تأثير الذكر *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين[1].

قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (إِنَّ فِى خَلْقِ السَّمَـوَ تِ وَالاَْرْضِ وَاخْتِلَـفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ لاََيَـت لاُِّولِى الاَْلْبَـابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَـمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)[2].


 ۞ مقدمة


لكل حقيقة من الحقائق أربعة وجودات عادة; الأول: الوجود العيني وهو عبارة عن تحقق الشيء في الخارج. الثاني: الوجود الذهني وهو عبارة عن انطباع صورة الشيء الموجود خارجاً في الذهن . الثالث: الوجود اللفظي، والرابع: الوجود الكتبي.

ما يهمنا فعلا في هذه الوجودات الأربعة بحثان:

البحث الأول: أن هذه الوجودات الأربعة متفاعلة; تؤثر حالات بعضها في حالات بعض.

البحث الثاني: أن هذه الوجودات الأربعة مترابطة.

البحث الأول: التفاعل بين أنحاء الوجود

 لو فرضنا أن للوجود الخارجي لشيء ما صفة معينة، فهذه الصفة لاتمثل صفة خارجية لموجود خارجي فحسب بل تؤثر في الوجود الذهني واللفظي والكتبي له أيضاً ـ ولو في الجملة ـ .

أوصي الإخوة المؤمنين بقراءة أحكام الأولاد في كتاب النكاح، فهذا الباب مشحون بالقيم الدينية التي يحتاج إليها كل واحد منا نحن المسلمين، وفيه يذكر الفقهاء أن الأب ينبغي ان لا يسمي ابنه أو بنته باسم عدو من أعداء الله تعالى; لأن لذلك تأثيرات سلبية في روحية الطفل.

في كتاب الكافي للكليني(رحمه الله):

يَعْقُوب السَّرَّاج قالَ: «دَخَلْتُ عَلى أَبي عَبْد اللَّه عليه السلام وهُوَ وَاقفٌ عَلى رَأس أَبي الْحَسَن مُوسَى وهُوَ في الْمَهْد فَجَعَلَ يُسَارُّهُ طَوِيلاً. فَجَلَسْتُ حَتَّى فَرَغَ، فَقُمْتُ إليه فَقَالَ لي: ادْنُ منْ مَوْلاكَ فَسَلِّمْ. فَدَنَوْتُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ بلسَان فَصِيح ثُمَّ قَالَ لي: اذْهَبْ فَغَيِّرِ اسْمَ ابْنَتكَ الَّتي سَمَّيْتَهَا أَمْس فَإنَّهُ اسْمٌ يُبْغِضُهُ اللَّهُ. وكَانَ وُلِدَتْ لِى ابْنَةٌ سَمَّيْتُهَا بِالْحُمَيْرَاء. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه عليه السلام: انْتَهِ إلى أَمْره تُرْشَدْ. فَغَيَّرْتُ اسْمَهَا»[3].

بل ذكر بعض الفقهاء أنه ينبغي تغيير حتى الأسماء المحايدة إلى الأسماء النورية أي محمد وفاطمة وعلي والحسن والحسين ـ صلوات الله عليهم ـ وامثالها كما كان رسول الله(صلى الله عليه وآله) يصنع ذلك مع بعض الصحابة ـ.

البحث الثاني: الترابط بين أنحاء الوجود

ومعناه أن وجود بعضها يستتبع وجود بعضها الآخر ولو في الجملة. مثلا: الوجود اللفظي (وهو وجود في عالم اللفظ والعبارة) يستتبع الوجود الذهني، فالكلمات والعبارات التي تطلقها ليست أمواجاً تتحرك في الفضاء فقط بل تؤثر في ذهنك أيضاً، وقد تستتبع وجوداً عملياً لأن الصورة التي تنطبع في الذهن قد تنتهي إلى الوجود العملي.


۞ تأثير ذكر الله على حياة الإنسان


بعد هذه المقدمة نعود إلى الآية الكريمة: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَـمًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ)[4].

فما قيمة قولنا: (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)، وما دور ذلك؟

يتصور بعض الناس أن هذه الألفاظ لا قيمة لها، مع أن لها قيمة كبرى، لأنها تعني حضور الله سبحانه وتعالى في لفظك، وهذا الحضور اللفظي يؤثر في ذهنك بالتبع إن لم يكن في المرة الأولى ففي المرات اللاحقة، وبمرور الأيام وبالمداومة على الذكر تخلق هذه الألفاظ حالة ذهنية معيّنة عند الذاكر حيث تنطبع المفاهيم التي تحملها الألفاظ في الذهن، وهذه الحالة الذهنية ستؤثر في العمل أيضاً; أي يتحقق في البداية الوجود اللفظي، ثم تتحقق الصورة الذهنية والوجود الذهني، ويأتي التطبيق العملي أخيراً وفق تلك الصورة الذهنية (أي الوجود الذهني) والصورة اللفظية (أي الوجود اللفظي).


