الفهرس

الصفحة الرئيسية    

الحرية

في كل نظرية أساس متين تقوم عليه، سواء كانت هذه النظرية في مجال التفسير الايديولوجي للاشياء أو في مجال التعليل العلمي للحوادث الكونية والاجتماعية والنفسية، هذا الأساس يشكل المرتكز الذي ينطلق منه الباحث أو المنظر أو الايديولوجي، ويكون بمثابة البداية التي تتفرع منه وعليه الأبعاد الأخرى التي تتشابك مع بعضها في وحدة عضوية متجانسة لتخرج النظرية الى عالم الوجود.

وليس من شك يراود العقل الحصيف ان الأساس بمقدار ما يتميز بالقوة والمتانة والرصانة ينعكس بنسبة مطردة ومنسجمة على الأفكار المتفرعة منه والقائمة عليه. وذلك بشأن أي علاقة بين اصل وفرع، وبين أساس وصرح بل وبين علة ومعلول في لغة الفلسفة.

وليس من شك أيضاً، أن عملية النقد، بقسميه النقضي والتقويمي ترتبط منذ البداية كمشروع وممارسة، ترتبط بامتحان الأساس، وعرضه على قيم الفكر التحليلي والمعياري، فان اختيار الأساس الذي تقوم أو تبنى عليه النظرية يشكل البداية المنطقية الجادة والعلمية في محاكمة النظرية أو دراستها.

لقد اعتاد نقاد الماركسية أن يتوجهوا في نقدهم لهذه المدرسة الى تمحيص الأساس، أي فكرة التناقض، لماذا؟! لأنها الروح التي تسري في كل وحدات الفكر الماركسي، وفي كل جزئيات وخصوصيات هذه النظرية،سواء في تفسير الكون او تحليل المسيرة التاريخية للمجتمع البشري عبر تاريخه الطويل، أو في التربية الاجتماعية التي يتبناها هذا الفكر للإنسانية كحل نهائي ولقد اعتاد نقاد النظريات الميتافيزيقية ان يصوبوا سهام نقدهم الى مبدأ السببية، لأنها مرتكز التفكير الميتافيزيقي في إعطاء صورة كاملة عن الوجود واصله وحركته واتجاهه.

ونحن إنما سقنا كل هذه المقدمة لنقول ان للإمام الشيرازي موقفاً نظرياً،من الحرية.

فهو يتحدث عن هذه القيمة الحضارية كمؤمن بها ومتفاعل معها، وقد يعرفها أحياناً بلغة العاشق لها، وقد يطرق أبوا بها طالباً لنسماتها الروحية المنعشة، ولكن كل ذلك يرجع في التحليل النهائي الى انه مفكر ملتزم، ينطلق من تصور نظري متكامل .

ما هو الأساس الذي ينبثق منه تصور الإمام الشيرازي النظري للحرية ؟!

إنه وباختصار شديد:- (الأصالة)!

أصالة الحرية !!

أي أن الإنسان مفطور بطبعه وتكوينه وتأسيسه على (الحرية)، فهي ليست هبة أو مكسباً، أو مغنماً وانما هي ،ضرورة.

يقول الإمام الشيرازي:(الأصل في الإنسان الحرية)(1)

فنحن هنا بين يدي بداية مؤسسته، أي بين يدي منطلق نظري بحت او منطلق نظري صرف، يروم صاحبه ان يضع على طاولة البحث نظريته على الحرية .

ويحاول الإمام الشيرازي أن يمثل هذا الأساس بواقع من الشهود الحسي، المادي، العيني، فيطرق المسألة فلسفياً ولكن بلغة المصاديق التي توضح المقصود فهو في شرحه الوافي لمنظومة السبزواري يقول:

(النفس الناطقة فاعل بالرضا وبالتجلي، إذ هي تستعمل قواها وتنشئ الصور في ذاتها (...) فالنفس تتوهم وتتميل وتتفكر)(2).

ويقول: (واما كون النفس فاعلاً بالقصد، فلأن الإنسان يمشي بالعلم والإرادة والقصد)(3).

وكلمة (يمشي) هنا تعبير عن الممارسة الحياتية في معناها الواسع الرحب ولكن الإنسان قد يكون مجبوراً على عمل ما وقد يكون مطبوعاً على عمل ما!!

يجيب الإمام الشيرازي على هذين الإشكالين بما يلي:

(كل فاعل- حتى الفاعل بالطبع- يستتبع غاية ومقصدا) (4) وذلك حتى الحجر عندما يسقط من شاهق، وعليه ( لا يوجد قسر دائماً ولا أكثراً، وانما شيء نادر، فلا ينبغي أن يكون مورداً لنقض الكلية المذكورة)(5) أي الفعل الحر والتصرف الحر، وأخيراً الحياة الحرة، المنبثقة من أصالة الحرية، وذلك إذا تساهلنا في قضية (الغاية) وعلاقتها بالأفعال حتى القسرية منها(6).

