الثورة الاجتماعية |
|
كتب الإمام الشيرازي عن الثورة صفحات قليلة، ولكنها ذات مضامين غزيرة في المعاني والتصورات. ويبدو انها حصيلة مطالعة واسعة وعميقة لثورات العالم وتجارب الشعوب في حركاتها التاريخية ضد الطغاة. يبدأ الإمام الشيرازي اطروحته عن الثورة بتعريفها، فيعتبرها (انقلاباً اجتماعياً)، أي أنها عمل تغييري هائل يتناول الحياة الفكرية والسياسية والاقتصادية بالتغيير والتبديل (1) وهو بذلك يقر المعنى الدقيق للثورة، وذلك في قبال معناها الفضفاض القلق الذي لا ينطوي أي حدود واضحة (2) وهي بهذا التصور عمل يقوم به ( أكثرية الناس ) (3)، أي أن الثورة ممارسة جماهيرية هادئة ومرشدة، وليست انفعالاً وهيجاناً، ويرى الإمام الشيرازي أن الثورة حصيلة مقدمات أولية ثلاث (الاضطهاد المادي والمعنوي) (4). الأول: رفض الحكم القائم. الثاني: اليأس من الإصلاح. الثالث: الأمل في نظام اجتماعي جديد. وعليه فإن العملية الثورية نوع من الجدلية المتبادلة بين الجماهير وطموحاتها والحكم القائم، أي هي تفاعل بين حاضر بائس وتطلع مشرق فالثورة لا يحصل انفجارها إلا إذا وصلت الأحوال المتردية الى درجة مأساوية من القهر الاجتماعي والضغط السياسي، والإرهاب الفكري. ويبلور نظريته في (آلية الثورة)، فيؤكد انها الجماهير العريضة وبذلك يختلف،عن التصور الماركسي الذي يجعل الثورة صناعية بروليتارية ويبرز وضوحه النظري في مقابل التخبط الذي عرف به (دوبريه)، فرغم أنه مارس عملاً ثورياً، ولكنه اضطرب في هذا المجال، فهو يرى تارة ان الثورة هي مهمة طليعة من الطلاب والمثقفين الثوريين، وأخرى هي مهمة مجموعة من المغامرين الثوريين يبدءوه بعمل عسكري جريء، وثالثة هي مهمة الحزب الحامل لهموم المحرومين (5). والإمام الشيرازي هنا يختلف مع (هربرت مار كوز) الذي يعتقد أن الطلبة هم شرارة الثورة وطاقتها ووقودها، ذلك بعد أن استطاع النظام الرأسمالي امتصاص الروح الثورية لدى الطبقة العاملة (6).ولا يتفق مع (فرانز فانون) الذي يدعي ، 00 إن الفلاحين وحدهم هم الثوريون في البلاد المستعمرة، إذ ليس لديهم ما يخسرونه، وسيكون كل شيء: الفلاح والجائع- خارج النظام الطبقي- هو أول من يكتشف بين المستغلين أن العنف وحده هو الذي يجدي (7). إن الجماهير هي التي تفجر الثورة، لان الظلم قد يلحق الجميع، فلماذا لا تثور كل الطبقات؟! وهي الحقيقة التي رأيناها في كثير من البلدان . والثورة في فكر الإمام الشيرازي ليست قفزة في الهواء، و إنما هي مراحل أي ،ان جريانها على الأرض يتصاعد ويتضاعف في شدته وعنفوانه وسعته حتى تحصل ذروة الغليان.. والمراحل هي: أولا- الاضطراب والهيجان. ثانيا- تصاعد الروح الثورية الاجتماعية. ثالثا- اتساع رقعة الثورة، واستقواء بعضهم ببعض. رابعا- تبلور الفكرة الواحدة هدفاً وطريقاً. خامسا- وأخيراً توسعة الطرق المؤثرة في إنجاز الثورة. ا- ففي حالة الإضطراب والهيجان، من جراء سوء تصرفات الدولة، يعمل كل شخص ما يراه عملاً ملائماً بنظره من الشكاية ونشر بعض المناشير السرية، وبعض التعريضات فوق المنابر، وكتابة بعض الشعارات على الحيطان وما أشبه، والدولة تقابل بعضهم بشيء خفيف من العنف، إلا إذا عنف الشخص، فالدولة تقابله بعنف مثله، أو أشد ليكون رادعاً، وتظن الدولة انه حاسم. ب- وحيث يتماسك بعض المنتقدين ببعض، وحيث يوجب فعل الدولة رد الفعل عند الناس تأخذ روح الثورة في الاتقاد، ويأخذ اليأس يعم القلوب فيرون انه لا إصلاح للوضع بما يلزم أن يعملوا شيئاً للإنقاذ، فالدولة راكبة رأسها لا تلوى على شكاية، وتقتنع بالوعود الفارغة وبالتهديدات بدل الإصلاح. ج- وبذلك تتسع رقعة الثورة، وتستشري فكرة