الفهرس  

الصفحة الرئيسية

 

الانحراف وعلاجه

هذه الدولة التي تأخذ بالصلاح والكفاءات والاستشارية واختيار الحاكم، وغير هذه الأمور، هي دولة مبنية على أساس الشريعة، ومنطلقة في الأشعة المختلفة والمتعددة التي رأيناها في تركيب فكر الإمام الشيرازي ونظرياته.

وتأسيساً على هذا فإن تلك الدولة والتي تأخذ بقانون (عفا الله عمّا سلف) كما مر بنا قبل قليل، تستطيع أن تحقق الأمان والطمأنينة والسلام بالمحبة والعدالة.

وتطبيقاً لهذه النظرة فإن سماحة الإمام يتطرق إلى مسألة من أهم مسائل علم الاجتماع المعاصر، وهي مسألة الانحراف وعلاجه، وهي المشكلة الخطيرة التي يتفاقم تأثيرها السيئ في أرجاء العالم، حتى أن الانحراف أصبح هو القاعدة في المجتمعات المادية في الغرب الرأسمالي والشرق الروسي، وتتعالى صيحات العلماء الأخلاقيين والمصلحين الاجتماعيين وعلماء النفس والسياسة من أجل وضع حد لطغيان الانحراف.

وقد شهد عهد التسعينيات كثيراً من جهود العلماء في هذا السبيل، ما بين تأليفات جديدة وحتى أنهم صاروا يعيدون طباعة الكتب الأخلاقية التي صدرت قبل أكثر من خمسين سنة ليذكروا الناس بها عسى أن يتغير وجه المجتمع، ومن أمثلة ذلك إعادة طباعة مؤلفات هوبهاوس (Hobhouse) مثل كتابه المعروف (1) (Moral in Evolution) الذي كان قد أصدره في سنة 1951 وما كتبه بياجيه (2) (Piaget) في سنة 1932 عن قضايا الأخلاق عند الأطفال، وغير هذا مما تمتلئ به المكتبات اليوم، ولكن السيطرة اليهودية على وسائل الإعلام والثقافة والصحافة في الدول ذات النفوذ والتأثير تعرقل هذه الجهود، وتنشر الرذيلة والانحراف.

ومن أجل تشخيص هذا المرض الخطير وعلاجه، يعود سماحة الإمام الشيرازي إلى البؤرة الشرعية، ويُطلق منها شعاعاً خاصاً بهذه المأساة الإنسانية الهائلة، فيرسم منهجه بالصورة المرقّمة التالية(3):

أولاً: تقرير أن الانحراف ليس قدراً مسلّطاً على الإنسان.

ثانياً: رفض الانحراف بكل صوره حتى لو كان صادراً من الحكام، فالحاكم ليس له الحق في الحكم مادام منحرفاً.

ثالثاً: تحديد موقف المجتمع من الانحراف، ويحدد سماحته ذلك الموقف بقوله:

(فانحراف الشخصية:

أ ـ قد يكون انحرافاً ملائماً للاجتماع، حيث يراه الاجتماع انحرافاً لكنه يرى أنه لابد من مثله، بل قد يوضع القانون من أجله، من جهة أن الاجتماع يرى جعل المنحرف في دائرة خاصة أفضل من تسيّبه، مثل عادة شرب المسكر أو استعمال المخدر أو إجازة الشذوذ الجنسي في كلا الجنسين، وما أشبه، هذا وإن كان في الإسلام خطأً كبيراً ويرى الإسلام منعه أهم من النفع المتوهّم له، وقد قال سبحانه: (وإثمهما أكبر من نفعهما)(4) إلا أن جملة من الأمم لم تدرك أهمية التّرك، أو أدركت ولكن لا علاج لها، حيث ليس لديها دين يدخل القلب فيكون الامتناع تلقائياً، ولذا أجازت مثل هذه الانحرافات)(5). ومن هذا يتبيّن لنا أن الإمام الشيرازي يرى أن التلقائية أفضل طرق محاربة الانحراف، وذلك من خلال الوعي وسيادة الشريعة. ولو أدرك الغربيون، أو ذلك الاجتماع الذي يقنّن للانحراف أهمية الدين الذي يدخل القلب ويجعل سلوك وتصرفات الإنسان نابعة بشكل تلقائي لما عاشوا هذا الانهيار الأخلاقي والأمراض البدنية والروحية المتولدة عنه إضافة إلى الجرائم المنتشرة وفقدان الأمان والاطمئنان في جميع الدول الغربية ومن يسير في ركابهم.

ويعود الإمام الشيرازي إلى الحديث عن نوع آخر من الانحراف، فيقول:

ب ـ وقد يكون انحرافاً غير ملائم، وهذا هو الانحراف الذي يقف الاجتماع دون ظهوره، وإذا ظهر حاول تقويمه، سواء كان المنحرف يراه انحرافاً ولكنه لا يقدر على إزالته، أو لا يراه انحرافاً، مثل الذي له عقدة الحقارة، حيث إنّ بعضهم لا يرونها سيئة، وبعضهم يرونها سيئة، لكنهم يرون عدم قدرتهم على إزالتها(6).

فإن أنواع الانحراف هنا تمت بوصف موقف الاجتماع منها، فما يكون انحرافاً لدى اجتماع ما، قد لا يراه الاجتماع الآخر انحرافاً. هذا من حيث النظرة العامّة، أما الإسلام فقد حدد الانحراف ورفضه رفضاً قاطعاً وحاربه بالوعي ثم عاقب مرتكبه، بعد إقامة الحجة عليه.