۞ قصة فيها عبرة


نقل أحد العلماء القدامى في إيران أنه كان مسافراً إلى زيارة الإمام الحسين(عليه السلام) في العراق فوقع هو والقافلة في كمين لبعض قطاع الطرق في مدينة كرمانشاه الإيرانية، فاستولوا على كل أموال القافلة ولم يجدِ معهم النصح والكلام. يقول العالم:

ولكن ما لفت انتباهي أنه عندما حان موعد الصلاة انعزل أحدهم جانباً ـ ويبدو أنه كان رئيسهم ـ وتوضأ ثم صلى الفريضة. وعندما أتمّ صلاته توجّهتُ إليه وسألته: هل أنت رئيس هذه العصابة؟ قال: نعم. قلت: وماذا تنفعك هذه الصلاة وأنت لا تراعي لله حرمة حيث تسرق أموال الناس؟!

فقال: صحيح أنني مذنب وعاص، ولكن يجب على الفرد أن لا يقطع جميع الخيوط التي تربطه بالله تعالى.

يقول العالم: بعد بضع سنين، كنت جالساً في إحدى العتبات المقدسة، عندما أقبل عليّ شخص ظاهر الصلاح فسلّم عليّ وقال: هل تعرفني؟

وعندما أجبته بالنفي قال: أنا صاحبك الذي قطعت عليك الطريق في سنة كذا وسألتني آنذاك عن الفائدة التي أجنيها من صلاتى.. أرأيت كيف أفادتني تلك الصلاة وقادتني إلى ما ترى، حيث إني تبت إلى الله توبة نصوحاً، وتخلصت من التبعات وأرجعت كل الأموال إلى أصحابها، ومن لم أعرفه تصدقت بأمواله نيابة عنه.

l وقد روي أن فتى من الأنصار كان يصلّي مع رسول الله(صلى الله عليه وآله) إلا أنه كان يرتكب الفواحش فوُصف ذلك لرسول الله(صلى الله عليه وآله) فقال: «إنّ صلاته تنهاه يوماً ما». فلم يلبث أن تاب[5].

وهذا ما يفسر جانباً من جوانب كثرة الأدعية وتنوعها، فانكم إذا راجعتم كتب الأدعية لاحظتم أنه يوجد دعاء أو ذكر لكثير من الحالات، فهناك ذكر لمن يريد السفر; يقول: (سُبْحَـنَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـذَا وَ مَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ)[6]وذكر عند إرادة البدء بالطعام: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَـنِ الرَّحِيمِ) وذكر عند الانتهاء من الطعام: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَــلَمِينَ)، وذكر قبل النوم: (تسبيحة الزهراء(عليها السلام)) كما وردت (تسبيحة الزهراء) عقيب كل صلاة، وهناك ذكر مشحون بالمعارف الإلهية عند كل فعل من أفعال الوضوء، فتقول عند غسل الوجه: «اللهم بيّض وجهي يوم تسودّ فيه الوجوه» وهكذا...[7].

إن الذكر يؤثر في حياة الإنسان ويقوّم سلوكه إن لم يكن اليوم فغداً أو بعد غد; ولقد تغيّرت حالة الجيل الجديد ـ مع الأسف ـ وابتعد كثير من الشباب عن الذكر، خلافاً لمن سبقنا من الأبرار فقد كانوا يلهجون بذكر الله في كل وقت، فكانت المرأة مثلاً تسبّح الله وتذكره وهي مشتغلة بأعمال المطبخ وهكذا الرجل وهو في طريقه إلى البيت، أو وهو مشتغل بعمله.

إن من يعرف قيمة الذكر لا يدَعْ وقته يذهب سدىً دون أن يستثمره بالذكر. ولقد جاء في صحيفة سليمان بن داود: لتسبيحة في صحيفة مؤمن خير مما أعطي ابن داود، إن ما أعطي ابن داود يذهب وإن التسبيحة تبقى[8]. أى إن تسبيحه واحدة مثل قول «سبحان الله» أعظم عند الله وأبقى أثراً من كل ذلك الملك العريض الذي أُعطي سليمان(عليه السلام).

فإذا كان هذا قيمة الذكر أفليس من الخسارة أن يقضي المرء أوقاته عبثاً دون أن يذكر الله؟!

عَنْ أَبي بَصير قَالَ: قَالَ الصَّادقُ(عليه السلام): مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبيِّ وآله مئَةَ مَرَّة فِي كُلِّ يَوْم ابْتَدَرَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَك أَيُّهُمْ يُبْلغُهَا إلى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وآله قَبْلَ صَاحبه[9].

وعن الْقُطْبُ الرَّاوَنْديُّ في لُبِّ اللُّبَاب عَنْ النَّبيِّ(صلى الله عليه وآله) قَال: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ وعَلَى آلي صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائكَةُ، ومَنْ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائكَةُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه، ومَنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْه لَمْ يَبْقَ في السَّمَاوَات والأرض مَلَكٌ إلا ويُصلُّونَ عَلَيه...[10].

حقاً ما أعظم قيمة الذكر! فقول «اللهم صل على محمد وآل محمد» قد لا يستغرق خمس ثوان من الإنسان ولكنه يساوي صلاة الله ودعوة الملائكة بالرحمة لقائله!

