أهمية التبليغ *

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ولعنة الله على أعدائهم أجمعين.

مهمة التبليغ

لاشكّ أنّ أشرف مهمة في الدنيا هي مهمة التبليغ؛ لأنها مهمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يكلّفهم ـ وهم أشرف المخلوقات ـ بمهمة أخرى سوى التبليغ. ومن ثم إذا استطاع الإنسان أن يكون مبلّغاً لدين الله، فهذا يعني أنّه وضع أقدامه وخطاه في موضع أقدام الأنبياء (عليهم السلام) وسلك مسلكهم.

إلفاتة في القرآن تبيّن أهمية التبليغ

هناك إلفاتة لطيفة في القرآن الكريم تكشف عن أهمية التبليغ أقدّم لها بمقدّمة وهي: أنّ الناس ـ كما نلاحظ عادة ـ مترتّبون في الأمور العامة وفق سلسلة من المراتب يتم حسبها تبليغ الأوامر من الأعلى وصولاً إلى مرحلة التنفيذ في المراتب الدنيا. أي أنّ الأعلى يأمر الذي هو دونه، وهذا يأمر الأدنى منه، والأدنى فالأدنى، حتى تنتهي سلسلة المراتب عند حلقة التنفيذ.

فنرى في الحكومات مثلاً أنّ هناك الرئيس ثم يأتي الوزراء في المرتبة الثانية، فالمدراء العامون تحت إشرافهم، فمدراء الأقسام حتى ينتهي هذا التسلسل الوظيفي عند مَن يتّصل بعامة الناس مباشرة. فإذا صدّر الحاكم الأعلى أو الرئيس حكماً فإنّه لا يأمر وزيره بأن يبلّغه إلى عامة الناس مباشرة، بل يأمره بتنفيذ الحكم وحسب. فيقوم الوزير بإصدار الأمر إلى مَن هم أدنى منه درجة، وهؤلاء بدورهم لا ينزلون إلى الشارع مباشرة بل يجمعون مَن تحت سلطتهم ويوجّهونهم بالحكم، وهكذا حتى ينتهي الأمر إلى المرتبة الأدنى وهم عامة الناس الذين قد يقعون في المرتبة العاشرة من سلسلة المراتب هذه أو أكثر. وهذا قانون طبيعي في كل حكم عام ودائرة علاقات وهو ما نلاحظه ونراه في كل الحكومات والأوضاع القائمة.

الإلفاتة الموجودة في القرآن هي أنّه عندما يتوجّه الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله) بالتبليغ، يأمره الله أن يقوم هو (صلى الله عليه وآله) به مباشرة وبلا واسطة. يقول تعالى مخاطباً نبيّه الكريم: «يا أيّها النبيّ قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين…»[1]، و«قل للذين كفروا إن ينتهوا…»[2]، و«قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون…»[3]، «قل يا أيها الكافرون»[4]، وهكذا؛ وهذا يعني المباشرة في التبليغ.

فمع أنّ الله تعالى هو خالق كل شيء، وإله كل شيء وهو ربّ الأرباب وسيد السادة، ومع أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) هو أشرف المخلوقات وأفضلها وأعلاها، لكنّ الله سبحانه وتعالى يطلب منه أن يقوم بمخاطبة كل الطبقات والمستويات من الناس حتى أدناها مباشرة، للحصول على الفائدة المرجوّة.

هدف الحوزات هو التبليغ

وليعلم الإخوة الذين ينطلقون للتبليغ والإرشاد وهداية الناس في القرى والأرياف والمدن والبلاد الأخرى في شهر رمضان وغيره أنّ الهدف المقدّس والغاية الأسمى من دراستهم ومن كل ما تلقّوه من علوم دينية في الحوزات هو التبليغ. وحسب الاصطلاح العلمي إنّ كل ما في الحوزات العلمية مقدّمات، والتبليغ هو أثر تلك المقدّمة.

