قانون العقوبات في الاسلام

قد ذكر جمع من أعاظم الفقهاء أن لا حدود إلاَ في زمان الحضور ، ولعل يلزم أن تؤجل الحدود إلى سنوات وذلك حسب قاعدة ( الحدود تدرء بالشبهات ) و( لا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) . ويحلَ محلها التأديب بالسجن والغرامة والحرمان عن بعض الحقوق كحق السياقة وما أشبه حتى لا ينتهي الأمر إلى الفوضى والهرج والمرج وفي كل ذلك يقتصر على اقل قدر ممكن حيث إن الأصل في الناس الحرية كما إن الأصل احترام الأموال والحقوق ، ويعيَن ذلك القدر ( شورى الفقهاء ) بأكثرية الآراء ، بعد التشاور مع الخبراء من العلماء والأخصائييَن ورؤساء الأحزاب والنقابات وغيرهم - كلَ فيما يرتبط به - فاللازم أن يعمل بحيث لا يتهم الإسلام إطلاقاً لقاعدة التزاحم و( الأهم والمهم ) ويحفظ كيان الدولة ، ولا يصل الأمر إلى ( الهرج والفوضى ) ولذا لم يطبق الرسول ( ص ) وعلي ( ع ) كثيراً من الحدود - كما ذكرناه في كتاب الدولة الإسلامية وقد تكرر منهما ( ع ) ذكر لفظ ( لولا ) و( لانهدم عسكري ) وما أشبه ذلك، ولا يجري الحد فيما لو كانت الأجواء غير إسلامية ، فإذا لم يكن الحكم إسلامـي والإقتصاد الإسلامي والسياسة الإسلامية وما أشبه مطبَقاً لا يجري عليه الحـد فيما لو سرق أو جرح مثلاً ، نعم للحاكم تأديبه بما يراه مناسباً . والمعـيـار فــي كـون الأجواء إسلامية ليس هو الإعلام والشعارات بل هو تطـبـيـق غالـبـيـة القــوانـيـن الإسلامية في السياسة والإقتصاد والإجتماع والمعاملات و.. بحيث يصدق عـرفـاً أن ( قوانين الإسلام ) مطبَقة في هذا البلد .
وللحاكم الشرعي حق العفو فيما لو كانت هناك مصلحة أهم كمـا عـفـى الرســـول الأعظم ( ص ) عن أهل مكة وعن بعض من وجب عليه الحد . وكمــا عـفـى الإمـام أمير المؤمنين ( ع ) عن أهل البصرة وعن بعض من وجب عليه الحد . والحـاكـــم - بمشورة مع سائر الفقهاء - يقوم بتشخيص الأهم في صورة التزاحم بـيـن مصـلـحة اجراء الحكم وبين مفسدة تأجيج نار الفتنه أو تشويه سمعة الإسلام مثلاً .

الاقليات في الاسلام

الطوائف التي تشتمل عليها الدولة الإسلامية ، تنقسم إلى ثلاثة أقسام :

أ- طوائف إسلامية مختلفة في بعض الخصوصيات .

ب- طوائف غير مسلمة ولكنها كتابية .

ج- طوائف غير مسلمة وغير كتابية .

فالطوائف المسلمة : لها وعليها ما قرر في الإسلام ، ولا يحق للجهة الحاكــمــة أن تضطهد الجهة الأخرى ، إن كانتا مختلفتين في المذهب ، ولهم الرجوع في أحوالهم الشخصية وشؤونهم العبادية وشبهها إلى قضاتهم وعلمائهم حسب ما قرره الإســلام ، والكتابيون وهم ( اليهود ) و( النصارى ) و( المجوس ) يعامل معهم معاملة أهل الذمة فهم في ذمة الإسلام ، لا يعتدى عليهم ، ولا يراق لهم دم ، ولا يباح لــهــم مــــــال ولا يهتك لهم عرض ، ومن اعتدى عليهم عاقبه الإسلام ، بما هو مقرر في الحقوق والقضاء ، ويعمل معهم حسب قانون الإلزام ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم .

