من واجبات طلاب العلوم الدينية في شهر رمضان

 الترويض والهداية وجمال التعبير *


استقبال شهر رمضان


تُروى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)عدّة خطَب في استقبال شهر رمضان المبارك، منها الخطبة المعروفة التي خطبها في آخر جمعة من شهر شعبان، ومطلعها:((أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة))[1].

ويمكن أن يُستظهر من بعض الروايات أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) كان يستقبل شهر رمضان من كلّ سنة بخطبة خاصّة، إمّا في أوّل الشهر أو قبل حلوله. فهناك عدّة خطَب مرويّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في استقبال هذا الشهر الفضيل، منها هذه الخطبة التي يرويها الشيخ الصدوق (رضوان الله عليه) وينتهي بسندها إلى الإمام الرضا، عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم جميعاً صلوات الله، والتي تبدأ -كما قلنا- بقوله صلى الله عليه وآله: ((أيّها الناس، إنّه قد أقبل إليكم شهر الله...))، ولعلّ العديد منكم يحفظها فأنتم أهل علم ووعظ وإرشاد[2].


أفضل الأعمال في شهر رمضان


لست الآن بصدد تفسير الخطبة ومفرداتها، فهي خطبة عظيمة وتحتاج إلى بيان وتفسير واسع، ويمكن أن تقال بشأنها وحول بنودها مطالب وكلمات كثيرة. لكنّي أريد هنا أن أذكر شيئاً واحداً وهو: أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذكر للمؤمنين في هذه الخطبة عشرين بنداً -أو يزيد- وحثّ المؤمنين عليها وشجّعهم نحوها، ولكن حينما توجّه إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهاية الخطبة بسؤال عن أفضل الأعمال في هذا الشهر -ومن المعلوم أنّ سؤال الإمام ليس لنفسه بقدر ما هو لي ولك ولعامّة الناس- لم يذكر النبيّ (صلى الله عليه وآله) في جوابه أيّاً من البنود التي جاء على ذكرها في فقرات خطبته، أي لم يقل له مثلاً: إنّ قراءة القرآن أفضل الأعمال في هذا الشهر أو الإطعام أو أيّ شيء آخر، بل أجابه بأمر آخر لم يكن ضمن بنود الخطبة الشريفة؛ قال: ((الورع عن محارم الله)) [3].


ما هو ورعنا نحن؟


والورع أفضل الأعمال في كلّ وقت وزمان وفي هذا الشهر أيضاً. فما هو الورع؟ وما هو ورعنا نحن -الخطباء والوعّاظ وطلاّب العلوم الدينية- في هذا الشهر العظيم؟

إنّ أدنى الورع وأقلّ درجاته أن يلتزم الإنسان بالواجبات وأن ينتهي عن المحرّمات فهذه أوّل درجات الورع.

ولاشكّ أنّ كلّ إنسان تتناسب تكاليفه وواجباته مع مقدار معرفته ومدى فهمه وعلمه، فكلّما ازداد الإنسان علماً ومعرفة تضاعفت مسؤولياته وواجباته.

فما هو ورعنا نحن -أعني أهل العلم والمرشدين المتصدّين لهداية الناس- ؟


الواجب الأوّل: ترويض النفس


هناك واجبان بالنسبة لنا، بدونهما لا يتحقّق الورع عندنا:

الواجب الأوّل: ترويض النفس؛ فإنّ النفس لا يمكنها أن تستقيم هكذا بسهولة وبسرعة من دون حاجة إلى ترويض ومقدّمات. بل هي بحاجة إلى رياضة مستمرّة وكما يقول مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله وسلامه عليه) في بعض كلماته:

((وإنّما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر)) [4].

فترويض النفس إذن من أهمّ الواجبات العينية بالنسبة إلى كلّ فرد، ويتأكّد بالنسبة لنا -نحن الوعّاظ والمبلّغين وعلماء الدين- لأنّ كلّ واحد منّا يتعلّم منه أفراد وربّما جماعات ويتلقّون منه ويقتبسون ويقتفون أثره، ويتأثّرون بكلامه وحركاته وتصرّفاته.