رابعاً: ان عوامل الانحراف متعددة، فقد تكون:

أ ـ وراثية، ولكن هذا لا يعتبر قضاءً وقدراً لدى الإمام الشيرازي، فهو يحدده بقوله: (الانحراف قد يكون بالوراثة، فإن الانحراف في الآباء يرثه الأبناء، فالولد سر أبيه، كما أن الولد يشبه العم والخال، إلى غير ذلك مما حقق في علم الوراثة، لكن الإرث لا يكون علة تامة، بل أمر اقتضائي، ولذا لا ينافي التكليف كما قرر في علم الكلام)(7) بمعنى أنه يمكن إزالة هذا الانحراف بالتوعية والمعالجة النفسية والاجتماعية، وهذه نظرة علمية صائبة تجد مصاديقها وتأييدها في نظريات علماء البيولوجيا والنفس والاجتماع، وحتى علم الجينات الحديث، مما دفع فلاسفة القانون إلى أخذ هذه المسائل بنظر الاعتبار في أفكارهم التي حددوها لتطوير النظام القانوني، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر بيرلمان (Perelman) في كتابه الذي أصبح مرجعاً لا غنى عنه، وعنوانه فكرة العدالة (8) (The Tdea of Justice) أن العدالة يجب أن تراعي تلك النواحي المتعلّقة بالوراثة والتوجيه الاجتماعي، وهذه الفكرة إسلامية قبل أن تكون غربية أو شرقية، وقد نصّ الإمام الشيرازي على ذلك بقوله:

(وهذا الانحراف الوراثي، إن أمدّه الاجتماع قوي الانحراف، وإلا بقي على حاله، إلا إذا كان الاجتماع صالحاً، حيث يتمكن من تقليله، وأحياناً من إزالته)(9).

ب ـ وقد يكون الانحراف بالعرض لا بالوراثة، وذلك أن يكون بسبب المعاناة في الصغر مثل تحقير الأولاد في البيت أو المدرسة، أو في محل لعبه أو ما أشبه ذلك، أو تدليل الأولاد أكثر من القدر المعتاد أو إبعاده عن الاجتماع، أو جعله في اجتماع سيئ، أو ما أشبه ذلك، فإن أمثال هذه الأمور تجعل الأولاد عرضة للانحراف بعقدة الحقارة، أو بالخمول أو بالنشاط المحرم، أو بما أشبه ذلك.

ج ـ وقد يكون سبب الانحراف (عدم ملاءمة ظروف الحياة، مثل الفقر أو الحرمان وحالة الفوضى والحرب والخصومات والمنازعات مع المنافسين والفشل في الحياة، والسجن خصوصاً الانفرادي منه، والكبت، والعصبية، وبالأخص إذا منع من التنفيس عن كبته ببكاء أو سفر أو سياحة أو رياضة أو ما أشبه ذلك، مما يوجب تنظيف النفس من المشاعر السوداء)(10).

خامساً: دراسة تأثير المجتمع في الانحراف والاستقامة، ويعتقد سماحة الإمام الشيرازي أن الحرية والكفاية هما اللذان يقللان الانحراف، يقول: (ثم الاجتماع كلما كان أكثر انغلاقاً، كان أخصب لرشد الانحراف، كما أنه كلما كان أكثر حرية صحيحة كان أخصب لرشد الاستقامة، هذا من جهة ومن جهة ثانية، كلما بني الاجتماع على إعطاء الحاجات وتوفرت فيه وسائل الحياة كان أبعد عن تكوين الانحراف، والعكس بالعكس، ولذا أكّد الإسلام على إعطاء حاجات الجسد ومنع عن الكبت)(11).

ونلاحظ هنا أن الإمام الشيرازي قد ربط الانحراف بالوضع النفسي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي، أي ان كل هذه العوامل تكون مسؤولة عن ظهور الانحراف، إضافة إلى عامل الوراثة الذي يمكن للاجتماع تعديله إلى الأحسن.

ونلاحظ أيضاً أن الإمام الشيرازي ضد الإفراط والتفريط في المسألة الدينية لئلا ينتج الانحراف عن ذلك، مستشهداً سماحته بالحديث الذي يقول (ان لجسدك عليك حقاً)(12) والحديث الذي يقول: (ان هذا الدين رفيق فأوغل فيه برفق، فإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى)(13).

ويعود سماحته إلى حالة الحرب مبيناً أنها من الحالات التي تشجّع على الانحراف نظراً للكبت الذي تولده والضغط على المتحاربين.

ونتيجة ذلك يلخص سماحته أسباب الانحراف في

1 ـ عدم استقامة العائلة.

2 ـ الحرمان.

3 ـ تناقضات الاجتماع.

وللعائلة دورها

ونظراً إلى أن العائلة هي أساس المجتمع، وهكذا ينظر إليها الإمام الشيرازي، إذ يعتبرها الحاضنة الطبيعية للأفراد، فيهتم بعلاج مشاكلها اهتماماً جدياً ويوليها عناية فائقة، ويرى ان أي انحراف في العائلة هو انحراف للمجتمع كله، وعليه فإن الغرب والشرق وعملاءهما في البلاد الإسلامية قد جمّعوا جهودهم للقضاء على العائلة وتسبيب الانحراف لها وتشجيع الأولاد والبنات على ترك الآباء والأمهات باسم الحرية وغيرها.

