الفهرس

الصفحة الرئيسية    

شورى الفقهاء

الرؤية التي يتبناها الإمام الشيرازي عن الحكم في الإسلام تنسجم تماما مع آرائه الجريئة الصريحة عن الحرية والعدالة والثورة، وذلك فضلا عن استنادها إلى الأدلة القرآنية والشواهد النبوية. وجوهر الرؤية كما هو معلوم يتمثل في ( شورى المراجع).

ولكن( شورى الفقهاء) ليست شعارا سياسيا أو لافتة دعائية، وإنما هي نظرية إسلامية مدعمة بالبرهان، وتحتوي على تفاصيل عريضة ومتشعبة في معالجة قضية الحكم في الإسلام.

والمتتبع لتراث الإمام الشيرازي يجده يعطي اهتماما واسعا ومؤثرا لـ ( شورى المراجع)، فالرجل يطرقها بين حين وآخر، ويبدو لي أن هاجسه من الدكتاتورية وحبه العميق للإنسان والإسلام يشكلان واقعا نفسيا مهما في هذا الاهتمام.

و للإمام الشيرازي كتاب كبير في هذا الموضوع، وهو الكتاب الموسوم بـ(الحكم في الإسلام )وهو أحد أجزاء موسوعته الكبيرة التي لا يزال يخرجها تباعا تحت عنوان (الفقه). وهو فقه استدلالي موسّع، وتعتبر الموسوعة المذكورة من ابرز ما عرف في عالم الفقه على عصرنا الحالي. وقد بسط في كتابه هذا نظريته عن الحكم في الإسلام على شكل مسائل متتابعة، متعانقة،بلغت (34) مسألة، وذلك بتفصيل وتفريع شاملين... كما أن السيد تطرق لنفس الموضوع في كتابه الضخم( السياسة) الذي هو أحد أجزاء الموسوعة الفقهية، وعرض لها بسرعة في (هكذا حكم الإسلام ) و( السبيل لإنهاض المسلمين) و( الاجتماع) و( نريدها حكومة إسلامية عالمية ) وغيرها من المؤلفات والأسفار.

الولاية التشريعية للرسول اللائمة يتسلسل الإمام الشيرازي في طرح نظريته على هذا الصعيد من مسألة الولاية التشريعية، فيؤكد أنها للنبي والأئمة بلا أدنى ريب، ولكن ليس على سبيل انهم يجعلون ( القانون من أنفسهم) (1) لأن ذلك من حق الله تعالى وحده، وإنما هم يبنون هذا التشريع للناس. ويستدل على استقلالية الإرادة الربانية بالتشريع يقول تعالى:

(إن الحكم إلا لله).

ويستدل على أن دور الأنبياء والأئمة هو البيان فحسب بقوله تعالى:

(فذكر إنما أنت مذكر)... وبقوله تعالى:

( ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا عنه الوتين) ويستعرض للغرض نفسه آيات أخرى، كذلك يأتي بالمؤيدات من الأحاديث والإجماع ويختم كلامه بما يلي:

( وكيف كان فالولاية... هي لله أولا وللرسول ثانيا وللإمام ثالثا،ولكل منهم ولاية الكون وولاية التشريع،(2)لكن الولاية بالنسبة أليه تعالى ذاتية،وبالنسبة إلى أوليائه عرضية مستترة إليه تعالى. كما ان المراد بالتشريع فيهم، بيان شرع الله تعالى، لاتشريع الحكم على حد تشريع الله تعالى)(3).

وعلى هذا المنظور يمكننا أن نثبّت الخلاصة التالية:

- الولاية التشريعية العرضية ثابتة للرسول والأئمة.

انتقال الولاية للفقهاء

ولكن نحن نعلم أن الإمام الثاني عشر في العقيدة الإسلامية الشيعية غائب عن الأنظار، وهو لم يمارس الآن دور الحكم أو التنفيذ، فهل يعني هذا أن تتعطل الشريعة عن العمل؟!.

