحقيق ذلك، فكلما كانت الطرق والوسائل أفضل وأشمل، وكلما كانت عناصر الرجال أكثر كان طريق النجاح أقصر وأسرع، كما أرى أن التقدم العلمي الإيجابي الذي وصل إليه العالم اليوم يعتبر هو الآخر انتصاراً للفطرة أيضاً. والغرب رغم ابتعاده عن كثير من القيم المعنوية والفطرية وتمسكه بالمظاهر المادية البحتة، وسيضطر بالتالي للعودة إلى وجدانه وفطرته، خوفاً على مؤسساته وحضارته من الانهيار)(19).

وإذا كان هذا النصّ يتوقّع تغيّر الغرب واتجاهه نحو الإسلام، إن عاجلاً أو آجلا، فإنه سيتحقق، بمشيئة الله، كما سبق أن تحقّق توقّع سماحته في كثير من القضايا، كتوقّعه سقوط الشيوعية من قبل أن تسقط فعلياً بأكثر من ثلاثين عاماً، بعد أن كشف عن زيفها الفكري ومخالفتها للطبيعة البشرية.

إن القضاء على الأفكار الضالة المنحرفة يحفظ وحدة الناس واطمئنانهم ويحقق لهم الأمن والسلام والسعادة، ويحافظ على الشرف وحرمة المقدّسات؛ فإن الإمام الشيرازي حين يشير إلى أن الحفاظ على الشرف وحرمة المقدسات من أسباب الوقوف بحزم في وجه مخططات التخريب، فإنه يرسم للمسلمين نهجاً واضحاً ليكون كل واحد منهم حريصاً على الشرف والمقدسات. لأن الشرف والمقدسات من أولى ركائز الأمن والسلام.

وبالمحافظة على الشرف والمقدّسات يصبح الناس أكثر إصراراً على مواصلة عملية التغيير والقضاء على كل العراقيل، من أجل الوصول إلى سعادة الدارين الدنيا والآخرة، السلام والأمن في الدنيا، وأما في الآخرة فما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

ولا يقتصر موقف الإمام المعارض للأفكار الشيوعية على ذلك، بل ان سماحته يعارض كل الأفكار المنحرفة الضالة المضلة، لأنها جميعاً لا تسبب إلا خسران الحضارة الحقيقية، فتثير الحروب وتحطم المجتمعات، وهذا الرفض يصب آخر المطاف، في تحقيق الأمان والسلام، لأن الشيوعية والرأسمالية تتبنّى التفرقة بين المسلمين، وتمزّق أواصر الأسرة، وتريد من أبناء المجتمع أن يكونوا مجرّد أفراد كي يسهل استغلالهم، وتوجيههم لما فيه الخراب والدمار والمزيد من إهدار الدماء والأموال والجهود.

ومن الواضح، جداً، أن الإمام الشيرازي يؤكّد نظرته إلى ارتباط أمن المسلم بأمن المجتمع، ولا يمكن الفصل بين الأمرين، وقد سبق أن قررنا في مفتتح هذا الفصل أن المجتمع الحي لا يمكن أن يكون إلا مجتمعاً منظّماً آمناً. ويتحقّق هذا الأمن في تشييد المدارس وبناء المستشفيات، وإزالة العقبات من أمام المسيرة التكاملية، وتسهيل مصاعب الحياة، وتشجيع الحريات العامّة، بما يحقّق أمن المسلم وأمن المجتمع كله، وإشاعة التثقيف الحقيقي بوسائل التثقيف والإعلام المعتمد على الصدق، إضافة إلى الوفاء للعقيدة والإخلاص لها، والانطلاق من روح الإسلام، ووجوب حماية الأخلاق وعدم التفريط بها، والحرص على استقلال القرار أي أن تكون الدولة مستقلة تماماً. والتمسك بالانتماء الإسلامي، والالتزام بالفضيلة ونبذ كل أنواع الرذائل، والالتزام بالحق في جميع الأوقات، ورفض الباطل بشكل حاسم لا يقبل المهادنة والتهاون، ورفض الخيانة والغدر، وعدم التهاون مع من يتّصف بهما، والمحافظة على الأمن والسلام وكل منهما أسّ أساسات البناء الذي لا محيد عنه، وضرورة السيطرة على موارد البلاد والتصرف فيها بحسب مصلحة البلد والمسلمين، ويجب أن تنطلق القرارات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من صميم الواقع وبكامل الحرية والاستقلالية. وإلى غير ذلك من أشعة تنطلق من البؤرة المقدسة وهي الشريعة الإسلامية التي تشكّل لب لباب تفكير الإمام الشيرازي، الذي يقرر أن كل الظروف المناسبة يجب أن تتهيّأ وبشكل موضوعي وعلمي، وبناء على خطط مدروسة بوعي وتأنٍّ، من أجل توطيد دعائم الأمن والسلام والعيش الميسّر.

