الحركة الإسلامية في فكر السيد محمد الشيرازي

محمد محفوظ

مفتتح

لا يختلف أحد من الناس، في أن حركة النهوض الإسلامي على اختلاف اهتماماتها وتوجهاتها السياسية والفكرية، واتساع رقعتها الجغرافية، وامتدادها الشعبي، قد أصبحت ظاهرة سياسية ـ اجتماعية، بل حضارية في العديد من المناطق الإسلامية. وأضحى لهذه الحركة تأثير متصاعد بشكل أو بآخر على مجريات الكثير من الأحداث والتطورات.

وحتى تكتمل الصورة عن حركة النهوض الإسلامي، كان من اللازم دراسة أفكار ونظريات وتجارب أولئك الرجال الذين ساهموا بجهدهم وجهادهم في بعث وتطوير مشروع النهضة الإسلامية، وتحرير المسلمين من براثن التخلف وشوائب الجمود وعوامل اليأس والهزيمة. ولا ريب أن الإمام الشيرازي، هو أحد هؤلاء الرجال الذين قاموا بدورهم الرسالي تجاه أمتهم وقضاياها الكبرى.

ولست أكتب هذه الكلمات مؤرخاً لجهاد وفكر الإمام الشيرازي ورصداً لتأثيره في الأمة. فهذا جهد متشعب قد ينوء به فرد مهما تكن قدراته وإمكاناته. وإنما أكتب هنا عن جانب واحد من جوانب أنشطته العلمية والفكرية، وهو رؤيته للحركة الإسلامية، مواصفاتها، ومشروعها، وكيف تتمكن في المجتمع والأمة. ولست أحاول في هذا الإطار الإحاطة بكل الأمور التي سطرها الراحل الكبير في سياق فقه الحركة الإسلامية، وإنما أكتفي بإبراز المعالم التي تكفي لإيضاح الرؤية، وجعلها في إطار سياق ثقافي متكامل يطمح إلى انتشال الإنسان والمجتمع من الغبش ليضعه في إطار الرؤية الواضحة، ومن الحيرة والتردد إلى الاستقامة والصراط المستقيم، ومن القلق والإرهاب إلى الطمأنينة وراحة البال، ومن العبودية إلى التحرير والحرية، ومن الاهتمامات الصغيرة واللهو واللعب إلى الاهتمامات الرفيعة والطموحات الحضارية.

أسس الحركة الإسلامية

قبل أن تنطلق الحركة الإسلامية في معترك الحياة السياسية والتغيير، لابد لها من تحديد الأسس والمنطلقات النظرية والفكرية، التي تعتمد عليها في جهادها ومسيرتها الرسالية وذلك لأن الأسس الواضحة والمنطلقات الناضجة، هي بمثابة صمام الأمان للحفاظ على وحدة الحركة ومنع عوامل الاهتراء والضعف من البروز في جسم الحركة. وكلما أصبحت الأسس واضحة والمنطلقات منسجمة مع بعضها البعض، تمكنت هذه الحركة من الاستمرار والبقاء، وتحدي عوامل الاضمحلال والاندثار. إذن البداية الطبيعية لأي مشروع عام، هي تحديد أسس ومرتكزات المشروع النظرية، ومن ثم الانطلاق بهذا المخزون النظري للعمل والسعي من أجل تحقيق الأهداف والغايات. ويحدد السيد الشيرازي أسس الحركة الإسلامية في ستة أسس هي كالآتي:

