التنظيم الحزبي |
|
يتحدث الإمام الشيرازي عن (التنظيم الحزبي) في إطار فلسفته السياسية الشاملة، المنبعثة من الإسلام، ولهذا لا يتطرق إلى هذا اللون من التنظيم بلغة القبول المطلق أو الرفض المطلق، معتمداً على جملة مسوّغات نافية أو مرجحة. إن الرؤية السياسية الإسلامية للإمام الشيرازي تقوم على شورى المراجع، والحرية والتقدم الإجماعي والمشاركة السياسية، وكل هذه الضوابط تساعد على تبني العمل الحزبي. ولكن بشروطها الموجبة،إن الإمام الشيرازي ينطلق في تبنيه لحرية العمل الحزبي من أساسيات حضارية، ولهذا كان موقفه عميقاً ورصيناً وعقلانياً، وأهم هذه الأسس ما يلي: أولاً: ضرورة التنظيم،فالإمام الشيرازي يرى أن التنظيم يشكل الأرضية الصلبة لكل عمل هادف، وهو: أ- ( واجب ) لقول علي عليه السلام ،اوصيكم بتقوى الله ونظم أمركم . ب- ( سنة كونية ) لقوله تعالى... من كل شيء موزون . ج- ( ضرورة حيوية وقوة ) لقوله تعالى: (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة )(1). ولهذا الأساس يدعو الإمام الشيرازي إلى التوسل بالتنظيم لاداء الأدوار الرسالية والسياسية والاقتصادية، وهذه الركيزة الثانية بعد الوعي في إنهاض المسمين. وليس من الريب أن (الحزب) من أرقى الصور التنظيمية ومن اصدق فقرات العمل المنظم. ثانياً: التطوير الاجتماعي:-إن الإمام الشيرازي يؤمن بضرورة التطور الاجتماعي، وهو يعتقد إن الحزب السياسي يمكن أن يؤدي هذا الدور( أما الحزب بالمعنى السياسي الصحيح لهذه الكلمة. فهو جزء من الأمة ، له هدف تقديم الأمة إلى الأمام واصلاح المفاسد، ودرء الأخطار ، فهو جزء من الأمة، يمتاز عنها بالتنظيم، وكثرة التفهم للواقع، وكثرة العمل، فيكون من الأمة والى الأمة، وإذا وصل إلى الحكم وسع خدماته وإصلاحاته ، وحيث أن الحزب جزء من الأمة يريد خدمة كل الأمة، فهو يتكلم عن الأمة ككل، ناضل لاجل الوصول إلى الحكم لاجل الكل…) (2)، فالإمام الشيرازي يؤمن بحرية العمل الحزبي لانه من أدوات التطور. ثالثاً: حرية التجمع:- وهو أساس آخر يعتمد عليه الإمام الشيرازي في تبنيه لحرية العمل السياسي القائم على التنظيم الحزبي.. لأن الحزب نوع من التجمع الأكثر هدفيه وانضباطاً. يقول: (لاحق للدولة في منع التجمع، سواء كان تجمعاً وقتياً في مجلس احتفال أو عزاء أو تبادل رأي، أو تجمعا استمرارياً، مثل عقد الجمعيات والنقابات والهيئات وما أشبه ذلك، لما تقدم من أصالة حرية الإنسان) (3). فالحرية، هذا المنظور الشامل في تصور الامام الشيرازي يقود الى مثل هذا الاستنتاج في إطار العمل السياسي،آراؤه الخاصة بالتنظيم الذي ينطبق عليه هذا العنوان بصدق وجدارة وأمانة ، فهو لا يسمى حزباً إذا لم تتوفر فيه الخصائص التالية: أولا- الهدف... استلام الحكم. ثانيا- التواصل: إذ ( يلزم أن يكون الحزب مرتبطاً بالناس ارتباطا وثيقا ، إذ أن ذلك هو الذي يمكن الحزب من التوسعة الكمية والكيفية والتصاعد)(4). ثالثا- النظام