في مقدمة كتابه (العائلة) يكتب سماحة الإمام:

(العائلة في الإسلام اسم هذا الكتيب الذي كتبته ليكون مرشداً بدائياً لجانب هامّ من الحياة، عملت على هدمه قوانين الغرب وما زالت، حيث إني رأيت قبل نصف قرن (من تاريخ كتابة الكتاب) شؤون العائلة بدءاً وختاماً، وما رأيته بعد ذلك لا يشبه ما رأيته قبله إلا نادراً، فإنه باتباع المسلمين قوانين الغرب، ذهب دينهم ودنياهم)(14).

في هذا الكتاب المهم يضع سماحته مرتكزات لبناء العائلة بطرق سليمة، وهو في ذلك ينطلق من الشريعة التي تمثل مركزاً تنطلق منه الأشعة لبناء الحياة الكريمة، ومنها شعاع العائلة.

فبعد أن يستعرض فيه قانون الزوجية في الكون والحضارات القديمة والحديثة، والعلاقات الزوجية في اليهودية والمسيحية والمجوسية والبوذية والكونفوشيوسية والماديين، ينقل القارئ إلى أن الزواج نداء الفطرة، فهو ضرورة، وأنه يجب أن يكون مبكراً وبمهر قليل وبساطة المستلزمات. ثم يبين حقوق الزوجين وواجباتهما تجاه بعضهما بعضاً، بعيداً عن صنمية التقاليد التي لا تمتّ إلى الإسلام بصلة.

بعدها ينطلق بالقارئ إلى النشء الجديد والآداب التي يجب أن يتأدب بها والتربية وصلة الرحم وما إليها، ثم الشروط التي تجعل البيت سعيداً ومنها عدم الإسراف، والتعاون في العمل داخل البيت. بعد ذلك يتناول التحديات التي تواجه الأسرة وبالتالي الاجتماع كله، كالطلاق والعنوسة وتحديد النسل، وغيرها. ويرسم طريقاً واضحاً لحل تلك المشاكل، ويرى ضرورة تكوين مؤسسات تقوم بالتعديل العائلي، والمساعدة على السير الصحيح: (في منطق الإسلام: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)(15). فلكلّ دور ومسؤولية، لا قوام للاجتماع إلا بأدائها.

وإذا كانت العائلة نواة المجتمع، ومحور رقيّه وتخلّفه، فينبغي أن يكون لها من تلك الرعاية والمسؤولية حصة بالغة.

فالبنات اللاتي حان وقت زواجهن، والنساء المطلقات، والمتوفّى عنهنّ أزواجهن والخلافات الحاصلة بين الأزواج، وهذا مدار بحثنا، وهكذا الأيتام، كل ذلك بحاجة إلى عناية أكثر من تلك الدوائر، لحلّ مشاكلهم مهما أمكن، بتزويج من لا زوج لها، وبالإصلاح بين من وقع بينهما شقاق، وبرعاية الأيتام بسدّ احتياجاتهم الضرورية المادية والمعنوية، وتربيتهم تربية صحيحة علماً وعملاً.

فإن المجتمعات المادية ومنها المجتمعات الإسلامية في هذا العصر، تكثر فيها هذه المشكلات، وحيث إن كل إنسان في المجتمع المادي، منطقه (وانفساه) و(هل من مزيد) لا يتلقى عناية يستحقها.

ولذا فعلى المؤمنين الذين يرجون الله واليوم الآخر ويفكرون في إصلاح المجتمع ان يهتموا بالنساء والأيتام)(16).

ومن أجل ألا تظل هذه الدعوة مجرد دعوة يضع سماحة الإمام طرقاً توصل إلى تلك الغايات الإنسانية، بتعديل مسار العائلة ومنعها من الانحراف وقايةً للاجتماع من الانحراف، لذلك يستعرض الطرق التالية:

* مؤسسات الزواج.

* الاستشارية.

* التسهيل والتبديل.

* بيت المال.

ويتناول كل واحدة من هذه النقاط بالتحليل وبيان دورها في هذا الموضوع ومدى أهمية حل المشاكل عن طريقها.

* مؤسسات الزواج: يرى سماحته ضرورة إيجاد هذه المؤسسات لتساعد على توفير فرص الزواج وحل المشاكل التي قد تظهر في الحياة الزوجية. يقول سماحته:

(وحيث أخذت الصعوبات أطراف حياة المسلمين من كل جوانبها، ومنها بل من أهمها: ما يرتبط بقضايا الأسرة والزواج، ولما كان الرجوع إلى الموازين الفطرية والإسلامية بحاجة إلى زمان، حتى تتبدل العادة الطارئة ويعود الأمر إلى نصابه الأول، فمن اللازم، كما سبق أن تتأسس مؤسسات الزواج، ولجانه بين أفراد المجتمع، لتزويج العزاب والعازبات والأيامى من النساء والرجال)(17).

ولا يقتصر عمل هذه المؤسسات والجمعيات على التزويج، بل لها فوائد أخرى يذكر منها سماحته:

(ان الجمعيات الخيرية من أفضل الحلول للعديد من مشاكل الأسرة والمجتمع، بل وفي أي حقل من حقول الحياة، فإنها:

أولاً: محفزة لنشاط الأفراد أو الجمعيات المشابهة، لأنها نوع من التعددية، والمنافس يوجب تحفيز المنافس الآخر.

ثانياً: تكون مورد اعتماد الناس، حيث إن اعتماد الناس على الجماعة أكثر من اعتمادهم على الفرد.

ثالثاً: لا يجد الفرد الجامح المجال مفتوحاً للاستبداد.

رابعاً: يكون أقرب إلى الصواب، حيث التشاور وجمع عقول الناس، و(أعقل الناس من جمع عقول الناس إلى عقله).