صحيح أنّ أدوار التبليغ ووسائله تختلف باختلاف الحضور وتنوّعه؛ فالخطيب إذا تحدّث إلى جمهور من المثقفين تحدّث بأسلوب يختلف عما إذا كان حديثه إلى أناس أمّيين، لكن يبقى التبليغ يحظى بالأهمية في كل حالاته كما استفدنا من هذه الإلفاتة الرائعة في القرآن الكريم.

سيرة النبي وأهل بيته عليهم السلام تكشف عن أهمية التبليغ

هناك نقطة وإلفاتة أخرى تبيّن أهمية التبليغ نكتشفها من خلال سيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة من أهل بيته عليهم السلام.

فكلّنا يعلم مدى اشتياق رسول الله (صلى الله عليه وآله) للعبادة والالتذاذ بها. فلقد كان (صلى الله عليه وآله) يشتاق إلى العبادة أكثر من أي إنسان آخر، ويلتذّ بها كما لا يلتذّ بأيّ عمل. فهو (صلى الله عليه وآله) أعرف الناس بالله تعالى وأفضل مَن عرف الله عزّ وجل. ليس هذا فحسب بل لاشكّ أيضاً أنّ عبادته (صلى الله عليه وآله) وذكره ودعاءه وتوجّهه إلى الله تعالى، تفوق في الفضل عبادة الناس كلهم، وهو (صلى الله عليه وآله) يعلم بذلك أيضاً. ففي عقيدتنا لو أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: «لا إله إلاّ الله» مرّة واحدة فهي تعدل عند الله تعالى مليارات الصلوات والدعوات من سائر الناس.

ولكنّا نرى أنّ هذا الرسول العابد الذي أبلته العبادة حتى خاطبه الله تعالى: «طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى»[5] يرجّح في كثير من الأحيان النزول إلى الشارع أو المسجد أو البيوت للتبليغ ولهداية الناس، على العبادات المستحبة ـ في حقّه ـ حتى لقد صرف (صلى الله عليه وآله) معظم وقته بعد البعثة بالتبليغ. وما أدراك ما تبليغ النبي (صلى الله عليه وآله)؟ فلقد كان (صلى الله عليه وآله) يبلّغ في وسط أناس أمّيين عوام بلغت السذاجة ببعضهم لأن يمدّ رجليه ويستلقي بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول له: يا محمد حدّثنا!

انظر كيف كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يصرف أوقاته مع أشخاص كهؤلاء، كما كان يصرفها مع أمير المؤمنين وفاطمة والحسنين عليهم السلام، ومع أمثال أبي ذر وعمار، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية هداية الأمّة، وكان لهم شطر كبير من وقته صلى الله عليه وآله.

إنّ تبليغاً كهذا هو الذي صنع رجالاً عظاماً كأبي ذر وعمار والمقداد وغيرهم من الصحابة الأخيار، فمن هذا الوسط تخرّج خيار الصحابة والمؤمنون الرساليون. وهذا يعني أنّ على المبلّغ ألاّ يقْصِر تبليغه على فئة معيّنة من الناس كالمثقّفين مثلاً دون غيرهم، بل عليه أن ينزل إلى كل فئات المجتمع وطبقاته.

صحيح أنّ على الإنسان أن يستفيد من حياته ووقته أقصى ما يستطيع، ولكن ما أدراك أن لا يصبح هذا الأمّي الذي تستصغر شأنه اليوم عظيماً من العظماء عند الله في يوم ما؟!

ومَن الذي أعلمك أنّ ذلك المثقّف الذي يبدو مهمّاً في نظرك اليوم من الناحية الاجتماعية أو العلمية وتركّز عليه في تبليغك أكثر من غيره، قد لا ينفع في شيء، وربما ارتحل من الدنيا دون أن يقدّم شيئاً ينفع الآخرين!!