وفي الوقت الذي يرفض الإمام الشيرازي الحروب ومقدماتها من الأطماع والأفكار الضالة المضلة، فإنه يميّز بين نوعين من الحروب:

(وعلى ما ذكرنا فالحرب تنقسم إلى:

1 ـ حرب التحرير.

2 ـ حرب الاستغلال.

والهدف في الحربين متضادّ.

فالأولى: لأجل إنقاذ الناس عن الاستغلال.

والثانية: لأجل إدخال الناس في ربقة الاستغلال. وحيث إن الباطل يلبس ثوب الحق، وكل مشعل للحرب يقول إنه يحارب لأجل التحرير، كان اللازم ملاحظة علائم الحرب التي تقع، هل هي علامة هذه أو تلك؟

فإن الفارق بين الحربين أمران:

1 ـ هل ان الأمة دخلت في الحرب بملء إرادتها، أم ان الحرب فرضت عليها فرضاً، حيث إن الأمة لا تدخل إلا في حرب التحرير، أما حرب الاستغلال فإنها تُفرض على الأمة فرضاً.. ومن الممكن معرفة الأمرين بملاحظة أجواء الحرية وعدمها، فالحرب في أجواء الحرية لا تكون إلا حرب تحرير، سواء كانت تحريراً عن مستغل متسلّط أو عن مستغل يريد التسلّط، بخلاف الحرب في أجواء الكبت فإنها لا تكون إلا حرب استغلال.

وعلامة الحرب الانتخابات الحرة، وعدم الاستخلاف من الرئيس السابق للرئيس اللاحق بأي لون كان الاستخلاف، والصحف الحرة، والإعلام الحر في إذاعة وتلفزيون، وغيرهما، فإن في مثل هذا الجو يتحكم الناس في مصائر أنفسهم، وبالعكس من أجواء الحرية، حيث يتحكم الديكتاتور المستغل في الناس، فالحرب لا تكون إلا استغلالية.

2 ـ عدم كون أصحاب المصالح السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها، وراء الحرب، ولا الذين يريدون المصالح في المستقبل، إذ قد لا يكون وراء الحرب أصحاب المصالح الحالية، وإنما الذين يريدون تحصيل المصالح في المستقبل)(20).

ويلتفت سماحته إلى أنه حتى حرب التحرير يمكن أن تتحول إلىالاستغلال حين يستغلّها أناس يريدون مصالحهم، ويتّخذون من مختلف الأساليب وسائل لهم يقضون بموجبها على المجاهدين الحقيقيين ويحلون محلهم، وعلاج هذه الحالة يشخّصه سماحته بالقول:

(وعليه فاللازم على الأمة أن يفوّتوا مثل هذا الدجل الذي يجعله أصحاب المصالح سلّماً لمآربهم:

1 ـ بتوزيع مراكز القوى حسب القدرة.

2 ـ بتوعية الناس حتى لا يُخدعوا بدعاية أصاحب الامتياز الجدد، ولا يستسلموا لتخويفهم وترغيبهم، فإن مشكلات عدم الاستسلام أقل بكثير من مشكلات الاستسلام)(21).

لذلك لابد من مواصلة العمل بكل عزم وإصرار، فالاعتماد على الذات يجب أن يكون العنصر الأساسي لكل المشروعات، وخطط المستقبل. ولذلك، أيضاً، فإن كل الجهود يجب أن توجّه قبل كل شيء إلى إتاحة الفرصة للعناصر المخلصة في تولي المسؤولية سواء في الحرب أم السلم، وسواء أثناء العمل التغييري أم في الدولة الإسلامية، كما يجب أن تتاح الحرية أمامهم، إضافة إلى تقوية الاجتماع والاقتصاد، وتنويع المشاريع الاقتصادية للتقليل من الاعتماد على الخارج. ولتحقيق هذا الهدف يجب أن لا تبدّد الجهود والمصادر الاقتصادية في إقامة مشاريع مترفة لا معنى لها، أو مؤسسات تضر ولا تنفع، بل يجب أن يوجّه كل شيء لتحسين مستوى حياة كل أفراد الشعب باستمرار، ولتقوية الدعائم الأساسية، والأمن والاستقرار في البلاد، عن طريق توزيع القدرات التي رأينا الإمام يذكرها في القول السابق.

