|
|
|
|
قراءة في كتاب العمل الأدبي للسيد الشهيد حسن الشيرازي |
|
العمل الأدبي |
|
عقيل أحمد |
|
كتاب (العمل الأدبي) واحدة من أروع النتاجات الأدبية التي أتحفت المكتبة الإسلامية والعربية، من يراع الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي، وقد أثار إعجاب الكثيرين من الكتّاب والأدباء الذين عاصروه وجاءت قراءتنا هذه على شكل عرض لمحتويات الكتاب للاستنارة بالالتفاتات التي انفرد بها سماحة السيد الشهيد في كتابه القيّم لنكشف بعضاً من تلك الدرر التي حفل بها هذا السفر الأدبي. |
|
تمهيد |
|
يباشر المؤلف نظرته بتحديد العمل الأدبي بأنه (التعبير الموحي عن تجربة شعورية) وهو يذكر (مواد التعبير الأدبي) بالتفصيل في بعض أنواع الفنون الأدبية المعروفة : كالشعر، والقصة، والأقصوصة، والتمثيلية، والسيرة، والخاطرة، والمقالة، والترجمة، والخطابة والبحث، وتلك التي سمّاها بـ (فنون الإنشاء الأدبي) وهي تتناول ـ بتعبير الأقدمين ـ : المكاتبة، والمناظرة، والمثل، والوصف، والمقامة، والرواية، والتاريخ. أما موارد الشعور الأدبي فهي الأركان الكبرى في مجمل التاريخ الإنساني وتأملاته، وهي في رأيه : الله، الإنسان، الواقع، القدر، العقيدة، العاطفة، الجمال. ويقيم المؤلف خطّ العمل الأدبي على ثلاث ركائز هي : فلسفة الأدب، وإسلام الأدب، وهدف الأدب. وقد ركّز المؤلف على أثر الإسلام في الأدب وضرورة توجيه الأديب لحتمية لقاء أدبه بالدين الحنيف. |
|
العمل الأدبي |
|
يرى المؤلف أن العمل الأدبي يصدر عن تجربة شعورية لا هي ذهنية ولا هي تاريخية. فالعمل الأدبي يسع كل تعبير جميل مهما كان موضوعه. فالمادة المعروضة ليست مناط الحكم وإنما المناط هو (التجربة الشعورية). فالأديب العظيم، يضيف بعد موته إلى رصيد البشرية كوناً عظيماً لم يسبق لإنسان أن رآه. وكلّ لحظة يمضيها القارئ مع الأديب هي رحلة متميزة الخصائص والسمات. فإذا استطاع (العمل الأدبي) فعل المعجزة في إيجاد العوالم المثالية التي لم يحلم بها الإنسان، فهو جدير بأن ينفق الإنسان في سبيله ما استطاع من وقته المحدود. |
|
تقييم العمل الأدبي |
|
يشترك في إخراج (العمل الأدبي) كلّ من الشعور والتعبير بتأثير المؤثرات الخارجية، مع الأخذ بالاعتبار إنّ القيمة التعبيرية لا يمكن إبرازها إلاّ بوجود التجربة الشعورية التي هي قوام (العمل الأدبي). والحقيقة إنّ كليهما متلازمان واقعاً. وإذا كان الأديب متحرّراً من التقليد ـ لأن التقليد يشوّش شعور الأديب فيصبح نتاجه مرتبكاً ـ فنراه يمتلك كوناً شعورياً مستقلاً يطرح بإبداعه طابعه الخاص الذي يظهر انعكاس سلوكه، وبيئته، وإرادته، ومعاناته على شخصيات أبطاله في عمله الأدبي. ولا تظهر هذه الحالة في القصص والروايات فقط، بل إن النقاد المعنيين بالتحليل النفسي يجرونها حتى في كتابة (التراجم) و (التواريخ العامّة). فالمتنبي لم يعرف في حياته الخيل ولا الليل لأنّه كان مسالماً إلى حد الاتهام بالجبن، إلا أنّ قلمه كان شجاعاً، فنراه يقول: الخيل والليل والبيداء تعـــرفنــي والسيف والرمح والقرطاس والقلم فهو لم يكتب قصيدة إلاّ غنّى فيها بالمشرفيّة