الحرية في فكر الإمام الشيرازي

أبو أحمد البغدادي

لا جرم أن تاريخ الوجود الإنساني هو تاريخ التنوع في الميول والمذاهب والاتجاهات العقدية، وكذلك التعدد الشامل المستوعب لجميع مظاهر الحياة في سائر الأكوان والعوالم المادية؛ بما فيها عالم المجرات والنجوم والأقمار، وأفلاك عجيبة لا يعلم غاية سرها، وأقصى مكنونها إلا بديع السماوات والأرض سبحانه وتعالى، وأقرب من جميع ذلك عالم النباتات بكل ألوانها وصنوفها البرية والبحرية، وتنوعاتها الرائعة المعجبة؛ ابتداءً من البذرة المتناهية في الصغر إلى الأشجار العملاقة. وغير ذلك مما ينبئ بعالم هو غاية في التنوع واختلاف الأنواع والأسماء والأصناف والأجناس؛ وهو ما لا يحتاج إلى كثير تقصّي في الاستدلال، أو كدِّ فكرٍ، وإتعاب البال...

وبديهي القول أن هذا التنوع الشامل والمستوعب لجميع الأشياء قد لازمه ملازمة أكيدة تنوع في المهام والوظائف والتراكيب والأشكال... وهكذا فكلما أبعد المرء في تفكيره، وأمعن في النظر، دلّته حقائق الكون الكبرى على أن هذا التنوع سنّة مطردة في العائلة البشرية، وفي أدق دقائق الطبيعة بجميع عناصرها، وشتى تجلياتها، بما يأخذ الأعناق إلى حقيقة ثابتة مفادها أن هذا التنوع والتعدد لم يكن محض مصادفةٍ، وإنما هو ـ في الحق ـ من تخطيط وإبداع خالق البرية، عالم الغيب والشهادة، الذي علمه فوق كل ذي علم، والذي أتقن كل شيءٍ خلقه، وأحسن صنعه وأتمه.

وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة، في أن التنوع في كل شيء إنما هو مظهر من مظاهر الخلق الكبرى، وآية من آيات الإعجاز والإبداع في الخلق، ما يعني أن عظمة الله لا تتجلى في مجرد إيجاد الأشياء من العدم، بل بخلقها وإيجادها على هذه الشاكلة العجيبة في صنعها وتنوعها واختلافها، وهو ما أضفى صورة جميلة وفاتنة على الحياة في هذا العالم الفسيح... بل قد شاءت الإرادة الإلهية أن يسِمَ التنوع والتفصيل ـ فضلاً عن الدنيا ـ عالم الآخرة أيضاً، حيث حدّثت الآيات المباركات عن أن الآخرة ومنازلها، هي أكثر من الحياة الدنيا تفاوتاً وتنوعاً وتفصيلاً..

فالحق، أن هذا التنوع والاختلاف في عالم المادة، ينقل الفكر ويشد الاهتمام إلى تنوعٍ ـ من جنس آخر ـ في ميول البشر واعتقاداتهم وآرائهم وأهوائهم، وهذا غير خصوص تنوعهم في أشكالهم ولغاتهم وأعراقهم، فها هنا نلحظ مستويين من التنوع:

تنوع لا علاقة له بالعقائد الدينية، ومنه التنوع في الأذواق والعادات والتقاليد، وأنماط العيش، وطرز البناء، والزيّ، وغير ذلك مما يتصل بالثقافة بمفهومها العام، وهو تنوع هائل يضفي ـ في الغالب ـ روعة وبهجة على الحياة الإنسانية، من حيث أنه ينسجم مع التنوع التكويني للأشياء والمخلوقات...

وهناك اختلاف وتنوع يدخل في مجال الاعتقادات الدينية، وما إليها من قناعات وتوجهات تشمل الصيغ والأنماط التي ينبغي أن تكون عليها حياة المجتمعات، من حيث النظم السياسية والاجتماعية ونحوها، مما يعدّ مظهراً معتاداً من مظاهر الحياة البشرية، منذ أن وجدت، وحتى يومنا هذا، حيث لم يأت وقت على بني آدم، لم يكونوا فيه مختلفين، بل هم يحيون حياة، ميزتها التحول والتعدد على الدوام.

وبما أن المناط في جميع ما تقدم هو الحرية، إذ بدلالة الاستلزام، أن التنوع الفكري والعقائدي يرتبط عضوياً بمعاني الحرية، والمناسبة بينهما مناسبة طردية، ولا معنى ولا حياة لأحدها إذا أعدمنا الآخر، فحيال هذا التنوع هل يوجد، على مستوى العقيدة الإسلامية، وضع تشريعي ملائم لحرية الفكر والمعتقد؟

أو بمعنى آخر هل يعطي الفكر الإسلامي صفة المشروعية للآخر المخالف، أم يسلبها منه بحيث لا يعترف، أو قل يعاضل وينابذ كل ما يخالفه في عقيدته وشريعته؟!