ونستخلص من نظرية سماحته في (توزيع القدرات) أن الإمام الشيرازي يرى في المنجزات المادية قوة إضافية لروح الاجتماع وأخلاقياته التي تساعد على إرساء القاعدة الصلبة للأمن والسلام، بعد أن يتم القضاء على الحروب الاستغلالية ومقدماتها، حيث يصبح المسلم الحقيقي الذي يشارك في عملية التغيير واعياً لا يسهل اصطياده من قبل القوى المعادية للإسلام، تحت أيّ شعار تستّرت.

وبالنظر إلى واقعية فكر الإمام الشيرازي وانطلاقه من الإسلام، وفهمه العميق للبيئة المحلية وحاجاتها وما يجيش فيها من مشاعر وعلاقات، ولتفهّمه العلمي الدقيق للطبائع البشرية في كل مكان على وجه الكرة الأرضية، تلك الطبائع التي قد تسبب ظهور مشكلات تحتاج إلى قوة ردع كاف، في حالة عجز قوة الردع الضميرية الذاتية، فإن الإمام الشيرازي لم يغفل الحديث عن كيفية عقاب المجرمين والمسيئين إلى الأخلاق والنظام، بما يتناسب مع ذنبهم ولغرض إعادة تأهيلهم وإرشادهم وتهذيبهم لا بغرض الانتقام منهم.

إن معاقبة هؤلاء من وجهة نظر الإمام الشيرازي لا تقع إلا بعد استنفاد جميع الأساليب وإقامة الحجة وتيسير الظروف العامة المانعة لهؤلاء من ارتكاب الخطأ، فشأن التعامل معهم هو نفس طريق التعامل مع الحرب، الذي رأينا جانباً منه فيما سبق، والذي يعود إليه سماحته مراراً، لتأكيد رفضه للحرب والعقاب غير المبررين.

فبعد أن يعرض سماحته لأسباب الحروب وأنواعها وشروطها والعوامل المؤثرة في اختلافها، يصل إلى الإجابة على السؤال الذي يشغل أذهان العالم اليوم، كيف نتوقّى الحروب؟ حيث يجيب سماحته قائلاً:

(ان العصر الحاضر يحتاج إلى:

أ ـ رؤية مستقبلية كبيرة.

ب ـ وإعداد حسب تلك الرؤية، للتجنّب عن الحرب، وهما لا يُتاحان إلا بالاستشارية الكاملة للدولة. بأن تكون مقادير الناس في أيديهم، وإلا فإن كانت المقادير بيد المستبدين، لم يمكن الرؤية ولا الإعداد، وهذا من أكبر أسباب انحسار المسلمين أمام إسرائيل، على قوة المسلمين الحقيقية، وضعف إسرائيل الحقيقي، إن البلاد الإسلامية، يأخذ أزمّتها مستبدون جاؤوا إلى الحكم بالوراثة أو بالانقلاب العسكري، وحتى من جاء منهم بالانتخاب فرضاً، انقلب مستبداً وبذلك خلت الساحة أمام إسرائيل، وسيبقى الأمر هكذا إلى أن يرجع الزمام بيد الأمة.

ولما ذكرناه من أن الرؤية المستقبلية والإعداد الصحيح يبعدان الحرب، ترى البون الشاسع بين البلاد الأوروبية في الحال الحاضر، حيث لم تقع فيها حرب منذ نصف قرن تقريباً، بعد الحرب العالمية الثانية (باستثناء ما حدث مع الصرب) وبين نفس البلاد، قبل اتصافها بهاتين الصفتين...

وبينما نرى انعدام الحرب في الحال الحاضر في البلاد الأوروبية ونحوها، نرى الحروب المستمرة في البلاد الإسلامية... والسر هو ما ذكرناه من الاستبداد الحاكم في هذه البلاد، والذي يحطّم الكفاءات، فلا يقدر الأكفاء من العمل، ليكون لهم رؤية مستقبلية وإعداد كاف لتجنّب الحرب الحاصل من الإعداد الصحيح للحرب. ولذا قال سبحانه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوّكم)(22). فالإعداد له وجهان:

1 ـ إرهابي يمنع العدوّ من المقابلة.