فإنّك وإن كنت فرداً في وجودك الخارجي لكنّك لست كذلك في العمل؛ لأنّ هناك مَن يعتبرونك مرشداً وهادياً وهم يقتدون بأفعالك سواء كنت خطيبا ً أم عالماً.


الناس يقتدون بالعلماء في كلّ شيء


أنقل لكم قصّة أحد العلماء الماضين رضوان الله عليهم، كما رواها لي بنفسه؛ قال:

((عدت إلى قريتي ومسقط رأسي لزيارة أهلي وذويَّ بعد أن فارقتهم سنوات للدراسة. وجاء أهل القرية بدورهم لزيارتي والاحتفاء بي.

وفي أحد الأيّام سألني قريب لي وقال: هل يستحبّ تقديم الرجل اليمنى إذا أريد الدخول في خزانة الماء في الحمّامات؟

يقول العالم: قلت: لا. فهذا الحكم (أي تقديم اليسرى عند الدخول واليمنى عند الخروج) مختصّ ببيت الخلاء، أمّا بالنسبة لغيره كالحمّامات وأحواض الماء فلم يُروَ هذا الحكم.

قال لي: إنّ فلاناً ينقل عنكم ذلك.

قلت: أنا لا أعلم هذا الشيء، فكيف ينُقل عنّي؟!

قال: لكن فلاناً ملتزم به خلال هذه المدّة وينقله للآخرين وقد تعلّموا منه هذا الحكم لأنّه ينقله عنكم.

يقول العالم: عجبتُ من الأمر، لأنّني لم أرَ هذا الحكم طيلة حياتي ولا سمعت به، فكيف أخذه هذا الشخص عنّي، وما هذا الشيء قلته له ولا علم لي به؟

يقول: فطلبت ذلك الشخص وسألته: أ أنت نقلتَ عنّي استحباب تقديم الرجل اليمنى عند دخول خزانة الحمّام وتقديم اليسرى عند الخروج؟ قال: نعم.

قلت: أنا متى قلت لك هذا؟

قال: إنّك لم تقله لي مباشرة، لكنّني وعندما كنتُ في أحد الأيّام في الحمّام، نظرت إليك فلاحظتُك تعمل هكذا (أي تقدّم رجلك اليمنى حين الدخول واليسرى حين الخروج).

قلت: هذا شيء عادي وليس بعنوان كونه مستحبّاً)).

والآن أيّها الإخوة انظروا إلى قصّة هذا العالم واعتبِروا! لقد اتّخذوه أسوة حتّى في العمل العادي. وهذا يثبت لنا أنّنا لسنا أفراداً في العمل وإن كنّا كذلك في وجوداتنا الخارجية، بل إنّ كلّ واحد منّا هو مرجع تقليد بمستوى معيّن ونسبة ما. لا فرق في ذلك بين طالب العلم والخطيب وعالم القرية والعاصمة، فكلّ على قدره ومستواه.

إنّنا غير مسؤولين عن أنفسنا فحسب، بل عن أولئك الذين يتعلمّون منّا أيضاً، وهم يلاحظوننا في كلّ شيء، حتّى في أعمالنا وحركاتنا الصغيرة والعفوية. فما ذكرته لكم لا ينحصر بذلك العالِم، ولا أنّه كان مرجع تقليد في وقته.


تغيير النفس بحاجة إلى مقدّمات


فإذا كان تغيير النفس من الواجبات العينية بالنسبة لنا، فهذا يعني أنّ على الإنسان أن يمهّد السبل والأساليب التي تجعله لا يعصي الله تعالى، وهذا أمر لا ينبغي الاستهانة به، بل لابدّ له من مقدّمات وتمهيدات وزمن ورياضة وكما قال الإمام عليه السلام: ((أروضها)).