يقول الإمام الشيرازي وهو يتسلسل في نظريته عن الحكم في الإسلام، إن الولاية العامة للأنبياء والأئمة تنتقل إلى ( الفقيه الجامع للشرائط )(4).

وليس من ريب أن الإمام الشيرازي لا يناقش هنا ولاية الفقيه في (أمور الحسبه) لأنها ثابتة لدى الجميع، ولكن المقصود هنا الولاية العامة (في باب التنفيذ )(5).

وفي محاولة تعليمية تربوية هادفة يبسط آرائه في الموضوع إجابة على سؤال دقيق في صياغته، وهو:

هل الأصل في الولاية العموم إلا ما خرج؟ أو لا ولاية عامة له إلا ما دل الدليل على حقه في التولي.

ويجيب الإمام الشيرازي على سؤاله، بأن الظاهر هو الأول أي أن الأدلة قائمة على الولاية العامة للفقيه الجامع للشرائط. ويسرد جملة من البراهين مستقاة من القرآن والسنة والإجماع والعقل. ويعضد الإجماع بان ( جمهرة كبيرة من العلماء كانوا يتصرفون في شؤون الدولة والسياسة العامة) وبوجوب بعض الالتزامات من قبل الأمة اتجاه العلماء وولاتهم هنا وهناك(6) .

كيف يستلم الفقهاء الحكم

ولا يقف الإمام الشيرازي عند هذا الحد، بل يذهب في تفصيل واضح مبرمج، كيف يستلم الفقهاء الحكم؟! هذه القضية خطيرة وأساسية ومهمة فالنبي اصبح حاكما بالدعوة وجمع الأنصار وحرب الدفاع عن النفس والدين حيث قادته عملية التفاعل بين هذه الآفات إلى حكم المدينة، والرسول هو الذي عين الأئمة الاثناعشر، فما هي الطريقة التي يقلد فيها الفقهاء هذا الوسام المشرف؟!

الإمام الشيرازي يدافع هنا بقوة وحرارة عن (الانتخاب)، فالأمة هي التي تختار حاكمها في النظرية السياسية الإسلامية حسب تصور الإمام ا لشيرازي.

يقول الإمام:(الحاكم الإسلامي هو الذي يجمع بين شرطين:

الأول: كونه مرضيا لله سبحانه وتعالى.

الثاني: كونه منتخبا من قبل أكثرية الأمة)(7).

إذن وبكل وضوح الحاكم الإسلامي يجب ان يأتي بالاختيار او بتعبير سياسي قانوني محدد بالانتخاب.

(وزيادة في الإيضاح يقول الإمام الشيرازي: الحكم في الإسلام ليس رديئا ولا دكتاتوريا، كما أن الحاكم الذي يأتي إلى الحكم عبر انقلاب عسكري مرفوض من قبل الإسلام حتى لو كان الحاكم مسلما، إذ الإسلام يشترط آراء الأكثرية)، وهذا الانتخاب ينبغي أن لا يكون أجوائيا،، أي بالمظاهرات والاحتفالات كما (من الضروري أن تجري انتخابات عامة بين فترة وأخرى- كل أربع أو خمس سنوات مثلا- لانتخاب الحاكم العام والحكام المحليين حسب رأي الأكثرية أيضا..) (8).

طريقة الانتخاب

يلاحق الإمام الشيرازي مسألة الحكم بكل تفاصيلها الجزئية حتى تتوضح عالم مدرسة متكاملة.

كيف يتم الانتخاب.؟!

هذا السؤال يطرح نفسه، خاصة إذا علمنا أن هناك من يتخذ من التظاهرات المؤيدة لشخص ما دليلا على انه مراد أو منتخب. الإمام الشيرازي يرفض هذا المنطق كما رأينا قبل سطور، بل لا بد من الانتخاب بمعناه القانوني والسياسي المعروف ولكن كيف؟!

الجواب:-

( للامة أن تعين الحاكم الأعلى بالأصوات (...) أو أن تعين أهل الحل والعقد الذين يعينون هم الحاكم الأعلى، وبذلك يندفع إشكال بما يتوهم وهو أن الانتخابات لم تكن معروفة في الطريق الإسلامي، فكيف تقولون به)(9).