فما دام المبلّغ لا يدري أيّة تربة ستثمر فيها الكلمة الطيبة أكثر، فعليه إذن أن يسعى لبذر الكلمة الطيبة في كل مكان ومع كل إنسان وأن يقتدي برسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك، فقد كان (صلى الله عليه وآله) يستغلّ كل الفرص للتبليغ ويتفرغ للعبادات المستحبة في الأوقات التي لا فرصة للتبليغ فيها كمنتصف الليل، يخلو فيها مع ربّه يستمدّ منه العون والمزيد، يناجيه ويقول: «إلهي لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً». أما في النهار فكان يصرف معظم وقته في التبليغ وهداية الناس وإرشادهم.

كيف حوّل التبليغ بلداناً بأكملها!

إنّ للتبليغ أهمية كبرى وتأثيراً عظيماً. فإيران والعراق اللتان تعدّان اليوم مواليتين لأهل البيت ـ عليهم السلام ـ بأغلبية ساحقة، لم تكن كذلك في السابق، بل تحوّلتا إليه بفضل التبليغ الذي نهض به رجال أفذاذ نذروا أنفسهم له وعقدوا العزم عليه.

يروي المرحوم الميرزا النوري (رضوان الله عليه) في خاتمة كتاب مستدرك الوسائل أنّ المرحوم السيد مهدي القزويني (من علماء الطائفة ومراجعها. نزيل الحلة في العراق، وزميل الشيخ مرتضى الأنصاري رحمهما الله، ت: 1300ه) توفّر في أواخر حياته على التبليغ وهدى عشائر كانت برمّتها غير موالية لأهل البيت عليهم السلام؛ إذ كان يذهب إلى إحدى العشائر ويمكث في مضيفها سنة كاملة يخالطهم فيها ويصلّي بهم ويحكي لهم قصصاً حتى يغيّر معظمها ويجعلهم موالين لأهل البيت (عليهم السلام) ثم يغادرهم إلى عشيرة ثانية ويمكث فيهم سنة أو أكثر حتى يهديهم الله إلى الحقّ وإلى أهل البيت (عليهم السلام) وهكذا… حتى اهتدى على يديه مئة ألف إنسان.

فعلى أكتاف أمثال هذا الرجل اهتدت الشعوب وصار العراق وإيران دولتين ذاتي أغلبية شيعية. وإلاّ فإنّ إيران مثلاً كانت سنّية أنجبت زهاء ثمانين في المائة من كبار علماء عامة المسلمين (الذين ليسوا على خط أهل البيت (عليهم السلام). ثم تغيّر الوضع بفضل التبليغ حتى آل الأمر إلى أن تنجب إيران الألوف من العلماء المسلمين السائرين على خط أهل البيت عليهم السلام.

نعم، لقد كانت إيران سنّية، وكانت إحدى مدنها متعصّبة لدرجة كبيرة حتى أنّه عندما منع عمر بن عبد العزيز سبّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من على المنابر جاء أهل تلك المدينة إلى واليهم وقالوا له: إننا على استعداد لدفع الضرائب غير المستحقة على أن يسمح لنا بالاستمرار في سبّ علي بن أبي طالب لمدة ستة أشهر أخرى. لكن الحكومة رفضت طلبهم.

هكذا كانت بعض المدن الإيرانية في يوم من الأيام.. ولكن هل تعلمون أنّ تلك المدينة نفسها تحوّلت تحوّلاً عظيماً بحيث احتضنت في عصر ما أكبر حوزة علمية للشيعة لعشرات السنين. أي انقلبت من مدينة معادية لأهل البيت (عليهم السلام) إلى مدينة منجبة للعلماء السائرين على نهج أهل البيت (عليهم السلام) والملايين من محبّيهم.

ما أكثر المؤمنين الذين صنعهم التبليغ!

لو تعمّقت في التاريخ والسير، وبحثت في أنساب كثير من المؤمنين وتسلسلت في أجدادهم لرأيت أنّ كثيراً منم ينحدر من جدود لم يكونوا في خط أهل البيت (عليهم السلام) ولكنهم تحوّلوا إليه بفضل التبليغ واستمرّ الخط في أولادهم وأعقابهم إلى يومنا هذا.

