قراءة في كتاب(الشعائر الحسينية)

لآية الله الشهيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره)

محمد خالد

في كتابه (الشعائر الحسينية) يؤكد الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي (قدس سره) على منطق الممارسة الحسينية بشكلها الإنساني لتصبح قاعدة من قواعد العلاقة التاريخية المتداخلة مع منظومة القيم الإسلامية المعاصرة التي تسعى بالسبل الشرعية والأخلاقية والحضارية لتأكيد حضورها الفاعل في جوهر الأمة لكأنها تجدد بيعة الإمام الحسين (عليه السلام) من خلال هذا الحضور.

من هنا يتأتى دورها المشرق في إحياء العلاقة الحسينية التي لم تتأسس على ركائز وهمية كما يدّعي البعض، بل هي محاولة جادة لاستحضار القيم الحسينية كمشروع إنساني وإسلامي لا يمكن تجاوزه.

وإن محاربة هذه الشعائر أو محاولة تقزيمها بدعوات التزييف والتضليل ما هي إلا دعوات مؤدية إلى الخروج عن ساحة الثورة ومنازلة الباطل على حساب القيم. وانطلاقاً من هذا المنهج يؤسس الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي (قدس سره) لآلية تجمع أفراداً متعددة تشكل برمتها السبيل لإحياء هذه الشعيرة السامية (إحياء الأمر) وهذا ما دفع السيد الشهيد آية الله الشيرازي (قدس سره) لأن يكون من أبرز رواد هذه الشعائر والذائبين في مضامينها القيمية تعزيزاً لمنهج حق الإمامة في روح الأمة، على أساس أن العلاقة بين هذه الشعائر والإمامة علاقة تلازمية ينبغي أن تفرض نفسها لتسود دون هيمنة أحد وتلبي معالم أصالتها ونبلها وكرامتها الإنسانية الإسلامية.

ومؤلف الشهيد (قدس سره) يتكون من آلية إحياء الشعيرة الحسينية عبر مجموعة من الالتزامات التي تنطلق من كون الإسلام يعني التشيع وكون التشيع مرادفاً لحقيقة الإسلام التي أنزلها الله، وبشرية سيد المرسلين محمد (صلّى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين) سورة المائدة/67.

لقد فإن الإسلام الحقيقي هو الإسلام الشيعي الذي ابتدأ مع خطبة الغدير يوم قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) ثم (أمر الناس بمبايعته والسلام عليه بإمرة المؤمنين) ص17.

إذن حقق الإسلام غايته بحقيقة الخلافة العلوية أي إمامة علي (عليه السلام) وابتدأ من يوم حراء يوم نزل الوحي عليه (صلّى الله عليه وآله). ص18.

ولكن التشيع تعرض إلى خطرٍ كبير يوم استشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) (وبلغ الطوفان ذروته يوم اعتلى يزيد بن معاوية منبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وتربع على عرش الخلافة ليعاقر الخمر ويلاعب القرود) ص18.

وتفسير ظواهر الزيف والانحطاط التي حصلت للإسلام يشرحها الشهيد المؤلف (قدس سره) في مقدمة الكتاب التي ابتدأت من ص13 والتي تستعرض الظروف التي أحاطت بالنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) كونها (ظروفاً ملغمة خلفتها العهود الجاهلية، مثقلة بركام من العقد والمشاكل) وكيف أن الإسلام احتوى من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) دون أن يفرض شروط النخبة وهذا ما كانت تتطلبه شروط الدعوة التي تريد انتشاراً (يكدس جميع خامات الجاهلية ليسيج بها الإسلام عن القوى الموضعية والعالمية التي تظاهرت ضده) ص14.

وعندما جاءت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كانت (ثورة نادرة امتازت بها الأمة الإسلامية دون سائر الأمم) ص22.

(وعندما حاول الاستعمار هضم الأمة الإسلامية بادر إلى انتدال مصادر القوة فيها، فانتدل منها القرآن وانتدل منها الحج وشاء أن ينتدل منها ثورة الحسين، لكنه لم يقدر على انتدالها وحاول مسخها وتشويهها حتى تشل عن التفاعل والإنتاج) ص23.