وعليه: فإن الإنسان حر، وحريته نابعة من الذات، من داخل الذات، من أعماق نفسه التي فطر عليها .

ولكن ما هو مستند الإمام الشيرازي في وضع هذا الأساس؟!

في الحقيقة ان الوجدان يؤكد حرية الإنسان، وهذا هو أسلوب الفلاسفة الإسلاميين في إثبات أصالة الحرية لدى هذا الكائن الكريم. ولكن الإمام الشيرازي لأنه منظر إسلامي ويدافع عن وجهة نظر محددة، يستنطق القرآن والسنة في الاستدلال على هذه الأصالة الذاتية، ومن هنا عقد فصلاً في أحد كتبه بعنوان (نصوص حول الحرية) (7) يستعرضها في تضاعيفه.

ومن هذه النصوص:

ا- (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً).

ب-( الناس كلهم أحرار…).

وكلا النصّين لأمير المؤمنين علي عليه السلام، والنص الأول يجسدتماماً وببراعة فذة أصالة الحرية، لأنه يعني:

ا- أن الحرية بالنسبة للإنسان جعلية ، ذاتية، طبيعة.

ب- إن الحرية ليست إضافة خارجية، وإنما هي خلق رباني.

وهذه الحرية الكونية التي طبع عليها الإنسان، وقد اصطلح عليها الشهيد الصدر بالحرية الطبيعية.

يقول الشهيد:(… الحرية الطبيعية عنصر جوهري في كيان الإنسان، وظاهرة أساسية تشترك فيها الكائنات الحية بدرجات مختلفة، تبعاً لمدى حيويتها، ولذلك كان نصيب الإنسان من هذه الحرية أوفر من نصيب أي كائن آخر، وهكذا كلما ازداد حظ الكائن من الحياة، عظم نصيبه من الحرية الطبيعية (8)، وهذه الحرية الكونية أو التكوينية بتعبير أدق هي إحدى(المقومات الجوهرية الإنسانية، لأنها تعبير عن الطاقة الحيوية فيها،  فالإنسان بدون هذه الحرية لفظ بدون معنى)(9).

فهناك اتفاق بين المفكرين الإسلاميين الصدر والشيرازي على أصالة الحرية في الإنسان.

على أن هذه الحرية ذات الجذر التكويني في الإنسان ليست قدرة مجردة على الاختبار من عدة بدائل.

فان الحرية في اكثر أدبيات الفكر الغربي لا تعدو هذه القدرة المجردة بل هذه القدرة هي مرتبة أولى في سلم هذه القيمة الطبيعية في الصيرورة ألانسانية.

ان الحرية في حدود الاختيار إنما تعكس ميدانها الأول البدائي، وهو ما يتبادر الى أذهاننا جميعاً حينما نتصور أنفسنا أحرارا)ً (10) ولكن هناك درجات أرقى واسمى للحرية في صورة حركتها ونشاطها. فهناك ما يقلق عليه بعض الباحثين بـ (حرية الاستقلال الذاتي) والتي تعني في محصلتها النهائية العمل بعد تدبر وروية، أي العمل من خلال الشعور بالمسؤولية (11) وهناك (حرية الكمال) التي تنص على التحرر من القيود والاغلال الذاتية، وذلك مثل الأهواء والغرائز والجهل وقد أكد عليها من الفلاسفة اسبينوزا ولينثز والرواقيون من قبل (12) و أخيرا وليس أخراً هناك (الحرية النفسية) وهي في معناها الموجز الشعور الدائم بالذات أو الشخصية، ومن ابرز منظري هذا اللون من الحرية (برجسون) الفيلسوف الفرنسي الحيوي المعروف.

وفي الحقيقة أن كل هذه الفريعات والتشقيقات حتى إذا كانت صحيحة إنما هي انعكاس لاصالة الحرية، ومن ثم من مستواها الأول، أي القدرة المجردة على الاختيار فلولا هذا المبدأ لانعدمت إمكانية الكمال، والقابلية على الفعل المدروس... إنها نتائج للحرية وليس هي الحرية في معناها ومبدئها.

على أن الإمام الشيرازي في نظريته عن الحرية، يحسم كل هذه الصور والمعاني على شكل فعاليات للنفس الإنسانية.

فالإنسان خلاق يستطيع أن يصنع الأفكار والصور الذهنية، ويمكن أن يعمل بعد أن يطيل النظر ويديم التدبر، وهو تواق الى الكمال بفعل كونه مخلوقاً (غائيا).