ومن هذا المنظور نفهم، أن الانتخاب إما مباشر، وإما غير مباشر. المباشر. أن تتولى الأمة فرز قائدها بلا واسطة، وغير المباشر أن تكون العملية عن طريق ممثلين تنتخبهم الأمة.

وكلا الطريقتين تجسدان إرادة الأمة المسلمة في اختيار الحاكم، وترجيح أحدها على الأخر يتوقف على الظروف والأجواء.

الصورة النهائية

وبعد ذلك يفصل بالصورة النهائية التي يمكن أن تترتب على عملية الانتخاب. وهي في الإيضاح التالي:

الأول: أن تختار الأمة فقيها معينا ( حتى يكون هو الذي يتولى عامة الأمور وهذا يسمى بـ (ولاية الفقيه) ).

الثاني: أن تختار الأمة مجموعة من الفقهاء ( ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم ) وإذا تحقق أن انتخبت الأمة مجموعة من الفقهاء تأتي مسألة جديدة، إذ يتخذ الوضع أحد حالتين:

أ- أن يقرر الفقهاء المنتخبون ترئيس أحدهم، ويمارس الباقون مهمة الاستشارة، فهم ( مشاورون ).

ب- أن تنفذ أمور الدولة والحكم بـ ( الرهينة الجماعية )(10).

وعليه:

(.. إن الدولة الإسلامية رئيسها الأعلى هو الفقيه الجامع للشرائط، سواء كان بصورة فردية أو بصورة جماعية- حسب اختيار الأمة أحد الأمرين )(11).

 وواضح جدا أن الأمة إذا اختارت اكثر من فقيه جامع لشرائط الحكم وتشكلت من ذلك هيئة حاكمة، إنما نكون قد افرزنا( شورى المراجع )كصورة للحكم الإسلامي على ارض الواقع، وهنا نصل إلى نتيجة خطيرة مؤداها، أن أن ( شورى المراجع) كطريقة في الحكم متوقفة على إمضاء الأمة لها. وبهذا يجسد الإمام الشيرازي قمة الصدق مع الذات على صعيد الفكر فعلى الرغم من انه يرى في( شورى المراجع) أنها امثل الصور وأدقها وأروعها واجدرها في إدارة شؤون الدولة، إلا أنها يجب أن لا تفرض على الناس بقوة أو إيهام أو بأي لون من ألوان الفرض، بل يجب أن تكون نتيجة انتخاب شعبي شامل حيث تعمل عملية الانتخاب هنا دورها الإيجابي الفاعل وتعود إلى القاعدة الأساسية الأولى التي أرساها الإمام الشيرازي، إلا وهي على ضرورة تعيين الحاكم- فردا أو جماعة- بالانتخاب.

خلاصة اولية

وإذا أردنا أن نرسم تدريجا متسلسلا من الأعلى لنظرية الإمام الشيرازي

عن الحكم في الإسلام- كطريقة- لوجدناها بالشكل التالي:

أولا: لا بد من حاكم إسلامي.

ثانيا: هذا الحاكم إما فرد واحد (ولاية الفقيه)، أو جماعة من الفقهاء الجامعين للشرائط ( شورى المراجع).

ثالثا: في حالة الشورى، إما أن تجتمع العناصر على ترئيس أحدها، أو تتفق أن يكون الحكم استشاريا بينها.

رابعا: ولاية الفقيه أو شورى المراجع إنما تتقرر بالانتخاب المباشر أو بواسطة نواب منتخبين لهذا الغرض.

والإمام الشيرازي يؤمن بـ ( شورى المراجع) كنظرية خاصة، ولكن يقيد أو يشترط إمضاءها على ارض الواقع برضا الأمة، لأن الانتخاب عنده أصل لا يمكن خرقه أو تنحيته. وبهذا تتفق آراء الشيرازي مع نفسها بشكل صارم و وا ضح.