خامساً: حيث تقع المنافسة بين أفراد الجماعة الواحدة، فيسعى كل فرد منها لأن يأتي بالأفضل والأكثر، فيصلح الأمر كمّاً وكيفاً، بما لا يوجد مثله في الفرد، مهما كان كاملاً ومخلصاً، إلا المعصوم الذي عصمه الله سبحانه، ومع ذلك نجد الرسول المعصوم، (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: (أيها الناس أشيروا عليّ)(18). وقبل ذلك قال له القرآن الحكيم: (وشاورهم في الأمر)(19) و (أمرهم شورى بينهم)(20) وقوله تعالى: (عن تراض منهما وتشاور)(21). وما رادف ذلك من معاني ومصاديق الشورى. ولذا فاللازم تكثير تلك الجمعيات الخيريّة في كل مناحي الحياة)(22).

وهكذا يؤكد سماحته على (الشورى) ورفض الديكتاتورية، والأنظمة ذات الحزب الواحد، ويقرر هذه الحقيقة في النقطة الثانية:

* الاستشارية: حيث يرى سماحته أنه (لاشك أن الجمعية الخيرية تتمكن من أن تعمل بكل طاقاتها في البلاد الاستشارية (الديمقراطية) فيما لا يتسنّى لها ذلك في البلاد الدكتاتورية، وذات الحزب الواحد بسبب ما تواجهه فيها من الحصار والمطاردة وتحديد الصلاحيات)(23).

ويلاحظ سماحته أن الزواج في الدول الاستشارية (من السهولة بمكان، بحيث ان الحكومة تصبح فيها مؤسسة كبقية المؤسسات، لكن بفارق أن الأولى تشرف على الثانية في الجملة، وذلك من أجل رفع الظلم وفي سبيل تقدم البلاد وازدهارها، ولمراعاة المصلحة العامة، مثل أن لا تبيع الشركة الفلانية بضاعة خاصة إلى المكان الفلاني، أو تبيع، وكون المصلحة عامة بمعنى الكلمة، حيث الأحزاب الحرة والانتخابات الصحيحة، لا كما عبّر المستبدّون عن إرادتهم بهذه الكلمة، فإنهم لا يرون إلا مصلحة أنفسهم، ويتسترون وراء الألفاظ البراقة)(24).

ومن هذا التحليل والعرض يخلص سماحته إلى أنه (ولذا فالأعمال إذا كانت جماعية، في أي شأن من شؤون الحياة تمشي بيسر)(25).

وينتج عن هذا ضرورة الاستفادة من جميع الإمكانيات المتاحة في ظل تعدد الأحزاب ويسر القانون ويسر الاعلام وسهولة جمع التبرعات وغيرها. فحتى في هذه المسألة التي قد يراها بعضهم مسألة خاصّة ينظر إليها سماحته وفق الشورى والحرية والوضع الاقتصادي، وهذه رؤية شمولية يثبت الواقع صحتها وصدقها وأصالتها، لأنها تنبع من الأساس الشرعي لفكر سماحة الإمام الشيرازي.

* التسهيل والتبديل: وفيه يعرض سماحة الإمام لأوضاع العائلة المنهارة في العالم الإسلامي، ويقرر أنها لا تستطيع أن تنقذ نفسها بنفسها من غير مساعدة، لذا يطلب تأسيس (جماعات التسهيل) و (جماعات التبديل) مقرراً ما يلي:

(والمسلمون اليوم يعيشون في لجة من الفقر والمرض والجهل والتأخر والفوضى، ولكن، ونحن نتطرق للعائلة، نتساءل كيف نرفع من مستواها الاقتصادي لتتخلص من الفقر؟ ومن مستواها الصحي لتقوم من المرض؟ ومن مستواها العلمي لتتحرر من الجهل؟ ومن مستواها الاجتماعي لتخرج من الفوضى؟)(26).

فهذه هي الأمور الأساسية التي تشكّل الحياة في كل زمان ومكان، وهي ما يهتم به سماحة الإمام اهتماماً كبيراً ويجعله أمام أنظار جميع الناس ليعرفوا حقوقهم، وأمام الحكام ليعرفوا واجباتهم تجاه الناس، تطبيقاً للعدالة وتحقيقاً لرسالة الإسلام الإنسانية الشاملة.

وبعد أن يذكر تلك الأمور التي تحوي الاقتصاد والصحة والعلم والاجتماع، ينطلق إلى تقرير كيفية الانقاذ فيقول:

(إن العمل الفردي لا ينفع، ولا تقدر العائلة على حل مشاكلها بمفردها. فينبغي أن توجد في الأمة (جماعات التسهيل) و (جماعات التبديل). فشأن الأولى: تسهيل الأمر على العوائل بفتح المدارس والمستشفيات، ونصب المعامل للعمال، وتهيئة الأرضية المناسبة للأعمال، إلى غير ذلك)(27).

ويعتقد سماحة الإمام أن الجهل والفقر والمرض هي عوارض وظواهر فحسب، وإضافة إلى ضرورة مكافحتها يجب أن تتم العناية الأكبر بالقضاء على أسباب تلك العوارض والظواهر، أي على أصل المشكلة: (أما أصل المشكلة فهو في تبديل الغرب بمعونة حكامه العملاء لأحكام الإسلام وقوانينه، التي كان فيها حياتنا (إذا دعاكم لما يحييكم)(28). فاللازم أن تشكل أيضاً (لجان التبديل) لإرجاع قوانين الإسلام الحيوية، وإلا فلن تكون معيشتنا إلا ضنكاً وضيقاً، كما قال سبحانه: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)(29)..