لزوم أن يعمل الشعب كله شيئاً، وليس ذلك الشيء بإصلاح جهة أو تبديل وزير، أو إنصاف مظلوم لأن الأمر أوسع من هذا، والدولة تأخذ في الانحطاط إلى الصلافة ، فترى أنها سيدة الموقف، وان الذين يعملون ضدها شرذمة قليلون إذا شاءت الدولة تخترقهم وتكتسحهم بعصى غليظة، وبذلك يقف الطرفان في صفين متقابلين. د- وعند ذلك تتبلور الفكرة الثورية، وتصمم الأمة على الإطاحة بالدولة. مهما كلفها ذلك من الثمن، وتأخذ القيادات الصغيرة في الظهور والبلورة، مما تستجلب انتباه الناس، ويرون فيهم بدائل صالحة عن قيادة الدولة. هـ- ثم يأتي دور المؤسسة الثورية، فتتوسع الطرق المؤدية إلى إنجاز لثورة ،وتقع الفوضى في البلاد، وتصطف مؤسستا الدولة والثورة إحداهما أمام الأخرى، وتسترخي قبضة الدولة، وتأخذ قبضة الثوار،تشتد وتشتد…وتحاول الدولة أن تجعل الحلول الوسطى، لكن الثوار يأبون، وتتفادى الدولة سقوطها ببعض الحلول، مثل تغيير بعض الموظفين، وإلغاء بعض الضرائب، واطلاق سراح بعض السجناء، واشراك بعض الثوار في الحكم. ويكون الأوان قد فات، ولسان الثوار يقول: ( الآن وقد عصيت من قبل، وكنت من المفسدين) وفي مثل هذه الحالة يستولي الثوار على مؤسسة مؤسسة من مؤسسات الدولة... ولا يمنعهم عن القيام بأعمالهم بعض العنف الذي تريه الدولة، مثل إعلان حالة الطوارى واستبدال الحكم المدني بحكومة عسكرية واعلان منع التجول، وضرب المتظاهرين بالرصاص، ونهب دكاكين المضربين وما أشبه ذلك. يلجأ أقطاب الدولة إلى الفرار والاختفاء، ويقع بعضهم في قبضة الثوار فقد يتعاملون معهم بقسوة، وقد يتعاملون معهم بلين وذلك يتبع أمرين: الأول- عنف معاملة الدولة مع الثائرين، فإن العنف لا يولد إلا العنف. الثاني- أخلاقيات الثورة، فيلتزم الثائرون برفيع الصفات، والتنافس بينهم على محاولة أن يجعلوا أنفسهم أسوة مما يضطرهم إلى التنازل عن حقهم المشروع. ولذا نجد شدة انتقام الثورة البلشفية من قيصر واتباعه، بينما كانت شدة الانتقام في الثورة الفرنسية أقل، أما الثورة الإسلامية فقد كانت مظهراً من مظاهر الله الرحمان الرحيم، فقد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأشد الخصوم، بعد أن وقعوا في كف عدالته: (اذهبوا فانتم الطلقاء) وكذلك عفى علي عليه السلام- وهو تلميذ الرسول صفى الله عليه وآله وسلم- عن أقطاب التمرد في الجمل، بل واحسن مثوى عائشة وغيرها، وعن أقطاب المفسدين في النهر وان، وكان إذا ألقى القبض على محاربي صفين، أطلقه بشرط إن لا يعين الأعداء بعد ذلك. وبهذا الصدد قال الشاعر: ملكنا فكان العفو منا سجية ولما ملكتم سال بالدم ابطــح وحللتم قتل الأسرى وطـالما غدونا عن الأسرى نعف ونصفح وحسبـكم هذا التفاوت بيننا وكـل إناء بالذي فيه ينــضح وقد قال علي عليه السلام: (إذا ملكت فاسجح). راجع: انساب الأشراف 2/249/250. وقال عليه السلام: (العفو زكاة الظفر). راجع نهج البلاغة ص 4/ ص 506. إن أهم نتيجة للثورة تكمن في هدفين: الأول: هدم النظام الجائر (8). فالثورة ( تنهي إلى الأبد مساوئ النظام القديم )(9) و( تبدأ عهداً جديداً ) (10). ثانياً: ( توزيع القدرة على الفئات والمنظمات والأحزاب حتى لا تتمكن جماعة من استغلال الحكم وضرب الآخرين) (11)، أي المساواة في فرض العمل والحركة. على أن الإمام الشيرازي لا يطرح ذلك بنحو الضرورة، بل بنحو ما ينبغي أن يكون عليه الواقع، وما تؤول إليه النتيجة، وإلا فإن الثورة الفرنسية انتهت إلى دكتاتورية عسكرية ا استعمارية، والثورة الروسية آلت أقلية طاغية. والثورة إذا لم تقلع جذور النظام الفاسد، وتشيد نظاماً صالحا تتحول إلى نقمة على الشعب والأمة. والذي يضمن مثل هذه