والعوالي، فطريقة شعوره بالنقص تعكس تعبيره اللفظي في إخفاء ذلك. وعلى العكس من ذلك نرى (ابن الرومي) مغنيّاً بالوجدان يعيش في الحدائق والرياض وبين القيان والغلمان: بريــاض تخايل الأرض فيها خـــيلاء الفتاة فـي الأبراد منظر معــجب، تحيــــة أنف ريحــها ريح طيـب الأولاد ولكن لا نعثر على (المعري) إلاّ في جحيم كلّه خداع ونفاق ويأس لا رجاء فيه. أوليس هو المنبوذ والفقير والأعمى وقد سلخ شطراً من عمره في السجن، فطبيعي أن يقول: ظلم الحمامة في الدنيا ـ وإن حسبت في الصالحات ـ كظلم الصقر والبازي فالأديب يمنح قدرة الاتصال بواقع الحياة ليطّلع غيره على الخفايا والضمائر، ورسالته أن يفتح المنافذ بين الناس والواقع. والقيمة الشعورية للأديب تقدّر بمدى اطلاّعه على الواقع. والقيمة الأدبية تقدّر بمدى كشفها لذلك الواقع. |
|
القيمة التعبيرية |
|
(العمل الأدبي) لا ينتهي بتفريغ شحنة شعورية في مشاعر المستمعين حتى تنتهي عند الدلالة اللغوية للألفاظ. فالأديب لا يحاول توضيح حقيقة مجهولة للناس أو محاولته تعليمها لهم بل إنه يحاول توجيه الجماهير لإحياء حقيقة يعرفونها، ويؤمنون بها، فيضطر للاستعانة بكافة المؤثرات التي تستحوذ على مشاعر الآخرين لدفعهم إلى هدفه. ويستخدم الأديب الألفاظ المعبّرة عن مشاهداته وذكرياته بطريقتين: (الأولى) : أن ينفعل الأديب بالتجربة الشعورية، فتنطلق الألفاظ وكأنها تفعل ذلك بإرادتها لا بإرادة الأديب. وهذا ما قاد العرب إلى الإيمان بأن لكل شاعر (شيطاناً) أو (جنيّاً) يوحي إليه الشعر. (الثانية) : أن يختار الأديب نفسه صياغة العبارات، بإرادة واعية لا يرنّقها شرود. ومن الصعب وضع قواعد تفصيلية للتعبير لكثرة الألفاظ، وكثرة المعاني الشعورية. والقرآن يسعفنا بالنظائر، أكثر مما تسعفنا أعمال البشر، فقد يستقل لفظ واحد، برسم صورة حيّة لمعنى ثقيل لا بمحتواه المجرّد، بل بجرسه تارة، وبظلّه تارة أخرى، وبالجرس والظل معاً تارة ثالثة. ونختار بعض النماذج الخصبة من القرآن العظيم التي جسّد الإيقاع والصور والظلال في العبارة : (والضحى والليل إذا سجى ما ودّعك ربّك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربّك فترضى ألم يجدك يتيماً فآوى ووجدك ضالاًّ فهدى ووجدك عائلاً فأغنى فأما اليتيم فلا تقهر وأمّا السائل فلا تنهر وأمّا بنعمة ربّك فحدّث). فالجو ـ هنا ـ يتكامل من أربعة فصول: 1 ـ فصل اليمين بأبهج ما في الوجود. للتأكيد على كل ما يأتي بعده. 2 ـ فصل الوعود المطمئنة. 3 ـ فصل استعراض الهدف لتحصيل الموافقة عليه. 4 ـ فصل التذكير بالتجارب السابقة، التي تؤكد صدق ما سبق. فالقرآن يتكلم لتركيز أهدافه العظيمة، ولا يستشهد بشيء ولا يتمسّك بدليل، وإنّما يمرّ على الشواهد والأدلّة مرور الموكب الملائكي فيدمج كل شيء في كلامه ليكون من كلامه أكبر الشواهد وأقوى الأدلة، بينما يقف الشعر من كلّ شيء موقف التملّق المسبّح وإليك نموذجاً : مكرّ، مفرّ، مقبلٌ، مدبرٌ معاً كجلمود صخرٍ حطّه السيل من عل فمشهد الفرس المشعبذ الحركات في المعركة، يتعثر ويصطدم بالخيول والجثث، ولكن قوّته تذلّل العثرات والصدمات فيواصل حركاته النشطة، كالجلمود