مبدأ الشورى وأسسه التاريخية في الإسلام

سماحة اية الله السيد مرتضى الشيرازي

في عددها المرقم 13749 الصادر يوم الخميس 2/تشرين/2000 نشرت صحيفة الحياة اللندنية مقالاً لسماحة آية الله السيد مرتضى الشيرازي تحت عنوان (مبدأ الشورى وأسسه التاريخية في الإسلام) يقوم فيه بعملية تحديد للمنطلقات الأساسية التي يرتكز عليها مبدأ الشورى الذي يقضي به أو يعتمده النظام الإسلامي طريقة في الحكم، وحيث أن العقل يحكم بضرورة الاستشارة أولاً والعمل برأي الأكثرية ثانياً (كما يذكر سماحته في المقال) مستنداً في حكمه هذا إلى منطلق الحقيقة الذي يقرر ـ أن عقل وإدراك وتفكير الشخص الواحد ليس مرآة كاشفة عن الواقع، والحقيقة بشكل شمولي ذلك أن الإنسان محدود وناقص وقاصر عن الإحاطة بشتى الأبعاد والجهات والحيثيات .

كان منطلق العقل هو الركيزة الأولى التي يحددها السيد الشيرازي أساساً لمبدأ الشورى، وأما الدعامة الثانية التي يشير إليها فهي الشرع، ممثلاً بالكتاب والسنة، وبعد الحديث عن بعض ما يصل بدلالته من الآيات والأحاديث الشريفة إلى مستوى التأصيل لمبدأ الشورى ينتقل السيد الشيرازي إلى الإلماح إلى ما يفصل مبدأ الشورى المنظـّر له إسلامياً عن الديمقراطية من سمة فارقة وحدّ فاصل يتمثل في كون مصدر السلطات في النظام الديمقراطي هو الشعب في حين أن الشورى في الإسلام ترى أن الله هو مصدر السلطان وهو تعالى قد فوّض الشعب وأعطاه حق انتخاب حكّامه وممثليه.

كما أن الديمقراطية وإن كانت تتفق والرؤية الإسلامية في كون الشورى قيمة يجاورها العديد من القيم نظير الحرية والعدالة والإحسان والأخوة وغير ذلك، إلا أنّ هناك فارق بين النظريتين يكمن في التشخيص الموضوعي لعدد من القيم ومدى أهمية كل قيمة عند التزاحم (كما هو نص المقال).

وأخيراً لا يفوتنا الإشارة إلى أن سماحة السيد مرتضى الشيرازي قد أنجز كتاباً مهماً في هذا الشأن، يقع هذا الكتاب في جزأين تحت عنوان (شورى الفقهاء)..

وفيما يلي نص المقالة:

قد ننطلق في تأصيل وإثبات مبدأ الشورى في الإسلام من منطلق عقلي فلسفي وقد تنطلق من منطلق نقلي روائي، وكلاهما يصبان في دائرة الشرع ذلك أنّ (العقل شرع من داخل والشرع عقل من خارج) كما قال الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وأن لله حجتين: حجة ظاهرة هي الأنبياء وحجة باطنة هي العقل. كما وردت بهذا المضمون روايات كثيرة.

المنطلق الأول العقل. العقل يحكم بضرورة الاستشارة أولاً والعمل برأي الأكثرية ثانياً والعقل يستند في حكمه إلى: الحقيقة، الحق، إضافة إلى منطلقات أخرى كمنطلق (دفع الضرر المحتمل).

ويعني منطلق (الحقيقة) إن عقل وإدراك وتفكير الشخص الواحد ليس مرآة كاشفة عن الواقع والحقيقة بشكل شمولي ذلك أن الإنسان محدود وناقص وقاصر عن الإحاطة بشتى الأبعاد والزوايا والجهات والحيثيات. وفي المقابل فإن اجتماع مجموعة من العقول وتلاقح جمهرة من الأفكار هي الأقدر على استكشاف الحقيقة والإصابة للواقع، ولذلك قال الإمام علي (عليه السلام): (الاستشارة عين الهداية)، (وقد خاطر من استغنى برأيه). ولنلاحظ الدقة في تعبير، بأن الاستشارة هي عين الهداية ولنلاحظ أيضاً الإطلاق المستفاد من حذف متعلق (خاطر) إذ لم يقيد (خاطر) بـ(نفسه) أو (أسرته) أو تنظيمه ونقابته واتحاده أو دولته وحكومته، ولم يقيد المخاطرة بالسياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية أو... بل هي شاملة الكل.

ويعني منطلق (الحق) إنني ـ من حيث المبدأ ـ أمتلك الحق في الاستفادة من الثروات والقدرات والفرص وبالقدر الذي تمتلكه أنت ـ في أي موقع كنت. وإننا متساوون في الحقوق والواجبات.