2 ـ مفاوضي (من التفاوض) يخفّف من حدة القوى التي هي أول شرارة الحرب)(23).

وبعد أن يستعرض سماحته مخاطر الحرب وأضرارها ينتقل إلى بيان جذور الحرب، وكيفية القضاء على تلك الجذور فيرسم منهجاً متكاملاً من شأنه أن يحقق السلام والأمن، فالقضاء على جذور أي مشكلة ينهي تلك المشكلة تماماً، وقد اعترف فلاسفة البشرية من القدماء والمعاصرين بهذه الحقيقة التي تغيب عن أذهان الكثيرين من الناس، حين يأخذون ترقيعات فكرية أو معالجات جزئية للمشاكل، أو يحلون بعض التناقضات الجانبية ولا يذهبون إلى معالجة الجذور. وقد اعترف بهذه الحقيقة سياسيون كبار ومصلحون اجتماعيون مشهود لهم بالتجربة والعلم،من أمثال بين وبيترز في كتابهما المشترك الذي وضعاه لدراسة القوانين الاجتماعية: (24) (Social Principle and the Democratic state) وبريثويت (25) (Braithwaite) و (26) (Emmet) وغيرهم.

إلا أن سماحة الإمام الشيرازي لا يتوقف عند الحدود التي وقف عندها هؤلاء الباحثون وغيرهم، لأنهم يميلون بالطبع إلى تبرير ما تقوم به دولهم وهي دول استعمارية لا تفكر كثيراً قبل شنّ حروبها الاستعمارية والاستغلالية، أما سماحته فينطلق من الإسلام ويرفض جميع أنواع الحروب الاستعمارية والاستغلالية، ويعلن عن نظرة شاملة لمعالجة جميع جذور الحروب والقضاء عليها منعاً لوقوعها، وخاصة بعد أن ازدادت أسلحة الدمار الشامل التي تستطيع أن تفني البشرية والكرة الأرضية عدة مرات. يقول سماحته:

(ثم إن حفظ السلام لا يمكن بمجرد الإعلام، ومنظمات السلام، لأن السلام ليس أمراً سطحياً، كما أن الحرب ليست أمراً سطحياً، بل اللازم قطع جذور الحرب، حتى يسود السلام، وجذور الحرب هي حرمان الإنسان مما يوجب له القيام ضد الطبقة التي حرمته، وأسباب الحرمان هي:

1 ـ الاستعمار.

2 ـ والاستغلال.

3 ـ والاستبداد.

فإن هذه الثلاثة توجب عدم نيل الإنسان حقه من:

أ ـ الحكم.

ب ـ والمال.

ج ـ والعلم.

فلابد له أن يقوم بالحرب لإنقاذ حقه.

وهذه الثلاثة هي الأسباب الواقعية للحرب، أما أسباب الحرب المضادّة، فهي أيضاً نفس هذه الثلاثة، لكن من الجانب الآخر، فالذين يريدون احتكار الحكم لأنفسهم في قبال الاستشارية، والذين يريدون المال لأنفسهم من الرأسماليين سواء في صورة الرأسماليين الغربيين أو الشرقيين، في قبال التوزيع العادل للمال لكل بحسب حقه، والذين يحتكرون العلم لأنفسهم، تبعاً لاحتكارهم السلطة والمال، في قبال تمكن الجميع من العلم، هؤلاء الثلاثة يقومون بالحرب، لأجل أخذ الزمام من الشعب)(27).

فإذا كانت هذه هي جذور الحرب، فكيف يمكن القضاء على تلك الجذور؟ يجيب سماحة الإمام الشيرازي:

(واللازم لمن يريد قطع جذور الحرب أن يحول بين مثيري الحروب وبين مآربهم، وذلك بإشاعة الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

1 ـ فإن الوعي السياسي يوجب عدم استسلام الشعب للديكتاتوريين سواء كانت ديكتاتورية صريحة كالحكومات الوراثية والانقلابية، أو مغلّفة كالحكومات التي تنادي بالديمقراطية لكنها في مخالب رأس المال، أو مخالب الحزب الواحد، كأمريكا وبريطانيا وفرنسا وروسيا ونحوهم.