وإنّ رياضة النفس أكثر صعوبة من رياضة البدن لأنّه في الأخيرة إذا وجد المقتضي -كالجسم المستعدّ- فلا توجد هناك موانع كتلك التي توجد في رياضة النفس وهي موانع قوية جدّاً من قبيل:

نفسي وشيطاني ودنياي والهوى

كيف الخـلاص وكلّهم أعدائي

هذه الموانع تواجهنا جميعاً وهي تتطلّب همّة قويّة للتغلّب عليها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً؛ لأنّه -وكما ورد في هذه الخطبة المباركة نفسها- يُغلّ الشياطين في هذا الشهر، بيد أنّ عمل بني آدم قد يفتح الغلّ من الشيطان فيتسلّط عليه من جديد، فلنكن حذرين يقظين منتبهين جدّاً.


في رمضان؛  التغيير أسهل


فأيّة فرصة للرياضة الروحية وترويض النفس أعظم من الصوم؛ لأنّ الإنسان الخاوي البطن تقلّ شهواته، كلّ حسب الأجواء الروحية التي تقرّبه إلى الله تعالى. وهذه الأجواء الرائعة متوافرة في شهر رمضان، أي أنّ أجواء هذا الشهر تساعد الإنسان على ترويض نفسه. فلنتّخذ من هذا الشهر الكريم مناسبة لتغيير أنفسنا فيه حقيقة.

وهذا شيء ممكن، وهو في هذا الشهر أسهل؛ لأنّ الإنسان مهما كان -والعياذ بالله- بعيداً عن الخير والصلاح والتقوى، يمكنه أن يستفيد من أجواء هذا الشهر لتغيير نفسه. فإنّ الله تعالى أودع هذه القدرة في الإنسان، وشهر رمضان فرصة مناسبة جدّاً لهذا الأمر.


إمكانية الترويض والتغيير


أنقل لكم فيما يلي قصّة أحد العلماء المتّقين في هذا المجال، وكف أنّه تغيّر تغيّراً كبيراً حتّى أصبح مسلّم العدالة في عصره. ولا أذكر اسمه بسبب البداية السلبية في قصّته؟

إنّني لم أدركه بالطبع لكنّي سمعت قصّته من الذين عاشرتهم من أبناء الجيل السابق، حيث تعود القصّة إلى زهاء ثمانين سنة.

سأنقل لكم قطعتين من تاريخه وانظروا كيف يمكن للإنسان أن يتغيّر:

القطعة الأولى من بداية حياته: وكان طالب علم يدرس العلوم الدينية في العراق، ولكنّه كان شابّاً كأيّ من الشباب في عصره. وكان بعض الشباب آنذاك إذا أراد الزواج هيّأ بدلة (حلّة) من قماش خاصّ يأتون به من سوريا خصّيصاً لليلة الزواج. فإن كان طالب علوم دينية كصاحبنا عملوا له منه جبّة أو قباء مثلاً.

وأتت مناسبة زواج هذا الشاب الحوزوي، ولكن اتّفق نفاد هذا القماش في الأسواق. ومهما عمل للحصول عليه لم يفلح. وكان يوجد من أنواع الأقمشة الأخرى بالعشرات، لكن هذا النوع بعينه كان مفقوداً، وكان بعض الشباب -أقول بعض الشباب وليس كلّهم- إذا أراد أن يتزوّج لا يرضى عن ذلك القماش بديلاً!

ولم تكن الطائرات والسيارات كما هي اليوم لتلبية رغبة هذا الشاب الطالب! وربما لم يكن يملك المال الكافي لإرسال مَن يأتي له به من سوريا على عجل؛ فما كان منه إلاّ أن أخّر زواجه لمدّة سنة كاملة أو أكثر أو أقل، لا أعلم تحديداً.

لقد أخّر زواجه كلّ هذه المدّة ليس إلاّ ليكون في ليلة زواجه مرتدياً من ذلك القماش! انظروا كم كان هذا الشاب عابداً لنفسه، بل كم كان بعيداً عن التقوى.