أنا شخصياً أعرف أشخاصاً ولا أرى مانعاً من ذكر بعضهم؛ ومنهم على سبيل المثال: الشيخ ضياء الزبيدي وأبوه الشيخ حمزة فهذان عالمان وخطيبان وإماما جماعة. لكن الأب نقل لي أنّ جدّه السادس لم يكن من خط أهل البيت (عليهم السلام)، ثم كان من جملة الذين اهتدوا على يد المرحوم السيد مهدي القزويني فصار من الموالين والمؤمنين بأهل البيت (عليهم السلام) وعلى ذلك جرى نسله وذريته. وهكذا نشهد اليوم اثنين من المبلغين للمذهب من سلالة الذين هداهم الله على يد السيد القزويني رحمه الله!

أفضلية التبليغ

من المستحبات الأكيدة الصلاة في أوّل الوقت. فلقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا حل وقت الصلاة انفتل إليها ولم يعبأ بشيء دونه. روي عن عائشة أنها قالت: «كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يحدّثنا ونحدّثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه»[6].

هب أنّ لك صديقاً عزيزاً على قلبك لم تره منذ سنوات وقيل لك فجأة إنّه ينتظرك الآن على الباب، فكيف ستهبّ للقائه تاركاً كل حديث أو عمل بيدك؛ فهكذا كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا حضرت الصلاة تغيّر فجأة وترك كل شيء متّجهاً للقاء الله تعالى.

إذا عرفت أهمية الصلاة في أوّل الوقت تعالى إذاً لنطالع الرواية التالية:

«عن داود الصرمي قال: كنت عند أبي الحسن الثالث (عليه السلام) يوماً فجلس يحدّث حتى غابت الشمس، ثم دعا بشمع وهو جالس يتحدّث. فلما خرجت من البيت نظرت وقد غاب الشفق قبل أن يصلّي المغرب ثم دعا بالماء فتوضأ وصلى»[7]. ويبدو أن الإمام كان يتحدث مع بعض المتأثرين بالخطوط الانحرافية في عصره، فاستمر على عمله التبليغي حتى فات وقت الفضيلة. وهذا يعني أنّ التبليغ مقدّم على سائر المستحبات.

فإذا اتّفقت ليلة القدر أو ليلة الجمعة أو ليلة النصف من شعبان أو المواسم الأخرى التي تكثر فيها الأدعية والمستحبّات، وزاحمت التبليغ فقدّموا التبليغ.

مثلاً: في ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان يستحب قراءة سورة القدر ألف مرة، وصلاة مئة وثلاثين ركعة (من الألف ركعة في كل شهر رمضان) وتستحب أمور أخرى كثيرة، ولكن إذا زاحمت هذه المستحبات التبليغ وأردت الحصول على ثواب أكثر فقدّم التبليغ لأنّ الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) كانوا يعملون كذلك.

ويمكنك القيام بالأمرين معاً، فمثلاً: إذا كان هناك شباب مستعدون للتلقّي والهداية والتوجّه للدعاء ـ وكانت ليلة القدر ـ أمكنك أن تشترك معهم في قراءة دعاء كميل ورفع المصاحف ودعاء الجوشن الكبير… فهذا نوع من التبليغ العملي وهو مطلوب أيضاً. ولكن إذا دار الأمر بين أن تنهض بمهمة التبليغ أو تخلو بنفسك وتقرأ سورة القدر ألف مرة أو تصلّي المئة والثلاثين ركعة المستحبة وما أشبه، فالتبليغ لاشكّ أفضل. والعاقل يحاول الأخذ بالأفضل دائماً.

التأهّب للتبليغ

إذن على الإخوة الذين يتوجّهون إلى التبليغ أن يعلموا أوّلاً أنّ مهمّتهم هي مهمّة الأنبياء التي كانوا يصرفون عليها معظم وقتهم، وأنّهم يخفّفون بعملهم الواجب الكفائي عمّن لا تتهيّأ له فرصة التبليغ خارج الحوزة.