فالغاية مرتبطة بسوابق إرادية- كما إنها مرتبطة بسوابق من التصوير الدقيق الى حد ما وبتفاوت من شخص لآخر، وهي مرتبطة باختيار متدبر متفكر.

يقول الإمام الشيرازي: كل فاعل- حتى الفاعل بالطبع- يستتبع غاية ومقصداً فالإنسان الذي يسير يريد بسيره غاية هي ملاقاة صديق، أو ما أشبه... ثم إن العلة الغائية لها (ماهية ووجود)، فماهيتها هي علة فعل الفاعل... كما إن وجود الغاية معلول لفعل الفاعل ، فالغاية علة لحركة الفاعل نحوالفعل…) (13) فالإنسان إذن يفعل ويتحرك لغاية، أي ان الغاية سبب حركته وهذا يستوجب بطبيعة الحال فكراً مسبقاً وتدبيراً، ووعياً ذاتياً.

إن ألوان الحرية التي سطرها الفكر الغربي الفلسفي تنبع من ممارسة الإنسان الحرة، وهي حاصلة بالفعل المباشر لهذا المخلوق، ويستطيع أي إنسان أن يصنف هذه الممارسة على شكل عناوين متعددة، ولكن ليس لذلك أي اثر في تشقيق الحرية في معناها الجوهري، الإسلامي، اللبّي إلى أنواع و أصناف.

وبهذا فإن الجهد الغربي في هذا المجال زيادة في التوضيح وليس إضافة على التأسيس.

الحديث السابق والذي استغرق كل هذا التفصيل يتعلق بالحرية في مستوى المبدأ، أي في مجالها الفلسفي الذي يتصل بالكيان الإنساني، هل هو حر أم لا؟! لأن ثمة نظريات برزت على سطح الفكر البشري، تذهب إلى أن الإنسان مجبور على كل شيء وهو لا يملك من إرادته شيئاً في عالم الفعل أو الحركة أو التصور وقد تركت هذه النظريات آثارها السوداء على تاريخ الإنسان، إذ دعته بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الخضوع والاستسلام للظلم والطغيان، وجمدت فيه روح الحركة والمبادرة، وكانت في قبالها مدرسة الحرية التي ترى أن الإنسان طاقة متأملة، عاقلة، فاعلة،… ونحن استعرضنا نظرية الإمام الشيرازي في هذا الميدان، فتبين لنا انه من أنصار (الحرية) أي من الذين يذهبون إلى قدرة الإنسان على الاختيار بين البدائل المطروحة، وانه كائن غائي أي يعمل وفق سبق في الإرادة، وفي منظور من هدف واضح ومحدد… ومن ، الواضح أن الحرية بهذا المعنى خارجة عن نطاق البحث المذهبي وليس لها أي طابع مذهبي، لأنها منحة الله للإنسان، وليست منحة مذهب معين دون مذهب، لتدرس على أساس مذهبي ) (14) ولكن ليس من ريب أن الحرية بهذا المعنى لا تنفصل عن الحرية الاجتماعية، أي أن الحرية التي يهبها المذهب الاجتماعي المعين للإنسان على صعيد ممارسة الحياة، والمعركة في إثبات الحرية أصيلة أم لا، إنما تدخل في نطاق الفكر الفلسفي الخالص والمعركة في توفير فرص الحياة للإنسان والمجتمع انما تدخل في نطاق الفكر الاجتماعي، ويبدو أن القضية التي أقلقت الإنسان والشعوب والأمم والتي لا تزال تثير الفزع والخوف في النفوس هي الحرية ببعدها العملي التطبيقي الميداني. والحرية التي كانت ذريعة لسفك الدماء وهتك الأعراض بل والتي كانت،حجة لتقييد الحرية ذاتها، إنماهي الحرية الاجتماعية فباسمها سالت انهار من الدماء في أوروبا ومثلها الصارخ الثورة الفرنسية، وباسمها منع الناس من التعبير عن وجودهم وفكرهم وحضارتهم كما في دول العالم الاشتراكي بعد الحرب العالمية الثانية، وباسمها خلقت الطبقية وحدودها القاتلة التي شلت إرادة المجموع أطلقت إرادة القلة النادرة في دول العالم الرأسمالي.

والمعارك السياسية في سبيل الحرية الاجتماعية وليست في سبيل الإيمان بحرية الإنسان أو جبريته، وان كان التاريخ لا يعدم معارك واحترابات في هذا الميدان.

ورغم ذلك لا يمكن أن ننكر العلاقة بين الأساس المبدئي للحرية كقيمة جوهرية في الإنسان ومقومة لوجوده وبين الطابع العملي لها. ولكن نؤكد في الوقت ذاته أن معارك التاريخ في سبيل الحرية جسدت بالدرجة الأولى الحرية الاجتماعية، إذ ما هي قيمة الأفراد بأصالة الحرية مع العمل على غلق فرص الحياة الكريمة أمام الإنسان؟!

