|
الجد والاجتهاد * |
|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. وصلى الله على محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين مقدمة نتحدث عن هذا الموضوع بإذن الله تعالى ضمن ثلاثة مباحث: المبحث الأول: الجدّ والاجتهاد في مجال الطاعة والعبادة. المبحث الثاني: الجد والاجتهاد في مجال التعلّم والمعرفة. المبحث الثالث: الجد والاجتهاد في مجال العمل والخدمة. ولكن قبل أن نخوض في هذه المباحث نقدّم مقدمة قصيرة وهي: أن كلّ عمل يقوم به الإنسان يبتني على فلسفة فكرية معيّنة، بدون فرق في ذلك بين أن يكون العمل حقيراً أو خطيراً، بل ثبت في علم الحكمة الإلهية أنه لا يمكن – بالإمكان العقلي – صدور عمل معيّن إلا إذا كانت لدى الفاعل غاية معيّنة، عبّروا عنها هناك بالعلة الغائية، ولكننا نعبّر عنها هنا بالفلسفة الفكرية للعمل. قد تجدون طالبَين من طلاّب العلم يختلفان من ناحية العمل، فترون الأوّل يستيقظ قبل الفجر بساعة ليبدأ بالعبادة والطاعة والبحث والمطالعة مع أنه لم ينم قبل الساعة الثانية عشرة ليلاً، بينما يظلّ الثاني نائماً حتى الساعة العاشرة صباحاً، فهدا الاختلاف يبتني - فيما يبتني - على الفلسفة الفكرية لكلّ منهما. كان السيد الوالد (رحمة الله تعالى عليه) يقول: بعض الأفراد عندهم فلسفة التأخر في الحياة؛ لأن للمتأخرين فلسفة في الحياة أيضاً! فلو قيل لأحدهم: لماذا أنت متأخّر؟ ولماذا لا تعمل؟ أو لماذا لا تجدّ في طلب العلم؟ فلن يعدم الجواب ولن يعدم الفلسفة الفكرية التي تبرر له عمله، ولكنها فلسفة التأخّر كما أن هناك فلسفة للتقدم تكمن وراء تقدّم الأفراد المتقدّمين في الحياة. إذا اتضحت هذه المقدمة تبدو لنا حينئذ أهمية معرفة الفلسفة الفكرية التي يبتني عليها الجدّ والاجتهاد في هذه المجالات الثلاثة. 1. الجد والاجتهاد في مجال الطاعة والعبادة هنالك بعض الأفراد يوجد لطاعته وعبادته لله سبحانه سقف معيّن يظنّ أنه إذا بلغه بلغ الحدّ الأقصى من العبادة وانتهى بعد ذلك كلّ شيء، فيتصوّر مثلاً أنه بلغ القمة في العبادة إذا كان ملتزماً بالفرائض اليومية أو كان يؤدّي نافلة الليل فوق ذلك، أو كان ملتزماً بما ورد في الروايات الشريفة من صلاة إحدى وخمسين (أي أداء النوافل إضافة للفرائض اليومية)، أو كان يقرأ دعاء كميل كلّ ليلة جمعة ودعاء الصباح عقيب صلاة الفجر، إنه يشعر عندئذ أنه أدّى الوظيفة بل زاد عليها، وقد يُدلّ على الله تعالى بعمله، مع أن عبادة الله تعالى وطاعته لا تقف عند حدّ معيّن إلا عجز الفرد، وهذا أيضاً ليس حدّاً حقيقياً وإنما هو من باب التسامح في التعبير، وإلا فليس للطاعة والعبودية لله تعالى حدّ معيّن تقف عنده. والعجز قد يكون تكوينياً؛ فإن الإنسان لا يستطيع الاستمرار على العبادة من دون أن ينام مثلاً، فيكون في مثل هذه الحالات مضطرّاً للانقطاع عن العبادة، وهذا ما نعبّر عنه بالعجز التكويني، أي أن تكوينه لا يسمح له بالاستمرار أكثر، وإذا ما أجبر نفسه على الاستمرار فإنه سينهار. وقد يكون العجز تشريعياً، ومثاله أن الطالب عندما ينشغل بطلب العلم الواجب فإنه لا يمكنه آنئذ أن يجمع بين البحث والدراسة وطلب العلم وبين قراءة القرآن والأدعية وأداء العبادات الأخرى - عادة- . إذن ليس لعبادة الله تعالى وطاعته حدّ معيّن. وهذه الحالة تبتني على فلسفة فكرية ذُكرت في رواية رواها ها الشيخ الكليني (رحمه الله تعالى) في كتابه (الكافي) عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من عرف الله وعظّمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام وعنّى نفسه بالصيام والقيام.