|
الآداب الاسلامية * |
بسم الله الرحمن الرحيمالحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.هيكلية البحث يدور بحثنا عن الآداب الإسلامية حول محورين: |
|
● المحور الأول: الآداب في إطارها العام، ونتناوله في ثلاثة مباحث: 1- المبحث الأول: في مفهوم الآداب. 2- المبحث الثاني: في دائرة الآداب. 3- المبحث الثالث: في غاية الآداب. ● المحور الثاني: ونتحدث فيه عن بعض مفردات الآداب الإسلامية، حيث سنتناول فيه ثلاث مفردات هي: 1- مراعاة الأدب مع المقدسات الدينية. 2- مراعاة الأدب في العلاقات الاجتماعية. 3- أدب الاختلاف. |
|
المحور الأول: الآداب في إطارها العام |
|
1. مفهوم الأدب وفرقه عن الخُلق الآداب عبارة عن الهيئات الحسنة التي ينبغي أن يقع عليها الفعل الاختياري، ولا يفرض ذلك إلا إذا أمكن أن يقع الفعل الاختياري على هيئات متعددة. فالهيئة التي ينبغي أن يقع عليها الفعل يقال لها الأدب. ومن هنا يمكن أن نكتشف الفرق بين الأخلاق والآداب؛ فإن الأخلاق عبارة عن ملكات ثابتة في النفس تصدر عنها الأفعال دون بسهولة، كالجود فهو ملكة باطنية ثابتة في نفس الجواد تسمح له أن يهب ماله بسهولة ودون تعمّل، فهذه الملكة الباطنية يقال لها خلق، أما الأدب فهو الهيئة الحسنة التي يتلبس بها الفعل الخارجي. وبعبارة أخرى: إن الأخلاق لون الباطن، أما الآداب فهي لون الظاهر. 2. دائرة الآداب وَسِعتها في الإسلام من الأمور الملفتة للنظر، التي تظهر بالمقارنة بين الإسلام وبقية الأنظمة والقوانين والأديان، أن دائرة الآداب في الإسلام واسعة جداً، فالسعة التي نجدها في دائرة الآداب الإسلامية لا نجدها في أي دين آخر حتى الأديان الإلهية، فضلاً عن القوانين الوضعية. فمن يلقي نظره على القوانين الوضعية الموجودة في العالم كله، يجد أن الآداب مطروحة فيها بشكل باهت جداً، فإن القانون الوضعي يهمّه أن يكون الفرد مواطناٌ صالحاً، وقد يتناول بعض الآداب الاجتماعية، بيد أنك لا تجد فيه الشمول الذي تجده في الإسلام، كما لا تجده في أي دين أو قانون آخر. روي عن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: «ليس شيء مما خلق الله، صغيراً وكبيراً إلا وقد جعل الله له حدّاً»[1]. وهذا معناه أن كلّ ظاهرة مهما صغرت وبدت مألوفة وعادية، لها مجموعة من الآداب. فللنوم مثلاً - وهو ظاهرة مألوفة متكررة كلّ يوم - آداب خاصة به، كما أن هناك آداباً للأكل والشرب والمشي وكلّ الأعمال الطبيعية الاعتيادية التي نقوم بها. إننا نجد حتى في كتب الرسائل العملية المبنيّة على الاختصار حوالي ثلاثين أدباً تتعلّق بالأكل والشرب. كما أن هناك آداباً في الإسلام تعلّم الفرد كيف يلبس ملابسه وكيف يقصّ أظفاره، وكيف يستاك. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «استاكوا عرضاٌ ولا تستاكوا طولاً»[2]. ولقد اكتشف العلم الحديث مؤخّراً صواب ما دعا إليه الإسلام وأن الاستياك عرضاً أفضل من الاستياك طولاً. ومن يراجع كتب الآداب الإسلامية - مثل كتاب مرآة الكمال للمامقاني رحمه الله تعالى، والآداب والسنن للسيد الوالد رحمه الله تعالى، وسائر الكتب التي تعنى بالآداب الإسلامية، يكتشف ما أفاده الحديث الذي أوردناه آنفاً، فلكلّ شيء حد وآداب، فللنوم آداب، ولليقظة آداب، وللأكل آداب، وللمائدة آداب و... فعن الإمام الصادق سلام الله عليه أنه قال: إِذَا وُضِعَ الْخِوَانُ فَقُلْ: "بِسْمِ اللهِ" فَإِذَا أَكَلْتَ فَقُلْ بِسْمِ الله عَلَى أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ، فَإِذَا رُفِعَ فَقُلِ: "الْحَمْدُ لله».