حقوق المرأة في الإسلام

أما بالنسبة إلى المرأة، فإننا لا نجـد بين جميع الأديان والقوانين الوضعية من منح للمرأة الحرية وحفظ حقوقها كالدين الإسلامي الحنيف.

فقد أغرت الحضارة الغربية المرأة وأخرجتها من البيت إلى الشارع وأفقـدتها أنوثتها بعد أن اشتغلت بالأعمال الشاقة والخشنـة.

وكذلـك دفعتـها لأن تبيـع كرامتـها لشركات الإعلان والجنـس والموضـة، وما شـابه ذلك، بينما يـجِّل الإسلام المرأة سـواء كانت بنتاً أم زوجة أم أختـا أم أُمّاً، ووضعهـا فـي مكانتها اللائقة التي تناسبها.

وفي ظلّ الإسلام اشتغلت المرأة في كل الأعمال التي تناسب طبيعتها ولا تتناقض مع أنوثتها، فكن خطيبات ومؤلفات ومرشدات وأئمة جمـاعة للنساء في الصلاة.

وكما فعل رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) يمكن أن نُوجد مساجد وحسينيات ومدارس ومكتبات خاصة للنساء.

ويمكن للمرأة أن تنشئ الجمعيات الأسرية وجمعيات الدفاع عن حقوق المرأة وكـذلك الجمعيات الإرشادية التي تقوم بإرشاد النسـاء اللواتي هنَّ بحاجة إلى التوجيه والإرشاد، ومـن وظائفها حل المشكلات الـتي تعاني منها النساء في مختلف نواحي الحياة الاجتماعية والعملية والأسريـة. هذا من موقف الإسلام.

أما موقف الغرب فهـو دفـع النساء إلـى التحلل والخلاعة، والى ممارسة أنواع المفاسـد وأنواع الأعمال المعيبة التي لا تتناسب مع شرفها وكرامتها.

حقوق الانسان في الاسلام

إن الإسلام سبق القوانين الوضعية في الزام الدولة بصيانة الحقوق الحيوية لكل إنسان ، وهي : حق الحياة وحق الحرية الشخصية وحق الملكية الخاصة وغيرها فقد قال سبحانه بالنسبة إلى الحق الأول : ( من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً ) ، وفي رواية : (من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه آيس من رحمة الله ) ، وقد قرر في الإسلام القصاص والدية حتى في الغمز بالكف ونحوها . وأما حق الحرية الشخصية أي أن يكون الإنسان آمناً على حريته ، فلا يحبس أو يعتقل أو تحدد أقامته أو ما أشبه ذلك من حقه في كل حرياته إلا في الموارد المنصوصة عليها في القرآن والسنة المطهرة فذلك واضح لكل أحد ، وقد ورد في ذلك متواتر الروايات ، وقد اشتهرت قاعدة : (الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم ) بل قامت الأدلة الأربعة في الشريعة الإسلامية على ذلك.

حكم السارق

يمكن للفقهـاء أن يجمِّدوا حكم السارق إذا كان في ذلك أثر سلبي علـى سمعة الإسلام، فيختارون حكماً بديلاً عن قطع اليد لتأديبه، مثل سجنه لمدة عام أو أخذ مقدار من المال أو نفرض عليه شكلاً من أشكال الحرمان.

مثلاً يتم حرمانه من حـق الانتخاب لمدة من الزمن أو يمنع من قيـادة السيارة أو ما أشبه ذلك من عشرات الحقـوق الأخـرى، هـذا الأمـر مرتبـط بالفقهاء وبتشخيصهم وبكشـف البدائل.

وقد قال بعض الفقهاء بعـدم إجراء الحدود في عصر غيبة الإمام المعصوم(عليه السلام).

على أي حال: فالمجرم يجب أن يؤدَّب، وهذا متفق عليه بين الفقهاء، أما كيف يتـم تأديبه، فهذا يشخص

من قبلهم، فالذين يقولون بإجراء الحدود في عصر غيبة الإمام المعصوم(عليه السلام) يضعـون شروطاً صارمة، فالسارق لا تقطع يده إلاّ بشروط كثيرة.