أصالة الحرية

الأصل في الإنسان الحرية، في قبال الإنسان الآخرـ بجميع أقسام الحرية ـ إذ لا وجه لتسلط إنسانٍ على إنسان آخر وهو مثله، كما أن الأصل في الإنسان العبودية لله سبحانه، فإنه هو الذي خلقة ورزقه وكل أموره بيده، لا تصرفاً فقط، بل بقاءً أيضاً، حيث أن الإنسان باقٍ بإرادة الله تعالى، فإن أقل لحظة صرف الله فيها لطفه عن الإنسان يلحقه بالعدم، وقد مثّل الحكماء لذلك بالصور الذهنية، فإنها موجودة في الذهن، ما دام اللاحظ يعيرها الانتباه فإذا صرف ذهنه عنها، لم تكن شيئاً.

ولعل الإمام الصادق (عليه السلام) أشار إلى ذلك فيما حاصله أن إنساناً سأله (عليه السلام) عن شأن الله في الكون، بعد كونه سبحانه لا يحتاج إلى أكثر من لحظة في خلق الكون وإبقائه إلى الأبد، كما هو شأن الإنسان الذي يصنع ماكنة ثم يشغلها، ويدعها وشأنها، فلا شأن له سبحانه بعد ذلك؟ وحاصل جواب الإمام (عليه السلام): (إن الاستمرارية مستندة إليه سبحانه في كل لحظة).

وعليه فلا يتطابق المثال مع شأن الله في الخلق، كما أن قوله سبحانه: (كل يوم هو في شأن) (سورة الرحمن: 30) لعل فيه إشارة إلى ذلك.

وكيف كان، فيدل على أصالة حرية الإنسان قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)... وقد خرج عن هذا الأصل استعباد أسرى الحرب، إذا رأى الإمام ذلك صلاحاً، فإنه مخير بين أمور: القتل، السجن، الفك ببدل، الفك بلا بدل، الاسترقاق. ومن يزعم أن (الاسترقاق) إهانة لكرامة الإنسان، نسأله: هل هو أكثر إهانة أم سجنه؟ لا شك أن السجن أكثر إهانة، لأنه تقييد لحريات كثيرة، بينما الاسترقاق تقييد لحريات قليلة، فإذا جاز السجن، جاز الاسترقاق بطريق أولى، كما أن من يزعم أن القصاص في العضو قسوة، نسأله: هل القتل أكثر قسوة أم القصاص؟ فإذا كان القتل جائزاً، كان القصاص في بعض الأعضاء جائزاً بطريق أولى..

أقسام الحرية

تبين مما سبق أن الحرية ليست من الحقوق الموضوعة، حتى يعطيها إنسان لإنسان آخر، أو يسلبها إنسان عن إنسان آخر... والحرية وإن كانت حق الإنسان، ولا يمكن إيجاد التزلزل في أسسها، لكنها قابلة للتأطير بالأطر المعقولة، نذكر ذلك ضمن أمور:

الحرية الجسدية:

فكل إنسان حرٌ في بدنه، لا يُملّك، وما كان يفعله الغرب من سرقة الإنسان وبيعه والاستيلاء عليه بالقوة، كان عملاً باطلاً في نظر العقل والإسلام، إلى أن ألغاه بعض عقلائهم، وقد أحصى التاريخ أنهم في فترة خاصة، استعبدوا بمثل ذلك الطريق مائتي إنسان ـ كما في كتاب (تشريح جثة الاستعمار) وغيره ـ والعقلية الغربية الاستعمارية في هضم حقوق الشعوب هي نفس تلك العقلية الاستعبادية القديمة، لبست ثوب العصر، والحقيقة هي الحقيقة، وإن ظهرت الآن بصورة أبشع.

حرية العمل:

إن كل إنسان حر في عمله، فلا يحق لأحد أن يجبر أحداً على عمل، نعم يمكن استثناء صورة عن ذلك، وهي ما إذا كان إنسانٌ قادراً على عمل يتناسب وشأنه، لكنه لا يعمل، ويجعل نفسه وعائلته كلاًّ على الناس، فإنه لا يبعد أن يكون للدولة حق الإجبار، لأن تركه يتسول إفساد له، والدولة الإسلامية مكلّفة برعاية المصالح، وهذا منها، ومنه أيضاً الإجبار على العمل لأجل أداء دَيْنه، إذا كان قادراً على العمل الذي يتناسب وشأنه، وإذا لم يقدر، كان على بيت المال رزقه، وأداء دَيْنه.