2 ـ والوعي الاقتصادي يمنع عن كون المال بيد جماعة معيّنة، سواء كانت تلك الجماعة بيدها الحكم أيضاً كروسيا أو لا كأمريكا.

3 ـ والوعي الاجتماعي يوجب أن يعرف الإنسان تساوي المجتمع في العلم والحكم والمال، وإنما (كل امرئ بما كسب رهين) (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) فلا طبقة مختارة فإذا رأى أن العلم خاص بجماعة لأن لهم المال أو الحكم أو الحزب، علم بانحراف الاجتماع، ولزوم تعديله، حتى يعمّ العلم الجميع)(28).

ونظراً إلى أن الحرب في العصر الحديث لم تعد قاصرة على الدولتين المتحاربتين بل على جميع دول العالم لأن الأوضاع العالمية مترابطة فيما بينها، فإن سماحته، يوسّع النظرة إلى طريقة معالجة مشكلة الحرب والقضاء عليها، فيرسم تكملة للمنهج السابق الذي تحدّث فيه عن الوعي السياسي والاقتصادي والاجتماعي، فتناول الحروب بالوكالة والتي تنفذها دول صغيرة لصالح دول كبرى، فيقول:

(كما أن اللازم قبل الوصول إلى النتيجة النهائية، وهي السلام الشامل فضح الحروب بالوكالة والحيلولة دون وقوعها، وذلك بعدة وسائل:

1 ـ تضعيف العلاقة بين الدول الصغيرة والدول الكبيرة حتى لا يتمكن الكبار من إيكال الصغار في الحرب.

2 ـ فضح القواعد العسكرية للدول الكبيرة في أراضي الدول الصغيرة.

3 ـ فضح المحالفات العسكرية بين الدول الصغيرة التي تدور في فلك الكبار، وبيان أن هذه الدول الصغار المحالفة، لا تريد بالأحلاف إلا خدمة تلك الدول الكبيرة.

4 ـ تقوية الروابط بين الدول المتجاورة حتى لا تتمكن الدول الكبار من إيقاع الحرب بينها.

5 ـ والأهم من الكل إيجاد الوعي للشعوب الصغيرة، حتى لا تكون ألعوبة بين حكوماتها التي تنفذ أوامر الأسياد)(29).

فسماحته يعيد الأمر جميعه إلى الحرية التي من مظاهرها الوعي والاستشارية، ويجعل ذلك أساساً يقيم عليه دعوته لدولة الإسلام الواحدة الواعدة بالحرية والسعادة والرفاه تحت ظلال الأمن والسلام والأخوة والعدالة والمساواة.

وعلى هذه النظرة الشاملة الرافضة للحرب، هل ستكون لدى الدولة الإسلامية التي يدعو إليها سماحة الإمام الشيرازي قوات مسلحة؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب فلماذا، إذا لم تكن هناك نيّة للحرب، بل الإسلام، كما يقول سماحته، هو دين السلام؟!

للجواب على هذا السؤال لابد أن نعود قليلاً إلى أمرين مر ذكرهما:

الأمر الأول: ان منهج الإمام الشيرازي مأخوذ من الإسلام، والإسلام يعترف في النصوص والتطبيق بوجود قوات مسلحة في الدولة الإسلامية بطريقة أخرى غير هذه الطريقة التي نراها شائعة في دول العالم الإسلامي اليوم.

والأمر الثاني: أن سماحته قد ميّز بين الحروب فهناك حروب استغلال وحروب للتخلص من الاستغلال، فلابد أن تكون لدى الدولة الإسلامية قوة مسلحة تستطيع بها أن تدافع عن نفسها، وأن تخوض الحروب الدفاعية، وأن تساعد المسلمين الذين يريدون التخلص من حروب الاستغلال.

كما أن سماحته قد جعل، على ما ذكرنا سابقاً، أن من وظائف الدولة (حفظ البلاد من الأعداء)(30). فتكون القوات المسلحة لها دور في السلم كما في الحرب.

لقد حدد الإمام الشيرازي بوضوح نظرته لمهمّات القوات المسلحة بكل تشكيلاتها وصنوفها.

فهي إنما تُنشأ لتحقيق السلام والأمن في الداخل والخارج. لأن من أساسيات الإسلام أن التعايش السلمي هو طريق مستقبل الحضارة الإنسانية، ولكن ذلك التعايش السلمي لا يمكن تحقيقه إلا بوجود قوة تحميه وتحافظ عليه في وجه الحروب الاستغلالية التي تعمل على إثارة النزاعات المسلحة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى.