الذي يسقط من شاهق ولا يعوقه اصطدامه بالصخور لاندفاعه بقوة السيل من القمّة إلى السفح. وأخيراً يأتي المؤلف بـ (طريقة تناول الموضوع، والسير فيه) ليكون الخاتمة في (القيمة التعبيرية) وهي تختلف باختلاف فنون الآداب. بالاتجاهات الأدبية على نوعين: الأول : النوع (الفكري) الذي لا ينقل انفعاله للآخرين، وإنما يحاول أخذ المشاهد والتجارب الجزئية للتخلّص منها إلى نتيجة فكرية. الثاني : النوع (الشعري) الذي لا يهمّه الاستنتاج، بقدر ما يهمه نقل انفعالاته للآخرين حتى يعيشوا مشاهداته وتجاربه، كما عاشها. فمهمة الأدب، عرض التجارب والانفعالات ووصف جزئياتها خطوة خطوة. أما إذا ألقيت النتائج بلا إعداد فالقراء يتلقونها ببرودة، لأنّها تمرّ عليهم سريعة لا تسمح لهم بوعي التجربة حتى تثير مشاعرهم. |
|
تقسيم العمل الأدبي |
|
وقام المؤلف بتقسيم (العمل الأدبي) إلى عنصرين هما التعبير والشعور. فـ (التعبير) مركب من عدّة جزئيات أوّلية هي : اللفظ، والنغمة، والنسق. و(الشعور) بجزئياته التي هي : المشاعر، والعواطف، والتجارب الشعورية. أما مواد عنصر التعبير فهي : الشعر، القصة، التمثيلية، الترجمة، السيرة، الخاطرة، المقالة، البحث، والخطابة. فلنأتي بالإشارة لكلّ منها: الشعر : أقوى فنون (العمل الأدبي) ويظنّ أنّه أول تعبير فنّي أنجبته البشريّة. وهو أكمل مصاديق (العمل الأدبي). ويتميز الشعر العربي بالإيقاع المقسّم والقافية. وأما الملحمة فهي ترنم ببطولات ارتفعت فوق المستويات العادية وإن كانت مدرجة في الملفّات التاريخية. المهم أنها متى صدمت العاطفة البشريّة أحدثت فيها انفعالاً قوّياً مؤثّراً. القصة والأقصوصة : القصة من الناحية التعبيرية تعرض الحياة المنطلقة كما تمر في الخارج بجميع جزئياتها وتفصيلاتها. وقد تأثّرت القصة بالاتجاهات السياسية والذهنية التي تعالج الصراع الاجتماعي والتحليل النفسي، فكادت تخرجها عن الفن وهو العمل الشعوري. أما الفروق بين القصّة والأقصوصة فليس الحجم بل المحيط الذي يكتنفها. فالقصة تعالج هدفاً ولا يشترط بالأقصوصة ذلك وإنما تدور في محيط ضيق لمجرّد إبراز مشاعر الكاتب. التمثيلية : وهي كالقصة تصور فترة من الحياة بكل جزئياتها وبلغة مناسبة للجو، والحادثة، والشخصية إلاّ أنها تخضع لقيود، مثل: 1 ـ أن تكون قصيرة. 2 ـ أن تكون قابلة للعرض في مجال محدود. 3 ـ يشترط فيها الالتزام بطريقة الحوار. 4 ـ أن تكون لغة الحوار مناسبة لمستوى شخصيات التمثيلية. 5 ـ أن تتقيد بمكان محدود. 6 ـ من ناحية الممثل أن يستطيع أداء دوره في حدود الطاقة الإنسانية وأن تشتمل على حركات عنيفة يتمكن الممثل من إبرازها في أعمال منظورة متوالية... إلى قيود وشروط أخرى. الترجمة : ولها عنصران : عنصر تهيؤي وعنصر أدائي. فلابد لمن يحاول ترجمة شخصية ما، أن يستوعب حياتها بجميع ظروفها وحالاتها النفسية وملابساتها الخارجية ويهضمها حتى يتأثر بها، ويطبقها على تجاربه وتجارب الإنسانية، ثم يضعها على الورق. وليست الشخصية الإنسانية وحدها هي التي تحتمل الترجمة، فالأنهار والحقول والمدن والدول والنجوم والجبال وكل شيء عاش فترة من الأزمات والأحداث