وإن ما حصل لبعض المدعين من الآراء الشاذة لم يثبت براءتهم عن الانخداع الذي يحاول أن يغرس مفهوماً بين الناس على أساس أن هذه الشعائر تعكس واقعاً متخلفاً أو ما شابه والنبي محمد (صلّى الله عليه وآله) تعرض ذات يوم إلى ألذع سخرية وأكثر ضحكاً ولم يعر لتلك السخرية من الاهتمام ما كان يعيرها لطنين الذباب فمضى في سبيله لا يلويه شيء حتى انتصر. ص25، 26.

وما قيمة الاستهزاء حتى يميل الإنسان عن خطه الصائب من أجله ما دام أن (موقفنا من الشعائر الحسينية يتركز على قاعدة فكرية وطيدة ليس لنا الانحراف عنها وأن تظاهرت قوى العالم ضدها. صحيح علينا أن نكف ضحك الأعداء عنا) ص29.

فالمستعمرون لا يحرصون على تحضرنا... ولا يشفقون علينا حينما يرومون انتزاع مشعل ثورة الحسين (عليه السلام) من أيدينا. ص31.

وبهذا يتساءل الشهيد السعيد (قدس سره) فيقول للذين يدعون بأن الشعائر الحسينية محرمة وأنها تعرقل تقدم المسلمين، فيقول: (لو كنتم حقاً تريدون مكافحة المحرمات والاحتفاظ بالإسلام فلماذا لا تحاربون بقية المحرمات العلنية التي لم يختلف فيها اثنان من المسلمين؟ ص33.

(ولكني أنصح هؤلاء بأن ينصرفوا إلى أعمالهم... ولا يجعلوا الحسين وأباه وجده والإسلام خصومهم يوم القيامة وأطمئنهم بأنهم وكل من في الأرض جميعاً لو تناحروا لحرب هذه الشعائر العظيمة فإنما هم الذين سيفشلون وينهارون وينتصر الحسين ودعاته...) ص34. فالأدلة الشرعية ليست ساكتة عن حكم الشعائر الحسينية ص37.

فإن أصالة الإباحة العقلية والشرعية تثبتها ولا يوجد حكماً شرعياً واحداً يثبت ما تدعون ص38. وفي الحديث المشهور: (ما حجب الله عن العباد فهو موضوع عنهم) الكافي 1: 164/3 كتاب التوحيد.

من هنا تصبح إباحة هذه الشعائر محكومة بأصالة الإباحة العقلية حسب القاعدة الأصولية التي تؤكد على (قبح العقاب بلا بيان).

ومن حرّم هذه الشعائر أسقط الأصل عن الاعتبار بلا مبرر. والضرر لا يقع في ممارسة هذه الشعائر ومن قام بها لهلاك نفسه لا يضر إلا نفسه. والحرام يقع عليه بالنسبة إلى نفسه دون غيره. ص41.

ثم أنه ليس في الشرع دليل يقول (إن كل ما يضر بالصحة حرام حتى يصح التمسك بعمومه، وكل ما يوجد في هذا الباب هو قوله تعالى: (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ص42.

(وقول النبي (صلّى الله عليه وآله) في لا ضرر ولا ضرار في الإسلام فيجاب عنه بأنه مختص بغير الأحكام الصادرة في مورد الضرر – كالجهاد والحج والختان والخمس والزكاة وتمكين النفس من الحدود والقصاص والتعزيرات والصبر على المصائب، ومجاهدة النفس بترك الأخلاق الرديئة وتحمل المرأة أوجاع الحمل والولادة، وثانياً بأن هذا الحديث يعني عدم وجود الأحكام الضررية في أصل الشرع لا حرمة تحمل الضرر مطلقاً... ولهذا لا يحرم نذر صوم الدهر سوى العيدين وإدامة الوضوء والتزام جميع النوافل والسعي ماشياً إلى الحج والعتبات المقدسة وإحياء الليالي بالعبادة) ص43.

وبهذا فإن الحديث قد جاء في مورد الأحكام الضررية في أصل الشرع لا حرمة تحمل الضرر الناشئ عن المسلّمات العبادية التي أقرها الشرع أعلاه.

وما يزيد الدلالة سنداً ما حصل مع آدم (عليه السلام) يوم بكى على فراق الجنة ويعقوب بن إسحاق عندما انتحب على فراق نجله يوسف وما ورد في أحاديث زهد يحيى بن زكريا (عليه السلام) بأن الدمع خدّ خديه وأكل منهما حتى وضعت أمه عليها لبداً. وما ورد في شعيب وكذلك مع فاطمة (عليها السلام) يوم وقفت في محرابها حتى تورمت قدماها.