وما هي قيمة التنظير النظري للدفاع عن أصالة الحرية الإنسانية مع كبتها على صعيد الواقع الفعلي المحسوس؟!

ومن هنا يقول لسن:- (إن الحرية لا تنفصل عن إرادة الحرية )(15)

ويقول ما رسل:- (إن الوجود والقيمة والحرية أمور مرتبطة لا يمكن إنقاذها إلا معا) (16) إن جوهر وباطن هذه التصورات هو التوكيد على (الحرية الفعل)، (الحرية- الواقعة)، ا لحرية- ا لممارسة،ولعل هذه القضية هي التي يبلورها بعض الكتاب بالشعار المعروف (من الحرية إلى التحرر) أو من الحريات إلى التحرر، فالتحرر كفلسفة (لا ترمي إلى إثبات أن الكائن البشري حر، ولكنها ،تعمل على تبيان كيف يمكنه أن يتحرر اكثر)(17)

هنا تكمن المسألة أو قل: هنا تكمن العقدة، عقدة الإنسان والأنظمة والتاريخ والأديان والحكام والمجتمع.الإمام الشيرازي في حديثه أو أحاديثه عن الحرية يركز على هذا الجانب بإسهاب ملفت للنظر.

فهذا الرجل يطرد في كلامه عن الجانب العملي من الحرية حتى يتناول أثناء استطراده- ربط الأمور والحقائق التي تتعلق بها، لماذا؟!

هل هو جواب على القائلين بأن الإسلام يمنع الحرية؟! أم هو شوق ذاتي ونفسي للعمل؟! أم هو تعلق في طرح القضايا الحساسة التي تهم الإنسان؟

كل هذه الإجابات ممكنة، ولكنها لا يمكن ان تغطي هذا الاهتمام الغريب بالحرية الاجتماعية، فهي شغله الشاغل، وهاجسه الفكري الذي لا يلبث أن يتحرك به قلمه بين فترة وأخرى.

الذي يبدو أن الإمام الشيرازي يسهب في حديثه عن الحرية لأنها قيمة أساسية في الإيديولوجية التي يؤمن بها، أي (الإسلام)، وذلك فضلاً عن حيويته الشخصية ذات الطابع العملي الجاد، كما يظهر من كمية تأليفه، ومن نشاطه السياسي المستمر.

على أي حال أن الإمام الشيرازي يتحدث عن ، الحرية الاجتماعية باعتبارها عنصراً مقوماً وبارزاً في نظريته السياسية. وليس من ريب أن قاعدته الفكرية الاجتماعية الإسلامية لها دور فعال في اتجاهه هذا، كما أن لحيويته وتجاربه دوراً آخر في الموضوع. ولعل هذا هو السبب في حديثه المملوء مرارة عن الديكتاتورية فالذي يقرأ الإمام الشيرازي وهو يستعرض كلامه عن الظلم والطغيان والاستبداد يتحسس بوضوح شفافية روحه وعواطفه ويدرك بفطرة صافية مدى ما يتمتع به هذا الإنسان من روحية متحررة(18).

ولنعد إلى حديثنا الأساسي،إن الانتقال من الحريات إلى التحرر هي نقطة العقد في موضوع الحرية منذ أن وعى الإنسان وجوده.. ومن خلال طروحات الإمام يؤكد أن هذا الانتقال من متبنيات الإسلام على صعيده التشريعي.

فهو يقول:-

(الحرية، وهي كون الإنسان حراً حقيقة، فلا فوضى، ولا كبت صريح أو مغلق وهي لا توجد إلا في الأنظمة الإسلامية )(19).. وبعد أن يؤكد على هذه القاعدة الفكرية النظرية الكلية يشرع بالتفصيل العملي، فيقول:-ففي الإسلام التحرر العقيدي والتحرر الاقتصادي والتحرر السياسي والتحرر الثقافي، و التحرر الاجتماعي (20).

هذا هو التصور العام...الحرية حقيقة ذاتية في الإنسان، والتحرر هو الوجه العملي لهذه الحرية والإسلام يؤكد أصالة الحرية...والإسلام يقر التحرر وهكذا تتكامل النظرية في صورتها الهيكلية العامة، وتترجم الحقيقة المشهورة لا حرية بلا تحرر..ولا تحرر بلا حرية..

ولما نزل في نطاق الخطوط العريضة، فالحرية أصيلة.. والتحرر هو الشكل المادي لهذه الأصالة، ولكن أين تكمن مصاديق الحرية؟! أو بعبارة أدق أين نجد التحرر؟!