إن قطع اليد لا يتم إلاّ بتوفر الشروط.، فحسب تتبعي للكتب الفقهية هنـاك أكثر من أربعـين شرطاً لقطـع اليـد ولذلك لم تقطع من صدر الإسلام حتى عهد المعتصم العباسي إلا ثمانية أيـدي، ويعود السبب في ذلك إلـى قلّة الجريمة فـي الدولة الإسلامية، بسبب القوانين الاقتصادية السارية، فقـد سن الإسلام قانون حيـازة المباحات: (الأرض لله ولمن عمرها) ،كما ورد في الحديث الشريف.

وعلى فرض افتقار أحد المسلمين للمال، فإنه سينال نصيبه من العيش من بيت مال المسلمين.

الجواب الثاني: إذا كـان قطـع يـد السارق سبباً للدعاية المغرضة ضد الإسـلام، والقـول بأنـه دين لا يعرف الرحمة والشفقة وما أشبه ذلك، فإنّ ذلك من شأنه تأجيل العمـل بهـذا القانـون فقـط دون سائر العقوبات، حتى يتم توعية الناس بأغراض هذا القانون، والعمل بقانون آخر يعتمده الإسلام فـي تشريعه وهو(الأهم والمهم )، فـإذا كان تطبيق عقوبة قطع يد السارق ـ مثلاً ـ موجباً لإهانة الدين الحنيف ولما كانت سمعة الإسلام أهم من تطبيق هذا القانون الجزئي، فإنه من الممكن تأجيل هذا الحكم للوقت المناسب، كما ورد في مضمون الرواية: (الامتناع عن إجراء قانون الحد والقصاص في بـلاد الكفر) ، ولعل السبب هو الحفاظ علـى سمعة الإسلام وعدم فسح المجـال لأعداء الدين بترويج الدعايات ضد الإسلام، فيمكننا حينئذ استبدال الحد الشرعي ـ قطع اليد ـ بالعقوبات التأديبية كالسجن أو الغـرامة أو ما أشبه ذلك، وهذا لا يعني أن نعطل جميع العقوبات الإسلامية أو نسرع في تأجيل العمل بالعقوبات الإسلامية أو استيراد قانون للعقوبات من دول الشرق والغرب أو تسن عقوبات حسب أهوائنا.

الفرق بين العدالة والمساواة

العدالة والحرية تنافي المساواة بين الرجل والمرأة.

ولتوضيح جانب المنافاة بين العدالة والمساواة نقول : العدالة هي إعطاء كل ذي حق حقه، والمساواة إعطاء بدون تفريق، فإذا كان عندنا حَمام وعصفور، وأعطينا العصفور بحجم ما يحتاجه الحمام، فيكون ذلك مساواة ؛ ولكن هذا ليس منطقياً، فـانّ العصفـور سيموت من التخمة، وإذا أعطينا الاثنين مقدار ما يحتاجه العصفور، فإنّ الحمام سيموت من الجوع.

إذن لابد أن نفرِّق في كمية الطعام بين الحمام والعصفور، حـتى يشبع الاثنان ولا يتضررا سواء فـي الكثرة أو القلّة، ولتوضيح جانب المنافاة بين الحرية والمساواة نقول : في مجال القانون لا يمكن أن نعتبر الناس جميعاً متساويين في كل شيء، لنضرب مثالاً على ذلك.

الرجل السنّي يستطيع أن يطلّق زوجته ثـلاث مرات في مجلس واحد فتحرم عليه، فلا يستطيع أن يعود إليها مرة أخرى، بينما الرجل الشيعـي لا يستطيع أن يطلّق زوجته ثلاث مرات في مجلس واحد، فهذا الطلاق يعتبر طلاقاً واحداً فلا تحرم عليه حرمة أبدية.

فإذا أردنا أن نضع قانونـاً يسـاوي بينهمـا، فهو خلاف لحرية أحدهما، وإذا فرّقنا فليس مساواة وكذلك يجري الأمر على بقية المذاهب والأديان من المسيحيين واليهود وغيرهما، فـلا يمكن أن نضع قانوناً يساوي بين الجميع في مثل هذه الأمور المختلف عليها، والناس أحرارٌ في اختيار المذهب والمسلك الذي يريدونه.

