الوحدة الإسلامية |
|
الوحدة الإسلامية في التصور السياسي أو الفكر السياسي لدى الإمام الشيرازي تتوزع في الآفاق التالية: الأفق الأول: الفكرة. الأفق الثاني: الميادين والمجالات. الأفق الثالث: الأساليب والأدوات. وعليه، يشكل موضوع (الوحدة الإسلامية) مشروعا في الرؤية السياسية التي يتبناها الإمام الشيرازي. ونحاول فهم نظريته بشيء من التفصيل: الفكرة إن الوحدة الإسلامية كفكرة تنبثق بشكل آلي من جملة أوليات إسلامية لا يمكن التشكيك بها، ومن هذه الأوليات، العقيدة والعواطف والتاريخ والمصير المشترك، فالمسلمون جميعا يلتفون على وحدات كثيرة في هذه الميادين ولذلك لا بد أن يتوحدوا. إن الوحدة الإسلامية ضرورة تنبع من (الاخوة الإسلامية )(1)التي ينص عليها القرآن الكريم صراحة ( إنما المؤمنون اخوة ) وتنبع من مفهوم الأمة الإسلامي (2) التي هي واحدة بتعبير الكتاب المجيد( إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون). ففكرة الوحدة الإسلامية نتاج طبيعي لهذه المسلمات القبلية، وهو حديث اكثر علماء المسلمين من شيعة وسنة. الميادين و المجالات والوحدة كفكرة مطروقة في الخطاب الإسلامي المعاصر، ولكن في حدود النظر المجرد والأمنية الوردية، والشعار العام واغلب الداعين إليها يضعون في الاعتبار (الوحدات المذهبية) أي وحدة الشيعة والسنة. وهنا مكمن الضعف في اكثر هذه الدعوات، إنها تنطلق من تقدير بسيط بمعنى الوحدة ومن فهم بسيط بها كلنا كمسلمين وعاملين في سبيل هذا الدين.. الوحدة التي تعني التعاون والتآزر والتآلف والسير معا... هذه الوحدة مشروع ضخم وكبير وواسع، وربما هي بين السنة والشيعة آخر مراتبها في جدولها المنطقي. ومن هذا المنظور المسؤول والواعي يطرح الإمام الشيرازي قضية الوحدة الإسلامية. أنه الطرح النابع من معايشة واقعية وحميمة للواقع في الساحة الإسلامية والقضية الإسلامية بأبعادها ورحائبها المتعددة.. ولذلك يتحدث عنها على اكثر من مجال: المجال الأول: وحدة القيادة الإسلامية: وتتمثل في مشروع ( شورى المراجع) الذي يطرحه الإمام الشيرازي في إدارة دفة الحكم في الإسلام، وهي الآن أطروحته التي يناضل من أجلها بالفكر والإرادة، وله فيها جمهور عريض من المسلمين العاملين، وسيأتي الحديث عنها في مكان آخر. المجال الثاني: وحدة الحركة الإسلامية: وهو الموضوع الذي يشكل مساحة عريضة من دراساته القيمة في كتاب (السبيل الى إنهاض المسلمين) وهذه الوحدة قوامها ، التنظيم الحديدي وذلك لأن التنظيم ( إذا كان رخواً، وخالفت القاعدة القمة فإن الأمر لا بد أن ينتهي الى الفشل ) (3) ويرى أن هناك ثلاثة أسس لضمان هذه الوحدة- بعد وحدة الفكر والهدف-، وهي: الأول- إطاعة القاعدة للقيادة، إطاعة كاملة وعن اقتناع. الثاني- انتخاب القاعدة للقيادة، لأنه إذا لم يكن هناك انتخاب من القاعدة للقيادة انتخابا حرا، فلن يكون التفاعل بين القمة والقاعدة تفاعلا عن اقتناع ومن أعماق النفس. الثالث- التوسل الى العقوبات الأدبية في ضبط المخالف (4). فالحزب أو المنظمة أو الحركة لا بد أن يتوفر في داخلها عنصر الوحدة الصارم حتى تؤدي دورها. المجال الثالث:- وحدة الحركات الإسلامية: فالإمام الشيرازي يؤمن بضرورة (الحركة الإسلامية العالمية الواحدة) وذلك من صميم فكره السياسي. يقول ( هناك حركة في إيران، وأخرى في العراق وثالثة في الخليج وحركات أخرى في الهند والباكستان والمغرب ومصر والسودان... وحركات في أميركا وأوروبا واليابان والصين والاتحاد السوفيتي... الخ، إنه من الضروري أن تنصهر كل هذه الحركات في حركة واحدة... ما دام الهدف واحدا، وما دام المشكل واحدا.. فالجميع يشكون من الاستعمار والاستغلال والدكتاتورية والتخلف الحضاري، وما