يجيب الإمام الشيرازي على هذا السؤال الاختباري الدقيق بمصاديق عملية، فيسرد لنا مائة أنموذج للحرية التي شرعها الدين الإسلامي، ومنها حرية العبادة، البيع، الشراء، الرهن، الضمان، الاختراع،الكفالة، الصلح التأمين، ا لشركة، ا لمضاربة، ا لمزارعة، ا لمساقاة،حيازة الأرض، حيازة المباحات، الوديعة، العارية، الإجارة، الوكالة، الوقف الصدقة، ا لعطية، الهبة، ا لسكنى، العمران، ا لسبق،ا لرماية، ا لوصية،

النكاح، ا لطلاق، الخلع، الرضاع، السفر، الإقامة، فتح المحل، الإقرار، الجعالة الطباعة، امتهان المهنة، الثقافة، العهد، اليمين، النذر، إحياء الموات، الزراعة الصناعة، العمارة، ا إصدار الجريدة أو المجلة، امتلاك الإذاعة، والتلفزة إنشاء الأحزاب والجمعيات، والنقابات، وحرية العقيدة، السفر، العمران... الخ )(21)

وقد يستغرب بعضهم من هذه القائمة الطويلة من نماذج الحرية التي يضعها بين أيدينا الإمام الشيرازي، ولكن هذا الاستغراب لا داعي له لعدة أسباب.

أولاً: إنها تعبر حقاً وواقعاً عن شمولية الحرية في النظام الإسلامي وتجسد الموقف الإسلامي الرحب في ممارسة الحرية بأوسع نطاقها ففي البلدان الشيوعية ( ليس للحرية عين أو أثر... والحريات الموجودة فيما يسمى بالعالم الحر لا تكون إلا بقدر العشر أو اقل من العشر من الحريات الممنوحة في الإسلام، فلا حرية عندهم في الإجارة والعمارة والصناعة والزراعة والتجارة والحيازة. ولا حرية للإنسان حيث يقيد بالجواز والهوية والجنسية وغيرها…)، (22).

ثانياً: إن هناك اتهاماً ظالماً للشريعة الإسلامية، يصفها بالاستبداد والقهر والقسر، في حين هي الشريعة التي تضم اكبر قدر ممكن من مصاديق الحرية الاجتماعية والإمام الشيرازي في هذه القائمة يقدم البرهان المحسوس على ذلك، ويقدم الدليل الواضح على زيف ذلك الاتهام.

وفي الحقيقة أن هذا السرد العيني الرقمي للحريات في الإسلام يمكن تصنيفه في المجالات العامة التالية:-

أولاً: الحرية الفكرية.

ثانياً: الحرية الاجتماعية.

ثالثاً: الحرية السياسية.

رابعاً: الحرية الاقتصادية.

على أن الإمام الشيرازي يؤكد على الحرية الفكرية من غيرها، ففي اعتقاده أن مثل هذه الحرية تنمي الإنسان، وتنمي المجتمع، وتصنع التاريخ ويركز بشكل خاص على جانب من هذه الحرية، ألا وهي حرية (البيان والقلم)، ويقيم على ضرورتها أربع أدلة.

لأن حرية القلم هي التي تكشف مواطن الخطأ و الخطل في سياسة النظام، ولأنها الوسيلة الى تربية الأمة على أساس سليم، ولان عدمها يعني الكبت وهذا يسبب الانفجار، و أخيرا فإن حرية القلم هي التي تلجم الحاكم من الغي، وتنذره بخطر الديكتاتورية(23).

ويبلغ الإمام الشيرازي الذروة في تقييم حرية الفكر عندما يقرر بجرأة أن حرية القلم والبيان غير خاضعة لحدود أو قيود. نعم حدودها وقيودها وعدمها يكمن في الضرر.. أي أن الحدود هنا ذات طابع سلبي، فهي عندما تتحول الى حالة من السلب يجب أن تتوقف، ولكن من الذي يقرر (الضرر) الداعي الى الكف والمنع ، يجيب الإمام الشيرازي بما يلي: (إن النافع والضار أمران عرفيان كسائر المواضيع العرفية..)(24).

وفي الواقع هذه لفتة بارعة في الجمع بين الحرية والعرف، وهي سبيل عملي لتذليل إشكال عسير يرد أحياناً من قبل أدعياء الحرية المطلقة التي هي في حقيقتها فوضى .

فالحرية في مصاديقها العملية غير منفصلة أبداً عن حركة الحياة التي اعتاد عليها المجتمع. والقيم العرفية تشكل ضمير الأمة التربوي و العقيدي ، خاصة إذا كان نابعاً من تربية يقرها الدين الإسلامي، والضمير السليم ومعايير التقدم الرصين، والضار والنافع مسألة عملية يصوغها العرف على شكل نماذج من السلوك والإقرارات .