وكذلك مع أمير المؤمنين (عليه السلام) في مناجاته لله وتذكر الموت والقبر والنار وما ورد عن الإمام الحسين (عليه السلام) يوم حج ماشياً خمسة وعشرين حجة والنجائب تقاد خلفه والإمام السجاد (عليه السلام) يوم بكى وانتحب على أبيه الحسين (عليه السلام) والإمام الكاظم (عليه السلام) وقد هزل من العبادة وفي تذكر العباس (عليه السلام) لعطش الحسين (عليه السلام) وامتناعه عن شرب الماء ما ورد في رياض المصائب. وكل ما حصل مع الأئمة يشير إلى أن إقامة الشعائر تصل إلى حد إذعان النفس إلى حد احتمال الألم وقسوته تهذيباً لها وخشوعاً وارتقاءً إلى مراتب الاستحباب في العبادات وممارسة الشعائر.

وبهذا أثبت آية الله الشيرازي (قدس سره) قضية من أهم القضايا التي تعزّز رابطة الانتماء إلى الإسلام الحقيقي في مورد (رجحان الشعائر الحسينية) ص32 ـ 49.

وابتدأ بعد ذلك بمناقشة آلية إقامة هذه الشعائر من خلال البكاء، التباكي، المآتم، لبس السواد، شق الجيب، اللطم، ضرب السلاسل، التمثيل، التطبير. ص50 ـ 123.

أما البكاء فطبيعته مباحة بأجلى مظاهرها في وصف القرآن للمؤمنين الأبرار بكثرة البكاء كما ورد في قوله تعالى: (فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً..) سورة التوبة/82. وكذلك في قوله تعالى: (إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً ... ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً) سورة بني إسرائيل/107 ـ 109.

والبكاء علاج لحل العقد النفسية، فالنساء أقل عقداً من الرجال لأنهن لا يعانين أزمة نفسية إلا ويفرجن عن أنفسهن بالبكاء.

ولدينا من موارد القرآن كيف كان بكاء النبي يعقوب (عليه السلام) لابنه يوسف (عليه السلام) وكيف بكت فاطمة الزهراء (عليها السلام) على أبيها.

وفي المستدرك بإسناده عن أبي جعفر (عليه السلام): (نظر النبي (صلّى الله عليه وآله) إلى الحسين (عليه السلام) هو مقبل فأجلسه في حجره وقال: إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبداً). ثم قال أبو جعفر: (بأبي قتيل كل عبرة. قيل: وما قتيل كل عبرة يا بن رسول الله؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى) ص55.

وروى الصدوق في الأمالي بإسناده عن الإمام الرضا (عليه السلام): (من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة ومن ذُكّر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون. ومن جلس مجلساً يحيي منه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب).

وروى علي بن إبراهيم عن الإمام الصادق (عليه السلام): (من ذكرنا أو ذُكرنا عنده فخرج من عينه دمع مثل جناح بعوضة غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر).

ويستمر الشهيد المؤلف آية الله الشيرازي (قدس سره) في تقوية موارد السند لموضوع البكاء الحسيني بذكر ما ورد في الأخبار والأحاديث لفضل البكاء على سيد الشهداء (عليه السلام) بصورة خاصة وأهل البيت (عليهم السلام) بصورة عامة وتأثيرها في الجوانب التربوية والروحية والعبادية بما يعزز آصرة الارتباط مع المنهج وبما يؤكد ثواب البكاء على الحسين (عليه السلام) لأنه يدفع إلى انتزاع صفات أهل النار وتقمص صفات أهل الجنة. ص57 - 59.

أما (التباكي فهو تمثيل البكاء ويكون بالصوت أو بتنغيص عضلات الوجه أو بالحركة والضرب على الجبهة أحياناً بدون ذرف دمع وهو يكون لمن آمن بلزوم البكاء).

وما يعزز هذا القول ما ورد في مجموعة الشيخ ورام: (إن أبا ذر حدث عن النبي (صلّى الله عليه وآله) أنه قال: إذا استطاع أحدكم أن يبكي فليبك ومن لم يستطع فليستشعر قلبه الحزن وليتباك فإن القلب القاسي بعيد عن الله). فالبكاء والتباكي عملية واحدة ولها أثر واحد ص60 ـ 62.