عن هذا الشاب نفسه أنقل لكم القطعة الثانية من تاريخه، وقد نقلها لي والدي رحمه الله.

يقول: في النجف الأشرف كانت العادة أن الناس لا يصلّون خلف أيّ كان من العلماء والمراجع وغيرهم، ولكنّهم كانوا يصلّون خلف هذا الشخص؛ لأنّه كان قد وصل إلى مرتبة بحيث كانوا يعبّرون عنه بمسلّم العدالة عند الكلّ. فحتّى مراجع التقليد كالمرحوم السيّد الحكيم والمرحوم والدي والمرحوم السيّد عبد الهادي الشيرازي والمرحوم السيّد حسين الحمامي كانوا يصلّون خلفه ويأتمّون به.

هكذا وإلى هذا المستوى تغيّر هذا الشاب!! بحيث صار يصلّي خلفه أشخاص أصبحوا فيما بعد مراجع تقليد للمسلمين.

إذن من الممكن أن يغيّر الإنسان نفسه ولو خطوة خطوة. وشهر رمضان مناسبة جيّدة جدّاً للتغيير.


الشيطان لا يدعنا


لا تقولوا: نحن طلاّب علوم دينية -إن شاء الله- نصلّي ونصوم ونقرأ القرآن وندرس وندرّس ونخطب ونكتب؛ فإنّ الشيطان يركّز عليكم أكثر، ولا حاجة به إلى غيركم مع طمعه فيكم، فأنتم همّه الأوّل والأكبر.

عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ((إنّ الشيطان يغري بين المؤمنين ما لم يرجع أحدهم عن دينه فإذا فعلوا ذلك استلقى على قفاه وتمدّد ثمّ قال: فزت)) [5].

إنّ الشيطان يحاول أن يؤثّر فينا مهما وسعه، ثمّ يتشجّع للتقدّم أكثر. فلو استطاع أن يؤثّر في مجموعنا بنسبة الواحد في المليون كان ذلك العمل عنده خطوة إلى الأمام، فيطمع بالاثنين بالمليون ثمّ الواحد بالألف فالواحد في المائة حتّى يصل -لا سمح الله- إلى التسعة التسعين في المائة.

إذاً نحن -جميعاً- بحاجة إلى ترويض وانتباه بحيث إذا دخل أحدنا شهر رمضان وخرج منه يكون قد تغيّر ولو قليلاً. وملاك التغيّر هو العمل بالمستحبّات وترك المكروهات، وهي السور الثاني أو القنطرة الثانية التي ينبغي اجتيازها إذا اعتبرنا الواجبات والمحرّمات السور أو القنطرة الأولى.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إنّ الشيطان ليجري من ابن آدم مجرى الدم، وما منكم من أحد إلاّ وله شيطان. قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلاّ أنّ الله تعالى أعانني عليه فأسلم)) [6].


الشقي مَن حُرم رضوان الله


يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذه الخطبة الشريفة: ((فإنّ الشقيّ مَن حُرم رضوان الله)).

والألف واللام الداخلة على كلمة ((شقي)) في هذه العبارة تدلّ على الحصر –كما تعرفون في علم البلاغة- ، أي أنّ مَن حُرم غفران الله في هذا الشهر فهو الشقي لا غير. إذن هذا الشهر مناسبة جيّدة للتغيير.

فإذا انتهت هذه المناسبة ومرّت دون أن يحصل الشخص على شيء فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول عنه إنّه شقيّ؛ لأنّ عشرات الأبواب بل مئات الأبواب بل ألوف الأبواب فُتحت لصلاح الإنسان في هذا الشهر، لكن هذا الفرد لم يحصل على شيء منها ولا استفاد من أيّ باب، فهو الشقيّ إذاً.


أنفسنا مرهونة بأعمالنا


إنّ الزمام بأيدينا نحن، وليس بأيدي غيرنا.. كلّ واحد منّا زمام نفسه بيده.