[1] (عظّمه: عدّه عظيماً، منع فاه من الكلام: لعل المقصود منه الكلام الذي لا يعنيه، وبطنه من الطعام: لعل المراد الطعام أكثر من المقدار الضروري، وعنّى نفسه بالصيام والقيام: أي أتعبها بالصوم في النهار والعبادة في الليل). فجذر العبادة معرفة الله عزّ وجلّ. وفي حديث روي عن النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حقّ معرفتك.[2] وكلما زادت المعرفة زادت العبادة، وقد نقل عن بعض العبّاد أنهم لم يكونوا - طوال عمرهم - ينامون في الليل ولا يأكلون في النهار، بل كانوا يصومون نهارهم ويقومون ليلهم فكانوا منشغلين بعبادة الله تعالى دائماً، وهكذا الأمر في الخشية، فمن كانت معرفته بالله تعالى متواضعة كانت خشيته منه قليلة، لأن الخشية ليست عملاً اختيارياً بل للخشية مبدأ هو المعرفة، فلو عرفت أن شخصاً ما عظيم بدرجة ما فإنك تقوم تجاهه بتعظيم يتناسب مع معرفتك، ولكن إذا انكشف لك أنه فوق ما كنت تتصوره فإن تعظيمك واحترامك سيكون أكثر، فكيف بالله تعالى الذي لا حدّ لعظمته وجلاله؟! وما قدر أعمالنا في جنب عظمته. لقد كان الماء في السابق يمثّل مشكلة كبيرة وكان الحصول على الماء الصالح للشرب أمراً عسيراً وقد يعود كذلك في المستقبل، ويقول العلماء إن حروب المستقبل ستكون من أجل الصراع على الماء (قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غوراً فمن يأتيكم بماء معين)[3] وكانوا قديماً يضعون التمر في الماء المالح لتقليل ملوحته، ولمثل هذا الماء كان يقال النبيذ، فلكلمة النبيذ الواردة في الروايات معنيان هذا أحدهما. ويحكى - ما مضمونه - أن بدوياً كان يقطع الصحراء فمرّ بموضع رأي فيه حفرة اجتمع فيها ماء المطر فقال يخاطب نفسه: هذه أفضل هديّة أقدّمها للملك إذا دخلت عليه، فملأ قربة كان يحملها حتى ورد المدينة فدخل على الملك وقدّم له ذلك الماء، فشكره الملك على هديته وكافأه ثم أمر خدمه أن يصطحبوه إذا خرج ويمرّوا به على الطريق الذي يطلّ على النهر الكبير للمدينة – كنهر دجلة في بغداد مثلاً – يقال: عندما رأى الأعرابي هذا النهر الممتلئ بالمياه العذبة كاد أن يذوب خجلاً من تواضع هديته التي قدّمها إلى الملك. ونحن أيضاً عندما ننتقل إلى الدار الآخرة فسوف تعترينا هذه الحالة، ونندم على ضآلة ما قدّمناه، ولعل من هنا كان من أسماء القيامة يوم الحسرة والندامة، إننا سنرى أن كل ما قدّمناه ضئيل وحقير بالنسبة لما تتطلّبه الآخرة؛ يقول الله تعالى: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا غطك غطاءك فبصرك اليوم حديد).[4] وقد روي أن الإمام أمير المؤمنين (سلام الله عليه) كتب على كفن سلمان الفارسي (رحمه الله): وفدت على الكريم بغير زاد من الحسنات والقلب السليم وإذا كان هذا الكلام يقال في سلمان فماذا نقول نحن؟ وما قدر أعمالنا في جنب عظمة الله تعالى؟ لو قام البعض منا بأداء صلاة الليل تصوّر أنه بلغ المرحلة العليا في العبادة وأنه أصبح في مصاف أولياء الله تعالى وخلصائه، وقد يتصوّر أنه لا يوجد على سطح الأرض أو تحت السماء مثله! هذا في حين أنا محدودون بالكسل والعجز التكويني والتشريعي في عبادتنا لله تعالى، لذلك ينبغي لنا أن نخاطب الله سبحانه وتعالى دوماً ونقول له: اللهم عاملنا بفضلك ولا تعاملنا بعدلك، ونردد ما ورد في الدعاء الوارد عقب زيارة الإمام الرضا عليه السلام: لا تحمد يا سيدي إلا بتوفيق منك يقتضي حمداً، ولا تشكر علي أصغر منّة إلا استوجبت بها شكراً، فمتى تحصى نعماؤك يا إلهي وتجازى آلاؤك يا مولاي.[5] روى الحرّ العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) قال: ولقد دخل أبو جعفر ابنه عليه[6] فإذا هو قد بلغ من العبادة ما لم يبلغه أحد[7] فرآه قد اصفرّ لونه من السهر([8]) ورمضت[9] عيناه من البكاء حتى كادت أن تحترق، ودبرت جبهته [10] وانخرم أنفه[11] وورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة، قال أبو جعفر[12] : فلم أملك حين رأيته بتلك الحال، فبكيت رحمة له. فالتفت إليّ بعد هنيئة من دخولي فقال: يا بني أعطني بعض تلك الصحف التي فيها عبادة علي بن أبي طالب عليه السلام، فأعطيته، فقرأ([13]) فيها شيئاً يسيراً ثم تركها من يده تضجّراً وقال: من يقوى على عبادة عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه؟[14] لاشكّ أن عبادة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت عبادة متعددة الأبعاد، لأنّ العبادة في معناها الأعم تعني استعمال الإنسان قواه في سبيل المعبود، ولقد كانت حياة أمير المؤمنين (عليه السلام) كلّها عبادة لله تعالى وكانت مشروعاً دائماً للتضحية في سبيله، ولم يكن مبيته (عليه السلام) في فراش النبي (صلى الله عليه وآله) ليلة المبيت المعروفة إلا نموذجاً مشهوداً لتلك التضحيات المستمرّة، وإلا فإن الإمام (عليه السلام) كان يقدّم نفسه فداءً لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلّ المواقف، ولولا تلك المواقف التي وقفها أمير المؤمنين (عليه السلام) في الذبّ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما زُرعت ضدّه تلك الأحقاد البدرية والأحدية والخيبرية والحنينية وغيرهن، ولما أبغضه إمام أحد المذاهب حيث قتل الإمام جدّه لأمّه (الخارجي المعروف بذي الثدية) في معركة النهروان. وكان الإمام (عليه السلام) يعلم بأن مواقفه هذه ستنتج تلك الأحقاد، ولكنه مع ذلك لم يتوان عن أداء حقّ العبودية الخالصة لله تعالى وفداء نفسه لنبيه (صلى الله عليه وآله). ولقد أشارت الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء سلام الله عليها إلى مواقف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في خطبتها المعروفة بقولها: قذف أخاه في لهواتها[15] وكما أكرم الله تعالى نبيه (صلى الله عليه وآله) في الدنيا فقرن اسمه (صلى الله عليه وآله) باسمه تعالى، فكذلك أكرم عليّاً (عليه السلام) وقرن اسمه باسم نبيّه (صلى الله عليه وآله)، وسينكشف لنا في الآخرة بعض آخر مما ادّخر الله تعالى لهما – وللإمام زين العابدين وسائر الأئمّة المعصومين سلام الله عليهم أجمعين – من عطاءٍ وتكريم. وقد روي أنه سئلت خادمة للإمام السجاد (عليه السلام) عن عبادته فقالت: أطنب أم أختصر؟ فقيل لها: بل اختصري، فقالت: ما أتيته بطعام نهاراً قطّ، ولا فرشت له فراشاً بلبل قطّ.