أولاً: التوعية، إذ أن الهدف الاستراتيجي البعيد للحركة الإسلامية هو تحكيم أفكارها وتصوراتها الإسلامية في الواقع الخارجي. ولكي تصل الحركة الإسلامية إلى هذه الغاية، لابد من العمل على صنع المجتمع والأمة الذي يتحمل أعباء الرسالة، ويجاهد بكل ما يملك من أجل تحقيق قيم الرسالة في الواقع الخارجي. ولا شك أن الوعي، هو الذي يصنع المجتمع والأمة. فهو البوابة الحيوية لاستثمار طاقات الأمة بما يخدم التطلعات النبيلة للحركة الإسلامية. ويشير إلى هذه المسألة السيد الشيرازي بقوله: لابد من التوعية الإسلامية الواسعة النطاق على صعيد الأمة كلها، حتى يعي المسلم وظيفته وذلك بطبع ونشر ما لا يقل عن ألف مليون كتاب توعوي، اقتصادي، سياسي، تربوي، عقائدي[1]. وفي هذا السياق، من المهم توفير الرشد الفكري والثقافي والعلمي للأمة والمجتمع. وذلك عن طريق «تعميم الوعي الإسلامي العقائدي والاقتصادي والسياسي والشرائعي والاجتماعي والتربوي والعسكري والزراعي والصناعي الاستقلالي في كل البلاد الإسلامية بواسطة الإذاعة والصحف والمجلات والنوادي والكتب والمؤتمرات وغيرها. وإننا لو طبعنا ألف مليون كتاب، ووزعنا هذه الكتب في كل البلاد الإسلامية، فستكون حصة كل فرد مسلم كتاباً واحداً وهذا أقل الواجب. فاللازم علينا أن نشمر عن سواعدنا لطبع مثل هذا القدر من الكتب ـ على أقل تقدير ـ في سبيل التوعية»[2]. وفي سبيل توفير الوعي الثقافي والفكري للأمة والمجتمع لابد من «الجهاد.. الجهاد بالقلم واللسان وبمختلف وسائل الإعلام العصرية المؤثرة، وهذا أفضل من الجهاد في المعركة، ولذا نجد الحديث الشريف يقول: «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء». لماذا؟ إن السبب واضح، ذلك أن القلم واللسان هما اللذان يسببان تحرك الناس نحو الجهاد في ميادين القتال. إضافة إلى أنهما هما اللذان يحفظان الشريعة، ويحافظان على مكتسبات الجهاد في المعارك»[3].. فلكي لا تذهب الجهود سدى، لابد من بناء الرجال ثقافياً. وهذه العملية تمر بمرحلتين أساسيتين هما مرحلة الهدم، التي تقتضي تنقية النفس والعقل من شوائب الانحطاط والتخلف «ومرحلة البناء تتم بأمرين أساسين:

العلم: ويعني معرفة الأمراض الكامنة في جسد الأمة، ومعرفة كيفية تحقق هيمنة الاستعمار علينا، وما هي خططه ومؤامراته التي يحركها ضد الإسلام من وراء الكواليس. وذلك لأن الإنسان ما لم يعرف المرض، لا يستطيع معرفة العلاج. وكذلك علينا معرفة أسباب تخلفنا وعلل استعمارنا واستغلالنا، وأسباب تبعض المسلمين وتشتتهم إلى دويلات متناحرة؟ ولمعرفة الحلول والأجوبة علينا أن نعرف: السياسة الإسلامية، كيف هي: وكيف تطبق في الظروف الحاضرة، والاقتصاد الإسلامي، والعلاقات الدولية والأخلاق والمعاهدات، وتحقيق الحرية، وتوزيع القدرات في مراكزها الطبيعية»[4]..

معرفة الطريق الطبيعي للتمكن في الأرض، وذلك عن طريق المعرفة الدقيقة لكيفية تحقيق قيم الإسلام وأحكامه. وهذه المعرفة بحاجة إلى إدراك عميق للواقع بتعقيداته وتشابكاته وممكناته، والنص بما يتضمن ويختزن من رؤى وبصائر وآفاق. ومن خلال هذا الامتزاج الرشيد بين فقه النص وفقه الواقع، نتعرف على طريق التمكن في الأرض.

ثانياً: التنظيم، حيث أن المسلمين اليوم، لا يواجهون عدواً فوضوياً، وإنما يواجهون عدواً منظماً، ويمتلك أحدث وأرقى الوسائل التنظيمية والإدارية، وعن طريقها تمكن أعداؤنا منا ومن كل خيراتنا وإمكاناتنا. لذلك فإن «التنظيم واجب شرعي وسنة كونية وضرورة حيوية بالنسبة إلى الأمة الإسلامية. فالتنظيم أولاً واجب شرعي فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «ونظم أمركم» والتنظيم هو ثانياً سنة كونية، فقد خلق الله سبحانه وتعالى الكون كله منظماً وقال تعالى في ذلك: ((مِنْ كُلِّ شَيْ‏ءٍ مَوْزُونٍ))[5]. فقطرات الأمطار منظمة وموزونة وكذلك الأشجار والحيوانات، الرمال، الأنجم، وسائر الكائنات الأخرى. أمّا بالنسبة إلى الإنسان فقد جعل الله سبحانه الجانب الجسدي منه خاضعاً للتنظيم الكوني، فحركات القلب والرئة والكلية وسائر الأجهزة كلها تعمل بانتظام واتساق. وإن طروء أي اختلال على إحدى هذه الأجهزة يعني المرض أو الموت. ولكن الله سبحانه جمع تنظيم الجوانب العملية والاجتماعية والسلوكية للإنسان بيد الإنسان نفسه، وعلى الإنسان أن لا يشذ عن القوانين التي تحكم الكون، لأنه عندئذ سيصاب بالانهيار والدمار. والتنظيم هو ثالثاً ضرورة حيوية، وقوة، وقد قال الله سبحانه ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ))[6][7].. ولا يكتفي السيد الشيرازي، ببيان أهمية التنظيم وضروراته، وإنما سعى إلى بيان مواصفات التنظيم المطلوب وهي: أن يكون استشارياً لا استبدادياً، وتوعوياً، وان يكون حديدياً مع حرية القاعدة، وواقعياً لا صنمياً، وجماهيريا لا نخبوياً.