مثال آخر: إن الشيعة يشترطون في الطلاق شاهدين عادلين، بينما لا يشترط السنة ذلك، فإذا قلنا بوقوعه بدون شاهد يكون خلافاً لحرية الشيعة، وإذا قلنا بعدم وقوعه بدون شاهدين يكون خلاف لحريـة السنة، ولو قلنا نعمل بقانون آخر، كشاهد واحد، فيكون خلافاً لحرية الاثنين، وبالتالي لا مجال للمساواة فـي مثل هذه الأمور.

وهناك مجالات كثيرة في تطبيق المساواة.

منها: المساواة في العقوبة: فعقوبة الزنا تجـري على الشريف والوضيـع بنفس الكيفيـة، وعقوبة السرقة تنفذ على السارق سواءاً كان وزيراً أو إنساناً عادياً.

المساواة في الأمور النظمية كحركة المرور، فالجميع يجب أن يتقيد بإشارات المرور حفاظاً على نظم المجتمع.

وفي أمـور التعليم والصحة العامة وتشكيل الأحزاب والجمعيات والنقابات، فهذه الأمور يجب أن يراعى فيها جانب المساواة.

ولو إن رجلاً شيعياً طلّق زوجته السنية ثلاثاً في مجلس واحد أو العكس، فكذلك هنا نجري قانون(الإلزام) وتحرم الزوجة مؤبداً. و قانـون الإلزام(ألزموهـم بما التزمـوا به) وهـو طريـق معبّد لحل مشاكل الأقليّات الدينية فـي البلاد الإسلامية، حيث يلزمون بما التزموا به، وإلى جانب هـذا القانون هناك قوانين أخرى ذات أثر كبير فـي حل مشاكل الناس من طوائف أخرى، مثل قانون(العسر والحرج) قال تعالى: (ما جعـل عليكم فـي الدين من حرج) وقانون(الضرورات) وقانون(التيسير) حيث ورد في القرآن: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

ومن مصاديق قانون التيسير عنـدما يكون اثنان من دينين مختلفين، فيكون الصحيح اتباع طريق آخر.

مثلاً: في لبنان رجل مسلم تزوج من امرأة مسيحية أو رجل مسلم شارك رجـلاً مسيحيا في التجارة أو في أي عمل آخر، إذا وقع النزاع واللجوء إلـى الفراق، فنحن هنا نتبّع قانون(الإلزام)، إن كان مناسباً وإلاّ فإننا سنتبع القوانين الأخرى.

مقياس التقوى في الإسلام

الإسلام يساوي بين الجميع فـي الحصول علـى العلم والمال والقدرة والمنصب والسلام وما أشبه ذلك.

فرفع لواء الدعوة إلى القومية العربية، يوجب ظهـور التعصب القـومي عند الآخرين، فلا يستغرب عندما يثور الأكراد وهـم يطالبون بحقوقهـم، لأن الدعوة إلى القومية السبب فـي ذلك، لأنهاّ دعوة لا تتفق مع مقاييس إسلامية ولا عقلية ولا واقعية.

فالإسـلام يقول: (إنا خلقنـاكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم)، فالمقياس في الأفضلية هو التقوى، لذا كان بلال الحبشي وصهيب الرومـي وسلمان الفارسي وأبوذر العربي، سواسية في نظر الإسلام، وإني لأتذكر إبان الحرب العالمية الثانية لم يكن لهذه النعرة من وجود. إذ ليس هناك من يقول هذا عربي وهذا فارسي وهذا كردي وهذا تركي وما أشبه ذلك، فالكل كانوا إخوة يعيشون فـي ظل الإسلام الحنيف ويتزاوجون فيما بينهم، ويشتركون في التجارة ويعملون معاً في إنجاز المشاريع وحتى في أمور الدفاع عن البلد كانوا يداً واحدة.

أما ثانياً: فان القومية خـلاف العقل، لأن التمايز الأصلي في كفاءة الإنسان وقـدراته وليس في لسانه وما ينطق أو لون بشرته أو عرقه، فهذه أسس مادية للتمييز لا قيمة لها مطلقاً.