[3] إن مثل من يُقبل على الطعام ولا يبدأ باسم الله ولا يختم بحمده، كمن يدعى للضيافة، فيدخل البيت دون أن يسلّم على صاحب البيت أو حتى ينظر إليه، بل يسرع إلى الجلوس على المائدة وتناول الطعام ثم يخرج دون أن يقدّم كلمة شكر واحدة للمضيف! تبيّن مما تقدّم أن الآداب الإسلامية تستوعب الحياة الإنسانية كلها، طولاً وعرضاً، وفي كل الأمور سواء ما نعدّه حقيراً أو جليلاً. ما هي الغاية من الآداب؟ يجيب السيد الوالد رحمه الله تعالى على هذا السؤال في كتاب الأطعمة والأشربة بجملة مضمونها: أن غاية الآداب تحقيق السعادة الكاملة للإنسان. توضيح ذلك: أنه توجد عندنا أربع منظومات هي: المنظومة العقائدية، والمنظومة الأحكامية، والمنظومة الأخلاقية، والمنظومة الآدابية، وهذه المنظومات الأربع هدفها تأمين السعادة الكاملة للإنسان. هذه هي الإجابة الإجمالية، أما الإجابة التفصيلية على هذا السؤال فهو أن هنالك - فيما نتصوّر - أربع غايات من هذه الآداب، هي: الغاية الأولى: منفعة البدن روى أحد أصحاب الأئمة عليهم السلام قال: «بعث إليّ الماضي عليه السلام يوماً وحبسني للغداء، فلما جاءوا بالمائدة لم يكن عليها بقل، فأمسك يده ثم قال للغلام: أما علمت أني لا آكل على مائدة ليس فيها خضرة؟ فأتني بالخضرة. قال: فذهب الغلام فجاء بالبقل فألقاه على المائدة فمدّ يده فأكل»[4]. إذن من آداب المائدة وجود الخضرة فيها. ولقد اكتشف العلم الحديث أهمية هذا الأدب الإسلامي، فالعلم الحديث يعدّ الخضرة عدوّ السرطان، ويعدّ اللحوم صديق السرطان. الغاية الثانية: منفعة النفس الإنسانية إن النفس الإنسانية جهاز بالغ التعقيد والحساسية، وعدوّها الأول الحزن والخوف، ومن الآداب الإسلامية ذكر الله على كل حال، وهو طارد للخوف والحزن، وباعث على الأمن والطمأنينة، قال تعالى: (أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)[5]. إذن من غايات الآداب الإسلامية: منفعة النفس الإنسانية، وما أعظمها من فائدة. الغاية الثالثة: المنافع الاجتماعية ومن الأمثلة على ذلك أنه من آداب تقديم الفاكهة، التقديم للطفل أولاً، ولا يخفى ما لهذا الأدب من دور في صنع شخصية الطفل. الغاية الرابعة: الفائدة الأخروية فإن العامل بالآداب الإسلامية سيلقى ثواباً عظيماً في الآخرة فضلاً عن المنافع الدنيوية المتقدمة، كما يظهر ذلك بمراجعة الكتب المعنيّة. |
|
المحور الثاني: من مفردات الآداب الإسلامية |
|