وعلى ضوئها تتحدد الممارسات لهذا الإنسان أو ذاك.

ويسترسل الإمام الشيرازي في إثارة المشكلة فيقول:( ولو وقع لبس في مصداق كان المرجع الهيئة القضائية المنصفة)(25).

وهذا عود آخر الى ضمير الأمة، لأن القضاء، وخاصة في الشريعة الإسلامية يمثل روح الأمة بما قبلت به من تشريع وحكم ومقاييس ومعايير إن الرجوع الى القضاء إنما هو عود الى تفسير مضت عليه إرادة الأمة.

إننا هنا بين يدي عملية دمج عصري متفاعل و مثرى بين الحرية والعرف والتشريع.

ونعتقد أن اهتمام الإمام الشيرازي بحرية البيان اكثر من اهتمامه بغيرها يعود إلى أهمية هذه الحرية في صياغة الإنسان، وفي ترشيد مسيرة الحكم الصالح. إن الذي لا ريب فيه هو أن حرية الفكر أو البيان منطلق تنظيري لكل ألوان الحريات الأخرى ، ولذا تخاف الأنظمة الاستبدادية من الحرية الفكرية ، اكثر من أي لون من ألوان الحرية الأخرى. فالمجتمع من خلال حرية الفكر ينطلق في مسارات رائدة من الحياة على كافة الأصعدة... فالحرية الفكرية أولا.ً

وعليه:

نستطيع أن نقول، أن من أساسيات رؤية الإمام الشيرازي في الحرية،هو أولوية الحرية الفكرية، ليس من باب الترتيب الإجرائي والحقوقي، وانما من زاوية الأهمية الذاتية لمصاديق الحرية وإلا أن كل مصاديق الحرية تشكل نسيجاً مترابطاً من القيم والحقوق.

ليس من شك أن هناك علاقة معقدة بين الحرية والقوانين الإجماعية وبعض المفكرين يذهب الى أن القوانين مسؤولة عن تحديد الحرية، أو هي مسؤولة عن ترشيد الحرية أو صيانتها. وفي الواقع أن مثل هذه المسؤوليات لا يمكن تحديدها بسهولة، ولم يعد سراً أن هناك فوارق صارمة بين التحديد والصيانة والترشيد.

ومهما يقال حيال كل مصطلح من هذه المصطلحات التحديد، الترشيد، الصيانة، يبقى القاسم المشترك في جميعها هو حاكمية القانون على الحرية بشكل من الأشكال. والنتيجة من كل ذلك تكون:

أن القانون هو الأساس والحرية أمر ثانوي، والقانون هو الإطار الذي يتحكم بالحرية.

وبطبيعة الحال إن مثل هذا الفكر يتنافى وقدسية الحرية وأهميتها في الحياة، ومن أنها هي الأساس ولكن هل يعني هذا إهمال دور القانون؟!

ان القانون هو الآخر ضرورة، ولم تعد هناك حاجة ماسة للبرهنة على أهميته القصوى للإنسان، وخاصة في المجتمعات المتطورة والمعقدة، ولم نكن في ظرف يستوجب تقديم الأدلة على تهافت النظرية الفوضوية التي تنكر الدولة والقانون.

هنا يتخذ الإمام الشيرازي رأيا يكاد أن يبدع فيه، فهو من رواد الحرية، والحرية الفكرية على الأخص، ولا يمكن أن يتنكر لأهمية القوانين الاجتماعية، ولكن يقوم بعملية عكسية، فيرى أن القوانين الاجتماعية هي التي يجب ان تتأطر بالحرية.

إن تأطير القوانين بمقتضى الحرية فكرة ثورية عملاقة وجريئة وعميقة في تصوير العلاقة بين القوانين والحرية.

إن القوانين ليست هي الحاكمة على الحرية... بل الحرية هي الحاكمة على القوانين وهذه التفاته إنسانية جذابة ورائدة.

فالإمام الشيرازي يرى من اللازم( أن تنطلق القوتان التأطيرية التشريعية والتنفيذية من الحرية الإنسانية ) (26). وعكس المعادلة تبين لنا اكثر صراحة الفكرة... إن الحرية هي التي تصوغ القانون وليس القانون هو الذي يصوغ الحرية.

لماذا؟!

يطرح الإمام الشيرازي اكثر من تعليل في هذا الصدد، ولكن من أهم هذه التعليلات هو( أن الحرية هي الأصل في كل إنسان… )(27).