أشبه)(5). وقد أصبحت وحدة الحركة الإسلامية بكافة منظماتها وأحزابها ضرورة بعد قرار الأعداء الصارم بمواجهة الإسلام على نحو مصيري وحازم وحاكم وطريق القوة لا يأتي إلا من هذه الوحدة ( فإذا توحدت هذه الحركات تكون قوة كبيرة أمام الاستعمار الخارجي وأمام التخلف الداخلي)(6). ولا ينسى الإمام الشيرازي هنا (الاجتهاد) وما يمكن أن يجره من خلاف أو اختلاف بين هذه الحركات فيقر هذه الحقيقة، ولكن لا يعتبرها عقبة. يقول (واختلاف الاجتهادات لا يضر بالوحدة، فان الاختلاف أمر طبيعي في الإنسان، والعاملون- مهما كانوا مخلصين- لا بد أن يختلفوا بالاجتهادات)(7) ويقترح الى حلها (العمل بأكثرية الآراء) (8) وذلك حسب الموازين الإسلامية وهذه الوحدة تحتاج الى أمرين، سلبي وإيجابي: السلبي: (أن نتجاوز عن السيئات ونتغاضى عن الأخطاء، ونتناسى المشاحنات و المطاحنات) الإيجابي: ( القيام بإعمال مشتركة، كأن تقرر القيادة العامة لهذه الحركات الإضراب العام في يوم محدد وذلك من طنجة إلى جاكرتا ومن كابل الى أقاصي الغرب)(9). ومن الطبيعي أن يسبق ذلك وحدة في المنهج والأفكار السياسية والكفاحية والنظمية ولو على نحو عام. المجال الرابع: - وحدة المسلمين (السنة،والشيعة) والإمام الشيرازي يطرحها في أوج عقدتها، أي الحكم وهي التفاتة رائعة، ودخول الى المسألة في عمق مضاعفاتها وملابساتها، خاصة إذا أخذنا بنظر الاعتبار ان الوحدة بمعنى الانصهار المذهبي شيء غريب على الواقع والمنطق كما أنه الالتقاء على نقاط مشتركة كثر الجدل فيه، إلا أن هذه الوحدة بلحاظ عقدة الحكم هي التي تعاني من نقص في الطرح والنظر والعلاج والإمام الشيرازي في طرقه هذا الموضوع من هذه الزاوية يغامر مغامرة فكرية وسياسية، لأن تبعاتها وآثارها لا تسلم من أخذ ورد، ولكن هذه المغامرة كانت قائمة على أساس متين لأنها مطعمة بالفكر والتصور. وفي هذا المجال يقول الإمام الشيرازي: ان في العالم الإسلامي... ألف مليون مسلم، زهاء نصفهم شيعة ونصفهم سنة وهؤلاء متشابكون في البلاد وإن كان الأكثر في بعض البلاد شيعة، وفي بعض البلاد سنة، كما انهما متساويان في بعض البلاد الأخرى. فإذا أردنا أن نجمع هؤلاء (السنة والشيعة) في وحدة دينية وفكرية واحدة فاللازم أمور: الاول- جمع كل مراجع تقليد الشيعة في مجلس أعلى يحكمون فيه بأكثرية ا لآراء. الثاني- جمع كل مراجع السنة والعلماء الذين يتبعونهم في اخذ الأحكام في مجلس أعلى يحكمون بأكثرية الآراء. الثالث- وهذان المجلسان يجمعهم مجلس واحد، فإذا أريد صدور حكم بالنسبة إلى إحدى الطائفتين فقط، كان لعلمائهم إصدار الحكم بأكثرية الآراء وإذا أريد صدور الحكم بالنسبة إلى الجميع- حيث أن الأمر يهم كل ألف مليون مسلم من جهة سلم أو حرب أو ما شابه- كان الحكم يتبع أكثرية آراء المجلسين معاً، لكن بمعنى أكثرية هذا المجلس وهذا المجلس لا بمعنى الأكثرية المطلقة. الرابع- وكل طائفة من الطائفتين لها الحرية في المناقشات الأصولية والفرعية وانما لا يحق لطائفة أن تعتدي اعتداء جسمياً على طائفة أخرى. الخامس- ثم ينبع من المجلس ألا على وشورى العلماء أحزاب إسلامية حرة،كل حزب في نطاق طائفته وتكون هذه الأحزاب مدارس اقتصادية، اجتماعية، تربوية لاجل تربية الصالحين لادارة البلاد في المجالات التأطيرية(التشريعية والقضائية والتنفيذية). السادس- وينصب الولاة من جنس الأكثرية في القطر، بدون أن يحدد ذلك من حريات الأقلية، وكذلك حال القضاة ومن إليهما. السابع- مهمة هذا المجموع (العلماء والأحزاب) إرجاع الأمة الواحدة الرشيدة إلى الحياة، وإرجاع حكم الله سبحانه(10). ونحن إذا دققنا النظر في هذه الأطروحة المقترحة لوجدناها تتسم بالواقعية واحترام الآخرين، وهي