وهذا البكاء أو التباكي يتحقق من خلال المأتم الذي هو المجلس الذي تعدّ فيه مصائب إنسان ما، ومآتم الإمام الحسين (عليه السلام) هي المجالس التي تعقد لسرد مصائب الإمام (عليه السلام) بما تقتضيه مصلحة الثورة الحسينية ومنهج الإمام الحسين (عليه السلام) باعتباره شكلاً من أشكال أي حركة ناجحة في التاريخ وما يؤكد أهمية المجلس الحسيني ما كان يقوم به الأئمة (عليهم السلام) في إقامة المآتم.

وما يؤكد سند الحديث ما ورد في التهذيب للطوسي، عن يونس بن يعقوب وفي المجالس السنية حكى دعبل الخزاعي قال: دخلت على سيدي ومولاي علي بن موسى الرضا (عليه السلام) في أيام عشر المحرم فرأيته جالساً جلسة الحزين الكئيب وأصحابه من حوله... ثم قال: يا دعبل ارث الحسين فأنت ناصرنا... ص66.

وكذلك ما ورد في المناقب وفي رياض الأحزان وفي تاريخ الطبري وفي محاسن البرقي وفي البحار عن الكافي، ما يثبت بأن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) لم يكتفوا بإقامة المآتم حتى وجهوا شيعتهم لإقامة المآتم.

فعن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال: (رحم الله عبداً اجتمع مع آخر فتذاكرا في أمرنا فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (رحم الله من أحيى أمرنا).

وما حصل مع زينب (عليها السلام) على أخيها الحسين كما روى السيد ابن طاووس ما يدل على أهمية المجالس الحسينية للنساء والرجال، وقد يعترض بعض المانعون بأن صوت المرأة عورة. والجواب هو (إن صوت المرأة ليس بعورة وإنما العورة ترجيع صوت المرأة كما ورد في قوله تعالى: (يا نساء النبي لستن كأحدٍ من النساء...) سورة الأحزاب/ 32. فالتغنج بالكلام الذي يجعله مثيراً حرام وليس مطلق الكلام وإلا لما أذن الله به لنساء النبي) ص73.

وإن صراخ النساء على قتلى الطف كان محبوباً عند أهل البيت (عليهم السلام) حتى شمله دعاء الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث معاوية بن وهب عنه (عليه السلام): (وارحم تلك الصرخة التي كانت لنا).

وروى أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني أنه لما دخل الحميري على الصادق (عليه السلام) أقعد حرمه خلف الستر ثم استنشده في رثاء جده الحسين (عليه السلام) فبكى وتهايجت النساء. ص75، 76.

وعند وفاة أمير المؤمنين (عليه السلام) خرجت زينب وجميع النساء وشققن الجيوب ولطمن الخدود ووقعت الصيحة فيهن وهذه الأحاديث دلت على جواز ندبة النساء بمحضر من الرجال. ص77، 78.

فالمآتم الرجالية والنسائية تجوز بل تستحب على نمط واحد.

بقي أن لبس السواد كونه رمز للحزن، وقد ورث الشيعة فيما ورثوه عن أسلافهم من الشعارات الحسينية لبس السواد وإكساء الجدران بالسواد تعبيراً عن تفجّعهم بفاجعة الطف وهو شعار موحٍ يخلع على البلاد جواً حزيناً يكفي للتسرب إلى القلوب وإحياء ثورة الشهيد عن طريق التألم والاكتئاب.

والروايات التي تقول بحرمة السواد قاصرة الدلالة، ومع ما ورد فيها من قصور فقد ذكر صاحب الحدائق: (لم يستبعد استثناء لبس السواد في مآتم الحسين (عليه السلام) من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان عليه).

وأما التعليل الوارد في بعض الروايات الناهية عن لبس السواد فيكفي لحمل النهي فيها على الكراهة لما هو مثبت في الفقه من أن التعليل في النهي من أمارات الكراهة وأن التعليل في الأمر من أمارات الاستحباب، بالإضافة إلى أن التعليل نفسه غير صالح دليلاً للتحريم...) ص81.