ما معنى قوله (صلى الله عليه وآله) في هذه الخطبة: ((إنّ أنفسكم مرهونة بأعمالكم، ففكّوها باستغفاركم...))؟

الجواب: كما أنّ أحدكم إذا رهن داره إلى غيره لا يستطيع أن يتصرّف فيها ما لم يفكّ رهنها بالمال، فكذلك أنفسكم رهينة بأعمالكم، أي هي رهينة هذه النظرات والكلمات والأفكار والرواح والمجيء والنوم واليقظة.. إنّ أنفسكم مرهونة بهذه الأشياء، فافتحوها باستغفاركم. والاستغفار جزء منه قول: ((أستغفر الله ربّي وأتوب إليه))، ولكنّه ليس كلّ الاستغفار كما تعلمون، بل منه ترويض النفس أيضاً، وهو من الواجبات العينية كما قلنا. وكلّ ما علينا أن نعزم ونهمّ بالأمر، والتوفيق من الله.

أ رأيتم كيف وُفِّق ذلك الطالب الشابّ عندما نوى التغيير مع أنّه لم يكن معصوماً ولا مرجعاً لكنّه تحوّل ذلك التحوّل العجيب حتّى صار مقتدىً وإمام جماعة للعديد ممّن أصبحوا مراجع للتقليد.

ونحن في أيّ مرتبة كنّا من مراتب التقوى والورع والرياضة النفسية فهناك المزيد من المجال للتحوّل والارتقاء. وعلينا أن ننتهز الفرص كشهر رمضان فهو كما قلنا أحسن فرصة لترويض النفس وتغييرها.


الثواب في رمضان يضاعَف سبعين ضعفاً


في بعض الأحاديث الواردة حول شهر رمضان المبارك أنّ كل فريضة  في رمضان لها ثواب سبعين فريضة في غيره. أي أنّك لو أمرت بالمعروف في هذا الشهر أو نهيت عن المنكر فثواب عملك سيكون سبعين ضعفاً.

ولو ألّفت كتاباً في شهر رمضان أو خطبت خطبة أو أسّست مكتبة أو هيئة لإرشاد الناس، أو قمت بالتدريس، أو ساعدت المحتاجين في هذا الشهر (أو سعيت لترويض نفسك وتغييرها)، فثوابه عند الله يعادل سبعين مرة ما لو عملت مثله في شهر شعبان أو شوّال مثلاً. فمجلس واحد في شهر رمضان يعادل سبعين مجلساً في غيره أي ما يربو على شهرين بكاملهما في غير رمضان.


الواجب الثاني: هداية الناس


أنتم طلبة فقه وأصول وتعرفون أنّ الواجب الكفائي قد ينقلب عينياً إذا لم يوجد مَن فيه الكفاية. ومن جملة الواجبات الكفائية هداية الناس وإرشادهم. ولكنّي أسأل: هل يوجد العدد الكافي اليوم لهداية كلّ الناس؟ فهذا العدد الهائل من الغافلين والجاهلين بفروع الدين وأصوله من أتباع الديانات والمذاهب المختلفة؛ هل يوجد مَن فيه الكفاية لهدايتهم وإرشادهم؟ كلاّ. إذن التصدّي للإرشاد والهداية واجب عيني أيضاً. وله مقدّمتان كلتاهما مهمّتان: 


المقدّمة الأولى: تحصيل العلوم الإسلامية


الناس في هذا الزمان خصوصاً الشباب ولا سيّما طلاّب المدارس والجامعيين منهم بأمسّ الحاجة لمَن يقول لهم ما هي الواجبات وما هي المحرّمات، فهؤلاء أكثرهم أذهانهم محشوّة بعشرات بل مئات الأسئلة حول الإسلام بانتظار مَن يجيبهم. وهذا يحتاج إلى علم ودراسة وتعزيز علمي، فلا يتمكّن كلّ شخص أن يجيب عن أسئلتهم بسهولة ويعرّض نفسه للجواب والخطاب والكتاب والنقاش من دون علم، بل إنّ ذلك يحتاج إلى أرضية وتعبئة علمية ومقدّمات.