ذات صيغة عملية، تترجم نقاط الاتفاق المذهبي إلى حركة على الأرض. إن الإمام الشيرازي هنا- وكما أشير إليه سابقاً- يخترق المحذور السياسي الاجتماعي، جريء، لأن مسألة الوحدة الإسلامية في مجال( الحكم) ير العقدة اكثر من غيرها، ولعل الدماء التي سالت بين السنة والشيعة قديماً وربما حديثاً إنما هي لاسباب متعددة من أهمها و أخطرها (الحكم). فالإمام الشيرازي لا يؤمن بدور الكلمات الوردية في تحقيق هذا الهدف،هدف الوحدة الإسلامية، بل الممارسة المرتبطة بأطروحة واضحة عملية، مشخصة، هي الطريق إلى ذلك. وما هو جدير بالذكر أن مدرسة الشيرازي في إنجاز هذا المطلب العظيم الحساس، يعتمد على كل عناصر التكوين والفعل والتأثير في الطائفتين، السنية والشيعية، وهو لم يطرح تصوره الوحدوي إلا بعد أن حصر هذه العناصر في فكره. يقول على سبيل المقدمة لنظريته: (الوحدة الإسلامية كشعار وكبديل لعواطف غير نابعة من القلب شيء سهل، أما إلباسها لباس الواقع المباشر، فهو بحاجة إلى طرح متكامل، يلف الأمة والدولة من ناحية، ومختلف الاتجاهات التقليدية والمراجع والعلماء من ناحية ثانية (11). المجال الخامس:- وحدة الكيان الشيعي: إن هذا الكيان في رأي الإمام الشيرازي يتألف من ثلاث فقرات: أولا- المرجع والمراجع. ثانيا- علماء المناطق والحوزة أو كل من انتسب إلى هذه الدائرة. ثالثا- الأمة. وفي اعتقاد الإمام الشيرازي أن وحدة هذا الكيان تتم بأن تقوم كل فقرة بمهماتها الملقاة على عاتقها، ففي مثل هذه الحالة تتوحد ألا رادات والأفكار والمشاريع والأهداف. ولكن ما هي مهمات المرجع؟… إنها باختصار: أولا- أجوبة المسائل. ثانيا- الإفتاء. ثالثا- إرشاد الناس. رابعا- الدعوة إلى الإسلام. خامسا- الأمر بالمعروف. سادسا- النهي عن المنكر. سابعا- تأليف الكتب. ثامنا- تنظيم الحوزة العلمية. تاسعا- بعث الوكلاء. عاشرا- الإصلاح بين الناس. الحادي عشر- إرسال المبشرين. الثاني عشر- جمع الأموال وتوزيعها. الثالث عشر- ترفيع مستوى المسلمين. الرابع عشر- القضاء. الخامس عشر- الحيلولة بين الظالم والمظلوم. السادس عشر- المحافظة على قوانين الإسلام. السابع عشر- الوقوف دون تسرب الأفكار الباطلة. الثامن عشر- رد المظالم. التاسع عشر- قضاء حوائج الناس. العشرون- حفظ البلاد الإسلامية عن الأعداء(12). والسؤال الثاني الذي يأتي مباشرة هو: ما هي مهمات أهل العلم؟ إنها باختصار:- الأول- التدريس والتعليم. الثاني- التربية والتهذيب. الثالث- الخطابة. الرابع- التأليف. الخامس- إدارة المؤسسات التربوية والتدريسية. السادس- الوكالة عن المراجع. السابع- الدعوة إلى الإسلام. الثامن- الإشارة على المرجع (13). وواضح جداً أن هذه المهمات الأصل فيها الاختصاص، ولكن لا يعني هذا عدم التداخل، خاصة إذا كانت فرص الحركة والتكون قليلة والظروف السياسية والأمنية صعبة عسيرة . والسؤال الثالث: ما هي مهمات الآمة؟، إنها اختصار: أولا- تقليد المراجع في الأحكام الشرعية. ثانيا- امتثال أوامرهم. ثالثا- إيصال الحقوق إليهم. رابعا- معاضدتهم في الأمور. خامسا- الالتفاف حولهم. سادسا- مراجعتهم في القضاء. سابعا- طلب الوكلاء منهم. ثامنا- إعلامهم بما يقع في المجتمع. تاسعا- الدفاع عنهم. عاشرا- تهيئة الأجواء لهم. الحادي- أداء مسئوليتهم في تطوير الحياة، وبناء لحضارة (14). |
1-الصياغة الجديدة ص 491 2-نفس المصدر ص 487 3- السبيل ص 79. 4-نفس المصدر ص 77-78. 5- السبيل ص 5 6. 6- السبيل ص 66. 7- نفس المصدرص56 . 8- نفس المصدر ص 66. 9- نفس المصدر ص68 . 10- الشيرازي، كيف نجمع شمل المسلمين. 11- نفس المصدر ص 4. 12- الشيرازي، المرجع والامة ص 11-13. 13 - نفس المصدر ص 39-40. 14- نفس المصدر الصفحه. |