يقول تعالى: (خلق لكم ما في الأرض جميعاً) البقرة: 29. ولنلاحظ كلمة (لكم) وشمولها بنحو متساو للعالم والجاهل والحاكم والمحكوم والصغير والكبير والرجل والمرأة كما تشمل الأجيال الصاعدة أيضاً، وفي الحديث الشريف: (المسلمون سواسية كأسنان المشط). فإذا كان للكل الحق في الحياة وفي الاستفادة من الثروات والفرص كان معنى ذلك إن استئثار فرد بكل الحصص أو استبداده برأي هو مصادرة لحق الآخرين، وكانت الشورى هي الطريق الأمثل للحفاظ على حقوق الكل بالقدر الممكن.

المنطلق الثاني الشرع: ولنتوقف هنا عند بعض الآيات الشريفة وبعض الروايات.

هنالك آيات أربع تعطينا صورة متكاملة عن تأطير العلاقات الإنسانية: (قل كل يعمل على شاكلته) وهي إشارة إلى حقيقة تكوينية خارجية وهي أن كل شخص يتصرف من وحي طبيعته وعلى طبق سجيته ولكن هل يجب أن تصب هذه التعددية في مصب التدابر والتقاطع أم في مصب التعارف والتواصل؟

تجيبنا الآية القرآنية الآتية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) والقبيلة هي التي تنتمي إلى أب واحد والشعب هو الذي يجمعه جامع الأرض أو اللغة أو اللون أو شبه ذلك، كما ذكر المفسرون. فهذه التعددية لابد أن تصب في مصب (التعارف) لا التناكر والتدابر. ولكن هل يكفي ذلك فحسب؟

تجيبنا الآية القرآنية الآتية: (تعاونوا على البر والتقوى) فليس التعارف وحده هو المصب الإيجابي النهائي الوحيد للقوى والأفكار والأشخاص المتعددة، بل لابد من (إطار تعاوني) أيضاً. وليكن التعاون إيجابياً فهو على البر وعلى التقوى وليس على الإثم والعدوان. والدائرة لا تتحد بالمسلمين فهي تتسع لتشمل غيرهم أيضاً كما قال تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة: 8.

ولكن هل حدد القرآن الكريم صيغة للتعاون؟ تجيبنا الآية الرابعة: (والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم)، والأمر يشمل كل الموضوعات ومنها الشؤون العامة.

ومن الواضح أنّ مجرد الاستشارة من دون العمل برأي المستشارين لا يطلق عليها الشورى. والأحاديث الشريفة كثيرة في هذا المضمار ننتخب منها هذين الحديثين: قيل يا رسول الله ما الحزم؟ قال: مشاورة ذوي الرأي واتباعهم.

وقال الإمام علي (علي السلام): (من استبدّ برأيه هلك، ومن شاور الرجال شاركها في عقولها).

والآن يحق أن نتساءل ما هو الفارق بين الشورى والديموقراطية؟ لعل الفارق الجوهري يكمن في أمرين: أن الديموقراطية ترى أن مصدر السلطات ومصدر الحق هو الشعب أما الشورى في الإسلام فترى أن المصدر هو الله وهو الذي أعطى للشعب الحق. فالشعب مصدر وسيط وأعطاه حق انتخاب حكامه وممثليه وحق الفصل في شتى الموضوعات والشؤون العامة.

إن الشورى في منظار الإسلام قيمة (أو مبدأ) إلى جوار قيم أخرى كثيرة منها: العدالة، الحرية، الإحسان، الأخوة، وسائر الواجبات والمحرمات، والديموقراطية وإن كانت ترى إلى جوار قيم (أو مبدأ) الشورى قيماً أخرى كالحرية والعدالة فهي لا تعتبرها إذاً قيمة مطلقة فلا يحق للأكثرية إصدار قرار بمصادرة شمولية للحرية وبنصب حاكم مستبد.

إلا أن الفارق يكمن في التشخيص الموضوعي لعدد من القيم، ومدى أهمية كل قيمة عند التزاحم (ولدى التعارض حسب التعبير الدارج).

ولنا أن نقول المشرّع هو الله والأحكام تستقى من رسله، أما في الموضوعات والشؤون العامة أعطى للناس الحق. لنتساءل ما هو موقف الدين لو تجاوزت الأكثرية الخطوط الحمر؟

هناك قاعدة الرواية الشريفة (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم) والمعروفة بقاعدة الإلزام. وقال الإمام علي (عليه السلام): (لو ثنيت لي الوسادة فجلست عليها لحكمت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الفرقان بفرقانهم).

وأما في داخل الدائرة الإسلامية فهذا الفرض مستبعد أو نادر، ما يلقي الضوء على طريقة تعامل الحكومة الإسلامية كقوله تعالى: (إنما أنت مذكّر لست عليهم بمسيطر).