1. مراعاة الأدب مع المقدسات الدينية · من المقدسات الدينية التي ينبغي مراعاة الأدب معها، القرآن الكريم، مثل الاستماع والإنصات له إذا قرئ. ولكن هذا الأدب مفقود مع الأسف في مجتمعاتنا غالباً، فالقرآن يتلى في المحافل العامة وكلّ يتحدث مع جليسه أو يكون فكره مشغولاً في مكان آخر. وهذا - بلا شك - خلاف الأدب مع القرآن؛ لأن الله تعالى يقول: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[6]. · ومن رعاية الأدب مع المقدسات الإسلامية، الأدب في التعامل مع الله سبحانه وتعالى فلا يكون فكرنا مثلاً مشغولاً عنه سبحانه حين الصلاة، لأننا سنكون كمن يتحدث مع شخص ولكنه ينظر إلى مكان آخر أو يكون فكره في مكان آخر. فكما أن هذا التصرف يمثّل إساءة في الأدب مع المخاطب، فكذلك حال الصلاة التي يصليها الفرد وذهنه منشغل عنها. ويروى أن بعض الأولياء كان يستغفر من صلاته بعد أدائها لأنه كان يراها غير مناسبة لعظمة الله عزّ وجلّ. · ومن الأدب مع المقدسات: الأدب مع النبي والأئمة الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين. كان أحد العلماء الصالحين قد أطلعه الله تعالى على بعض علوم الغيب، وأثبتت الأدلة أن الله سبحانه قد يطلع بعض عباده على الغيب، كما ثبت ذلك للرسل عليهم السلام، قال تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا . إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَسُول) [7]. فسئل هذا الشخص: كيف بلغتَ هذا المقام؟ فقال: ذهبت في إحدى السنوات إلى مدينة مشهد المقدسة، واتخذت للمبيت حجرة في مدرسة لطلاب العلوم الدينية، وعندما حلّ الليل وأردت النوم وقع نظري من خلال النافذة على قبة الإمام الرضا سلام الله عليه،[8] فقلت لنفسي: ليس من الأدب أن أمدّ رجلي وأنا أقابل قبة الإمام سلام الله عليه، فلم أرقد على الأرض وبقيت جالساً حتى غلبني النوم وأنا على تلك الحالة. وفي الليلة الثانية عندما أردت النوم راودني نفس الخاطر، وهكذا بقيت إلى عام كامل، لم أرقد ولم أمدّ رجلي أمام القبة الشريفة! فأفيض عليّ هذا الأمر بعد ذلك. ما أصعب أن لا يرقد الإنسان على الأرض ولا يمدّ رجله ليلة واحدة فقط، فكيف بعام كامل؟ والمحدث القمّي (مؤلف كتاب مفاتيح الجنان) كان طالب علم ككثير من طلاب العلوم الدينية، ولكن الله تعالى جعل في كتبه بركة عجيبة يُغبط عليها، فكتابه (مفاتيح الجنان) يرافق المؤمنين في كل مكان وزمانٍ يُدعى الله تعالى فيه، فهو موجود في كلّ العتبات المقدسة، وفي بيوت الملايين من المؤمنين! ولم يحصل المحدّث القمي رحمه الله تعالى على هذا التوفيق اعتباطاً، فمما يروى في أحواله أنه كان لا يلمس كتاباً من كتب الحديث - كالكافي أو بحار الأنوار أو غيرهما – إلا متوضئاً، وكان إذا أراد أن يكتب حديثاً أو رواية عن المعصومين سلام الله عليهم، يتوضّأ أوّلاً. إن للتوفيق عوامل، منها تعظيم المقدسات، ولعلّ توفيق المحدّث القمي رحمه الله تعالى وما حباه الله تعالى من كرامة يعود - فيما يعود - إلى رعايته الفائقة لأدب التعامل مع المقدسات الإسلامية. ومما يتناقله الخطباء الكرام على المنابر أن من أسباب سعادة الحر بن يزيد الرياحي وحسن عاقبته، كونه تعامل بأدب مع الإمام الحسين سلام الله عليه، فعندما جعجع بالإمام وأصحابه، وقال له الإمام: ثكلتك أمك يا حرّ، قال الحر: أما والله لو غيرك من العرب يقولها وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما تركت ذكر أمه بالثكل أن أقول له كائناً من كان، ولكن والله ما لي إلى ذكر أمّك من سبيل إلا بأحسن ما يُقدر عليه. [9] فهذا نوع من أنواع التبجيل للمقدسات الإسلامية ، ولعله هو الذي أدّى بالحرّ إلى تلك السعادة الأبدية، أو كان من أسبابها. 