أمّا ثالثاً: فالواقعية تقتضـي أنّ يعيش الإنسان بجنب أخيه، لأنّ الإنسان بحاجة إلـى أخيه الإنسان، فالعربي يستعين بالكـردي، والتركي يستعين بالعربي، وهكذا كانت الحياة وستبقى.

وقد استطاعت أوربا التخلص من النـزعة القومية بعد تــجربة مريرة جرّت عليها الوبال، فالحروب التي اشتعلت بين فرنسا وبريطانيا كانت وراءها دوافع قومية.

واكتشفوا إن موروث القومية هو الدمـار والخراب، الأمر الذي جعلهم يغيرون رأيهم في القوميـة، فألغوها من جذورها، وأنتم الآن أخذتم التجربة على علاتها بعد أن تركها أصحابها، وبعد أن ثبت فشلها، وعلى قول المثل: (من جرّب المجرب حلّت به الندامة).

الاسلام رسالة كاملة

لقد بعث الله سبحانه وتعالى النـبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) برسالة الإسلام كاملة وليس فيها أي نقص، لأنّ النقص يأتي من الناقـص، وإن الله سبحانه وتعالى منزه عن النقص، فكل ما يفعله أيضاً منـزَّه عن النقص، لذا فالإسلام ليس بحاجة إلى من يكمله لانه يتضمن الإسلام قوانين ثابتة ودائمة، وهي نصوص واردة نحو: (حلال محمد حلال إلى يوم القيـامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة).

وهناك قواعد عامة جعلها الإسلام للمسائل المتجددة والمتطورة، تنسجم هذه القواعد مع اختلاف الزمان والمكان.

مثلا: في باب المعاملات: قال الله سبحانه وتعالى في محكـم كتابه: ( فلكم رؤوس أموالكـم لا تظلمـون ولا تظلمون)، فالإسلام بهـذا النص يضـع ميزاناً لتملك رأس المال.

يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم): (لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)، وهي قاعدة عامة في كل زمان ومكان، يقول الله عز وجل: (أحل الله البيع وحرم الرِّبا)، وقال عز من قائل: (تجارة عن تراض)، وقال أيضـا: (أوفوا بالعقود)، وقال أيضاً: (فرهان مقبوضة).

فالدين الإسلامي الحنـيف لم يتـرك فراغاً في حياة البشرية، فهو لا يحتاج لغيره، وقد أرجع علماء الإسلام جزئيات الحياة إلـى هـذه القواعد العامة، كإرجاع الصغرى إلى الكبرى في كل باب.

لذا أرى من الضروري تشكيل لجنة من علماء السنة والشيعة يقوم كلٌّ علـى اجتهـاده ولاتباعه باستنباط الأحكام الجزئية من تلك القواعد الكلية وتقديمها للدولة، كما تفعل اليوم بعض الحكومات الكبرى كبريطانيا، مثلاً.

فبالقضاء البريطاني مثلا يستند في إصدار قراراته على العرف والعادة، حيث يجلس القضاة في مجلس القضاء ويستنبطوا أحكامهم علـى أساس تلك القاعدتين.

وقد كسب القضاء، بذلك رضا الناس على الأغلب خلال الفترات المنصرمة من تأريخـه، والسبب هو أنه ينطلق نسبياً من المصلحـة العامة وليـس من المصلحة الخاصة، فالذي يخسر القضية لا يخسرها بسبب عوامل ذاتية، فالناس يعرفون أن القاضي لا يظلم، وإنما يحكم على أساس العرف والعادة، كمـا وإن الخاسر للقضية صحيح أنه خسـر نظراً للمصلحة الخاصة، لكنه ربح كثيراً بالنظر إلى المصلحة العامة، فقد أخـذوا منه الحق ليعطوه لأصحابه.

الأرض لله ولمن عمرها

لو أجري قـانـون: (الأرض لله ولمن عمّرها)، لساد الرفاه في المجتمع، ولانظَمَّ ملايين الناس إلى الإسلام، فبهذا القانون جعل الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الأرض بمنـزلة الهـواء والماء ونور الشمس، فكما أن هـذه الثلاثة مباحة للجميع كذلك الأرض.

وهـذا واضـح: لأنّ خالق الماء هـو نفسه خالق الأرض.