وحيث إن الخلاص يكمن في رجوع تلك القوانين الحيوية، فشأن لجان التبديل أن تبدل القوانين الفاسدة، إلى القوانين الصالحة، قانوناً قانوناً، لعل الله سبحانه ينظر إلى المسلمين بنظر رحمته، وينقذهم مما هم فيه من تأخر وتخلف وضياع)(30).

وينظر سماحته في طرق تحقيق ذلك بالاستفادة من جميع الإمكانيات العالمية والحوار مع الآخرين لا توزيع الشتائم والسباب وإلقاء الملام على الآخرين دائماً، وتتوفر عوامل نجاح إضافية بالاستفادة من تجار المسلمين الأخيار في عملية التسهيل والتبديل. (فإن المال والسلطة والعلم توجّه الاجتماع إلى الخير أو الشرّ لا سمح الله)(31).

* بيت المال: وهو مكان تجميع الأموال في الدولة الإسلامية ومن ثم إنفاقها في الأمور الضرورية (والسياسة التي يقوم عليها بيت المال هو: تجميع المال من الأغنياء وإنفاقها على الفقراء)(32). مرتكزاً في ذلك على العقل والشرع. (ومصادر بيت المال هي أربع: الخمس والزكاة والجزية والخراج، ولكل من هذه المصادر تفصيل مذكور في الكتب الفقهية، وتستطيع هذه المصادر أن تؤمن حاجة الناس والدولة إلى المال، ولم تعد هناك حاجة لأخذ الضريبة من الناس إلا في الحالات النادرة مثل حدوث الزلازل والسيول والقحط والجفاف وما أشبه ذلك، إذا كانت الدولة بإشراف شورى الفقهاء المراجع)(33).

وهكذا يربط سماحته بين الاقتصاد والاجتماع والسياسة، فإذا بموضوع العائلة له علاقة بتلك الأمور كلها، بما فيها بناء الدولة نفسه وتقليل أعداد الموظفين، الذين إذا تكاثر عددهم أصبحت هناك ظاهرة (البطالة المقّنعة) التي نادى العلماء حتى من أهل الغرب أنفسهم بالتخلّص منها، ويمكن مراجعة كتابات ي. سايمون (34) (Y. Simon) وب. ساير (35) (P. Sayre) وغيرهما.

ولذا ترى أعداد الموظفين في بعض الدول الغربية مثلاً هو العدد الذي يحتاجه العمل فقط، وهو تقليد إسلامي أصيل، أي أنه مأخوذ عن الإسلام أصلاً، حين اطلع الغربيون على أسس بناء الدولة في الإسلام، وقد اعترف بذلك كثير من علمائهم والمنصفين منهم.

ويكشف سماحة الإمام عن السر الدالّ على كفاية تلك المصادر الاقتصادية الأربعة لسدّ نفقات بيت المال، قائلاً:

(والسر في كفاية تلك الضرائب الأربع أن الإسلام جعل الأمور بيد الناس، وان مسؤولية الدولة هي الإشراف وترشيد المصادر المالية من خلال عدد قليل من الموظفين المختصين، كما فصّلنا ذلك في بعض الكتب المعنية بهذا الشأن. ومن الضروري الاستفادة من الطاقات الكبيرة وتجنيدها للعمل المثمر بدلاً من تعطيلها في الدوائر التي لا لزوم لها، ويمكن الاستغناء عنها)(36).

ومن هذا التحليل والتعليل يخرج سماحة الإمام إلى موضوع العائلة، فيقول: (ويقوم بيت المال بتأمين احتياجات الناس ومنهم الذين يريدون الزواج في حالة فقرهم)(37).

على أن أمر العائلة ودورها في مقاومة الانحراف لا يقف لدى السيد الإمام عند هذه النقاط، على أهميتها، بل ان سماحته يضيف إليها، القضايا الأخلاقية الفردية والعائلية التي تشد البنيان الاجتماعي شداً محكماً. كصلة الرحم الذي يقرر فيه: (يسرع الإسلام إلى التوصية الكافية بالأرحام بصورة عامة، من ناحيتين:

إيجابية: فيلزم أن يتواصوا ويتبارّوا ويتراحموا ويتفقد بعضهم بعضاً.

وسلبية: فيحرم القطيعة بشتى أشكالها، ويوجب غسل القلوب عن ضغائن ربما تستشري بينهم فلا تدع ولا تذر)(38).

ومن صلة الرحم إلى الأم والأب: (ولذا نرى الإسلام، الإسلام العظيم العارف بالحقوق، يمنح الوالدين قسطاً كبيراً من الإحسان والإكرام، ووجوب الطاعة والاتباع وحتى لو كانا مشركين! والمشرك بنظر الإسلام معلوم حاله، وحتى لو جاهداً لإشراك الولد فإن الإسلام لا يمنعهما رفده والتوصية بهما: (وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفاً)(39) ويقول: (واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربّ ارحمهما كما ربياني صغيراً)(40) ويقول: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً)(41). ويقول ويقول. وفي الأحاديث كثرة هائلة للتوصية بالوالدين وبرهما والحذر من معصيتهما وعقوقهما)(42).

هذا جانب من جوانب العناية بالعائلة، وهو جزء من جوانب كثيرة مفصّلة في كتب الفقه عن حقوق المرأة، وحقوق الرجل، وحقوق الطفل في جميع مراحل عمره، حق كل منهم على الآخر، وحقهم جميعاً على الدولة التي عليها رعايتهم وتوعيتهم وبث الفضائل والأخلاق بينهم. من أجل أن تكون عائلة صالحة، وبصلاحها يصلح المجتمع.