يمكن تصويره كائناً حيّاً نما نموّاً عضوّياً، وتعاطف مع الكون والحياة والأحياء. السيرة : وهي استعراض لحياة شخص. ويشترط في كتابة السيرة، الاستطراد في سرد الحوادث كما وقعت لا كما يصورها الكاتب. الخاطرة : وهي في النثر تشابه القصيدة الوجدانية في الشعر مع الاختلاف في الوزن والقافية. والخاطرة هي تجميع المشاعر المتناثرة حول تجربة شعورية، والتركيز فيها على الصور اللفظية الموحية، التي تتفق بإيقاعها وظلالها مع الجو الشعوري الذي يهيّج الكاتب. المقالة : وتعتمد على الكلمة الراقصة والعبارة المنغومة. وهي فكرة واعية وموضوع يعالج قضية تؤدي إلى غاية مرسومة من أوّل الأمر. وهي لا تهدف إلى الانفعال الوجداني، وإنما تحاول الاقناع الفكري لأنها تشرح فكرة وتحشّد لها الأدلة والأسانيد حتى يخرج القارئ منها ممتلئاً بفكرة لا متأثراً بعاطفة. البحث: وهو الذي يتناول موضوعاً من جوانبه المختلفة، وينظمها فصولاً متسلسلة يجعل كل فصل مقدمة لفصل آخر، ويجعل المجموع مقدمات متدرجة تنتهي إلى غايتها في نهاية البحث. والفرق بين المقالة والبحث : أن المقالة تعالج فكرة واحدة بينما يعالج البحث جزءاً من فكرة في كل فصل فيه حتى تتعاون الفصول كلها لإكمال تلك الفكرة. الخطابة : الخطابة لا تترسّل بالبراهين العلمية. فأكثر الناس عاطفيون ويستسيغون اللغة العاطفية فيضطر الخطيب للتوسّل بالأدوات الشعورية للسيطرة العاطفية على الجماهير. وهذا ما أجبر الخطباء على توفير أكبر قدر من القيم الشعورية واللفظية على موضوعها قبل عرضه على الجماهير. فالخطابة من فنون الأدب التي أعلن علماء المنطق خروجها عن لغة العلم وتشبّثها بلغة الشعور. |
|
مسؤولية الأديب |
|
كانت رسالة الأديب سابقاً، أن يطرب ويعجب، دون أن يفرض على نفسه مسؤولية إصلاح المجتمع. إن أدب الأمس كان حرفة للتقرب إلى الأمراء. وأدب اليوم أصبح حكمة، ورسالة الأديب رسالة عميقة جداً ومسؤوليته لا يتحمّلها إلاّ المخلص. والأدب الفذ هو التجاوب بين شعور الأديب، وحسّ الجمهور. وعلى ضوء ذلك فإن فكرة الأدب عملية ذات أوجه ثلاثة متداخلة هي : التلقي، فالانفعال ثمّ التلبية الإيجابية. فبدون التلبية النهائية يصبح العمل الأدبي رومانتيكياً بليداً. |
|
مواد الشعور الأدبي |
|
كل ما في الكون هي مواد للشعور الأدبي. وما دام الاتزان والشمول هو الهدف، فالواجب السير على ضوء الإسلام في تحديد مواد (الشعور الأدبي) والاكتفاء بالبحث عن المواد التالية: الله.. الإنسان.. الواقع.. القدر.. العقيدة.. العاطفة.. الجمال.. |
|
خط العمل الأدبي |
|
لقد اكتسب الأدب العربي خبرة واسعة من التأثر بالتيار الأوروبي واستمداد الخبرة الفنية من الآداب المعاصرة. ولن يستطيع الأدباء حفظ شخصية الأدب العربي وطابعه إن لم يركزوه على قاعدة فلسفية. وليست هناك فلسفة واقعية للأدب العربي سوى الإسلام، فهو الفلسفة الأصيلة التي تعطينا صفتنا الإنسانية وشخصيتنا المستقلة وطابعنا الخاص. فإذا سأل سائل : إنّ الإسلام دين والأدب فن ولا صلة بينها؟ فهذا السؤال ناتج عن فهم ناقص للدين والأدب. فحين ينطوي الإنسان ويمارس الوجود ممارسة آلية ولا ينفتح لما فيه من الدفء والحركة والجمال، يكون قد كفر بالأدب. ولو عكس الأمر ولم يستجب لصلته بالله والكون والإنسان، ولا ينفتح لمبادئه وروابطه وأهدافه، يكون قد كفر بالدين. فالأدب لا يتحدث عن المواعظ والأخلاق والإسلام فقط، بل هو الناظر إلى الوجود والمعبّر عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصوّر الإسلام، ويلتقي فيه الجمال والحق. فالأدب الذي تدور تطلّعاته في حدود حياته اليوميّة، أصغر قدراً في الموازين الأدبية من الأديب الذي تشمل تطلّعاته الكون والحياة والإنسان، وأوسع منهما الأديب الذي يتفتّح لهذا الكون الصغير وذلك الكون الكبير ويدرك ما بين الروح والمادة من ترابط وامتزاج. |
|
هدف الأدب |
|
ليس للأدب هدف معين يحاوله ولا يتعدّاه، ولا توجد منطقة مباحة للأدب، ومنطقة محرّمة عليه، وإنما الحياة بكل ما تزخر به مشاعة للأدب، يتذوقها، فيتناول ما يطربه، ويمج ما لا يعجبه كالنحلة التي لا يحجبها سور ولا سياج فتقتحم كل حديقة وبستان. |
|
نقد العمل الأدبي |
|
لأن الفنون تقوم على (الإبداع) و (الذوق) وليست لها خطوط وخطط مدروسة مرسومة، تسير عليها وفقاً لمنهج واضح المبادئ والأهداف، فتكون كيفية تعتمد على الإشاءات أكثر مما تركّز على القواعد. وليس دليل الفن (كتاب قواعد) وإنما هو (النقد) الذي يسير جنباً إلى جنب مع الفن في جميع مراحله وخطواته، ويبدي توجيهاته وملاحظاته، فيظل عكازة الفن، ومرشده، وخليله. والنقد لا يستطيع القيام بهذه المهمّات، إلاّ إذا كان منتزعاً من طبيعة الفن. أمّا إقامة النقد الأدبي على الأساس الفلسفي، فقد يجدي في توسيع آفاق النظر إلى الأدب باعتباره تعبيراً شعرياً عن الحياة وغاياتها العليا وأهدافها العامة، وهو كفيل برفع المستوى الشعوري للأدب، ولكنه غير مأمون على الجانب التعبيري له. 1 ـ النقد التاريخي: هو محاولة اكتشاف تاريخ فن من فنون الأدب الذي ضاع تاريخه، من خلال ذلك الفن الأدبي نفسه. فإذا رغبنا في دراسة مدى تأثّر عمل أدبي بالوسط الذي نبع فيه، فاللازم أن نبحث عنها في النقد التاريخي، وللطريقة التاريخية قيمتها في حدود خاصة، لأنها تملك إيضاح بعض الملابسات التي أحاطت بالعمل الأدبي، ولكنها لا تملك تفسير العمل الأدبي تفسيراً كاملاً. والإشكال الوارد على النقد التاريخي : أن الأدب ليس تقريراً للظواهر الحاضرة، بقدر ما هو تعبير عن الأشواق والرغبات البعيدة، فكثيراً ما يكون الأدب نبوّة فائقة، لا تصدقها الظروف العاديّة، فالفرد الممتاز كثيراً ما يسبق عصره، إلى حيث لا يمكن اتخاذه صورة لبيئته، لا اعتباره نتاجاً طبيعياً لها. 2 ـ النقد النفسي: النفس هي القاعدة اللاقطة، والمكيّفة، والمرسلة، للمواد الأدبية. فنفس الأديب تتلقى الإيقاعات الكونية في (تجربة شعورية) وتكيّفها في (تعبير موحٍ) وترسلها إلى المتلقي الذي هو نفس المستمع. وليس (النقد النفسي) إلاّ محاولة لتبسيط ما بين النفس والأدب من صلة وتجاوب. وللطريقة النفسية قيمتها في حدود خاصة. 3 ـ النقد الأدبي: وهو لا يحاول اكتشاف ظروف الأثر الأدبي كالنقد التاريخي، ولا اكتشاف نفسية الأديب كالنقد النفسي، بل يستعرض الأثر الأدبي محاولاً تقييمه، إعداداً لتعيين مكانه في خط الأدب. فهو ينظر للإطار العام للأثر الأدبي، وينظر إليه من ناحية اللغة والإعراب، ثم يفرز قيمتها الشعورية والتعبيرية. ويشترط في الناقد أن يمتلك ذوقاً أدبياً موهوباً، وإحاطة بعلوم اللغة والعروض والبلاغة، وموهبته على تحرير نفسه من اتجاهه الخاص، وأخيراً القدرة على الاستجابة للتطورات. 