وعليهم أن يتأهّبوا للأمر ويتهيّأوا للأسئلة المتنوّعة التي قد يواجَهون بها، ولا يبرموا حتى من الأسئلة الساذجة وربما السفيهة التي قد يواجهون بها أحياناً، بل عليهم أن يفتحوا صدورهم للناس، فليسوا كلهم سواء.

جاءني أحد المبلّغين يوماً وقال: لقد سُئلت اليوم أغرب مسألة. قلت: وما هي؟ قال: كل شيء فكّرت فيه إلاّ هذا السؤال. قلت: وما هو؟ جاءني أحد الناس وسألني عن أم عائشة ما اسمها؟ فقلت له: دعني أراجع المصادر، ثم عدت إليه وأجبته.

صحيح أنّ معرفة اسم أمّ عائشة ليس من أصول الدين ولا من الفروع ولا من الأخلاقيات ولا من آداب الإسلام ولا ولا… بيد أنّ المبلّغ ينبغي أن يكون رحيب الصدر حليماً. فلا فائدة من علم دون حلم بل قد يكون وبالاً على صاحبه ـ لا سمح الله ـ. ونحن نقول في الدعاء: «اللهمّ إنّك عليم حليم ذو أناة».

لا تردّ أحداً مهما كان سؤاله، بل استقبل الجميع، وأجب كلاًّ على مقدار عقله. ففي الأثر أنّ أحد الأشخاص جاء إلى أحد الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وسأله عن السبب في عدم إمكان رؤية الله تعالى. ويبدو من خلال جواب الإمام (عليه السلام) أنّ السائل كان إنساناً بسيطاً فرغم أنّ السؤال عميق وله العديد من الإجابات الفلسفية والحكمية الاستدلالية العميقة، إلاّ أنّ الإمام (عليه السلام) قال له ـ ما معناه ـ: إذن لذهبت هيبته.

انظر كيف أنّ الإمام لم يردّ الشخص رغم معرفته أنّه لا يفهم الجواب العلمي لو أجابه به لأنه فوق مستواه، بل أجابه بجواب مناسب لعقله. وهذا يكشف عن الحسّ التبليغي عند الإمام (عليه السلام).

وإذا كان الأصل في أعمالنا الاقتداء بالأئمة المعصومين (عليهم السلام) وأنّ المتقدّم لهم مارق والمتأخّر عنهم زاهق واللازم لهم لاحق ـ كما نقرأ في أدعيتنا بعد الصلوات ـ فلنفتح صدورنا إذن لكل الناس ونشجّعهم على طرح ما يختلج في صدورهم وما يدور في أذهانهم، فهكذا كانت سيرة النبي الأعظم والأئمة المعصومين من أهل بيته عليهم السلام.

كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم

هذا ولأسلوب المبلّغ وسلوكه أكبر الأثر في التبليغ. فمن الطبيعي أن يتناسب تأثّر الناس بنا مع أعمالنا وتصرّفاتنا وصدقنا ومطابقة عملنا لقولنا.

وليكن تعاملنا حتى مع أضعف الناس إيماناً بنحو لا يترك لديه انطباعاً عنّا بالتكبّر. هب أنّك لست متكبّراً ولكن هذا وحده لا يكفي، بل ينبغي أن لا تترك انطباعاً يوحي بذلك أيضاً. فإن لطلاقة الوجه والبِشر والتواضع كما لجمال التعبير وحسن الاستماع وهكذا الحلم أثراً كبيراً في نفوس الناس يفوق تأثير الأقوال التي تنطلق من أفواهنا وألسنتنا وكما في الأثر كونوا ((دعاة للناس بغير ألسنتكم)) [8].