فتكون دلالة هذه الأخبار منحصرة في أن جعل اللباس الأسود شعاراً مكروه لأنه شعار أعداء الله وأما لبس السواد لأجل مصيبة فترة مؤقتة.. ليس مكروهاً كما فعل الأئمة الطاهرون (عليهم السلام).

وفي مصباح الفقيه وفي المستدرك عن غوالي اللآلي ما يدل على ذلك في ارتداء العمامة السوداء من قبل أبي عبد الله (عليه السلام). والسواد الذي لبسه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) والإمام الحسن والحسين (عليهما السلام). وفي الوسائل والكافي ورد أن الإمام الحسين (عليه السلام) قتل وعليه جبة خز سوداء.

وقد أشار الشهيد السعيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره) لأصل هذه السنة عن الروايات والأحاديث التي وردت على لسان وسيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام).

وما يحصل إذا ألمت على الإنسان مصيبة هو شق الجيب. وهذا أمر من نوع غمض الأجفان غير داخل في نطاق الشرع لأنه يصدر غالباً بلا وعي تام. بالإضافة إلى أنه كثيراً ما ينقذ المصاب عن السكتة القلبية.

وقد روي أن زينب وجميع النساء شققن الجيوب ولطمن الخدود في وفاة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) على أن الشرع أباح شق الجيوب ليس على الإمام الحسين (عليه السلام) فقط ولا على المعصومين (عليهم السلام) فحسب. وإنما لكل رجل أن يشق جيبه في موت كل قريب له.

وفي جواهر الكلام ما دل على ذلك (إذن فلا مانع من شق الجيوب على كل فقيد) كما لا مانع من شق الجيوب على الإمام الحسين (عليه السلام)) ص92 ـ 95.

لقد كان لهذه الصدمة العظيمة التي نزلت على شخصية مقدسة آثار عقائدية في كل من يؤمن بالتشيع عقيدة دينية صحيحة. ص96.

ولما كانوا يعانون عقدة الإنكار بالنسبة إلى أنفسهم وبالنسبة إلى فاجعة الطف نفسها تحت وطأة الحكام المستبدة احتاجوا إلى أن يكون هنالك تعبيراً يخلصهم من وطأة المصيبة ومن عقدة الإنكار فاضطروا أن يجعلوا تعبيراتهم جماهيرية علنية وقد مرّ هذا التعبير بأدوار ابتدأت من:

دور الأئمة الأطهار الذي انحصر في تجمع نفر في بيت أحدهم لإنشاد فرد منهم أبياتاً من الشعر أو تلاوته، والدور الثاني كان دور بني العباس الذين ظهروا على المسرح باسم الانتصار للإمام الحسين (عليه السلام) فجعلوا شعارهم السواد حداداً على شهيد كربلاء، والدور الثالث هو دور البويهيين والديالمة والفاطميين الذين رفعوا الإرهاب وأطلقوا طاقات الشيعة ومكّنوهم من تنظيم المواكب المتجولة في الشوارع والساحات، ثم دور الصفويين الذي شجع الشيعة على ممارسة شعائرهم، ودور الفقهاء والمتأخرين وعلى رأسهم الشيخ الأنصاري حيث أكثرت الشيعة من مواكب السلاسل والتطبير.

وأول موكب أتت به الشيعة في هذا المجال هو موكب اللطم ومن الطبيعي أن يزدلف حول هذه المواكب ويلتف عليها كل من يسمع أهازيجها أو أصوات ضرباتهم الحزينة فيصبح اللطم هنا تعبيراً عفوياً عن استبداد مصيبة بإنسان وما يؤيد ذلك هو الأدلة البرهانية الواردة ومن ضمنها هو أن الفاطميات لطمن على الإمام الحسين (عليه السلام) في حياته وبعد شهادته واللدم مثل اللطم في إباحته لعموم الملاك والأولوية القطعية. ص97 – 108.

ليصبح ضرب السلاسل الذي هو مأتماً آخر يتضمن نوعاً آخر من التعبير الذي ابتكره الأتراك ثم أخذه منهم مختلف طوائف الشيعة. وفي الأخبار والروايات ما يؤيد أي نوع من أنواع التألم من المصاب من بينها ما ورد في دعاء الندبة عن الإمام المنتظر (عليه السلام) ما يدل على موارد الاستحباب حيث قال (عليه السلام): (... فعلى الأطائب من أهل بيت محمد وعلي وإياهم فليندب النادبون وليصرخ الصارخون ويضج الضاجون ويعج العاجون. هل من جزوع فأساعد جزعه إذا خلى؟). وإذا حمد الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) فإن الضرب بالسلاسل على الأكتاف لا يعدو الجزع بل يكون أحد مراتبه وقد يدعي البعض بأن هذا النوع من الضرب يضر بالجسم مما يؤدي إلى الحرمة.