وعلى هذا الأساس تتحدد العلاقة بين الحرية والقوانين الاجتماعية... أن اكثر المشرعين عندما يريد أن يطرح أو يسن قوانينه،يتبادر الى ذهنه ان هناك فوضى او حرية غير مسؤولة، فلا بد من وضع قوانين تحدد لكل إنسان حريته أو تعدم هذه الحرية... أما في الإسلام فالحرية هي التي تصوغ صورة الحياة والمجتمع... ومن الطبيعي ان تكون هذه الحرية عاقلة ومسؤولة.

والإمام الشيرازي لا ينظر بأسلوب مبهم بل باسلوب واضح، فمن المؤكد أن يبرز سؤال مهم في هذا المجال، وهو:

كيف تنبثق القوانين الإجتماعية من الحرية؟!

ان الحرية هنا فعل، وممارسة، وعيانية واقعية.. والإمام الشيرازي يعتقد أن الحرية هنا هي مصلحة الأمة التي يجسدها الإسلام، فمصلحة الأمة متوفرة بهذا الدين، والدين هو الذي يصوغ الحياة.

والواقع: أننا لو نظرنا إلى مجموعة النماذج التي يسردها الإمام الشيرازي عن مصاديق الحرية في الإسلام لاكتشفنا هذه الحقيقة ببساطة. فالإسلام أباح ممارسة الحياة بأوسع معانيها، وهذه الإباحة هي التي حددت وقيدت.

ا- كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه نجس.

ب- كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام.

ج- الأصل في الأشياء الإباحة.

د- لا ضرر ولا ضرار في الإسلام.

هـ – (وفي الإسلام… التحرر الثقافي، فلكل إنسان أن يصل إلى ما يريده من العلم والثقافة، فليس أمام فرد حاجز من المال، أو من غيره يمنعه عن الوصول إلى الجامعة، أو ما فوق الجامعة)(28).

و- ( وفي الإسلام... التحرر الاجتماعي، حيث لا تكون الامتيازات الطبقية، المكفولة بسبب القوانين المفرقة بين الجنسيات والقوميات واللغات والألوان والإقليميات) (29).

فالذي ينظر بدقة إلى هذه الفقرات ويمعن الفكر في صياغتها من حيث البداية والنتيجة والمضمون يصل إلى استنتاج مهم، ألا وهو أن الحرية هي التي تؤطر القوانين وليس العكس...

هناك حرية تتحرك...

وهناك إباحة تتحرك...

ولكن الحرية تقيد نفسها عندما تتحول إلى ضرر، لأن الضرر ليس من مضامينها ولا من لوازمها، وإنما من إضافة الهوى النفساني عليها.. فالقيد هنا ليس قيداً بالمعنى اللغوي للكلمة، وإنما هو نوع من صيانة القيمة… صيانة ذاتية نابعة من الداخل.

الحرية هنا رفع القيود، والقوانين مستوحاة منها بالذات، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى:(يضع عنهم اصرهم والاضلال التي كانت عليهم)(30).

ويقول جل وعلا: (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي )-(31).

ويقول سبحانه: (لكم دينكم ولي دين )(32).

فنحن هنا مع نصوص تقدم الحرية على القانون كقيمة حضارية، فكرية وسياسية واجتماعية.. ثم يأتي القانون بمقتضى هذه الحرية.

ويربط الإمام الشيرازي بين الحرية والتوحيد (القاعدة العريضة في المعتقد الإسلامي):

فيقول:( إن من تأمل في كلمة ( لا إله إلا الله)- التي ذكرت في القرآن والسنة ألوف المرات والتي يرددها المسلمون في شعائرهم في وقت الصلاة وغيرها- يجد في هذه الكلمة رمز الحرية وجوهرها، فقد كان ،كسرى يعتبر إلهاً من سلالة الآلهة، فكان يقضي بالموت أو يهب الحياة، كما كان قيصر الرومان، إلهاً، ومخالفته مخالفة لأوامر الله وقد ذكر المسيحيون في كتبهم المقدسة: (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فالدين لله والحياة لقيصر والقساوسة في أوروبا وغيرها وكانوا يعتبرون أنفسهم الواسطة بين الله وبين الناس ويدعون أن بيدهم صكوك الجنة من شاءوا أدخلوه فيها، ومن شاءوا أخرجوه منها وأدخلوه النار.

وكذلك كانت الحال عند البوذيين في الهند، وفي الصين وعند غيرهم،وقد قال بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) :

(اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة)(الأعراف/ 138).