أدلة الشورى والصورة النهائية

جوهر النظرية التي يطرحها الإمام الشيرازي ( شورى المراجع) بإمضاء الأمة واختبارها.. ولكن لماذا؟! الجواب بسيط… إن الأدلة المتوفرة لدى الإمام الشيرازي تقود- في رأيه- إلى تبني هذا الشكل من الحكم في الإسلام.

ومنها( باختصار).

أولا: قوله تعالى (أمرهم شورى بينهم ) وقوله تعالى في آية أخرى (وشاورهم في الأمر).

ثانيا: في الأصل لم يعين الله تعالى أحد المراجع للحكم، الأمر الذي يقتضي إباحة اختيار أي منهم.

ثالثا: رواية أبي حذيمة ، ( بعثني أبو عبد الله عليه السلام إلى أصحابنا فقال: قل لهم إياكم إذا وقعت بينكم خصومة، أو قد أدى في شيء من الأخذ والعطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلا قد عرف حلالنا وحرامنا، فاني قد جعلته عليكم قاضيا، وإياكم إن يحاكم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر).

رابعا: مقبولة عمر بن حنظلة، حيث يقول الصادق ( ينظران من كان منكم قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما، فاني قد جعلته عليكم حاكما).

ويسترسل الإمام الشيرازيفي سرد الأدلة حتى تبلغ عنده تسع عشر دليلا. من الكتاب والسنة والإجماع والعقل ويلتفت إلى كل الشبهات التي أثيرت حول الشورى ويفندها شبهة شبهة.

ويبدو لي ا ن هذه السير الدلالي لنظرية ( شورى المراجع)، يمكن أن تختم بهذا التصوير:

(.. أن الحكومة الإسلامية قوامها:

شورى المراجع الذين هم مراجع تقليد الناس... لأنهم نواب الأئمة، عليهم السلام الذين نصبوهم حكاما وخلفاء. يقول صلى الله عليه وآله وسلم (اللهم ارحم خلفائي) وقوله عليه السلام (فاني قد جعلته عليكم حاكما)، ولا وجه لأن يكون بعض المراجع في الحكم دون بعض، لانه عزل لخليفة الرسول، والحاكم المنصوب من قبل الإمام، ولا حق أن يقول أحدهم أن المرجع الفلاني لا يفهم أو ما أشبه (من الاتهامات) إذ ما دام قبلته جملة من الأمة بملأ أرادتها، فاللازم أن يكون شريكا في الحكم..)(12).

الانتخابات ومشاكلها

الانتخاب فقرة مهمة في نظرية الإمام الشيرازي عن الحكم في الإسلام

ولذا لم يتركه فوضى، بل نظر له على أسس إسلامية متينة وقد نظمه في الضوابط التالية:

أولا: إن ( رئاسة الحكومة تكون عبر انتخابات حرة ينتخب فيها الحاكم تبعا لا كثرية الآراء، شرط أن تتوفر فيه المواصفات التي اشترطها الله سبحانه كالعدالة والاجتهاد في الأمور الدينية والاطلاع على شؤون الدنيا)(13) وهذا هو الأصل.

ثانيا: إن هذه الانتخابات ليست اجوائية مناخية، وانما حقيقية، يشارك فيها كل الناس. فمظاهرات أو برقيات التأييد لا تعد انتخابا، وإنما طريقة الاقتراع هي الوسيلة لذلك.

ثالثا: وإن هذه الانتخابات ليست شرطا في تعيين الحاكم العام بل أيضا في تعيين الحكام المحليين ( في كل إقليم وناحية من نواحي البلاد الإسلامية يجب أن ينتخب الناس مرجعا يكون حاكما لهم... ويجب أن يخضع حكام البلاد الإسلامية للحاكم الأعلى- الذي ينتخب أيضا بأكثرية الآراء)(14).

رابعا:( ومن الضروري أن تجري الانتخابات عامة بين فترة وأخرى- كل أربع أو خمس سنوات مثلا- لانتخاب الحاكم العام والحكام المحليين، حسب رأي الأكثرية أيضا )(15).