ومقدّمة الوجود للواجب المطلق -حسب اصطلاح العلماء- واجبة أيضاً. فإذا وجب شيء على الإنسان وتوقّف ذلك الشيء على شيء آخر صار ذلك الشيء الآخر واجباً عليه أيضاً.

فمَن وجبَ عليه الحجّ –مثلاً- لا يُقال له: يجب عليك ركوب الطائرة أو السيّارة أو إعطاء النقود لهذا الغرض، بل هذه الأمور تجب عليه من باب وجوب الحجّ عليه وتوقّف الحجّ عليها.

وهكذا الأمر بالنسبة لإرشاد الناس وهدايتهم. فهو واجب كفائي لمَن توجد فيه الكفاءة، ولهذا الواجب مقدّمات قد تصبح واجبة من باب كونها مقدّمات وجود الواجب. فالمهمّ والواجب هو أن يتمّ إرشاد الناس وهدايتهم وانتشالهم من الضلال، فإذا توقّف هذا المهمّ على مقدّمات كالتهيّؤ والاستعداد العلمي وجبت هي الأخرى.

فنحن مهما أوتينا من العلم فهناك ألوف الأسئلة التي لا نعرف لها جواباً يلزم أن نتهيّأ لها. وشهر رمضان مناسبة جيّدة أيضاً، يستثمرها كلّ منّا حسب مقدرته. ولاشكّ لا يوجد مَن يستطيع العمل المتواصل ليل نهار (لمدّة 24 ساعة يومياً)، فالمقدار الضروري من النوم والذي لا نستطيع مقاومته نعذر فيه، ولكن الباقي لا عذر لنا فيه؛ لأنّ كسب هذه المقدّمات هي من الواجبات المهمّة.

تحصيل العلم الديني أهمّ من قراءة القرآن

إنّ تهيئة هذه المقدّمات أهمّ حتّى من قراءة القرآن في شهر رمضان، لأنّ قراءة القرآن مستحبّة لكنّ التهيّؤ العلمي للقيام بدور الإرشاد والتبليغ واجب.

لاشكّ أنّ قراءة القرآن مقدّمة لمعرفته، ومعرفته مقدّمة للعمل به ومقدّمة لتعليمه للآخرين، وهي مقدّمة لإرشاد الناس إلى القرآن.

بيد أنّ القراءة بذاتها مستحبّة، وهذا الأمر(التحصيل العلمي) مقدّم عليها، إلاّ إذا أصبحت –القراءة- هي الأخرى مقدّمة وتعبئة علمية، فقد تكون قراءة القرآن ضمن مقدّمات الوجود في مجال ترويض النفس، بأنّ يروّض الإنسان نفسه بقراءة القرآن والتفكير عميقاً في معاني القرآن والتأمّل في آياته.. فهذه أيضاً من أساليب ترويض النفس. أمّا الأكثر من ذلك فيكون مجرّد قراءة وهي مستحبّة طبعاً.

صحيح أنّ كلّ آية يقرؤها الإنسان في شهر رمضان -كما في الحديث الشريف- تعدل قراءة القرآن كلّه في غير شهر رمضان؛ لكن الحديث في الواجبات مقدّم. فإذا كانت القراءة من باب المقدّمية للواجب فهي واجبة بلا شكّ وإلاّ فـ((لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض))[7]، كما روي عن أمير المؤمنين عليه السلام.

فإرشاد الناس هو من الفرائض العينية فعلاً، ومن الفرائض الكفائية بذاته؛ لأنّ علماء الإسلام يجمعون أنّ الواجب الكفائي ينقلب عينياً إن لم يوجد من به الكفاية. كلّ على قدر سعته.