وعليه فإن المطلوب: هو العمل المنظم، المتسق، المتكامل الجهود والأهداف. أمّا شكل هذا العمل، فهو بطبيعة الحال خاضع لظروف الزمان والمكان وللمصلحة العامة. المهم هو عدم الانخراط في أعمال وأنشطة فوضوية قد تضر براهن العمل الإسلامي ومستقبله. والعمل على تأسيس أطر مؤسسية تستوعب طاقات الأفراد وإمكاناتهم وتنوعاتهم، وذلك من أجل تعميق الحالة المؤسسية في الأمة.

ثالثاً: أخلاقيات الحركة الإسلامية. يحاول السيد الشيرازي في هذا السياق، أن يحدد مجموعة من الصفات والأخلاقيات، التي تعتبر بمثابة العمود الفقري لنجاح الحركة الإسلامية. وأهم هذه الأخلاقيات هي:

التعاون وهو يعني: «نبذ التفرقات والتنسيق بين كافة المنظمات والأحزاب والجمعيات والمكتبات ودور النشر والمؤلفين وما أشبه. فلنجعل التعاون بين كافة المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم واجتهاداتهم وبلادهم وقومياتهم»[8] ولا ريب أن بوابة التعاون، هي المعرفة المتبادلة. إذ لا يمكن لأي طرف أن يتعاون مع آخر يجهله. وإنما دائماً يسبق التعاون العملي معرفة عميقة متبادلة، تؤهل كلا الطرفين لمشروع التعاون. لذلك فإننا ينبغي أن نشجع لقاءات التعارف والحوار والتواصل بين مكونات الحركة الإسلامية ومؤسساتها المختلفة.

نظافة القائمين بالحركة، بمعنى الاهتمام الجدي بالبعد التربوي في حياة أبناء الحركة الإسلامية، حتى يكونوا مصداقاً حقيقياً لأخلاق ونقاوة الإسلام. وهذا الاهتمام الجدي يبدأ بالعناية بالتربية الروحية والأخلاقية، ويتواصل بتنمية الحس الديني وتعميق مفاهيم وأخلاق الإسلام، ويصل إلى تحكيم قيم الدين في الحياة الخاصة والعامة.

فهم ارتباطات الحياة بمعنى أن التغيير الاجتماعي يسير وفق هدى ونواميس اجتماعية ثابتة، ومن المهم استيعاب هذه القوانين ومعرفة آليات فعلها، واتجاهات سيرها. وهذا الاستيعاب يتطلب فهم قوانين التغيير الاجتماعي، وإدراك آليات التمكن، والعمل وفق القواعد والنواميس الاجتماعية.

الاستقلال ويعني أن لا تتحول الحركة إلى ريشة في مهب رياح النزعة الفردية والشهوات والمصالح والطموحات الشخصية، وان لا تضحي حبة ملح في محيط مليء بالتيارات والخطوط السياسية، حتى لا تستقطبها القوة، وتستهويها مظاهر السلطة والزعامة..

رابعاً: السلام، حينما يؤمن الإنسان بالله سبحانه وتعالى، ويجعل كل حركاته وسكناته بتوجيه الهي، رباني، حينذاك تغمره حالة الرضا والأمن والاطمئنان ((أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ))[9].. وتفيض هذه الحالة الربانية في كل سيرته وحياته. وفي هذه الحالة يعيش المؤمن سلاماً مع الذات والضمير، وسلاماً مع العلم والعقل والمنطق، وسلاماً مع الناس وبني البشر، وسلاماً مع الوجود كله ومع كل موجود. وبالإمكان تحقيق قيمة السلام في الحركة الإسلامية عن طريق الأمرين التاليين:

الانتخابات الحرة داخل الحركة الإسلامية، حتى تتمكن من استيعاب جميع التصورات والتطورات التي تحدث في داخل الحركة. لأن الكثير من الانشقاقات والتصدعات الداخلية، تأتي من جراء عدم قدرة القيادة الحركية على استيعاب التطورات والتحولات التي تحدث في جسم الحركة.

