العدل |
|
العدل في الإسلام قضية كبيرة وواسعة ومهمة، لأنها تتصل بأكثر مجال: ا- العدل: عقيدة... حيث يشكل عدل الله إحدى مرتكزات العقيدة الإسلامية على طريقة أهل البيت عليهم السلام. ب- العدل: تكوينيا... حيث أن الوجود في التصور الإسلامي متوازن ومترابط (وأنبتنا من كل شيء موزون). ج- العدل: سلوكا... فهذا الدين يطالب الإنسان أن يحكم في تصرفاته الحق وان لا يحيد عنه.. أي أن يكون عادلا ولذا اشتراطه في الفقيه والحاكم وإمام الجماعة. د- العدل: اجتماعيا.. أي أن المجتمع وحركته يجب أن يقوم على أساس متوازن في الحقوق والواجبات، بغض النظر عن أي اعتبار هامشي من لون أو عنصر أو لغة. وللإمام الشيرازي حديث عن العدالة بمعناها السلوكي والاجتماعي، يتسم تارة بالطابع الوعظي العاطفي، وأخرى بطابع الفكر والتنظير. وعلى سبيل تحضير الضمير وشحن النفس بغريزة العدل، يستشهد الإمام الشيرازي بجملة من قصص الحياة الواقعية على انتصار العدل على الظلم ولو بعد حين. وقد جمع هذه القصص في كراس صغير اسمه (العدل أساس الملك) أجد فيه خير زاد للاتعاظ بقيم العدل في هذه الحياة. أما على الصعيد النظري، فالإمام الشيرازي يرى : أولا: أساس الدولة الإسلامية : إن العدل من الأسس التي تقوم عليها الدولة الإسلامية، وذلك( حتى مع الأعداء، وحتى في الأمور الطفيفة ).(1) ويستشهد لرأيه بجملة من النصوص القرآنية والنبوية حيث يستنتج منها (وجوب العدل ).(2) ثانيا: تساوي الفرص : إن العدل الاقتصادي يعني التقريب بين الطبقات وليس تسويتها، ولا يكون ذلك بواسطة التوزيع الآلي للثروة كما يتصور البعض، فمثل هذا المنهج بدائي متخلف، بل تسوية الفرص بين يدي الناس. يقول الإمام الشيرازي في كتابه الاقتصاد ( مسألة- 9) : (اللازم الاهتمام لتساوي الناس في الأمور الاقتصادية، فإن الناس من أب واحد وأم واحدة...).(3) ثالثا: الملكية :وفي هذا المجال يرفض الملكية في صورتيها المتناقضتين (الإفراط والتفريط) أي في منظورها الماركسي والرأسمالي. ويتجه الاقتصاد الإنساني إلى الاعتراف بالملكية المعتدلة بعد أن فشلت كلا التجربتين الغربية والشرقية في هذا المجال .(4) رابعا: التسوية في العطاء : ويندرج في هذا الإطار مبدأ التسوية في العطاء الذي أصر أمير المؤمنين عليه بعد تولي الخلافة، ويستند الإمام الشيرازي في إقرار هذا العنصر الاقتصادي ضمن فكرته عن العدالة على مجموعة من النصوص الشرعية وسيرة علي عليه السلام .(5) قال تعالى:-(ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب) 7 / ا لحشر. وعن الصادق(عليه السلام) :( من تولى أمرا من أمور الناس، فعدل وفتح بابه ورفع ستره ونظر في أمور الناس، كان حقا على الله عز وجل أن يؤمن روعته يوم القيامة ويد خله الجنة). وعن الصادق(عليه السلام):(أهل الإسلام هم أبناء الإسلام أسوي بينهم في العطاء، وفضائلهم بينهم وبين الله، اجعلهم كبني رجل واحد،لا يفضل أحد منهم لفضله وصلاحه..). خامسا: شروط الحاكم: و أخيرا العدالة صفة يجب