وصحيح أن الدولة الإسلامية ليس لديها مخططات أو نوايا عدوانية ضد أحد.. كما أنها لا ترفض صداقة أحد، بل تؤمن إيماناً راسخاً بأن مستقبل هذا العالم يكمن في التعايش السلمي والتعاون البناء بين البشرية جمعاء.. والمسلمون لن يتوقفوا عن العمل لتحقيق هذه الغايات النبيلة، لكنّ عملهم من أجل السلام يقتضي أن تكون بلادهم قوية، وأن تُظهر قدرتها على حماية ذاتها.. ولقد أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن هذا هو المنطق الوحيد الذي يحترمه من تقودهم أطماعهم إلى تهديد السلام العالمي للخطر.

فالسلام في داخل وخارج الدولة الإسلامية، هدف من أهداف الإمام الشيرازي، ففي الداخل لابد من توفير كل الشروط للأمن الشخصي لكل مواطن، وللسلام الاجتماعي لجميع فئات المجتمع ومكوناته وشرائحه، وحماية سلامة البلاد من أي عدوان خارجي، والعمل لنشر السلام في ربوع العالم على أساس التعاون المثمر.

وتأتي هذه النظرة الشاملة لأجزاء الأمن والسلام، في الداخل والخارج، تأسيساً على نظرة الإمام الشيرازي لسلام وحثّه عليه ودعوته إليه في كثير من كتاباته، حتى انه اعتبر الحرب أسوأ شيء عرفه الإنسان، وعدّها الخيار الأخير(31).

وفي حوار من الحوارات التي كان يجريها سماحته، حين كان يتمتع بشيء من الحرية في استقبال الآخرين من أهل الفكر أو ممن يحب أن يناقش سماحته في أي شيء يريد.. نقول في بعض تلك الحوارات تحدث محاوره عن الجيش الإسلامي، وأجابه سماحته بإجابات تتصل بما نحن فيه الآن من بحث:

(قال أحدهم: هل في الإسلام جيش؟

قلت: نعم.

قال: ولكن جيش الإسلام لا ينفع اليوم.

قلت: ولماذا؟

قال: لأن عهد السيف والرمح والسهم قد ولّى.

قلت: ألم تقرأ قوله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)(32) ؟ ثم أردفت: الإسلام يوجب تحصيل أحصن القوة العلمية والعسكرية والمالية والصناعية والتكنولوجية والتنظيمية.. أمام الأعداء، وأوكل ذلك إلى المسلمين حسب اقتضاء الزمان والمكان.. وقد ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، استعمل الدبابة وأرسل بعض المسلمين إلى اليمن لتعلم بعض الآلات الحربية التي حدثت ذلك الزمان وكان المسلمون لا يعرفونها.

قال: حسناً.. وهل توافق على الجندي الإجباري؟

قلت: إن مقتضى الأدلة الشرعية بعد ضم بعضها إلى بعض، أن تندب الحكومة كل المسلمين على التدرب على حمل السلاح، وتهيئ لهم ساحات عامة وتغريهم بمختلف وسائل الإغراء، ومن الطبيعي أن يزدلف إلى الساحات ملايين من المسلمين، وبذلك تجمع الحكومة بين عدة فوائد، وهي:

1 ـ تعلم أكبر قدر ممكن حمل السلاح.

2 ـ عدم الجبر والإكراه، حيث يتنافى مع تسلّط الناس على أنفسهم.

3 ـ توفير معاشات الجنود على خزينة الدولة.

قال: إنه لابد من موظفين وكمية من الجنود تحت السلاح دائماً.

قلت: لا بأس بذلك، فإنه يصبح كسائر الوظائف التي يرغب إليها الناس طائعين.

قال: وإذا دهم المسلمين عدو، ولم يكن الموظفون فهل يُجبر الاحتياطي على الحرب؟

قلت: نعم، لأن الدفاع واجب كفاية أحياناً... وعيناً أحياناً أخرى)(33).