(فعدم استقامة العائلة عبارة عن عدم سلامة وأمن البيت الذي يربى فيه الأولاد إما بالكبت أو بالتنازع أو بالمزيد من العطف فإن كل ذلك يوجب عدم استقامة النفس مما ينتهي بالآخرة إلى الانحرافات الروحية)(43).

ويتفرع من هذه المسألة فرع آخر والذي هو الحرمان، كما ذكرناه سابقاً في النقاط التي يجعلها سماحة الإمام أسباباً للانحراف:

(أما دور الحرمان فهو كبير في خلق الانحراف، فإنه يؤثر في الانحراف من جهتين:

 ان الحرمان يؤثر على الجسم نقصاً في جهاز من الأجهزة، سواء كان بسبب سوء التغذية أو بسبب عدم الوقاية من الحر والبرد، أو بسبب عدم وسائل الصحة في الماء والهواء، أو بسبب عدم الدواء.. فيؤثر الاختلال الجسمي في الاختلال النفسي، كما تقدم وجهه.

ولذا نرى في البلاد ذات الاختلاف الطبقي تبتلى الطبقة الفقيرة بأمراض النفس مما لا يوجد مثل ذلك في الطبقة الغنية، ويعرف ذلك جلياً في الأحياء السكنية الفقيرة والغنية...

ومن أجل ذلك يكون المبتلى بالانحراف النفسي أكثر بكثير في العوانس والأرامل والأيتام والنساء اللاتي طلّقن والرجال الذين طلّقوا زوجاتهم، من غير هؤلاء، كالنساء والرجال ذي الأزواج، والذين لم يصلوا مبلغ الزواج من الصنفين، والأولاد الذين لم يصابوا بفقد أحد الأبوين)(44).

ومن طبيعة الأمور أنه إذا كانت العائلة مريضة مرض الاجتماع، وتولدت فيه التناقضات والنقائص مما يزيد من سرعة انتشار الانحراف وتعدد صوره، فتناقضات الاجتماع تعمل بالتأكيد على تعميق الانحراف، بل ان المجتمع الذي لا يبالي بالأخلاق سوف يؤثر تأثيراً كبيراً على الأفراد وخاصّة الأطفال والشباب حتى من كان صالحاً منهم وفي عائلة صالحة، إلا إذا وقع دوام المراقبة والتوجيه، يقول سماحته في هذا الصدد:

(أما تناقضات الاجتماع، فهي الأخرى توجب الانحراف من حيث يقع الفرد بين جهتين متضادتين، ويسبب ذلك انفصام شخصيته، واختلالاً في داخله يجره إلى الانحراف، مثل ما إذا وقع الاجتماع بين كماشتي الثقافة القديمة والثقافة الجديدة، أو وقع الفرد بين التضادّ الثقافي، لأن ثقافته الاجتماعية توجب شيئاً وثقافته الحزبية أو ما أشبه توجب شيئاً آخر، وكما إذا أمره دينه بشيء واجتماعه بشيء آخر. ولذا نجد الانحراف في البلاد الإسلامية بكثرة بعد أن غزتها الثقافات الدخيلة ونرى من يفرط في شرب الخمر بما لا يفعل مثله زميله في بلاد المستعمر، إلى جانب من يفرط في التطهير إلى حد الوسوسة، بما لم يأمر الإسلام به، إلى غير ذلك من الأمثلة. وقد نعى جماعة من علماء الأخلاق في الغرب تحطم الاجتماع الغربي من جهة التناقضات السائدة في تلك البلاد، لأن الاجتماع يدعو الفرد من ناحية إلى حب الإنسان وخدمته ومراعاة حقوقه، ومن ناحية إلى حب الشهرة وجمع المال وتطلب المزيد من الربح، وكذلك يدعوه إلى الرؤية المستقبلية والوعي والرشد الفكري، وتارة إلى حقائق مقبولة بواسطة الدعايات الملتوية في الإذاعات والصحف وغيرها، وهكذا يزيد تارة من حاجاته الاقتصادية بسبب المنتجات الاقتصادية الجديدة ذات الجمال والبريق، ثم لا يهيئ له الوسائل الكافية والإمكانات لاحتواء تلك الحاجات، وكذلك في أمر الحرب والسلام والاستعمار والتحرر، بينما السلام هو ظاهر دعاياتهم والتحرر هو مدّعاهم، يعملون ليل نهار للحرب وللاستعمار الأكثر فالأكثر)(45).

والآن، وعلى فرض تطبيق كل هذه الأمور، من نشر الفضيلة والأخلاق الحسنة، ومعالجة الخلل الاجتماعي وتكوين المؤسسات، وتحسين الظروف الاقتصادية والصحية، وإعطاء الحرية، وتطبيق الاستشارية، والقضاء على الحروب والدكتاتورية، ونشر السلام والعدالة، وغيرها مما مر، فهل تنتهي الجريمة؟ وهل سيتحول الناس إلى ملائكة بلا خطيئة؟

بالطبع كلا.. ولكنها إن وقعت فلن تكون ظاهرة اجتماعية كما هي اليوم فإن المجتمعات الحديثة والتي يسمونها متطورة تعيش في بؤرة من الرذائل والانحطاط الخلقي، مما سبق أن ذكرنا جانباً منه، وأشرنا إلى تنبيه العلماء الغربيين أنفسهم إلى خطورته.. أما في حال الأخذ بمنهج سماحة الإمام الشيرازي، والذي هو منبثق من الأساس الشرعي، فإن كل الظواهر السلبية ستصبح ضئيلة ولن تكون ظاهرة اجتماعية.