4 ـ النقد الجامع: إن كل قسم من أقسام النقد الثلاثة السابقة ينظر إلى العمل الأدبي المعروض للنقد من زاوية واحدة لا تحيط بجميع جوانب العمل الأدبي. وإن كل قسم من هذه الأقسام الثلاثة يحتاج في وجوده إلى القسمين الآخرين. وأما النقد الكامل فهو النقد الجامع الذي يستحضر الأقسام الثلاثة لنقد النص المعروض، بشرط استخدام كل قسم بالمقدار الذي استخدم متعلقه في العمل الأدبي المعرّض للنقد، دون أن نظلمه حتى يكون على وشك الاضمحلال، ودون أن نسرف فيه حتى يطغى على القسمين الآخرين. وكما اشترط علماء البلاغة ملاحظة الأمور الخارجية في بلاغة الكلام، كذلك تنبهوا لملاحظتها حين النقد. 5 ـ النقد الحديث: في دور النضوج الذي بلغه الأدب العربي في العصور الإسلامية، نبغ في المسلمين رؤوس الأدباء والنقاد، فكانوا قمة الأدب والنقد، لأنهم كانوا قادة الاتجاه. وحيث انصرف الاتجاه العالمي إلى غير المسلمين في هذا الدور، نبغ في غير المسلمين الأدباء والنقاد، فلم يستقر المسلمون على أسس ثابتة من الأدب والنقد لأنهم كانوا أذناب الاتجاه. ولهذا بقي الأدب العربي طفلاً يدرج ـ وكذلك الأدب الحديث ـ فكثرت فيه الأخطاء. ولا يأمن الناقد أن يدخل هذا الميدان. فمن الأخطاء الشائعة أن الأدباء يسرعون إلى الارتكاز على النظريات والأسس الأجنبية للنقد رغم اختلافها عن النقد العربي. ومن تلك الأخطاء عناية الناقد لما في النص الأدبي من أفكار وعواطف، وجعلها الأساس في نقده نتيجة لتحمّس الناس لها أكثر ممّا ينبغي. بينما يكيلون ألفاظ الذم جزافاً لنص أدبي جيد، يعاكس اتجاههم السياسي. ومن أخطاء الناقدين أنهم ينتقدون النصوص الأدبية وفق آرائهم الخاصّة، لا على أساس القواعد الموضوعة للنقد. |
|
فن العمل الأدبي |
|
ويستمدّ فن (العمل الأدبي) عناصره من كافة المعارف البشرية، لأنه يتناول كل شيء، ولا يخرج عن مجاله شيء، مهما كان موغلاً في القبح والضآلة، فكل شيء مادّة الفن الأدبي. وأصول فن (العمل الأدبي) أربعة : موادّه وخواصّه وطبقاته ومحاسنه. |
|
عمل الشعر |
|
ولصياغة الشعر شروط، هي: 1 ـ حفظ الكثير من الشعر الجيد، حتى يطبع النفس بأنغامه وأساليبه، فتنشأ فيها الملكة. 2 ـ الخلوة بالمناظر الطبيعية الحرة، التي ترد النفس إلى حالتها الطبيعية السليمة، فتمكنها من تنمية خواطرها في كلام رائع. 3 ـ النشاط الفكري والروحي، وقد تختلف ساعات النشاط الفكري والروحي من فرد إلى آخر، ولكن الغالب أن تتفّق مع ساعات الصباح المبكرة من الفجر. |
|
عمل النثر |
|