ولنراع الاعتدال في تصرّفاتنا

صحيح ينبغي للمبلّغ أن يكون طلق الوجه بشوشاً، ولكن هذا لا يعني أن يكون مفتوح الفم دائماً يضحك ويقهقه لأتفه الأسباب، لأنّه كما ينبغي للمبلّغ أن لا يكون عبوساً، ينبغي له أيضاً أن يكون وقوراً ولا يكون مبتذلاً. فلو أنّ شخصاً عامياً استخدم في عبارته إحدى الأمثال السوقية الهابطة فلا تقطب وجهك أمامه فينفضّ من حولك، ولا تشترك معه وتضحك ضحكة طويلة وعريضة فينقلب مجلسك إلى نادٍ يُتبارى فيه بإطلاق هذا النوع من الأمثال غير اللائقة. بل حاول أن تنسجم مع كل مَن يوجّه إليك سؤالاً، فربّ شخص قد لا يكون له شأن أو ثقافة اليوم يهديه الله على يديك ويأتي يوم ترى مسجداً أو مدرسة دينية فيها حوزة علمية تخرّج منها علماء أسّسها ذلك الشخص الذي كانت هدايته على يديك.

وكما قلت آنفاً فلعلّ كثيراً منّا بل من العلماء والأخيار ينحدرون من أصول غير شيعية وغير مؤمنة ولكن هداهم الله فأصبحوا اليوم نجوماً في سماء العقيدة والإيمان؛ ومن الأمثلة على ذلك أحد علمائنا القدامى الذين يفخر الشيخ الأنصاري رضوان الله عليه بالتلمّذ على يديه عدة سنوات، قيل إنّ جدّه كان جلاّداً ضالا، ولكن ابنه هداه الله على يد أحد المبلّغين، ورزق بولد صار فيما بعد أحد مراجع الشيعة وعلمائها العظماء فكتابه الفقهي مازال يحظى بأهمية بالغة ولم ينسخه أي كتاب علمي جاء بعده. فقد أُلّفت بعده الكثير من الكتب من قِبل علمائنا كالشيخ الأنصاري والآخوند الخراساني والسيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي.. وبعده جاء صاحب الفصول وكان معاصراً لصاحب القوانين… ومازال كتابه في القمة فلو جاءك شخص وكان أبوه طاغوتاً في حياته ثم مات أو قُتل، فلا ترفض استقباله فلعلّه يهتدي على يديك. فإنّه لم يُسمع أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) طرد أحداً، أبداً حتى وحشي قاتل حمزة فإنه (صلى الله عليه وآله) لم يزد على أن قال له «غيّب وجهك عنّي».

الخلاصة

حاولوا أن تستفيدوا من التبليغ بالأسلوب والقول جميعاً تحصلوا على نتائج جيّدة. ولا تنسوا الإخلاص منذ الآن؛ فإنّ الشيطان قد يأتي لأحدنا ويقول له: إذا أصبحتَ مبلّغاً جيّداً ونجحت في عملك فسيصبح لك مريدون مخلصون يقبّلون يديك ويرفعون الصلوات التي تزلزل الأرض عند قدومك.

وسيكون ذلك لو نجحت حقاً، ولكن ينبغي لك أن لا تقوم بالتبليغ لذلك السبب وحاول أن لا تستحضر هذا المعنى في ذهنك أبداً لأنّ الشيطان يحاول أن يقحم هذا كهدف في ذهنك فحاول أن تزيحه تربح.

نسأل الله تعالى أن يوفّقني وإياكم جميعاً لما هو المطلوب منّا ولما هو مطابق لسيرة الأنبياء عليهم السلام.

وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.


[*] من محاضرات سماحة المرجع الديني اية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله).

[1] سورة الأحزاب: 59.

[2] سورة الأنفال: 38.

[3] سورة الجاثية: 14.

[4] سورة الكافرون: 1.

[5] سورة طه: 1.

[6] مستدرك الوسائل، ج4، 4228/17.

[7] وسائل الشيعة، ج4، ص196.

[8] الكافي، ج2، ص77.