نعود إلى القول إنّ هداية الناس أفضل من مجرّد القراءة للاستحباب، ونقول: عليكم أنتم طلاّب العلوم الدينية أن تكونوا مشغولين دائماً بالدراسة والتدريس والكتابة. وشهر رمضان أفضل مناسبة لهذا الأمور.


المقدمة الثانية: جمال التعبير في القلم والكلام


المقدّمة الثانية لهداية الناس وإرشادهم هي إناء الإرشاد وظرفه ووعائه وهو الكلام والقلم.

فالطعام مهما كان لذيذاً وطيّباً لا يُرغب فيه إن وُضع في إناء أو وعاء غير نظيف وغير صحّي، فالإنسان لا يمدّ يده نحو مثل هذا الطعام ليرى إن كان لذيذاً أم لا، وذلك لأنّه موضوع في وعاء غير مناسب.

أمّا إذا أتوا لك بطعام عادي ولكن في إناء نظيف وجميل وجذّاب فسوف تتناوله بشوق حتّى إن لم يكن بمستوى الطعام الأوّل.

ووعاء الهداية والإرشاد هو القلم واللسان. فكلّما كانت الكتابة أجمل كان التأثير أفضل وأحسن.

انظروا إلى القرآن وكلام الرسول وأهل البيت عليهم السلام، أوَليس كلّ ذلك لنا قدوة؟

إنّ الأمور التي يطرحها القرآن الكريم هي أمور صحيحة وجميلة فما الحاجة إلى أن يطرحها بأسلوب بلاغي معجِب ومعجِز؟ إنّ القرآن الكريم كتاب هداية فلماذا يهتمّ بجمال الأسلوب والتعبير؟ نقول في الجواب: إنّ ذلك جزء من عملية الهداية. وهكذا الحال بالنسبة لكلام المعصومين.

فالألوف من العلماء الكبار، ومن علماء المشركين والنصارى واليهود، اهتدوا عن طريق جمال التعبير في القرآن الكريم.

إنّ الجمال مهمّ ومطلوب لهداية الناس، فلا يكفي أن يكون المطلب صحيحاً وجميلاً بل لابدّ من جمال الأسلوب والتعبير أيضاً.

إذا كان الناس يبحثون عن البروتين في اللحم فلماذا لايكتفون بتناوله وحده هكذا من دون توابل ومرق و... مع أنّه هو الأساس، بل نراهم يخلطون معه عشرات الأشياء لكي يصبح لذيذاً ومقبولاً؟ هكذا الحال مع المعنى الصحيح اجعلوه في وعاء جميل لكي يقبله الناس منكم.

وهذا الأمر بحاجة إلى تعلّم وتمرين، ولا يأتي هكذا عفواً بأن ينام الشخص مثلاً في الليل ويستيقظ في اليوم التالي وقد أصبح أديباً. وشهر رمضان فرصة جيّدة لنا لتطوير قابليّاتنا في هذا المجال أيضاً.

فبالإضافة إلى ما نستفيده في هذا الشهر من الفضائل والأخلاق لنستفِد من هذين الأمرين المهمّين أيضاً، أعني: ترويض النفس، وإرشاد الناس وهدايتهم.

أسأل الله سبحانه أن يوفّقنا في هذا الشهر جميعاً لكلّ الصالحات ولكلّ أمور الخير لاسيّما هذين الأمرين: ترويض النفس وهداية الناس.

وصلى الله على محمّد وآله الطاهرين


(1) وسائل الشيعة ج10، ص313؛ بحار الأنوار ج93، ص356، باب46.

(2) كان سماحته يلقي كلمته على طلاّب العلوم الدينية في استقبال شهر رمضان.

(3) وسائل الشيعة ج10، ص313؛ بحار الأنوار ج93، ص356، باب46.

(4) نهج البلاغة، من كتاب له إلى عثمان بن حنيف.

(5) الكافي، ج3، ص345.

(6) بحار الأنوار ج60، ص329.

(7) وسائل الشيعة ج4، ص286.


* من محاضرات سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله الوارف).