2. رعاية الأدب في العلاقات الاجتماعية ولهذا النوع مفردات كثيرة، منها الأدب مع العلماء والأساتذة والمربين والأدب مع الوالدين والأرحام، وكذلك الأدب مع سائر أفراد المجتمع. ومن المؤسف أنك ترى بعض الناس لمجرّد تعلّمه بضع كلماتٍ، يستهين بالعلماء الأبرار، فإذا قيل له إن العالم الفلاني قال كذا، يقول لك: إنه لا يفهم، ومن هو العالم الفلاني؟ بل قد يبلغ به الحال أن يستهين بالرواية نفسها فيقول مستنكراً: وما قيمة هذه الرواية؟ وترى بعضهم إذا أراد أن يناقش رأياً لأحد العلماء يقول: "هذا الرأي في غاية البطلان"، أو "لا يقول به عاقل"! هذا في حين نرى أن تعامل العلماء الأبرار مع آراء غيرهم كان عادة في منتهى الأدب. فالشيخ الأنصاري رحمه الله تعالى مثلاً في مثل هذه الحالات لا يزيد على قوله: «وفيه تأمل» أو «وفيه نظر»! يروي ابن (الشيخ جعفر كاشف الغطاء) في أحوال أبيه رحمهما الله تعالى، أنه كان يقوم لصلاة الليل كل ليلة ويتهجّد حتى الفجر، واتفق في إحدى الليالي أن ارتفع صوته بالبكاء فانتبه من في البيت على صوته وبكائه وبادروا إليه فشاهدوه وقد بلّت دموعه ثوبه. وعندما استفسروا منه عن السبب أجاب رحمه الله تعالى بقوله: لقد ارتكبت اليوم ذنباً، وذلك أني كنت أطالع في مسألة أفتى بها الفقهاء ولم أجد دليلاً عليها رغم بحثي عنه في كتب الروايات، فقلت: غفر الله لعلمائنا، فقد أفتوا في هذه المسألة دون دليل. وعندما نمت رأيت في المنام وكأني ذاهب إلى مشهد الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه وعندما دخلت الروضة رأيت العلماء مجتمعين ورأيت شيخاً نورانياً فوق المنبر يلقي عليهم بحثاً. سألت من هؤلاء؟ قيل لي: هم علماء الشيعة. فقلت: ومن هذا الشيخ الجليل الذي يرتقي المنبر؟ فقيل: إنه المحقق الحلي صاحب كتاب «شرائع الإسلام». فأقبلت نحوهم وألقيت السلام عليهم، ولكني لاحظت أن ردّهم كان فاتراً، فتعجبت واستفهمت من المحقق نفسه عن السبب فقال لي معاتباً: لقد بذل علماء الشيعة يا جعفر الجهود الهائلة وجابوا البلاد وأجهدوا أنفسهم وحققوا الروايات، وبوّبوها وصنّفوها، ثم تقول أنت بعد ذلك - إذ أعجزك الوصول إلى الدليل - إنهم أفتوا بلا دليل! ثم إنه أشار إلى عالمٍ في المجلس وهو الفيض الكاشاني وقال: تجد الرواية في كتاب هذا، والكتاب موجود في مكتبتك فراجعه. ففزعت من نومي وأنا متألّم لما صدر مني، وأطلب من الله تعالى أن يغفر لي هذا الذنب. 3. أدب الاختلاف ونختم بحثنا بمفردة من مفردات الآداب الإسلامية في الحقل الاجتماعي وهو أدب الاختلاف، وهذا من المواضيع المهمة جداً؛ إن أذواق الناس مختلفة والإنسان بطبعه ميّال للسَّحْق! فتراه يحاول دائماً سحق الآخرين مستغلاًّ ما يتمتّع به من سلطة، فإذا كانت لديه القدرة العسكرية حاول تصفية من يختلف معه في الرأي جسدياً، وإذا كانت عنده قدرة البيان حاول تسقيطه والقضاء عليه معنوياً. ولما كان الاختلاف جزءاً من طبيعة البشر، فكان لابدّ أن يؤطر بالآداب الإسلامية لئلا يؤدي إلى التنازع والخصومة، يقول تعالى: (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [10]. وفيما يلي أنقل لكم نموذجين من أدب الاختلاف: · لقد كان الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية من تلاميذ المجدد الكبير (السيد محمد حسن الشيرازي رحمه الله)، لازمه عشرة أعوام، وعبّر عنه في كتابه «الكفاية» بـ«سيدنا الأستاذ». وكان المجدد الشيرازي رحمه الله تعالى في غاية الأدب، فكان إذا استشكل عليه أحد يصغي إليه ولا يقاطعه ولا يعجّله، ولا يردّ عليه بعنف، بل كان إذا اقتنع بكلامه أعلن اقتناعه، وإذا رآه بحاجة إلى توضيح قال: إن هذا الكلام يحتمل معنيين أو معاني فأيّها تريد؟ وهذا خلق لا يقدر عليه كلّ أحد، لأنه من الصعوبة على الأستاذ أن يستشكل عليه تلميذه ويخطّئه ثم لا يتأثر، بل تميل النفس غالباً إلى إسكات المخطّئ وتحقيره وإهانته أمام الملأ. واتفق في أحد الأيام أن استشكل الآخوند (صاحب الكفاية) على أستاذه المجدد، واستمرّ البحث بينهما طويلاً كان الآخوند يشكل والمجدد يجيب، ولم يصلا إلى نتيجة وبقي كلّ منهما ثابتاً على رأيه. ولكن عندما جاء المجدد صباح اليوم التالي إلى الدرس أعلن من على المنبر أن الحقّ مع الآخوند، وقال عندئذ في حقّه كلمته الشهيرة: (بداية فكر الآخوند نهاية فكر الآخرين). · كان الشيخ الوحيد البهبهاني معاصراً للشيخ يوسف البحراني، فسئل (الوحيد): هل يجوز لنا أن نصلّي خلف الشيخ يوسف البحراني؟ فقال: لا، فسئل الشيخ يوسف: هل تجوز الصلاة خلف الوحيد البهبهاني؟ فقال: نعم. فقيل له: كيف وهو لا يجوّز الصلاة خلفك؟ قال: وما الغرابة في الأمر إذا كان هذا ما أدّى إليه اجتهاده؟ أما أنا فقد أدّى اجتهادي إلى جواز الصلاة خلفه، وكلّ منّا يبيّن ما أدّى إليه اجتهاده، وهذه وظيفته. إن الاختلاف أمر طبيعي بين البشر لا يمكن إلغاؤه، ولكن للاختلاف آداباً ينبغي للإنسان مراعاتها، كما ينبغي للإنسان أن يراعي الآداب في كلّ شؤون حياته.. في أكله وشربه ويقظته ونومه وعلاقاته الاجتماعية وحياته الفردية، وهذا وإن كان في بدو الأمر صعباً وبحاجة إلى تكلّف، ولكنه يغدو بمرور الزمن والتمرين أمراً سهلاً بل يصبح عادة وخلقاً. ونختم حديثنا بهاتين الروايتين فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي»[11]، وروي عنه صلى الله عليه وآله أنه قال: «أنا أديب الله وعليّ أديبي»[12]. نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتأدّبين بآداب الإسلام وصلّى الله على رسوله وآله خير الأنام الطيبين الطاهرين. والحمد لله رب العالمين. |
|
|
|
[1] بحار الأنوار: 2/ 170، باب 22: أن لكل شيء حدّاً. [2] مستدرك الوسائل: 1/ 368، باب استحباب السواك. [3] تهذيب الأحكام: 9 / 99 ، باب 2: الذبائح و الأطعمة. [4] بحار الأنوار: 63 / 425 باب 17- جوامع آداب الأكل. [5] سورة الرعد، الآية 28. [6] سورة الأعراف، الآية 204. [7] سورة الجن، الآية 26 - 27. [8] أو منارته. [9] الإرشاد، للشيخ المفيد، 2 / 80، الناشر: المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، إيران. [10] سورة الأنفال، الآية 46. [11] بحار الأنوار: 16 / 210 باب 9- مكارم أخلاقه صلى الله عليه وآله. [12] بحار الأنوار: 16 / 231. * المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (حفظه الله). اُلقيت هذه المحاضرة في الأول من ربيع الأول عام 1425ﻫ، على جمع من طلاب العلوم الدينية بمدينة قم المقدسة. |