الفهرس

الصفحة الرئيسية    

اللاعنف

اللاعنف أو السلام، ركيزة أساسية في النظرية السياسية التي يطرحها الإمام الشيرازي في كتبه وبحوثه ودراساته.

فالسلام:-

أولاً- هدف وغاية، من جهة.

ثانياً- وهو وسيلة وطريقة، من جهة أخرى.

أي أن السلام مبدأ استراتيجي شامل (1)، وفي هذا الإطار يقرر الإمام الشيرازي الشعارات التالية:

ا- السلام دائماً (2).

ب- السلام ضمانة بقاء المبدأ (3).

ج- السلام احمد عاقبة (4).

د- السلام قولاً وفعلاً وكتابة وفي كل موقع ومع كل الناس (5).

إن السلام بهذه السعة لا يشكل هاجساً كما قد يتصور البعض وإنما هو رؤية سياسية كاملة، بدليل الشمولية والتوكيد، فالهاجس طارئ، فيما الرؤية ثبات واستمرار ونظر ودليل.

إن الإمام الشيرازي يؤسس هذا التصور الشمولي الرائع عن السلام اعتماداً على جملة مهمة من المسوغات والمبررات، منها:

أولاً: النصوص الشرعية:

فقد وردت كثيرة في القرآن والسنة نصوص تدعو إلى السلام، وذلك شعاراً ومنطلقاً وهدفاً وعملاً.

قال تعالى: (ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان ).

وقال تعالى:( وتحيتهم فيها سلام ).

وقال تعالى:( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله ).

وقال تعالى:( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا، وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ).

وعن النبي (ص):( يا علي، مكارم خصال الدنيا والآخرة: لين الكلام والسخاء وان تعفو عمن ظلمك).

والنصوص في هذا الميدان كثيرة.

ثانياً: السيرة المعصومة:-

فالرسول (ص )عندما افتتح مكة المكرمة عفا عن قريش، بما فيهم عتاتها الذين آذوه وطردوه وحاربوه، وقال لهم قولته الشهيرة (اذهبوا فأنتم الطلقاء). وعلي عليه السلام لم يحارب أهل الجمل والنهروان وصفين إلا بعد أن ألقى عليهم الحجة، و أمهلهم طويلاً وبعد الانتصار عليهم لم ينكل بأحد ولم ينتقم من أحد بل عفى عنهم جميعاً.

كذلك الإمام الحسين عليه السلام، وكان شعار أمير المؤمنين لخطة الفتح الأولى،اليوم يوم المرحمة، اليوم تحمى الحرمه.

ثالثاً: الفكر السليم :

فانه يهدي إلى السلام، إذ به تحقن الدماء، ويعم الخير وتصان الأعراض وتتسع العلائق الإنسانية، وتتفجر الأرض بالطاقات.

رابعاً: التجربة:

فالدولة والأنظمة والأحزاب التي توسلت بالعنف اندثرت او في طريقها إلى الزوال، وهي مكروهة من لدن الشعوب والأمم بل مكروهة من لدن مطلق البشر.

والسلام في المنطوق الفكري للإمام الشيرازي يقابل:

الأول: الحرب:

لأنها أسوأ شيء عرفه الإنسان قديماً وحديثاً، فهي تكون سبباً مباشراً في تدمير الإنسان على كل الأصعدة، اجتماعياً وعمرانياً ونفسياً، انه التدمير الشامل (6) وهذا رأي صائب وثاقب فمما لا شك فيه ( أن جميع الحضارات البائدة قد دمرتها الحروب ) (7)، ويكفي أن نعرف إنها (اللقاء الحتمي مع الموت الزؤام في الصدفة او المعارك )(8)

الثاني: العنف:

لانه طبيعة غير سوية، ويشل حركة الإنسان،ويغلق الحدود النفسية بين الناس والحاكم والأنظمة، التي تمارسه علناً أو سراً، والعنف حالة السلوك التي تسيطر على صاحبها تماما اذ (العنيف عنيف مع الاصدقاء مع الغرباء ومع البعداء ومع الأعداء)(9) انه طبيعة.

والإمام الشيرازي يرفض كل ألوان العنف…

ا- العنف في أجلى صوره: كأن يكره امرؤ أنساناً على توقيع عهد، مهدداً إياه بالقتل (10) لأن الإكراه حرام شرعاً.