ومع هذا فإن الإسلام قد شرّع عقوبات للمنحرفين، وتلك العقوبات لا ينظر إليها الإمام الشيرازي على أنها اعتباطية بل لابد من توفر دراسة وافية لكل حالة من الحالات التي تعرّض صاحبها للعقاب، لأن الدين رحمة لا نقمة، ولذا نقرأ:

(المنحرف يجب أن يعاقب بعد ملاحظة أربعة أمور:

1 ـ الجريمة.

2 ـ والمجرم.

3 ـ والاجتماع.

4 ـ والصلاح.

فمثلاً على حجم الجريمة: زنا محصن أو زنا غير محصن؟ وهل المجرم غير بالغ ليؤدب أو بالغ ليحدّ؟ وهل الاجتماع صالح حتى يكون المنحرف خارقاً للصلاح العام؟ قال سبحانه: (لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها)(46) أو الاجتماع غير الصالح حتى يكون المنحرف خارقاً للقانون لا للصلاح العام، وقد قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (ساحر المسلمين يُقتل، وساحر الكفّار لا يُقتل، لأنه في أسوأ من السحر)(47). ولم يكن جزاء السارق في المخمصة (أي الجوع) قطع اليد، وبعد ذلك يأتي دور الأهم والمهم، وهل أن الصلاح العقوبة أو تركها أو قدر منها؟ قال الله تعالى: (وخذ بيدك ضغثاً فاضرب به ولا تحنث)(48). وجعل الإسلام الصلح سيد الأحكام، وقال تعالى: (والصلح خير)(49) حتى لا يستفزّ أحد الطرفين ويهيئ الأرضية للانحراف)(50).

فالعقاب، إذن، ليس مسألة مطلقة، فمن فعل كذا فعقابه كذا، ومن فعل كيت فعقابه كيت.. وهذه نظرة من لدن الإمام الشيرازي متقدمة جداً حتى على ما يقرره علماء الاجتماع المعاصرون، واقرأ مثلاً ما كتبه علماء كبار مثل ج . ماريتين (51) (J. Maritain)  وما كتبه الباحث ر. ب. كاتل (52) (R. B. Cattel) عن الأخلاق والقانون، ستجد صدى جزئيات نظرة الإمام الشيرازي إلى موضوع العقوبات، غير ان أولئك العلماء لم يصلوا إلى الغاية التي وصل إليها سماحة الإمام الذي كأنه يتناول الموضوع على هدي قوله تعالى: (وحناناً من لدنا)(53) فتجد ان سماحته قد انحاز إلى صف الإصلاح ما أمكن الإصلاح، ولم ينظر إلى العقوبة على أنها انتقام من المنحرف، يقول سماحته:

(وعلى أي حال، فالمهم في باب الانحراف:

1 ـ العلاج

2 ـ وإصلاح المجتمع الصغير.

3 ـ وإصلاح المجتمع الكبير.

 

1 ـ العلاج :

فإن المنحرف غالباً ليس إلا ضحية الاجتماع، فيجب أن يُنظر إليه بنظر العطف والشفقة لا بنظر الغضب والازدراء، ولذا لم يرد في التاريخ ازدراء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلي (ع) بالمجرمين وإن طبقوا عليهم أحياناً الحدود الشرعية...

وقد اكتشف علماء السياسة والاجتماع أخيراً لذلك قاعدة عجز القوة وقوة العجز، حيث إن القوة يختفي في طياتها العجز، فهل يمكن أن يضرب لص بمدفع ميدان؟ وهل يمكن أن يقابل سلم العدو (العجز) بالقمع؟)(54).

وعلى أي حال يواصل الإمام الشيرازي بعد أن يضرب أمثلة من التراث الإسلامي على ما سبق ذكره بوصف علاج الانحراف، ويراه في:

أ ـ استدراج المنحرف إلى الاستقامة من أقرب الطرق وأسهلها، بمعالجة مشكلته التي يعاني منها والتي تدفعه إلى الانحراف كالفقر وعدم وجود الزوجة وما إلى ذلك.

ب ـ تهيئة مصحات تمزج العلاج، بتشغيل المنحرف، إذ المنحرف إذا ارتبط بالعمل لم يبق له فراغ للانحراف الفكري أو العملي، فإنّ فكره يشتغل بعمله وتعبه العملي يورث انضباط أكله ونومه مما يسببان له راحة وبهجة، وبالأخص إذا كان شغله مغرياً وموجباً لتقدمه، حيث أنّ ذلك يسبب له النظر إلى نفسه بالرفعة فيتجنب تعاطي الأمور الوضيعة والتفكر في الأمور السخيفة.

ج ـ إذا كان مستحقاً للعقوبة عوقب بقدر الضرورة كماً وكيفاً.

2 ـ إصلاح المجتمع الصغير:

 ويعني به سماحته العائلة والمدرسة ونحوهما (فقد سبق أن للمشاكل العائلية وسوء تربيتهم للأولاد، وانحراف الثقافة في المدرسة، وسوء معاشرة المعلم ونحوه للتلاميذ، يسببان لهم انحرافاً.. فاللازم على الأبوين إعطاء الأولاد العقل والعاطفة معاً، بدون إهمال أو تشديد حتى يحس الطفل بالأمن ويشعر بحدود عمله، فيعطيانه حاجاته، وفي نفس الوقت يعلمانه الانضباط والنظافة والأدب والعمل وحب الآخرين والمشاركة معهم وعدم الاستبداد...