الأجنحة الحرة والقوى المتكافئة والجماعات المتكاملة ذات الاتجاهات المتعددة، بمعنى أن تتحول الحركة الإسلامية إلى مشروع حضاري متعدد الاهتمامات وقادر على استيعاب جميع الطاقات والقدرات والكفاءات.

خامساً: الاكتفاء الذاتي وذلك عبر الاهتمام بمقومات الاكتفاء الذاتي، ورعايتها وتنميتها في المجتمع والأمة.. والذي لا يبدأ ضخماً واسعاً عميقاً، وإنما هو كالنبات ينمو رويداً رويداً. ومهمة الحركة الإسلامية هي: التعبئة النفسية والثقافية باتجاه الاستغناء عن البضائع الأجنبية، وتشجيع السلع والمنتوجات الوطنية. لذلك فإن النواة الأولى لعملية الاكتفاء الذاتي، هي توفر الإرادة السياسية ووجود مشروع وطني واضح المعالم، يشجع ويحتضن الصناعات الوطنية، ويبدأ بالاستغناء التدريجي عن البضائع الأجنبية.

سادساً: منهج الحكم الإسلامي، الذي ينبغي أن يلتزم بالأمور التالية:

بالشورى، فليس الحكم في الإسلام ثيوقراطياً أو استبدادياً، وإنما هو يعتمد على قاعدة الشورى في مختلف شؤون الحكم.

وبالأحزاب الإسلامية الحرة، التي تمارس عملها في إطار القوانين، وتسعى ببرنامجها ومشاريعها نحو تقوية المجتمع والوطن وسد ثغراته.

أمّا وظيفة الحكومة في الإسلام فهي تنحصر في:

حفظ العدالة الاجتماعية، كي لا يتعدى أحد على أحد، حفظ البلاد من الأعداء الخارجيين التقدم بالأمة إلى الأمام في جميع مرافق الحياة، وبالتالي فإن «من الضروري أن يوفر النظام الإسلامي للجماهير العلم والمال والحكم على حد سواء. أي أن يكون الحكم الإسلامي، بحيث يوفر الأجواء الصالحة، لأن يتمكن كل إنسان من التعلم بقدر ما يشاء، ومن أن يصل إلى الحكم كسائر من يصلون إلى الحكم، وان يتمكن من الاستفادة من المال حسب طاقاته»[10].

مواصفات الإنسان الحركي

لا يكتفي السيد الشيرازي ببيان أسس الحركة الإسلامية، وإنما قام بتأصيل وبلورة مواصفات وخصائص الإنسان الفرد في داخل الدائرة الحركية الإسلامية. وأهم هذه المواصفات التي طرحها الراحل الكبير هي:

الوعي السياسي: باعتباره من الأركان السياسية لعملية التغيير الاجتماعي. إذ بدونه ستعيش عملية التغيير مجموعة من المشاكل والمعضلات التي لن تتمكن من التخلص منها بفعل ضبابية الرؤية السياسية أو ما يسمى بـ(غياب أو ضعف الوعي السياسي). لذلك فإن من الأمور الضرورية التي ينبغي أن تتوفر في أبناء الحركة الإسلامية جميعاً (الوعي السياسي) بجانبيه، السلبي بمعنى أن يفهم الإنسان الواقع السياسي المعاصر بكل عناوينه ومحطاته والإيجابي بمعنى أن يفهم الإنسان طرق العلاج، وسبل الخروج من مآزق الواقع. لذلك يدعو الإمام الشيرازي إلى ضم دراسة السياسة إلى جانب سائر الاختصاصات الدراسية الأخرى في المناهج التعليمية والثقافية بالنسبة إلى طلاب العلم سواء كانوا دينيين أو زمنيين.

التربية الروحية: وقوامها تقوية أواصر العلاقة بين العبد وربه، والعمل على تحقيق حقائق الإيمان في نفس الإنسان، حتى لا تبطره النعمة ولا تؤيسه النقمة. وإنما يكون متزناً ومعتدلاً لتسلحه بتربية روحية عالية، يتجاوز بفضلها المشكلات والعقبات التي تعترض طريق التغيير والبناء.