ولم يغفل الإمام الشيرازي في الأثناء الشبهات التي تثار عادة حول مسألة الانتخابات والشورى، فكثيرا ما نقرأ نقدا لاذعا لهذين المفهومين السياسيين، يقال من جدواهما، ويصنفهما في خانة المستحيل أو شبه المستحيل كما يقولون.

- ويتبلور النقد الرئيسي لقضية الانتخابات انه يمكن التلاعب فيها،ويمكن تزويرها.

-ونقد آخر يركز على أن فرص الفوز بأكثر الأصوات يعتمد على إمكانات المرشح من مال واعلام وانصار، وهي مسائل وقضايا وممكنات متفاوتة من واحد لآخر.

وليس سرا أن مثل هذا النسق من النقد يعود بعد فحصه إلى التجربة المرة التي مرت وتمر بها عمليات الانتخاب، سواء في هذه الدول التي تسمى بدول العالم الحر، أو بدول العالم الثالث، فالانتخابات في ظلها أكذوبة مفضوحة،تساهم في خلقها عوامل كثيرة يصب معظمها في الخداع والزور والكذب. ليس على مستوى الرؤساء والحكام بل حتى على مستوى الموظفين الصغار، الأمر الذي تعهد اليأس في نفوس الشعوب والأمم من الانتخابات رغم أنها كفكرة وطريقة مقدسة في الضمائر، ومرغوبة، بل هي أمنية عزيزة لأنها منطقية وتنسجم مع الفطرة إلى حد كبير.

ولا نريد أن نعالج المشكلة بلغة المنطق. فليس كل شيء تمتد أليه يد التلاعب يجب رفضه، و إلا فمثل هذه الطريقة في تدبير الأمور ومعالجتها تجمد كل طاقات الحياة، وتفسح المجال لمنطق الموت والعجز للسيطرة على الوجود كله... كما أننا لا نريد أن نبين أن مثل هذه الشبهات لا وجود لها في المجتمع الإسلامي في حدود ليست عادية وذلك بفعل التربية العامة لهذا المجتمع القائم على التقوى والصدق والأمانة والشجاعة…

كل هذه النقاط الجوهرية لا ينبغي الاستناد أليها، وانما هناك قضية مهمة، كما يشير الإمام الشيرازي في هذا المجال إلا وهي الثقافة، فإن انتشارها في الأوساط الشعبية يحول دون هذه المعوقات هذه هي رؤية الإمام الشيرازي في الإشكالية المطروحة، فإن الثقافة تولد الوعي، والوعي ضد الزيف والتحريف والمماطلة واللعب على الحبال.

على إن هذه المسألة تخضع للتجارب، وبمزيدها تنضج الشعوب والأمم وتستطيع من خلال هذا النضج أن تعالج الخدعة الأولى والثانية، والتجارب مصنع الأمم والشعوب.

إن الشبهة المذكورة حقيقية ولكن حلها ليس مستحيلا، قد يكون الأمر صعبا لكن ليس كل صعب يجب الانقياد له.

إن الوعي والتجربة كفيلان بتذليل هذه المشكلة.

شبهة الأكثرية

واستطرادا يثير الإمام الشيرازي الشبهات المطروحة حول الأكثرية والتي يمكن أن نلخصها فيما يلي.

أولا: إن الله تعالى ذم الأكثرية ( وإن تطع اكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله).

ثانيا: إعطاء حق التصويت للامة يلزم تساوي العالم والجاهل.

ثالثا: إن الأكثرية قد تكون أقلية، كما إذا كانت ( هناك ثلاث تكتلات اختار خمس وثلاثون من تكتل زيدا ، وثلاث وثلاثون عمروا ، واثنان وثلاثون بكرا، كم، كان معنى ترجيح الأكثرية ، إن رأي خمس وستين لا يؤخذ به لأجل رأي خمس وثلاثين ).

رابعا: لأن الأخذ برأي الأكثرية تسحق الأقلية.

ويتناول الإمام الشيرازي كل هذه الشبهات برد منطقي علمي واضح.

أما ذم الأكثرية في القرآن فلم يكن مطلقا، بل هو في زمان تكون فيه الأكثرية منحرفة عن سبيل الله.