الداخلي( فليس الحزب عملاً خارجياً فقط، و إنما فلسفة توجب شّد بعض أجزائه ببعض، وتحدد له هدفاً ووسيلة)(5). رابعا- الاستمرارية في العمل والحركة والعطاء ( يجب أن يكون شلالاً مستمراً كالنهر الجاري الذي لا يتوقف بزمان دون زمان (...) لأن الواجب بالحزب النشاط المندفع)(6). خامسا- الامتداد بواسطة( تنظيمات ومؤسسات محلية ترتبط كلها بالنواة المركزية للحزب)(7). سادسا- التنظيم الحديدي ففي رأي الإمام الشيرازي يجب (... أن يكون التنظيم حديدياً) (8) ولكن هذا الضبط الحزبي الصارم ترافقه ، حرية القاعدة (9) وتتم هذه المعادلة في التنظيم الحزبي في رأي الإمام الشيرازي بمراعاة شرطين:- أ- طاعة القاعدة للقيادة طاعة كاملة وعن اقتناع . ب- انتخاب القاعدة للقيادة(10). وفي مثل هذه الصورة يحافظ التنظيم على تماسكه وتفاعله وترابطه،وهذه الصورة هي افضل معادلة وصل إليها منظروا وقادة العمل الحركي المنظم لأنها تجمع بين ضرورات لا بد منها. سابعا- الجماهيرية: ( يعني أن تكون مؤسسات التنظيم وعناصره ملتحمة بالجماهير... ينظم طاقاتها ويقودها في معارك التحرر ضد الاستعمار والاستبداد ) (11) ويضع الإمام الشيرازي مقومين رئيسيين للحزب كي تكتسب الصفة الجماهيرية: أ- القيادة النزيهة. ب- احترام الجماهير. وفي الحقيقة أن يكون الحزب جماهيرياً ومن خلال هذين الشرطين من أساسيات التنظيم في الفكر التنظيمي المعاصر. ثامنا- الاستجابة لحاجات الجماهير وذلك في نطاق خدمة ( الجماهير ومحاولة جذب ودهم ) (12)، ويعلق الإمام الشيرازي على أهمية هذه النقطة فيقول ( الجماهيرية شيء صعب، ولكنها محمودة العاقبة، وصعوبتها تنبع من أن للجماهير حاجتها، والتنظيم إذا لم يعط الجماهير مطالبها فسرعان ما يخسرها وإذا خسرها كان السقوط لا محالة)(13). تاسعا- الشورى ( من اًلضروري أن يكون التنظيم استشاريا، لا استبدادياً فالاستشارية ما وضعت على شيء إلا سببت تقدمه وازدهاره)(14). 10- التوعية، فالحزب لا يحق له أن يطرح نفسه كـ (حزب) إذا لم يمارس هذا الدور الفعال (… من الضروري أن يهتم القائمون بالتنظيم لاعطاء الوعي الشامل العميق لإفراد التنظيم حتى يفقهوا الدنيا ويفقهوا الدين ، من الضروري أن يعي التنظيم ما يدور حوله، وإذا وعى التنظيم اصبح تنظيماً قويا صامدا ) (15). هذه هي المؤشرات الأساسية التي يفترضها الإمام الشيرازي في التنظيم الحزبي حتى يستحق هذا العوان السياسي، الحركي. ونحن إذا أمعنا النظر فيها، لوجدنا، أنها تنطوي على الآفاق التالية: الأفق الأول: مصفوفة الأهداف (استلام الحكم+ قيادة الأمة+ التغيير والتطوير). الأفق الثاني: مصفوفة الوسائل والأدوات (الاتصال بالجماهير+التوعية+ الاستجابة لحاجات الجماهير). الأفق الثالث : مصفوفة الخصائص العامة للحزب (النظام الداخلي+ الشورى+ الانظباط+ الكسب المستمر). فالحزب وفق هذا المنظور مؤسسة حضارية، عقائدية، عاملة، متحركة هادفة، ناشطة. فالمرتكز المهم