جمع الطاقات والقدرات: من سمات المجتمع المتخلف، أنه لا يستفيد من الطاقات المختلفة التي تعيش فيه. وإما يحاول وأدها وقتلها وتضييق الخناق عليها، حتى لا تمارس كفاءتها وطاقتها. ولكي نواجه هذه الظاهرة السيئة، لابد لأبناء الحركة الإسلامية من جمع الطاقات وعدم هدرها وتشتيتها، والعمل على تفجير كل الطاقات والقدرات في الوجهة الصحيحة. ويقول الإمام الشيرازي: «إن على الإنسان الذي يريد ممارسة التغيير أن يجمع القطرات من أجل هدم الأبنية السابقة وتشييد الأبنية الجديدة مهما طال الزمن ومهما احتاج إلى ضم قطرة وذرة إلى ذرة وعمل إلى عمل وجهاد إلى جهاد، وذلك بفارغ الصبر، وجميل الانتباه»[11].

بعد النظر والرؤية المستقبلية: من القضايا الرئيسية التي ينبغي لأبناء الحركة الإسلامية أن يلتزموا بها ويجعلوها نصب أعينهم دائماً، هي مسألة المستقبل والعمل وفق حاجاته ومتطلباته. لأن الكثير من الأمراض التي قد تصيب جسم الحركة الإسلامية ناتجة بفعل غياب الرؤية المستقبلية والاستراتيجية في مسيرة الحركة الإسلامية. لذلك فإن المطلوب أن تتجنب الحركة الإسلامية ردود الأفعال الارتجالية، وتعتمد على خطة دقيقة ومدروسة في جهادها ونضالها، حتى لا تقع في شرك الأعداء ومؤامراتهم.

فقه الحركة الإسلامية

لعل من المهم في هذا الإطار، بيان بعض الاستنتاجات، التي تم الوصول إليها بالمزج بين عنصرين أساسيين: قراءة واقع وتجربة الحركة الإسلامية خلال العقدين الماضيين، والرؤى والبصائر والأفكار التي سطرها السيد الشيرازي في هذا السياق.

إن الحركة الإسلامية، ليست حركة احتجاجية، جاءت بفعل تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبيئتها هي الفقر والتخلف وأحزمة البؤس. وإنما هي حركة ثقافية ـ حضارية ذات رسالة تسعى من خلالها إلى النهوض الحضاري الشامل، وتعتمد الحركة في مشرعها الحضاري على قدراتها الذاتية، والقوة التعبوية الهائلة التي يمتلكها الإسلام في بعث الهمم ومضاعفة الجهد ومقاومة كل عوامل الانحطاط والتخلف.

إن البنية الداخلية للحركة الإسلامية، ينبغي أن تعتمد على نظام الشورى والحرية، باعتباره النظام الأمثل في تفجير الطاقات وصقل المواهب واستيعاب الكفاءات، ومنع عمليات الانشقاق والتصدعات الداخلية. وبهذا تشكل الحركة الإسلامية في بنيتها وعلاقاتها الداخلية البديل الحضاري لحالات الاستبداد والإقصاء ونفي الرأي الآخر.

إن فقه الحركة والعمل الإسلامي بمختلف أشكاله وصوره، ما زال بحاجة إلى تأصيل شرعي وقرآني في أساليبه وتكتيكاته، حتى يصبح فقه الحركة الإسلامية من المراجع المعرفية الثابتة التي تشارك في صياغة عقل الإنسان المسلم. وتقع المسؤولية الأولى في ذلك على قيادات الحركة الإسلامية ومفكريها، حيث ينبغي لهم الاهتمام بالحقل الفكري للحركة الإسلامية، ومحاولة العمل على تأصيل مسيرة الحركة الإسلامية الفكرية والعملية من أجل وضوح الرؤية وتركيز الجهد لخلق جيل إسلامي جديد، يتجاوز كل ثغرات التجارب الماضية، ويمتلك الإمكانات الكافية لإضافة الجديد على مستوى الفكر والتجربة.


[1] ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص7، مؤسسة البلاغ، الطبعة الثانية، بيروت، 1986م.

[2] ـ المصدر السابق، ص19.

[3] ـ المصدر نفسه والصفحة نفسها.

[4] ـ المصدر نفسه والصفحة نفسها.

[5] ـ سورة الحجر، الآية 19.

[6] ـ سورة الأنفال، الآية 60.

[7] ـ المصدر السابق، ص51-52.

[8] ـ المصدر السابق، ص100.

[9] ـ سورة الرعد، الآية 28.

[10] ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص310.

[11] ـ الإسلام ومتطلبات التغيير الاجتماعي ـ ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين ـ ص74، مؤسسة البلاغ ـ الطبعة الأولى، بيروت 1992م.