ب- العنف الأقل ظهورا: كأن يلزم رب العمل عاملا بالقيام بمهمة مستغلا نقطة ضعف نفسية أو معيشية (11) لانه أشبه بالاستغلال.

العنف الصامت: كأن يستنفذ جهاز بيروقراطي صبر المواطنين الذين ينتهون بالخضوع له (12) لأن البيروقراطية مرض حضاري.

فالسلام إذن مشروع، فكرة، نظرية... رؤية.. وفي قبالة الحرب الإكراه، الديكتاتورية، وكلها ذات طبيعة متقاربة، ولهذا قلنا إن السلام يشكل منظومة حضارية في الفكر السياسي للإمام الشيرازي.

على أن الإمام الشيرازي يطيل الحديث عن السلام في ميدان الحركة الإسلامية، فيضع الموازين التالية:-

أولا- لا بد للحركة الإسلامية أن تتبنى السلام شعارا، لأنه شعار الإسلام، سلام العالم، وسلام البلد، وسلام الأسرة، وسلام المجتمع.

ثانياً- أن تكون العلاقات القائمة بين أعضاء الحركة قائمة على السلام،يقول الإمام في هذا الصدد (... إن الأعضاء يجب أن يكونوا على وفاق تام، لا أن تكون بينهم خلافات أو منازعات أو ما أشبه... )(13).

ثالثاً- أن تكون العلاقة بين الحركة وغيرها قائمة على هذا المبدأ الإنساني الكريم، أي السلام، يقول ( يجب أن يتصف القائمون بالحركة بالسلام، تفكيرا وقولا وعملا مع الأعداء والأصدقاء )(14).

رابعاً- أن تعمل الحركة جاهدة في تربية أعضائها على هذا الخلق السامي،لذايقول: (... يجب أن يربي القادة كوادر الحركة على السلام لسانا وفكرا وتأليفا، عملا، مهما كلف ذلك ) (15).

خامساً- السلام طريقها الإنساني في تحقيق أهدافها لان ( الحرب والمقاطعة وأساليب العنف ومسائل اضطرارية شاذة، على خلاف الأصول الأولية الإسلامية، حالها حال الاضطرار لأكل الميتة ...) (16).

وتحقيق السلام داخل الحركة يتم بأمرين:

أ- الانتخابات الحرة في داخل الحركة (17).

ب- العمل بالشورى داخل الحركة (18).

ويتحقق السلام مع الحركات الأخرى باتباع سياسة اللين، والمطارحات الفكرية، والنقاش العلمي الحر(19).

وعليه فان السلام بالنسبة للحركة يشكل (هدفاً وبرنامجا ونظاما).

والسلام مهمة اكبر، واضخم بالنسبة للدولة الإسلامية، فهو رسالتها إلى العالم، وهدفها الدولي الذي تسعى إليه، يقول الإمام (إن الدولة الإسلامية يجب أن تدعوا إلى السلام، (يا أيها الذين أمنوا ادخلوا في السلم كافة )، وان تجنح للسلام كلما جنحت الدولة غير الإسلامية لذلك (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، وإذا اضطرت لحرب خارجية أو إخماد ثورات داخلية، فاللازم أن تراعي منتهى النظافة والإنسانية، فإن الحرب مثالها مثال العملية الجراحية تقدر بقدرها الاضطراري… )(20)، هذه هي الفكرة في عمومها ، على انه يفصل في مسؤولية الدولة الإسلامية على صعيد السلام العالمي، ويرى أن من الواجب عليها ان تسعى لذلك من خلال:-

الأول- إيقاف سباق التسلح.

الثاني- تطويق فكرة الانقلابات العسكرية.

الثالث- تفعيل دور هيئة الأمم المتحدة بإبطال حق (الفيتو).

الرابع- نشر العدالة الإجتماعية في العالم.

الخامس- الدعوة إلى الفضيلة الإنسانية (21).

ونلاحظ هنا ترابطا جدليا في نظرية الإمام الشيرازي بين السلام العالمي والعدالة الاجتماعية العالمية، وهي أطروحة تؤكد عليها الدراسات المعاصرة بقوة. ففي هذا يقول ليستر بيرسون الحائز على جائزة نوبل للسلام( أن رخاء الشعوب ودعامة من دعائم السلام وقد تطور هذا الموضوع كثيرا في أذهاننا )(22).