وأما تساوي الحقوق بين العالم والجاهل، فهو هنا في مستوى الحق العام المشترك، ولذلك ليس فيه ظلم ولا ضرر.

وأما الشبهة الثالثة فهو نوع من المغالطة لان الأقلية قد ارتضت الأسلوب إضافة إلى ذلك يمكن تمرير حقها بالمشاورة أو المؤازرة، فضلا عن أن تقديم الأكثرية هو من مستلزمات المشورة المقررة في الكتاب والسنة والعقل والإجماع.

ويرد على الرابع ما ظهر في جواب الثالث من انه لا إبطال لحق الأقليةوالمسألة خاضعة للدوران بين الأهم والمهم(16).

شورى المراجع أمام مشكلتين

وتتعلق في مسألة شورى المراجع مشكلتان:-

الأولى: التعارض بين المرجع وشورى المراجع.

الثانية: كيفية جمع مراجع التقليد في مجلس واحد، وهم في مختلف البلاد؟.

يقول الإمام الشيرازي في الجواب على المشكلة الأولى، وذلك بعد ان يمهد لها تمهيدا تعريفيا، مفاده اختلاف بين فقيه وشورى المراجع، إذ ماذا يعمل المقلد آنذاك؟!.. يقول:

(.. الظاهر لزوم اتباع المقلد لشورى الفقهاء، فهو من قبيل تردد المقلد بين رأي مجتهدة ورأي القاضي- فيما حدث نزاع رجعا إلى القاضي- حيث ذكروا لزوم اخذ رأي القاضي..).(17)

وينطلق الإمام الشيرازي في هذا الحل من دليلين:

أولا: المناط في مسألة القاضي.

ثانيا: لظهور بعض الروايات في ذلك كما في نهج البلاغة( وانما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا على رجل وسموه إماما كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين)(18).

وأما الجواب على المشكلة الثانية، فيجملها الإمام الشيرازي في الصورة العملية التالية:-

(.. إنه يمكن أن يكون لهم ممثلون في مجلس واحد، يوصلون أنظار كل واحد واحد منهم إلى المجلس، ويرفعون التقارير إليهم، فإذا حصلت الأكثرية كان ذلك الرأي مورد التنفيذ بسبب السلطة التأطيرية)(19)( التشريعية والقضائية والتنفيذية).

شروط الحاكم

ولا يختلف الإمام الشيرازي عن اكثر الفقهاء في بيان شروط الحاكم الإسلامي وهي: ا- البلوغ. ب- العقل. ج- ا لإيمان. د- العلم (الاستنباط من الأدلة الأربعة). هـ- العدالة العامة. و- طهارة المولد. ز- الحياة. ح- الذكورة (20)

ولا يشترط ألا علمية كما هو رأي الكثير من الفقهاء كصاحبي المسالك والجواهر. أما ما يتعلق بالشجاعة والكرم والزهد… فهي صفات إضافية وعلى سبيل الأفضلية(21).

ملاحظات مهمة

أولا: إن انتخاب الفقهاء لا يسقط الفقيه من منصبه التقليدي (22).

ثانيا: فقد مرجع التقليد المؤهلات، وغلب عليه ما يسقطها كالنسيان وما أشبه يسقط حقه في الحكم(23).

ثالثا:( ومن الضروري أن تجري انتخابات عامة بين فترة وأخرى- كل أربع أو خمس سنوات مثلا- لانتخاب الحاكم العام والحكام المحليين حسب رأي الأكثرية)(24).

رابعا: والحاكم سواء كان فردأ ( ولاية الفقيه) أو جماعة ( شورى المراجع) ينبغي له أن يكون كثير الاستشارة والمستشار من جمع خمس خصال : ا- العقل. ب- الحرية. ج- التدين. د- الإخلاص.هـ- أن يكون مطلعا على السر.

خلاصة مستجمعة

في الحقيقة إننا إذا دققنا النظر في نظرية الإمام الشيرازي عن الحكم في الإسلام لوجدناها تتركز في نقطتين جوهريتين.

الأولى: شورى المراجع.