ولا يقتصر الموقف السلمي للإمام الشيرازي على ضرورة ممارسة الدولة للسلم، بل انه يؤمن بما يسمّى اليوم بالنضال السلمي للوصول إلى استلام دفّة الحكم، فحتي في المرحلة التي تسبق الوصول إلى الحكم يرفض الإمام الشيرازي الحرب إلا عند الضرورة القصوى، على أن يكون ذلك دفاعاً عن النفس والمبادئ العليا، مع تجنّب القتل تجنّباً قوياً، وعن هذين الأمرين يقول سماحته:

(ربما يُتوهّم أن الحرب حاسمة، فلابد للدولة من الحرب، سواء لأجل الوصول إلى الدولة أو لأجل توسعتها، أو لأجل إبقائها، إنه لا شك في أن الحرب حاسمة، لكن الكلام في أربعة أمور:

الأول: هل السلاح يأتي إلى يد الحركة الإسلامية بالحرب أو بالتنظيم والتوعية؟

الثاني: هل إذا تمكنت الحركة الإسلامية من قيادة الجماهير، تتمكن من إسقاط النظام السابق بالحرب، أو بشلّ قوى النظام بدون حرب؟

الثالث: هل إذا اضطرت الحركة، ولو بعد الوصول إلى الحكم، إلى الحرب، مع من يريد اجتثاث جذوره، الأفضل ألا تبدأ بالحرب حتى لا يُقال إن الحركة الإسلامية غير محبّة للسلام، حتى تكون السمعة للحركة الإسلامية، أو أن تكون الحركة هي البادئة حتى تظهر بمظهر الظالم المعتدي؟

الرابع: إذا كان لابد من الحرب، فهي اضطرار يقدّر بقدره، فإن ثلاثة أرباع الانتصارات تعتمد على الأعمال الدبلوماسية، فهل انتزاع الانتصار يجعل الربع الأخير عملاً حربياً، وثلاثة أرباعها الدبلوماسية أفضل أو جعل الجميع عملاً حربياً؟

(ثم يقول):

وبهذه المناسبة لا بأس إلى أن نشير إلى أمر آخر، وهو ان اللازم على التيار الإسلامي قبل الوصول إلى الدولة، والدولة الإسلامية، أن يتجنّب القتل، بكل قوة، فإنّ القتل يثير الناس إثارة بالغة، ولا ينسى الناس مَن قتل أولادهم وأقرباءهم وأصدقاءهم، وذلك إذا لم يؤثر في الخط القريب إبان قدرة التيار أو قدرة الدولة، فإن ذلك يؤثر في الخط البعيد)(34).

فسماحته لا يريد أن تسود دولة إسلامية لمدة محدودة زارعة نفسها عن طريق القتل، سواء قبل الوصول إلى الحكم أو بعده، بل يريدها أن تكون دولة إسلامية حقاً وأن ترسّخ جذورها بالوعي والسلام والحصول على رضا الناس. ولذا فإن سماحته يقف موقفاً صلباً ضد الانقلابات العسكرية، فيعلنها صريحة واضحة (لا للانقلابات العسكرية) فيقول تحت ذلك العنوان:

(الانقلابات العسكرية ولا كلام لنا فيها، حيث إنها خارجة عن البحث الاجتماعي، إلا إذا أريد التكلم حول قطّاع الطرق واللصوص، إذ كلا الأمرين من واد واحد، ولذا كلاهما يبنيان على سلب الناس أموالهم وكبت حرياتهم وقتلهم وتعذيبهم. منتهى الأمر أن اللصوص يعملون هذه الأعمال في نطاق ضيّق، والانقلابات العسكرية تعمل تلك في نطاق واسع، واللصوص لا يعترف القانون الدولي بهم، أما الانقلابات العسكرية، فالقوانين الدولية التي وضعها المستعمرون الشرقيون والغربيون، تعترف بهم، لأن في الاعتراف مزيداً من نهب خيرات الشعوب وتحطيمهم، وهذا ما يريده الاستعمار طبعاً، بل الانقلابات التي شاهدناها منذ ثلث قرن كلها كانت بمخطط استعماري شرقي أو غربي)(35).

فإذا كان الانقلاب العسكري مرفوضاً لهذه المعايير التي يضعها سماحة الإمام، فكيف يتم تغيير الأمراض الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ونحن نرى أن الحكام يتشبثون بالكراسي ويطبقون القوانين الغربية الفاسدة، ويحطمون الاجتماع؟! هل تنفع معهم النصيحة والكلام الناعم؟! وهل سيستجيبون؟

هذه الأسئلة وغيرها يجيب عنها سماحة الإمام، بأن التغيير يجب أن يتّخذ الإسلام دثاراً وشعاراً إلا عند الضرورة القصوى، حينذاك تباح المحضورات، وتقع الثورات. وتلك الثورات لا يجوز أن تقع عبثاً، بل لابد أن تتوافر لها شروط، وهي أن يكون الناس غير راضين على الحكم القائم، وأن الإصلاح غير ممكن عن طريق السلام، وأن يكون الثوار فعلاً يريدون الإصلاح(36).