في الحزب ليس البنية الداخلية فحسب ،(16) ولا هو الصراع كحقيقة أولى ونهائية ولا هو الممارسة الثورية دون غيرها بل هي كل هذه الأمور مترابطة، متناغمة، فلا حزب بلا نظرية، ولا نظرية بلا عمل مجسم ولا عمل مجسم بلا ارتباط بالجماهير... كل هذه القضايا تجسد الحزب7 بالمعنى السياسي الصحيح. وانطلاقاً من هذه الرؤية يرى الإمام الشيرازي أن للأحزاب دورها الفاعل ، في حركة التاريخ فهي:- ا- تساعد على انتخاب الأصلح. ب- تساهم في تحكيم إرادة الشعب . ج- تخلق الوعي السياسي في أوساط الجماهير. د- تتحمل المسؤولية السياسية. هـ- تساهم في إيجاد الانضباط الفكري والعملي للامة. و- تضع التنافس الخلاق. ز- تدفع المجتمع للأمام (17). ولكن هذا لا يعني أن العمل الحزبي بريء من السلبيات، فهي قد تسبب ما لا يحمد عقباه في الحياة السياسية للأمة، والشعب، والمجتمع، ومن ذلك:- الدكتاتورية، وإفشاء العداء، وتحريف الحقائق، وغيرها. ولكن كل هذه السلبيات لا تقدم أي دليل على تحريم أو رفض فلسفة العمل الحزبي، فليس سراً أن لكل بنية اجتماعية إيجابياتها وسلبياتها، وفي حال ترجيح أحدهما يترتب الموقف الملائم،يقول الإمام الشيرازي في هذا الصدد (.. إن كل شيء ثبت أن له أضراراً ومنافع، إن تساويا أو زاد أحدهما بما يمنع النقيض كان واجباً أو حراما... ) (18). ثم يشرع ببيان الأضرار والجواب عليها: الأول: إن الحزب يحجم حرية المنتمي إلى دائرته، النظمية والسياسية والحركية ويعتقد الإمام الشيرازي أن هذه الشبهة لا محل لها أبداً، ذلك أن الإنسان الذي يقرر الانتماء إنما يفعل بمحض إرادته واختياره، وإذا ما أمضى قرار الأكثرية إنما يمضي الإرادة العامة أو الغالبة التي تنعكس عليه بالفائدة (19). الثانية: إن الحزب يشتت وحدة الأمة، ويشقق جسمها، وفي الحقيقة إن هذا يعتمد على ثقافة الحزب وطبيعة العاملين في صفوفه ومدى وعي الأمة، وعدد الأحزاب الموجودة، وليس له صلة بفكر العمل الحزبي كفلسفة ومنهاج وطريق بل أحياناً يحصل العكس، فإذا توفر العمل الحزبي السليم، قد يكون سبباً لوحدة إرادة الأمة. وعلة الخلق محصلة متطابقة مع ذاتها. الثالثة: إن الحزب يلون كل مشكلة بالطابع السياسي، الأمر الذي يجعله ذرائعيا ، ويقود إلى تعقيد الأمور والقضايا، ويبث في كل مشروع اقتصادي أو ثقافي أو سياسي بذور التشكيك في القصد والهدف، وهذا النقد تخلقه الأنظمة بقصد أن يظهروا الحزب أمام الرأي العام مضراً بمصالح الأمة، فيكون المبرر لها في الديكتاتورية (20). والنقد بطبيعته لا يصادر اصل الحاجة إلى الحزب، ولا يبرهن على أن الحزب في حد ذاته مشروع ملغي في خضم الحياة السياسية(21). الرابعة: إن الحزب يصوغ المنتمي إلى دائرته ضمن إطار فكري معين، أي( يوجب تضييق إطار فكر أعضائه فلا يهم عندهم الحق والباطل، بل المهم عندهم رأي الحزب، مهما كان) (22). ولكن هذا شأن كل مساحة فكرية وسياسية، بما فيها الأديان والمذاهب والمعتقدات، بل ذلك من آثار