الثانية: الانتخاب.

وقد جمع بينهما بصورة فنية رائعة، راعى فيها حق العلم من جهة وحق الأمة من جهة ثانية. كما راعى فيها أصالة الحرية إلى ابعد الحدود وهي القضية التي يؤمن بها أيمانا عميقا، وربط بينها وبين العدالة ربطا جدليا محكما.

فـ (شورى المراجع) هي الصورة الإسلامية المثلى للحكم الإسلامي كما يرى الإمام الشيرازي- ولكن ليس عن طريق الفرض القهري القسري وانما برضا أكثرية الأمة ، حيث يدخل الانتخاب هنا، والذي يستلزم الحرية والعدالة في آن واحد… ويذهب في الصدق مع الذات والغير إلى ابعد الحدود عندما يقرر أن الأمة إذا اختارت أحد فقهائها فهي حرة، ولا سبيل للاعتراض.

إن نظرية الإمام الشيرازي تحترم العقل والإرادة، وتتوافق مع تطلعات الإنسان لان يكون مشاركا في صنع مصيره. ولا نغالي إذا قلنا أن الأخذ بالنظرية مع ملاحظة مجرياتها التي ذكرناها توفر مناخا صالحا لنمو الإرادة الشعبية والضمير الحر.

نظرة مقارنة سريعة

ولا نريد أن نغالي إذا قلنا هنا أن القول بغير شورى المراجع قد يؤدي إلى دكتاتورية فردية طاغية، ولو بشكل عفوي، وللدليل على ذلك نستعرض شيئا من هذه الحقيقة... حيث تتسلسل القضية وفق الفقرات التالية:

أولا: إن صلاحية (ولاية الفقيه) واسعة جدا كصلاحية المعصوم تماما.

ثانيا:لا شورى حتى لو تساوى الفقهاء في الصفات.

ثالثا: ولا يجب على الفقيه أن يشاور أصحاب النظر من العلماء فضلا على عامة الناس .

رابعا: ولكل فقيه جامع للشرائط ولاية، ولكن لأن ذلك يؤدي إلى الفوضى فلا بد من حصرها بواحد باختيار الأمة!!

خامسا: وولاية الفقيه نافذة على الفقهاء ومقلد يهم.

سادسا: وان حصل خلاف بين الفقيه صاحب الولاية والمرجع، حكم الفقيه هو النافذ في الموضوعات والأحكام.

سابعا: واخيرا أن المرجعية كلها يجب أن تكون في قبضة الفقيه الحاكم!

لا أريد أن اعلق بشيء على مثل هذه الاقتراحات من ناحية فقهية، لاني لست فقيها، ولكن انظر الى الجو العام الذي يمكن ان تخلقه وتقود إليه.

إنه بلا ريب جو مفعم بالقوة والقهر، ويخلق حالة من عدم التوافق بين الناس والحكم الإسلامي، فضلا عن انه يشيع الخلاف داخل الكيانات المرجعية.

ان المسألة تتعدى كل ما تعارف عليه الفقه الشيعي الإمامي عبر العصور حيث يقول صاحب النظرية بـ ( حرمة تعدد المرجعية، سواء كان الفقيه حاكما مبسوط اليد أم كان مكتوف اليد، وبعيدا عن الساحة، فمهما كان السبب في بعده عن القيادة، فلا يجوز له ان يعدد المرجعية )(27).

على أن نظرية الإمام الشيرازي تقترب من نظرية الشهيد الصدر في هذا المجال. فالصدر يقول بولاية الفقيه، ولكن ليس على هذا النحو الذي عرفنا نموذجه الإرهابي قبل سطور.

فالشهيد الصدر يرى أن المرجع الذي يتصدى وينجح في هذه المهمة يكون هو القائد الفعلي ولكن على أن يقوم ( بتأليف مجلس يضم مائة من المثقفين الروحانيين ويشتمل على عدد من أفاضل العلماء في الحوزة وعدد من أفاضل العلماء الوكلاء وعدد من أفاضل الخطباء والمؤلفين والمفكرين الإسلاميين على أن يضم المجلس ما لا يقل عن عشرة من المجتهدين وتمارس المرجعية أعمالها من خلال هذا المجلس) (28).