وليس من ريب أن هناك علاقة ضرورة بين السلام وتطويق حركة التسلح الرهيبة التي أخذ هاجسها يهدد أمن العالم كله، وهناك ترابط روحي خلاق بين السلام والأخلاق، وكما يقول سيبينوز ، إن السلام ليس شيئا آخر غير العزم الذي ينبثق من فضائل الروح (23).

وهكذا يكتمل البناء النظري للسلام العالمي في سياسة الدولة الإسلامية فهو عمل دائب تتفاعل في نطاقه العاطفة والفكر والمادة والروح الإرادة.

والعمل السياسي لتشكيل الحكومة الإسلامية ينبغي أن يقوم على السلام فالإمام الشيرازي يرفض العنف طريقا لهذا الهدف الإيديولوجي الكبير.

يقول بعد حديث طويل عن سيرة الرسول في ذلك:

(... فالحركة الإسلامية تبدأ بجمع الأنصار والتنظيم والتوعية، ثم تسقط الأنظمة الاستعمارية مباشرة، والأنظمة العميلة بالإضرابات والمظاهرات وإذا اضطرت إلى الحرب، فلا تبدأ لتكون لها الحجة على المعتدي أمام العالم، وإن أمكن تدفع الحرب بالطرق السلمية، وإذا لم تنفع الطرق السلمية تجعل العمل الحزبي (ربعا) للحرب و(ثلاث أرباع ) للحلول السلمية (24).

أما العنف، فلا، ولكن لماذا؟!

فأولا: أن القتل يوجب رد الفعل في سائر الشعوب، حيث يقولون- إن الإسلام دين القتل- فإن الناس يرون عمل حكام كل مبدأ( تجربة عملية ) لذلك المبدأ، ولذا ينظرون إلى النازية والفاشية والشيوعية، بمنظار قتلى هتلر، وموسيليني، وستالين، وإذا حصل رد الفعل في الشعوب فمن الأكيد انهم يكيدون لإسقاط مثل هذا النظام، وكيد الشعوب ينتج، وما الداعي لأن يعمل الإنسان عملا يوجب سقوطه وسقوط مبدئه؟(25).

وثانيا: أن القتل يوجب تأليب الأمة ضد الحكم القائم، فانهم وإن كانوا ضعفاء حين قدرة التيار، أو قدرة الدولة، إلا أن الميزان سينقلب، إلى قوة الأمة وضعف التيار والدولة، وحين ذاك يكون السقوط، بل الإبادة الكاملة، كما رأينا كيف أبادت الأمة بني أمية، وغيرهم من الذين امتهنوا القتل (26).

وعليه من اللازم على التيار الإسلامي قبل الوصول إلى الدولة، والدولة الإسلامية، أن يتجنبا القتل- بكل قوة- فإن القتل يثير الناس إثارة بالغة، ولا ينسى الناس من قتل أولادهم وأقرباءهم وأصدقاءهم، وذلك إذا لم يؤثر، في الخط القريب إبان قدرة التيار أو قدرة الدولة، فإن ذلك يؤثر في الخط البعيد (27).


 ‏1- السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 199 ‏.

‏2 - نفس المصدر ص ه 19‏.

‏3- نفس المصدر ص 203‏.

‏4- نفس المصدر ص. 19‏.

‏5- نفس المصدر ص 198‏.

‏6- الصياغة الجديدة ص 349‏.

‏ 7- الحروب والحضارة ص 36 ‏.

‏8- نفس المصدر ص 28‏.

‏9- السبيل ص 191‏.

‏10- 12- سوسيولوجية السياسة ص (182- 200) ولاحظ أفكار الشيرازي في ذلك في كتب (السياسة، الاجتماع، الحكم في السلام، الصياغة الجديدة.‏

‏13- السبيل ص 208‏.

‏14- نفس المصدر ص. 190‏.

‏15- نفس المصدر ص 202‏.

16- نفس المصدر ص 183‏.

‏17-18-السبيل ص 208، 223، 224. 225‏.

‏19- نفس المصدر السابق.

20- نفس المصدر السابق.

‏21- نفس المصدر ص 108- 110‏.

22- الدبلوماسية في عصر الذرة ص 93‏.

‏ 23- نفس المصدر ص 106‏.

‏24- نفس المصدر ص344‏.

‏ 25- نفس المصدر ص344‏.

‏ 26- نفس المصدر ص5 44 ‏.

‏27- نفس المصدر ص 444‏.