يعتبر في الكلام المسجع أمران. (الأول) : تطابق مسافة الفصول، وأبعاد المواضيع، حتى يوحي ظل الكلام بحجم الموضوع كما يظهر في سورة (الواقعة) حيث المواضيع الطبيعية والوجدانية تلائم المسافات القصيرة، بينما المواضيع القصصية والعلمية تحتاج إلى المسافات الطويلة، كما في سورة (البقرة) وسورة (يوسف). (الثاني) : تطور القافية بمقدار مناسب للمسافة والموضوع، حتى لا يبعث السأم والملل في نفوس المستمعين. فسورة (الصافات) تتناول موضوعاً طبيعياً ظهرت فيه مشاهد سريعة عن أوضاع السماء وأحداث القيامة فكان الموضوع يلائم المسافة القصيرة. |
|
الإنشاء الأدبي |
|
وهو يشمل (النثر الأدبي) الذي يطلق على القصة، والتمثيلية، والترجمة، والسيرة، والخاطرة، والمقالة، والبحث، والخطابة. ويطلق الإنشاء اصطلاحاً على المكاتبة، والمناظرة، والمثل، والوصف، والمقامة، والرواية، والتاريخ. المكاتبة : قال الأدباء : إن بلاغة الرسالة، تستفاد من ملاحظة مقامات الكلام وأوقاته، ومراعاة أحوال المخاطبين بالنسبة إلى المتكلم، فلكل مقام مقال. ولاشك أن الكتابة فن، ولكنه فن شديد الصلة بالآخرين، فهي رسول القلب إلى القلب، وهي تختلف من فرد إلى فرد فلا تكون لها نماذج ثابتة يمكن استخدامها في كل مكان ولكل فرد. المناظرة : وهي الحوار الدائر بين اثنين أو أكثر ولها جانبان. (علمي) وضع لتقنين (علم المنطق) وجانب (أدبي) وضع لتقنين (علم المناظرة). المثل : هو العبارة المتضمنة لحكمة شائعة، والتي بلغت في قوة نصها وعمق محتواها مستوىً يستعين به المتكلمون ويختلف المثل عن الحكاية بأمرين: 1 ـ أن له مغزى بخلاف الحكاية فمن الممكن أن لا يكون لها مغزى. 2 ـ أن المثل غير واقع وإن كان في حيّز الإمكان، بخلاف الحكاية فلابد أن تكون واقعة. الوصف : وهو قد يتناول الأشخاص، وربما يستعرض بقية الأشياء الموجودة، وقد يصور الأشياء الخارجيّة منها، وربّما يظهر الطبائع والأفكار والتخيلات الحيّة في باطنها. المقامة : هي القطعة الأدبية الرائعة، التي يسكبها الأديب في قالب روائي يكون الهدف منه تربية فكرة أو تجسيد حكمة، وقد انتهى عصر المقامات بابتداء العصر الحديث، الذي توسعت فيه الأعمال حتى استنفدت نشاطات الناس، فلم تدع لهم فائض نشاط أدبي، ينصرف إلى المقامات وخاصة بعدما انتشرت الرواية التي لا تختلف عن المقامة إلاّ بضعف أدبها وقوّة هدفها. الرواية : وتجري في بلاغة الرواية كافة المحسّنات البلاغية، التي تجري في الشعر والنثر معاً، بإضافة عنصر آخر وهو عنصر (المباغتة) في الانتقال من الأحداث إلى مناقضاتها، بشرط أن يحكم (المباغتة) ارتباط جانبي حتى تبدو وكأنها اندفاعة الأحداث، تنتهي بتقلبات مفاجئة، هنا وهناك. كأن يُتهم أحد شخصيات الرواية بجريمة كبيرة، ويترك المحكمة تحكم عليه بالإعدام، ويلف الحبل حول عنقة، ويبقى طرف الحبل بيد الجلاد، وهو ينتظر إيماءة القاضي، ثم يفرج عنه فجأة، بانكشاف عدم صحة الاتهام. التاريخ : علم بحياة الماضين ورجالهم وأحوالهم الاجتماعية، والاقتصادية، والدينية، والسياسية، والأدبية. و (تاريخ الأدب) علم بحياة الأدب وتطوراته وأبطاله واتجاهاته، وأدب كلّ أمّة تعبيرها الموحي عن تجاربها الشعورية. وتاريخ الأدب العربي على خمسة أعصر : عصر الجاهلية (150 ـ 1 هـ ) وعصر الإسلام (1 ـ 132 هـ) و العصر العـــباسي (132 ـ 656 هـ) و العصر التركي (656 ـ 1341 هـ) والعصر الحديث ما بعد سنة 1341 هـ . |