النهاية السعيدة عوامل عديدة، منها:- ا- البرنامج الاجتماعي المتكامل. ب- نظافة القيادة. ج- الوعي الجماهيري. وإذا انقادت الأمور بيد سلطة متجبرة ترتب أمور أخرى، في مقدمتها الثورة المضادة، وحملة الاعتقالات والحروب الاهلية (12). وهو الواقع الذي توصل الى بعض فصوله الباحث (كريف برنتون) في كتابه (الثورة، عناصرها تحليلها، نتائجها). والإمام الشيرازي يؤمن بالثورة الاجتماعية إيماناً عميقاً نابعاً من أهميتها في صنع الحياة والتاريخ. على أن تحمل معالم التغيير الصالح الذي يرسي قواعد ومبادئ الحرية والعدالة والتقدم. ولذلك ينفر ويعارض سنة الانقلاب العسكري معارضة جذرية ويعتبرها نوعاً من القرصنة، وهي في اغلبها منذ ثلث قرن ( كانت بمخطط استعماري شرقي أو غربي ) (13)، وما يردده الانقلابيون من ( إن العمل العسكري النظامي ضرورة لان الأمة تكون فاقدة الرشد السياسي، ولذا فهو الطريق الوحيد للتغيير، بل لا بد أن يبقى زمام القيادة السياسية بيد (العسكر) )، إنما هو لون من الاستخفاف بإرادة وعقلية الشعوب، خاصة وان وصاية العسكريين على الأمة جاءت بفضل ،السلاح وهو ليس مبرراً عقلياً للوصاية (14). ويذكر الإمام الشيرازي بالانقلابات العسكرية التي حصلت ويطلب النظر في مآسيها من إرهاب وكبت للحريات (15). ويبلغ الإمام الشيرازي الذروة في نظريته عن الثورة عندما يؤكد على أهمية انبثاقها من أجوائها التاريخية والاجتماعية، فهو يقول وبصوت عال ( لا بد للثورة من جذور) (16) ويقصد بالجذور هنا الطبيعة والعادات والتقاليد والأفكار التي كونت تاريخ الأمة، وبتعبير الكتاب المعاصرين (ضمير الأمة)، وتشكل هذه المعادلة اليوم نظرية ضخمة في الفكر البشري الذي يعالج قضايا الثورة والبناء والتغيير، وقد سمي الثلث الأخير الذي نعيشه من القرن العشرين بعصر (العودة إلى الجذور) (17). ولكن الإمام الشيرازي لا يغفل هنا دور العامل الخارجي في عملية التغيير الثوري، وذلك من دعم ومؤازرة تقدمه دول أو شعوب او مؤسسات(18). هذه هي الخطوط العريضة للثورة في الفكر السياسي الذي يطرحه الإمام ا لشيرا زي. وتركيزاً للرواية نقدمها في الخلاصة التالية:- الأول- التعريف:(الثورة انقلاب اجتماعي جذري ). الثاني- الآلية: (الجماهير العريضة ). الثالث- الأسباب: (القهر الاجتماعي الشامل مع انعدام الأمل بالوضع القائم ). الرابع- النتيجة المطلوبة: (هدم الكيان الظالم، وبناء مجتمع جديد قائم على الحرية والعدالة والتقدم ). الخامس- الضرورة: ( الانبثاق من الجذور ). السادس- المستلزمات: ( برنامج واضح و أخلاق ثورية وقيادات نزيهة). السابع- المراحل: الاضطراب- تساعد الروح الرافضة- اتساع الرفض- تبلور الأفكار والارادات الثورية- توفر الطرق الكثيرة لضرب الخصم (السلطة القائمة)- النتيجة النهائية. الثامن- المحصلة: حياة اجتماعية سياسية جديدة ذات أمل وإشراق وعطاء،إذا وعت الجماهير دورها ولم تسمح لمجموعة صغيرة بسرقة الثورة وضرب الآخرين، أو ديكتاتورية غاشمة إذا لم تؤد الجماهير دورها، ولم تحرس مكتسبات الثورة بوعيها، ومواقفها. |
1- الاجتماع ص 444. 2- الثورة، كرين برنتون ص 17، طبع دار الكتاب العربي. 3- الاحتماع ص 444. 4- نفس المصدرص 451. 5- ودوين، جالك نظريات حديثة في الثورة 181- 182. 6- نفس المصدر ص 283، 1 33. 7- نفس المصدر ص 37. 8- الاجتماع ص ه 44. 9- الثورة كرين برنتون ص 347 . 10- نفس المصدر والصفحة . 11- الاجتماع ص ه 44. 12- الاجتماع ص 452- 454. 13- نفس المصدرص 442. 14- نفس المصدرص 443. 15- نفس المصدر والصفحة. 16-نفس المصدرص 451. 17- تغيير العالم لانور عبد الملك: مواقع متفرقة. 18- الاجتماع ص. 450-451. |