توفرها في الفقيه لكي يصح تقليده، ويصح الانقياد له كحاكم وقائد.. وسيأتي عن ذلك حديث في شورى المراجع. ونظرة سريعة في هذه المنظومة من العناصر نكتشف بسهولة من خلالها،أن العدل في تصور الإمام الشيرازي ( قيمة ) اجتماعية بقدر ما هو قيمة فلسفية، وطبيعة المفكرين الذين يولون الأهمية الأولى للإنسان في همومهم الفكرية والسياسية، يتحدثون عن العدل في روحه العلمية اكثر مما يتحدثون عن معناه الميتافيزي. ويربط الإمام الشيرازي بين العدل والعمل الصالح، ربطا عضويا ولذلك يقول في معرض تفسيره لبعض آيات القرآن الكريم التي تأمر بالعدل إن الذي يعدل في كل حال هو الذي عمل الصالحات … (6) وهذا يعني إن العدل في تصور الإمام الشيرازي قوة خلاقة. تنعش الحق وتدمر الظلم وذلك ما أثر عن الفيلسوف والسياسي (ج. لويس ديكنسون) ( العدالة قوة، وإذا لم تستطع أن تخلق شيئا، فإنها تستطيع- على الأقل- أن تدمر..)(7). وان العدل بهذه الآفاق العريضة من أهداف الدولة الإسلامية في نظر الإمام الشيرازي. يقول:- ( مسألة- 29)- من الأمور الأساسية التي تهتم بها الدولة الإسلامية العدل والإحسان (وهو فوق العدالة) فإذا أعطيت العامل حقه فهو عدل، وإذا زدته على حقه فهو إحسان). (8) على أن الإمام الشيرازي يعمق العلاقة بين العدالة والإحسان، فيرى أن الأخير سمو للأول، وكمال له، وارتفاع به. كيف؟ يقول سماحته:( والمراد بالعدالة في اصطلاح القانون، هو ما يسميه الإسلام بالإحسان والاصطلاح الإسلامي أقرب الى الحقيقة، وكيف كان فهناك( مساواة) و(عدل) و(إحسان) قال سبحانه: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ) فالمساواة معناه التساوي، وقد يكون التساوي عدلا، وقد لا يكون عدلا، وكذلك النسبة في العكس، فبينهما (عموم من وجه)- على الاصطلاح المنطقي- فإذا ساوى الأخوين في الإرث، كان تساويا وعدلا، وإذا ساوى الكبير والصغير في إعطاء قماش اللباس كان تساويا لا عدلا، وإذا أعطاهما متفاوت كلأ بقدر حاجته، كان عدلا لا مساواة. فالعدل إعطاء كل ذي حق حقه، وإدانة كل ذي جرم بجرمه، والإحسان إعطاء المزيد من الحق، فيما لا يضر بحق آخر، والعفو عن المجرم فيما لا يكون العفو سيئا لبطلان حق، و(الإحسان) فوق القانون، فإن القانون مجود الحقوق والواجبات والادانات أما (الإحسان) فهو مراعاة ترطيب الحياة وتلطيف الجو والدولة يلزم عليها مراعاة ذلك، ليجعل من القانون واحة خضراء فيها الرحمة والحنان على الإنسان، وهو يوجب تقوية الروابط بين الدولة و الأمة وتقديم الأمة إلى الأمام، إذ العلاقة المتبادلة توجب إجراءا من الثقة والحرية والرفاه ، وكل ذلك من مقومات التقدم، بل الاطمئنان والسكينة ورفع القلق. (9) |
1 - الصياغة الجديدة ص 466 . 2- نفس المصدر ص 467 . 3- الاقتصاد ص 97. 4- نفس المصدر ص 193- 184. 5- الصياغة الجديدة ص 479/ 380. 6 - نفس المصدر ص 467. 7- الدولة نظريا وعمليا/ هاو ولد لاسكي ج 2 ص 7 . 8- الحكم في الإسلام ص 157. 9 - السياسة ص 0 29- 291. |