والذي جعل الماء هبة للناس جعل الأرض أيضاً هبة، والذي جعل نور الشمس يستنير به الجميع جعل الأرض سكناً للجميع.

ولأجل هذا انشدَّ الناس إلـى الإسلام فـي القرون الماضية، ثم جاء البعض بعـد ذلك ووضع هذه الأرض

ـ التي حباها الله للجميع ـ ملكاً للدولة، فأُخذ المال من الناس، ومنع البناء إلا بأخذ الرخصة والإجازة، ثم طولب الناس بأن يقيدوا أملاكهم عبر الروتين الإداري، هذه الأمور لم تكن موجودة يـوم ذاك، ولو طبق حديث الرسـول الأكرم (صلّـى الله عليه وآله وسلّم) : (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به) لالتفّ الناس حول الحكومات ونصرتها.

ومعنى الحديث الشريف أن من يسرع إلى استخراج الملح فهو المالك له ولاحقّ لغيره مزاحمته في ذلك.

ومن يسرع إلى منجم الذهب ويستخرجه فهو أحق به لأنه سبق الآخرين إليه.

ومن يسرع إلـى منجم الألماس فهـو المالك له لأنه أسبق الناس إليه.

والشرط الذي وضعه الله سبحانه وتعالى هو (لكم) فليس هناك استثناء ولا تفضُّل ولا ميِّزة لقسم على آخر.

وبعبارة أخرى هذه كلّها لمن سبق في إطار قوله تعالى(لكم) فلا يحق لأحد ـ تاجراً كان أم دولة ـ حيازة الكل.

أما الحكومات الحالية فانها تقول كـل شـيء ملك للدولة، وإنها صاحبة المال والحـق فـي التصـرف، لذا نقول لكم ارجعوا إلى منهج الإسلام ووضّحوا حقيقة الإسلام في المناهـج الدراسية، حـتى يعرف المسلمـون سرّ تقدم الإسلام.

وإذا لم تفعلوا ذلك، فإنّ المسلمين سيذهبون لا محالة إلـى الغـرب ـ فضلاً عـن عدم دخول الغربيين في الإسلام ـ لأن الغرب يمنح قدراً مـن الحـرية ويعطي قسطاً من العدالة الاجتماعية.

الأمة الإسلامية امة واحدة

يقول القرآن الكريم: (إن هـذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون).

وإحـدى عـلائم الأمة الواحدة إزالة الحدود الجغرافية بين البلاد الإسلامية، ومنذ عهـد النبي الأكرم) صلى الله عليه وآله وسلم)، وحتى قبل خمسين عاماً لم تكن هناك أية حدود بين بـلاد المسلمين، وان هذه الحدود من صنائع الغرب لتمزيق المسلمين.

وأنا أتذكر أنّ الناس كانوا يسافرون مـن العراق إلى إيران ومنها إلى الهند، ومن إيران إلى الحجاز وإلـى أي بلد إسلامي بدون جـوار سفر وبـدون تأشيرة دخول وبدون ختم الدخول، وكان المسلم يبقـى فـي البلاد الإسلامية بدون إقامة وكان يعمـل بدون إجازة، ذلك لأن الأمة كانت أمة واحدة.

أما الآن فلسنا أمة واحدة، لقد أمسينا خمسين أمة.

وقد كانت في السابق حكومات متعددة أيضـاً، فقد كانت هناك حكومة في إيران مستقلة عن الحكومة التي تحكم فـي الدولـة العثمانية، ومع ذلك لم تكن هناك حدود بين إيران وتركيا.

الرسول الأعظم(صلـى الله عليه وآله وسلم) يقول إنكم أمة واحدة، والقوانين السائدة في البلاد الإسلامية تقول إنكم أمم متعددة.

أما ترى إلى الهند كيف كان هـذا البلد ممزقاً ومجزأً إلى أكـثر من ثلاثمائة حكومة، وكيف استطاع حزب الشعب بزعامة غاندي من توحيد هذه الحكومات، وتشكيل حكومة واحـدة، فزالت الحدود بينهم، وأصبح بمقدور الإنسان الهندي أن يسافر من ولاية إلـى أخرى بدون جواز سفر أو وثيقة عبور أخرى.