و أما في حالة أخرى، حيث لم تتوفر عملية التصدي، كأن تكون هناك ظروف ساقت إلى. تكوين الحكومة الإسلامية ( ثورة شعبية مباغتة، انقلاب عسكري قرر تحكيم الإسلام...)، ففي مثل هذه الحالة سيأتي فقيه للحكم بترشيح من ، أكثرية أعضاء مجلس المرجعية ، ويؤيد الترشيح من قبل عدد كبير من العاملين في الحقول الدينية- يحدد دستوريا- كعلماء وطلبة في الحوزة، وعلماء وكلاء وأئمة مساجد وخطباء ومؤلفين ومفكرين إسلاميين(29) على أن يحوز مسبقا على صفات المرجع الديني من الاجتهاد المطلق والعدالة وان يكون ذا خط فكري إسلامي واضح من خلال كتبه ومؤلفاته وان يكون مرجعا في الأمة، وقد حاز على هذا المنصب بالطرق الطبيعية المعروفة (30)( وفي حالة تعدد المرجعيان المتكافئة من ناحية الشروط يعود إلى الأمة أمر التعيين من خلال استفتاء شعبي عام)(31).

فالشهيد الصدر يقول بـ (ولاية الفقيه) ولكن في نطاق الانتخاب والشورى، والأخيرة ذات فاعلية راقية في إدارة شؤون الدولة ما دام الفقيه يعمل من خلاله كما يذكر الشهيد الصدر.

فهناك نوع من التطابق على أهمية الشورى بين الشيرازي والصدر،وهناك نوع من الاتفاق على أهمية رأي الأمة.

ومهما يكن من أمر فان الإمام الشيرازي في نظريته عن الحكم في الإسلام حقق النتائج التالية:

أولا: تحكيم إرادة الله التشريعية بإرادة الأمة.

ثانيا: حفظ كرامة المرجعية وحقها في التصدي.

ثالثا: تنشيط الوعي السياسي للامة.

رابعا: صياغة وحدة الشعب من التشتت والتنافر.


 ‏1- الحكم في الإسلام ص 10‏.

‏2- نفس المصدر ص10‏.

‏3- نفس المصدر ص 15‏.

‏4- نفس المصدر ص 15 ‏.

‏5- نفس المصدر ص 15‏.

‏6- نفس المصدر ص ،16- 23‏.

‏7- الفقه: السياسة ص 504‏.

‏‏8- السبيل إلى إنهاض المسلمين ص 17

‏9- الحكم في الإسلام ص 35‏.

‏10- الفقه: السياسة ص 505‏.

‏11- نفس المصدر ص0 51 مسألة 4‏.

‏ 12- كيف نجمع شمل المسلمين ص 18‏.

‏13- ا لسبيل.. ص 22‏.

‏14- نفس المصدر ص 22 ‏.

‏15- نفس المصدر ص22 ‏.

‏16- راجع: الحكم في الإسلام ص (44- 47) مسألة 4‏.

‏17- الفقه- السياسة ص 1 27‏.

‏18- الفقه- السياسة ط 1ص 272‏.

‏ 19- كيف نجمع شمل المسلمين ص.2‏.

20- الفقه، السياسة ص 2 ص 280- 284‏.

‏ 21- نفس المصدر ص 286‏.

‏22- نفس المصدر ص 1 27‏.

‏23- كيف نجمع شمل المسلمين ص2‏.

‏24-السبيل.. ص 22‏.

‏25 -الفقه- السياسة 1 ص 1 29‏.

‏26- راجع الدولة الإسلامية (بحث في ولاية الفقيه): عبد المنعم مهنا ‏.

‏27- نفس المصدر ص 159‏.

‏28- الإسلام يقود الحياة، للشهيد الصدر ص 13‏.

‏29 - نفس المصدر ص 14 ‏.

‏30- نفس المصدر ص 13‏.

‏ 31- نفس المصدر ص 14‏.