حتى اللغة والوطن، فضلاً عن الحزب الذي ينبثق من البنية العامة للمجتمع وعقائده وحاجاته ينصهر بالمجتمع ويحمل روحه، فلا قيد ولا ضيق في التفكير(23). الخامسة: إن الحزب يزيف الحياة الديموقراطية، وهي شبهة يمكن أن ترد على كل الهيئات والمؤسسات التنظيمية والسياسية، والحزب الواثق ببرنامجه الفكري والذي يمتلك قاعدة شعبية عريضة ليس في حاجة إلى مثل هذه اللعبة (24). الذي نستخلصه من كل هذه الملاحظات أن الإمام الشيرازي يتبنى حرية العمل الحزبي ضمن رؤية حية تتصل باحترام الإنسان وقدراته وتعطي دوراً فاعلاً ونافذاً للإرادة الإنسانية، وفي إطار هذه الرؤية يرقب آثاراٍ أخرى تتصل بجوهر الفكرة وروحها. أولاً: لا... لنظام الحزب الواحد (25). ثانياً: لا... للأحزاب الديكتاتورية (26). ثالثاً: لا... للأحزاب الفجة (التي لا تمتلك برنامجاً سياسياً واضحا(27). ويختم الإمام الشيرازي رؤيته حول الأحزاب فيطرح تصوره الإسلامي عنها، وذلك ضمن الصورة المختصرة التالية: ا- الحزب واجب تعييني إذا توقف عليه أمر إقامة الحكومة الإسلامية. ب- إذا توفرتأساليب أخرى لاقامة الحكم الإسلامي فالعمل الحزبي اجب تخييري. ج- يحرم العمل الحزبي إذا كان مقدمة للبرلمان الذي لا يحكم الشريعة الغراء. د- يحرم العمل الحزبي الذي يهدف إلى إدارة دفة سياسة البلاد من دون الانضواء تحت ولاية الفقيه . هـ- يحرم العمل الحزبي الذي يكون سبباً لتسليط من لا ترضى به أكثرية الأمة ولو كان فقيهاً عادلاً. و- يحرم استئثار الحزب الواحد بالحكم.. لأن الإسلام دين بني على الشورى (28). هذه هي النظرية العامة للإمام الشيرازي في الحزب، وهي في الحقيقة تتسم بكل عناصر التكوين النظري الصائب.. نحاول أن نختبر هذه المسألة في ضوء علم المنهج: إن الموقف النظري من ظاهرة أو قضية معينة يجب أن تنطلق من أساس واضح يمثل مكانة كبيرة في ذهن أحكام محددة، ومضامين لا تتصف بالغموض والإبهام ونظرية بسيطة إلى رؤية الإمام الشيرازي إلى الحزبية نجدها تتضمن كل هذه المواصفات الضرورية.. على أن النزعة التقدمية تشكل محركاً نافذاً في تصورات الإمام الشيرازي عن العمل الحزبي، والانفتاح بمثابة الصفة الرئيسية في هذه التصورات، كل ذلك في نطاق الإيمان بالإنسان وحريته. |
1 - السبيل الى إنهاض المسلمين ص 57- 102 . 2- السياسة ج 2 ص 110. 4- 7- نفس المصدر ج 2 ص 106- 110. 8- 0 1- السبيل ص 77-78. 11- السبيل ص 87، 88، 89. 12- 13-نفس المصدر ص 93. 14- نفس المصدر ص 69 . 15- نفس المصدر ص 74 ، 75. 16- سويولوجيا السياسة ص ا25. 7 1- السياسة ج 2 ص،27 1- 37 1 مسألة: 37. 8 1- السياسة ج 2 ص 138 مسألة: 38. 19- السياسة ج 2 ص 139. 20- نفس المصدر ص 1 14 . 21- نفس المصدر ص ه 14. 22- نفس المصدر ج 2ص 147. 23- نفس المصدر ج 2 ص 147. 24- نفس المصدر ص 147. 25- نفس المصدر ج 2 ص ا 12 . 26- نفس المصدر ج 2 ص 1 12. 27- نفس المصدرص0 12. 28- السياسة ج 2 ص 177- 24 . |