ألا يأسى الإنسان على الأوقات التي لم يذكر الله سبحانه وتعالى فيها؟! أوَلا يجدر بنا خلق الحالة التي كان عليها آباؤنا الأخيار من دوام الذكر في كل حال؟


۞ الذكر العملي والقلبي


ان الحديث فيما مضي عن الذكر اللفظي، ونتحدث الآن عن الذكر العملي والقلبي وهو أن نستحضر الله تعالى ونذكره في أذهاننا وقلوبنا قبل أن ننطق بأية كلمة وقبل أن نتخذ أي موقف، فمثلاً عندما يدخل الزوج البيت وهو مرهق ومتعب وتستفزه الزوجة وتثير أعصابه سواء كانت محقة أو غير محقة، عليه أن يذكر الله تعالى قبل القيام بأي ردّ فعل، وهكذا على الزوجة أن تذكر الله قبل اتخاذها أي موقف تجاه زوجها.

فهذه الحالة من الرقابة الدائمة على النفس والحذر من أن يصدر عنها ما يسخط الرب، هي الذكر العملي والقلبي.

وقد روي أن الإمام السجاد(عليه السلام) الْتَاثَتْ عَلَيْهِ نَاقَتُهُ فَرَفَعَ الْقَضِيبَ وأَشَارَ إِلَيْهَا وقَال: لولا خَوْفُ الْقصَاصِ لَفَعَلْتُ. وفي رِواية: آهِ مِنَ الْقصَاصِ. ورَدَّ يَدَهُ عَنْها[11].

نماذج من الذكر العملي

 النموذج الأول: حكاه السيد الجد (رحمه الله) وأنقلها لكم عبر واسطة واحدة يقول:

كان احد التجّار جالساً مع جماعة من زملائه إذ حضر شخص وقال: لقد توفي التاجر الفلاني. قيل له: كيف، ولم يكن به شيء؟ قال: نام ولم يستيقظ!

وما كان من صاحبنا (التاجر الحاضر في الجلسة) بعد أن سمع النبأ إلا أن أطرق برأسه قليلاً ثم توجّه إلى الحاضرين من زملائه وقال:  أيها التجار اشهدوا أني مدين لهذا التاجر بمبلغ كذا.

وعندما سأله زملاؤه: وما أعجلك على إعلان هذا الأمر؟ قال: لم يكن يعلم بهذا الدَّين إلا الله وهو وأنا، وخفت إن فات الوقت ولم أعلن عنه أن يغرّني الشيطان بأكل المال، فأردت أن أقطع عليه الطريق.

 النموذج الثاني: يُنقل في أحوال أحد المراجع أن تاجراً قال له:

سيدنا أنا مدين بديون كثيرة ولكن الشيطان لا يدعني أن أؤديها وإني في صراع مع الشيطان ولا أستطيع التغلب عليه.

وكلما نصحه العالم لم تُجد النصيحة معه وقال:

أنا لا أتمكن ونفسي لا تطاوعني، ولكن هناك حل واحد وهو أن تقول لهؤلاء الخدم الموجودين في بيتك لكي يقيدوني ويُخرجوا المفتاح من جيبي ثم يتوجهوا إلى قاصتي وهي في محل كذا، ويخرجوا المال كي يصرف في موارده.

وأضاف: مهما قلت لكم أثناء تقييدي فلا تعتنوا بكلامي.

وقام الخدم بالمهمة وكلما صرخ التاجر بهم لم يعتنوا بكلامه وأسرعوا إلى قاصته وأخرجوا المال الذي كان قد حدده لهم ثم عادوا وفكّوا التاجر ليذهب إلى سبيله.

وكان هذا التاجر كلما التقى المرجع بعد ذلك قال له: جزاك الله عني خير الجزاء، فلقد أرحتني من همّ ثقيل.

إذن المقصود من الذكر العملي أن يتذكر الإنسان الله تعالى في كل خطوة يريد أن يخطوها، كمن يمشي في أرض ذات شوك فانه يلاحظ ـ بدقّة ـ كلّ خطوة من خطواته، فإذا فعل الإنسان ذلك فسوف يكون من المفلحين بإذن الله تعالى.

نسأله سبحانه أن يجعلنا من الذين يذكرون الله بلسانهم وقلوبهم وأعمالهم وأن نكون من الذاكرين الله كثيراً.

وصلى الله على محمد وآله الطاهرين.


[1]. تقريراً للمحاضرة التي ألقيت في 20 جمادى الأولى 1414 هـ في الكويت.

[2]. آل عمران / 190 و 191.

[3]. الكافي: 310/1.

[4]. آل عمران / 191.

[5]. بحار الأنوار: 198/79، باب 1، فضل الصلاة و عقاب تاركها.

[6]. الزخرف / 13.

[7]. راجع تفاصيل كل ذلك في كتب الأدعية.

[8]. بحار الأنوار:  83/14، باب 5.

[9]. مستدرك الوسائل: 31/334، باب استحباب الإكثار من الصلاة.

[10]. مستدرك الوسائل: 31/336، باب استحباب الإكثار من الصلاة.

[11]. مستدرك الوسائل: 55/262، باب نوادر ما يتعلق بأبواب القصاص.

 *  المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (دام عزه).