والحقيقة بعكس ذلك لأن ذلك ينفع كونه يثخن الجلد ويصلبه وتصلب الجلد من أنواع الرياضات الشاقة. ص109 – 111.

أما الهدف من التمثيل والمقصود تمثيل فاجعة الطف إنما هو لإبراز صفة خاصة أو حالة معينة بأسلوب مؤثر. ويطرح الإمام (قدس سره) مجموعة دلائل فيما يتعلق بالمناقشات التي تحوم حول مسألة التشبيه من جملتها أصالة الإباحة ودخول التشبيه في عمومات من بكى أو أبكى أو تباكى وجبت له الجنة.

ويلتجئ الشهيد السعيد (قدس سره) لتقوية دليله بما ورد في قضية التشبيه باستخدام النص القرآني والحديث كما ورد في قصة عيسى ويهوذا الأسخربوطي وما ورد أيضاً في كتاب العلل ما رواه أبو حمزة عن الإمام الباقر (عليه السلام) للقطع بما ورد في هذا المقام. ص114 و115.

وما يتبناه المحقق النائيني والشهرة الفتوائية التي جرت من بعده وهي (الظاهر عدم الإشكال في جواز التشبيهات والتمثيلات التي جرت عادة الشيعة الإمامية باتخاذها لإقامة العزاء والبكاء والإبكاء) ص120.

والحرام يقع في تأنث الرجل وتذكر المرأة ولا مانع من تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال ـ حيث ورد في عدد من التواريخ والأخبار من أن علياً (عليه السلام) استخدم التشبيه مع عائشة صوناً لها عن السفر مع الرجال الأجانب. ص122.

وأما جواز التطبير على الإمام الحسين (عليه السلام) فهو جائز ذاتاً ومستحب عرضاً كون الهيجة التي يحدثها موكب التطبير لا يحدثها أي خطيب ولا موكب حتى موكب التمثيل لأنه يعبر عن الواقعية الملموسة لمأساة الإمام الحسين (عليه السلام) وما ورد من الأحاديث والأخبار يؤكد ذلك فقد جاء في أمالي الطوسي وفي جلاء العيون وفي الصواعق المحرقة وبحار الأنوار وما ورد في القرآن وما ورد في مصباح المتهجد وفي مقتل الخوارزمي وما ورد في الكافي ما يؤكد بالحجة القاطعة بأن التطبير مباح ذاتاً ومستحب تأسياً بالحسين ومواساة له (عليه السلام).

ناهيك عن الاستدلالات الفقهية الواردة على جوازه، فيقول الإمام الشيخ كاشف الغطاء في كتابه (الآيات البينات): لا ريب أن جرح الإنسان نفسه وإخراج دمه بيده في حد نفسه من المباحات الأصلية ولكنه قد يجب تارة وقد يحرم أخرى وما يطرحه بعض الدعاة في مورد (ترتب الضرر أحياناً) فذلك كلام لا ينبغي أن يصدر من ذي لب فضلاً عن فقيه أو متفقه) ص125 – 149.

وبهذا يثبت الشهيد السيد حسن الشيرازي (قدس سره) بالحجة البرهانية القاطعة من خلال النص القرآني وما ورد في الحديث والأخبار والسنة بأن الشعائر الحسينية جزء لا يتجزأ من عملية الانتماء إلى الإسلام، الإسلام الشيعي الذي يجعل من الثورة الحسينية ممارسة تبعث في روح الأمة ومن أعماق الضمير الإنساني لإثبات لغة الإسلام الأصيل وأن ما يدّعيه البعض ما هو إلا لهو فارغ لا يمتّ بصلة إلى شروط الإسلام وإلى شخصية المسلم الحقيقي لأن الشعائر تمثل امتداد لثورة الحسين (عليه السلام) وهي لا تهدد مصالح المستعمرين في بلادنا فحسب إنما تهدد مستقبل المستعمرين أنفسهم وبلادهم أيضاً.