[16] وهذا معناه أن الإمام (عليه السلام) لم يكن يفطر إلا في يوم العيد، وكان في سائر الأيام صائماً نهاره قائماً ليله، ومع ذلك يقول من يقوى على عبادة أمير المؤمنين؟! فأين نحن من عبادته وعبادة سائر الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وقد كانوا القمة في العبادة؟! فلنعرف إذن- على الأقلّ - أننا نعيش في السفوح؛ لأن هذه المعرفة نفسها قد ترتقي بنا شيئاً فشيئاً. 2. الجد والاجتهاد في مجال التعلم والمعرفة إن النهضة والبناء الحضاري للأمم يقودها العلماء، ولذلك يحاول الأعداء أن يبقونا في حضيض الجهل والتخلّف، وبالمناسبة أنقل لكم القضية التالية وهي أن أحد الشباب أراد الذهاب إلى الغرب للدراسة في حقل الاقتصاد، فنصحه السيد العم (حفظه الله تعالى) أن يواصل التحصيل في هذا المجال ولا يعود إلا بعد أن يبلغ أعلى الدرجات وإن استغرق ذلك منه مدة طويلة، وذهب الشاب والتحق بإحدى الجامعات الغربية، وبعد أن حصل على الشهادة المتعارفة قدّم طلباً للمسؤولين عن الجامعة يخبرهم أنه يريد الاستمرار حتى المرحلة العليا، فأرسلوا إليه شخصاً يهودياً خلا به وبدأ يسأله أسئلة دقيقة حول حياته، والشابّ يجيب، فسأله عن منطقته وأقربائه ومهنهم، وسأله عن أصدقائه ومن يلتقي بهم، ولكنه بقي كمن يبحث عن حلقة مفقودة دون أن يجدها. يقول الشاب: وأخيراً قال لي: لديّ سؤال واحد، وهذه الأسئلة كلّها كانت مقدّمة للوصول إلى جواب هذا السؤال ولكني لم أصل إليه؛ ولذلك أسألك الآن: من الذي اقترح عليك البقاء من أجل مواصلة الدراسة حتى المراحل العليا؟ فإني لا أري في هؤلاء المحيطين بك من هو أهل لذلك. يقول الشاب: فقلت له: إن في بلدنا عالماً من علماء الدين هو الذي حثّني على ذلك. فقال: لقد انحلّت العقدة ووصلت إلى الحلقة المفقودة. يقول الشاب: ولكنهم بعد ذلك حاولوا بمختلف الأساليب ثنيي عن الاستمرار، ومن جملة الأمور التي قالها لي ذلك اليهودي: إن بلادكم متخلّفة وإن المقدار الذي حصلتَ عليه من العلم يكفيك لخدمتها، وإن الزائد لن يفيدك في مجال تقديم الخدمة لبلادك، واقتنع الشاب بهذا المنطق وعاد إلى البلاد. لقد جعلوا بلادنا كطائر حبيس في قفص لا يمكنه التحرّر منه، وبقيت مقدّراتنا بأيديهم سواء في عالم السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع ومن أسباب ذلك أن لهم مفكرين في كل المجالات، وحتى الكتب التي تدرّس في جامعاتنا في علم الاجتماع والاقتصاد وغيرهما هي كتب تحتوي على أفكار الملحدين والمنحرفين، فكم منظّراً اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً عندنا؟ وكم مؤلفاً لدينا كصاحب الجواهر الذي أنفق الأعوام الطويلة من عمره لتأليفه؟ إن الاكتفاء ببضعة دروس في اليوم الواحد لا يصنع مؤلفاً مثل صاحب الجواهر. ألا نحتاج اليوم إلى نهوض فقهي؟ فهل من يكتفي بتلقّي بعض الدروس البسيطة ويقضي ليله ونهاره بالكسل مرشّح للقيام بهذا الدور والإجابة على التساؤلات القائمة؟ كلا بالطبع، إن الأمر بحاجة إلى عمل دائم وسعي حثيث وجهد متواصل من طالب العلم عسى يمكنه تقديم شيء يساهم في خلق النهوض الفقهي أو الحضاري؛ يقول الشاعر: وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا إن كتاب (مفتاح الكرامة) للسيد جواد العاملي من الكتب الفقهية الرائعة، ومن يراجعه يقف مذهولاً أمام الذهن الوقّاد لمؤلفه، حتى أن أحد العلماء المعاصرين شبّه ذهنه بالحاسوب (الكمبيوتر)، فهل يتصوّر أن هذا العمل الضخم أتى من فراغ ومن دون جدّ واجتهاد؟ كلاّ بالطبع. ينقل حفيده بعض أحواله فيقول: كنت أعيش مدة في بيت جدّي، فكان إذا أراد النوم وضع رأسه على كفّه وغفا إغفاءه قصيرة ثم نهض وواصل الكتابة! ولقد قال لي مرة: كم تنام؟ وإلى متى هذا الحب للنوم؟ لو راجعتم كتاب (مفتاح الكرامة) للاحظتم أنه يذكر في آخر بعض مجلداته عبارات من قبيل: قد فرغت من تأليف هذا الكتاب قبل منتصف الليل، وقد فرغت من هذا المجلد بعد منتصف الليل، وقد فرغت منه في الربع الأخير من الليل، وقد فرغت منه في ليلة القدر، مما يكشف أنه كان يكتب حتى في ليلة القدر، ولقد سئل ما أفضل الأعمال في ليلة القدر؟ فقال: طلب العلم، بإجماع علماء الإمامية. إن من يريد أن يصبح فقيهاً أو أصولياً أو رجالياً فعليه أن يحدّ ويجتهد. إن كتاب المامقاني (رحمه الله تعالى) في علم الرجال وحده لعله يقع في حوالي خمسين مجلداً حسب الطبعة الحديثة، وكتاب الجواهر للنجفي (رحمه الله تعالى) يقع في ثلاثة وأربعين مجلداً، وهكذا كتب الأصول، فمتى سيكمل الطالب دراسة هذه الكتب إذا لم يكن مستعدّاً للسهر ومضاعفة الجهود والسعي الحثيث المتواصل؟! وقديماً قيل: يقول العلم: أعطني كلّك أعطك بعضي. 3. الجد والاجتهاد في مجال الخدمة والعمل وفي هذا المجال أذكر كلمتين: الكلمة الأولى للسيد الوالد (رحمة الله تعالى عليه) حيث كان يدعو للوقوف عند ثلاث آيات في القرآن الكريم، وهي: الآية الأولى قوله تعالى: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون)[17] فهذه الآية المباركة دعوة للعمل. الآية الثانية قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين)[18] وهذه الآية لا تكتفي بالدعوة إلى العمل بل تحثّ على المسارعة فيه أيضاً. الآية الثالثة قوله تعالى: (فاستبقوا الخيرات)[19] فهنا دعوة للمؤمن لأن يكون في حالة سباق في العمل، وهذا يتطلّب منه استنفاد كلّ طاقاته. الكلمة الثانية للسيد العم (السيد المجتبى حفظه الله تعالى)، حيث قال: إن هناك أربع مراحل للعمل بالنسبة لطالب العلم: المرحلة الأولى: المرحلة الطبيعية، وفيها يتلقّى طالب العلم الدروس المقرّرة في كلّ يوم، ويكتفي بذلك. المرحلة الثانية: هي أدون من المرحلة الأولى، حيث لا يلتزم الطالب في هذه المرحلة بمقتضيات المرحلة الطبيعية. المرحلة الثالثة: هي ما فوق المرحلة الطبيعية وفيها يضاعف الطالب من جهوده في طلب العلم. وأما المرحلة الرابعة فيمكن أن نعبّر عنها بمرحلة الرجال المحاصَرين، أرأيت إلى الرجال المحاصَرين من قبل العدو في قلعة مهدّدة بالسقوط؛ كيف سيتصرفون؟! تراهم لا ينامون إلا قليلاً ولا يفكرون في الأكل والشرب كثيراً، بل يبذلون وقتهم وجهدهم وفكرهم كلّه للخروج من الوضع الذي هم فيه، ولا يهدأ لهم بال حتى بلوغ الهدف النهائي وهو النجاة. حقّاً أين نحن من هذا التفكير والمنطق، منطق المسارعة والتفكير في كوننا محاصرين، والشعور بأن لدينا مهمة كبيرة وأن كلّ ما نعمله فهو قليل إلى جنب ما هو مطلوب منّا، لاسيما ونحن نعيش هذه التحديات الكبرى في عالم اليوم؛ فالأرقام الموجودة في العالم في كلّ المجالات أرقام فلكية، فهل يقنع أحدنا بأنه ألّف كتاباً أو كتابين أو أنه طُبع من كتابه بضعة آلاف نسخة، أو أنه بنى مسجداً ثم يتصور أن هذا غاية المنى وأنه انتهى كلّ شيء. إن هذه الأرقام تنفع على مستوى قرية صغيرة وليس على مستوى العالم. لننظر إلى العالم بيد من هو الآن؟ إنه بيد الكفار، فالإعلام بيدهم، والفكر بيدهم ومناهجنا الجامعية هم الذين يضعونها، ودستورنا وقوانينا هم الذين يصوغونها، أما آن أن نختار نحن مصير العالم، كما قال العم (السيد حسن الشيرازي رحمة الله عليه): قد آن أن نختار نحن مصيره من قبل أن يختاره الكفار؟ لقد اختار الكفار الآن – ومع الأسف – مصير العالم يصنعون فيه ما يشاءون ويلعبون ببلادنا ومقدّراتنا كما يلعب الأطفال بالكرة. إنها لحقيقة مؤسفة؛ إن بلادنا اليوم ألعوبة بيد حفنة من الكفّار.. كلّ شيء بأيديهم، سواء التجارة والمال والاقتصاد أو الدعاية والإعلام أو السياسة والفكر والاجتماع، ولا يمكن بهذه الأعمال المتواضعة التي نقوم بها أن نحقق قوله تعالى (وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)[20]، لقد بلغنا من الهوان حدّاً بحيث باتوا لا ينظرون إلينا ولا يستمعون لما نقول، فكيف سنقول كلمتنا؟! في هذا العالم المشحون بالأفكار والإمكانات ينبغي لنا أن نسعى ونعدو بكلّ طاقاتنا لعلّ الله سبحانه وتعالى يمنّ علينا بالنجاة، فإنّه تعالى مغيّر الأحوال وهو القائل (وتلك الأيام نداولها بين الناس)[21]. إن الإصلاح التام لا يتحقق إلا في عهد الإمام المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) ولكن يمكننا أن نغيّر من سوء حالنا ولو بمقدار، بالجد والاجتهاد، سواء في ميدان الطاعة والعبادة، أو في ميدان العلم والمعرفة، أو في ميدان العمل والخدمة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على ذلك كما أعان الصالحين عليه، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. |
|
|
|
[1] الكافي للكليني، ص 426، وانظر: وسائل الشيعة: ج1، ص87. [2] بحار الأنوار: ج68، ص23، باب 61 الشكر... . [3] سورة الملك، الآية: 30. [4] سورة ق، الآية 22. [5] بحار الأنوار، ج 99، ص 55. [6] أي دخل الإمام الباقر على أبيه الإمام السجّاد صلوات الله عليهما. [7] ويكفينا أن نعرف أنّه لقب بالسجّاد وزين العابدين. [8] مهما يكن من أمر، فالإمام بشر (قل إنما أنا بشر مثلكم) يتألمّ ويصفرّ لونه، وهكذا حال كلّ العظماء، ولكن بعض الناس يتصوّر أن العظماء لا يتألمون، إننا نرى اليوم كتاب وسائل الشيعة للحرّ العاملي بين أيدينا ولا نعرف مبلغ العناء الذي لقيه المؤلّف، فربما كان وراء كلّ كلمة فيه جهد وتعب، وربما كان الحرّ العاملي يكتب بعض كتابه وهو في أقصى درجات الجهد والإعياء، وهكذا الحال مع موسوعة الجواهر وغيرها من الكتب الفقهية والحديثية. [9] أي حميت. [10] أي تقرّحت من كثرة المماسة والاحتكاك بالأرض بسبب كثرة السجود عليها لله تعالى. [11] من السجود أيضاً. [12] يعني الإمام الباقر سلام الله عليه. [13] أي تلا أو طالع. [14] وسائل الشيعة: ج 1، ص 91، رقم 215. [15] بحار الأنوار، ج29، ص223. [16] وسائل الشيعة، ج1، ص89، باب 20. [17] سورة التوبة، الآية: 105. [18] سورة آل عمران، الآية: 133. [19] سورة البقرة، الآية: 148. [20] سورة آل عمران، الآية: 139. [21] سورة آل عمران، الآية: * المحاضرة لسماحة آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي (حفظه الله). ألقيت هذه المحاضرة في 22 ربيع الأول من عام 1425هـ ، على جمع من طلاّب العلوم الدينية في مدينة قم المقدّسة. |