ويشترط سماحته لصحة الثورة أن تؤدي إلى الحكم الاستشاري بعد هدم الحكم الجائر، وتوضيح معالم الحكومة المستقبلية مع تهيئة أسباب تلك الحكومة، وأن تكون الحكومة شعبية باللفظ والمعنى.

فكل شيء من هذه الأشياء ذات العلاقة بالناس، يراها الإمام مبنية على المحبة والمودة والرفق وأن يكون الناس أحراراً في آرائهم ومواقفهم وإبداء وجهات نظرهم.

ولذا نراه يكرر في بحوثه مسألة أن الثورة لا تُقبل إلا إذا أزالت باطلاً وشيّدت حقاً، وإلا بعد استنفاد جميع الأساليب الأخرى التي من شأنها أن تحفظ أموال وأرواح وأعراض الناس. وليس كل من أحدث ثورة جاز عمله لأن هذا التجوير مخالف للشرع والعقل، ولهذا السبب يعوّل سماحته على الاستشارية والصلاح والانتخاب فيقول:

(إذا توفّرت المؤهلات وانتخب الحاكم، فالقرار لا يمكن أن يصدره الحاكم بمفرده، ولا مع جماعة من الأفراد، بل بتعديل من مراكز القوى التي هي عبارة عن خيرة الشعب الذين اختاروا الحاكم، فإن الدولة ليست لعبة صماء تتحرك في الفراغ وتعمل حسب أهوائها وشهواتها ومنافعها، وإنما هي كائن حي مرتبط بجميع أفراد الأمة بوجه أو بآخر، تتفق تلك المراكز بعضها مع بعض في المصلحة، وتتعارض بعضها مع بعض مما يتقدم في الرأي أكثرهم في المؤهلات)(37).

1 ـ الاجتماع: ج 2 ص 7 .

2 ـ سورة النساء، الآية: 75 .

3 ـ الاجتماع: ج 2 ص 7 .

4 ـ ن.م: ج 2 ص 8 ـ 9 .

5 ـ Otto, A., Bird, The Idea of Justice, London 1987, p. 88 .

6 ـ الاجتماع: ج2، ص9 ـ 1 0

7 ـ ن. م: 10 ـ 11 .

8 ـ ن. م 2 / 12 .

9 ـ ممارسة التغيير 179 .

10 ـ تفصيل الموضوع في ممارسة التغيير 17 ـ 275 .

11 ـ ن. م 60 .

12 ـ ن. م 82 .

13 ـ ن. م 97 ـ 98 .

14 ـ ن. م 143 .

15 ـ تفصيلاتها في ممارسة التغيير 174 وما بعدها .

16 ـ ممارسة التغيير 179 .

17 ـ C. K. Allen, Aspects of Justice, London, 1972 .

18 ـ ولأول مرة في تاريخ العالم: ج 2 ص 76 ـ 77 .

19 ـ الغرب يتغير 15 .

20 ـ الاجتماع: ج 2 ص 13 ـ 14 .

21 ـ ن. م: ج 2 ص 14 .

22 ـ سورة الأنفال، الآية 6 .

23 ـ الاجتماع 24 / 21 ـ 14 .

24 ـ Benn, S. I., Social Principle, London, 1969, p. 117 .

25 ـ Braithwaite, R. B., The Moral Philosopher, London 1983, p.177 .

26 ـ Emmet, D., Justice and the Law, London, 1974, p. 316 .

27 ـ الاجتماع: ج 2 / 25 .

28 ـ ن.م: ج 2 ص 25 ـ 26 .

29 ـ ن. م: ج 2 ص 27 ـ 28 .

30 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 221 .

31 ـ الصياغة الجديدة 349 ـ 427 .

32 ـ سورة التوبة، الآية: 41 .

33 ـ حوار حول تطبيق الإسلام 164 ـ 165 .

34 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين 221 .

35 ـ الاجتماع: ج 2 ص 130 .

36 ـ ن. م: ج 2 ص 132 ـ 133 .

37 ـ الاجتماع: ج 1 ص 242 ـ 243 .