أما المدرسة فهي محل التربية الفكرية والعملية، وتقويم الطفل فيها أصعب من تقويمه في البيت، حيث إنه في المدرسة تختلط الأجواء، فإن لكل طالب جواً، والنفس تسرع في اكتساب السيئات أكثر من كسبها للحسنات.. ولذا يكون اللازم استقامة الثقافة واستقامة التربية والمواظبة الكاملة على عدم سراية الأخلاق السيئة من بعض الطلاب إلى بعض. ولا يخفى أن المجتمع الصغير حيث إنه مندمج في المجتمع الكبير يلزم أن يصلح المجتمع الكبير أيضاً، إذا أريد إصلاح المجتمع الصغير)(55).

وإذا كان إصلاح العائلة وإصلاح المدرسة من المسائل المعقدة والمتشابكة مع كثير من الظروف، فإن تعلّقها بإصلاح المجتمع الكبير يعقّدها أكثر، لذلك يعتقد سماحة الإمام أن إصلاح المجتمع الكبير من أشكل الأمور:

3 ـ أما إصلاح المجتمع الكبير:

 فهو من أشكل الأمور، إذ يتدخل فيه الاقتصاد والسياسة والشؤون الاجتماعية، والعمران والتربية، وغيرها، وهو بحاجة إلى جيش من المصلحين ومن المثقفين ومن المحنكين، حتى يمكن إصلاحه. فإن مثل محاربة تعاطي الخمور والمواد المخدرة، والانحراف والشذوذ الجنسي وفتح مدرسة أو إخراج مجلة أو ما أشبه، أمور جزئية، لا يمكن إصلاح المجتمع الكبير بها، وإنما إصلاحه بحاجة إلى تخطيط عام يشمل كل جوانبه وأول الإصلاح أن يكون القائمون به صالحين، وإلا فاقد الشيء لا يعطيه)(56).

ويوجز سماحته ذلك الإصلاح بالإيمان والحرية والاستشارية واقتسام العلم والحكم والمال، أو ما يسمى بالقدرات بين جميع أبناء الاجتماع، حسب مؤهلاتهم وإمكانياتهم وطاقاتهم، وبغض النظر عن أجناسهم وقومياتهم ومذاهبهم واختلاف ألسنتهم. وهذا يعني سيادة فكر ينبثق من مرتكز شرعي يطلق أشعة متوازية، كل شعاع يمثل جانباً من جوانب الحياة، حتى إذا تمازجت الأشعة، وصلنا إلى إصلاح الاجتماع، وتهيئة الأرضية الصالحة للنمو والتطور الحقيقيين.

1 ـ Hobhouse, L. T. Morals in Evolution. London, 1981, p. 42 .

2 ـ Piaget, J., The Mora, London, 1961, p. 401 .

3 ـ الاجتماع: ج 1 ص 239 ـ 264 .

4 ـ سورة البقرة، الآية: 219 .

5 ـ الاجتماع: ج 1 ص 244 .

6 ـ ن. م: ج 1 ص 244 .

7 ـ ن. م: ج 1 ص 245 .

8 ـ Perelman, C., The Idea of Justice, London, 1977, p.84 .

9 ـ الاجتماع: ج 1 ص 245 .

10 ـ ن.م: ج 1 ص 246 .

11 ـ ن. م: ج 1 ص 246 .

12 ـ صحيح البخاري: ج 2 ص 245 .

13 ـ أصول الكافي: ج 2 ص 86 .

14 ـ العائلة 9 .

15 ـ بحار الأنوار: ج 72 ص 36 .

16 ـ العائلة 125 ـ 126 .

17 ـ العائلة 127 .

18 ـ بحار الأنوار: ج 19 ص 218 .

19 ـ سورة آل عمران، الآية: 159 .

20 ـ سورة الشورى، الآية: 38 .

21 ـ سورة البقرة، الآية: 233 .

22 ـ العائلة 128 ـ 129 .

23 ـ العائلة 130 .

24 ـ ن.م: 130 .

25 ـ ن.م 131 .

26 ـ ن.م 132 .

27 ـ ن.م 133 .

28 ـ سورة الأنفال، الآية 24 .

29 ـ سورة طه، الآية 124 .

30 ـ العائلة 135 .

31 ـ ن.م 135 .

32 ـ ن.م 138 .

33 ـ ن.م 138 .

34 ـ Simon y., The Philosophy, Chicago, 1981, p.213 .

35 ـ Sayre, P., Modern Legal Philosophies, New York, 1974 p. 237 .

36 ـ العائلة 139 .

37 ـ ن.م 139 .

38 ـ الفضيلة الإسلامية 272 .

39 ـ سورة لقمان، الآية: 15 .

40 ـ سورة الإسراء، الآية: 24 .

41 ـ سورة النساء، الآية: 36 .

42 ـ الفضيلة الإسلامية 282 .

43 ـ الاجتماع: ج 1 ص 249 .

44 ـ ن.م: 1 ص 250 ـ 251 .

45 ـ ن.م: ج 1 ص 252 .

46 ـ سورة الأعراف، الآية: 56 .

47 ـ الوسائل: 18 / 576 .

48 ـ سورة ص، الآية 44 .

49 ـ سورة النساء، الآية: 128 .

50 ـ الاجتماع: ج 1 ص 254 ـ 255 .

51 ـ Maritain, J., Man and State, Chicago, 1969, p. 143 .

52 ـ Cattel, R. B., The Sane Society, New York, 1983, p. 323 .

53 ـ سورة مريم، الآية: 13 .

54 ـ الاجتماع: ج 1 ص 257 .

55 ـ ن.م: 1 ص 259 .

56 ـ ن.م: 1 ص260 .