وحتى الحجارة كانت إلهاً عند كثير من العرب وغير العرب، ولها خدامها وكذلك كان للتقاليد الباطلة والخرافات سلطة ونفوذ على الإنسان، بل نجد في هذا اليوم ملايين الأصنام في الهند والصين واليابان ونجد في بلاد الشيوعيين أصناماً بشرية كثيرة أمثال لينين وماركس ومن أشبههم، وقد كانت الإنسانية قبل بزوغ الإسلام- كما هو الإنسان المعاصر- ترزح في كثير من البلاد تحت ألف قيد وقيد وشرط وشرط وعبودية وعبودية، لكن عندما أعلن الرسول العظيم - صلى عليه واله وسلم ، شعاره:

(لا اله إلا الله )

فجر الثورة على كل هذه القيود، وأعلن أنه لا سيد إلا سيد واحد وهو الله سبحانه وتعالى، ويجب أن لا يطاع إلا هو وحده وللمرء أن يقيم صلة مباشرة بينه وبين الله.

أما الأنبياء والأئمة عليهم السلام فهم سفراء الوحي الذين ينقلون أوامر الله سبحانه وتعالى إلي الإنسان.

ونحن نجد في كتاب لبعض المؤلفين الغربيين المترجم إلي العربية باسم (تراث فارس) انه كان الملك عند الإيرانيين القدماء أقرب المخلوقات الى الله، وكانوا حين يتحدثون إليه لا يذكرون اسمه بل يقولون ،أنتم الآلهة.

وقد كانت ديانة المجوسية تضفي على الملك تلك القدسية، فأوامره مقدسة وسلالته فوق البشر وحكمه هو حكم الله.

وكذلك نجد هذه الظاهرة عند سائر الحكام قبل الإسلام، بل كانوا يعبرون عن الملك (بالرب)، وحين أرسل كسرى شخصين إلي رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) ليقتلاه ويذهبا برأسه المبارك إلى كسرى وجدهما الرسول قد حلقا لحيتيهما وفتلا شاربيهما فقال (صلى الله عليه واله وسلم) لهما: من أمركما بهذا؟ قالا: (ربنا)- يعنيان كسرى- فقال الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) لهما: (لكن ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي) ثم قال لهما( إن ربي قتل ربكما).

فنجد في هذا الحديث وفي غيره التعبير عن الملك بـ (الرب) مجاراة لهما.

بل نجد في القرآن الحكيم أن اليهود والنصارى كانوا يتخذون أنبياءهم أبناءً لله، وأحياناً شركاء الله، وإنهم كانوا يقولون بالنسبة إلى الأحبار والرهبان مثل تلك المقالة.

فالعلاقة بين التوحيد والحرية علاقة عضوية، وبمقدار ما تترسخ عقيدة التوحيد في ذات الإنسان يشعر بالحرية ويمارسها بفاعلية وسعة وحيوية ناشطة.

فالتوحيد رمز الحرية كما يقول الإمام الشيرازي (33) ولكن هذا الرمز ليس علاقة أو إشارة بل هو حقيقة قائمة .


‏1 - الشيرازي، السياسة ص 63، طبع دار العلوم.

‏2 - الشيرازي، شرح المنظومة ص 308، طبع مؤسسة الوفاء .

3 - نفس المصدر ص. 310‏.

‏4- نفس المصدر ص 311‏.

‏5- نفس المصدر ص 311‏.

‏6 - نفس المصدر ص.0 2‏.

‏7 - الشيرازي، الصياغة الجديدة، مركز نشر الفكر الإسلامي ص 310.

‏8- الشهيد الصدر، اقتصادنا ص 281‏.

‏9- نفس المصدر ص 282‏.

‏10- إبراهيم، زكريا ، مشكلة الحرية ص 20 الطبعة الثالثة.

‏11- نفس المصدر ص 1 2‏.

‏12- نفس المصدر ص 21‏.

‏13- شرح المنظومة ص 312‏.

‏14- اقتصادنا ج 1ص 282‏.

‏15- مشكلة الحرية ص 198‏.

‏16 - نفس المصدر ص 199‏.

‏17- الحبابي عبد العزيز، من الحريات الى التحرر ص 177 طبع دار المعارف بمصر.‏

‏18- الشيرازي- السبيل الى إنهاض المسلمين ص 344، 345، 346‏.

‏19- نفس المصدرص1 34.

‏20- نفس المصدر والصفحة.

‏21 - نفس المصدر ص 316- 321‏.

‏22- نفس المصدر ص 1 32‏.

‏23- الشيرازي، السياسة ص 220- 222‏.

‏24 - نفس المصدر ص 223 ‏.

‏25- نفس المصدر والصفحة.

‏26- السياسة ص 24‏.

‏27- نفس المصدر ص. 240‏.

‏28- نفس المصدر والصفحة.

‏29- نفس المصدر والصفحة ‏.

‏30- سورة الأعراف: الآية 157‏.

‏31- سورة البقرة: الآية 256‏.

‏32- سورة الكافرون: الآية 6‏.

‏33- الصياغة الجديدة ص 11 3، 312‏.