حرية الدين والمعتقد:

كما قال الله سبحانه: (لا إكراه في الدين) (سورة البقرة: 256)، وفي هذا الأمر صُوَر وفروع:

أ - لا يُجبر إنسان أن يبّدل دينه إلى الإسلام، سواء أكان من أهل الكتاب، إجماعاً، أم من غير أهل الكتاب، على الأظهر، بدليل إطلاق الآية المتقدمة. والرسول (صلّى الله عليه وآله) لم يجبر أحداً من المشركين على الإسلام، كما في أسرى بدر، وأهل مكة، وأهل الطائف وغيرهم، وعمله (صلّى الله عليه وآله) حجة إلا إذا ثبت أنه لأمر ثانوي، كقاعدة الأهم والمهم، ونحوها، وحيث لم يثبت ذلك في المقام، فمقتضى القاعدة المستفادة من (إلا ليُطاع، وأسوة) وغيرهما، أن الحكم أولي، يلزم اتباعه (صلّى الله عليه وآله) فيه، كما لم يؤثر عن الإمام علي (عليه السلام) أنه أجبر كافراً غير كتابي على الإسلام، مع وضوح كثرة الوثنيين في زمانه، تحت حكمه.

ب - كما لا يُجبر إنسان أن يبقى على دينه، إذا أراد تبديل دينه إلى دين آخر، غير الإسلام، مثلاً: أراد الوثني أن يتنصّر، أو المجوسي أن يتهوّد، إذ لا دليل على الجبر، فالأصل عدمه، وحديث: (من بدّل دينه فاقتلوه) منصرفٌ إلى المسلم يريد تبديل دينه..

ج - الكفار الذين يعيشون في بلاد الإسلام، لهم الحرية في إبراز عقيدتهم، دون أن يدعوا المسلمين إليها، كما أن لهم الحرية في إجراء مراسيم عبادتهم، ولا يتعرض لهم مسلم بسوء، ولهم أن يعملوا بحسب شريعتهم، في عقدهم ونكاحهم وإرثهم وعبادتهم، بشرط أن لا يظهروا المناكير الإسلامية، ولهم الحرية في موارد نزاعاتهم، أن يرجعوا إلى قاضي المسلمين، وإلى قاضيهم، وإذا رجعوا إلى قاضي المسلمين حق له أن يقضي بينهم بحكم الكفار، أو بحكم المسلمين، ولا يحق للدولة التدخل في شؤونهم التي لا تضر بالمسلمين، ولا تتنافى مع مصلحة البلاد. ويأخذ المسلمون منهم المال المسمى بالجزية، كما يأخذون من سائر المسلمين المال المسمى بالخمس والزكاة، أما هم فليس عليهم خمس ولا زكاة، والجزية يجب أن تكون غير مجحفة بهم..

حرية البيان والقلم:

أما الأدلة التي أقيمت على لزوم هذه الحرية، فهي الأدلة الأربعة، من الكتاب العزيز، حيث قال الله سبحانه: (يضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم) (الأعراف: 157)، وإجماع علماء المسلمين، وإطلاق السنّة في الحرية، كقوله (عليه السلام): (وقد جعلك الله حراً). أما العقل فقد استدل به لها بوجوه، منها:

أ - لو لم يكن البيان والطبع حراً، لم تطّلع الحكومة على مواضع النقص فيها، كما لم تطّلع على احتياجات المجتمع، مع لزوم رفع الحكومة لمواضع النقص، والوفاء بالاحتياجات..

ب - إذا لم يكن البيان والطبع حراً، لم يتربّ الناس تربية سياسية، لأن التربية السياسية إنما تتولد في المناقشة، وبيان الفضائل والرذائل، والحسن والقبيح، فينظر الناس إلى الأقوال المتضاربة والآراء المختلفة، ويختاروا الحسن، ويتركوا القبيح، هذا فضلاً عن أن حرية البيان والطبع توجب كون الناس في متن السياسة لا الانزواء السياسي، فإنه كما يقال: (الحرب دولاب التقدم)، كذلك المنازعات السياسية دولاب التقدم.

ج - إذا لم يكن البيان حراً، بأن صار الكبت والإرهاب حول ذلك، أوجب الانفجار، لأن الناس جُبلوا على مقاومة الكبت، كما جبلوا على التحقيق والتعمق في الأمور الممنوعة، وفي المثل (الضغط يوجب الانفجار)، كما أن الكفاءات تظهر في جو الاحتكاك.

د - عدم حرية البيان والطبع يؤدي إلى ديكتاتورية الحكّام، إذ المعارضة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هي التي تحول دون سير الحاكم وراء أهوائه وشهواته.

حرية التجمعات والاجتماعات:

ويدخل في هذا الأصل، كل اجتماع وتجمع سواء كان وقتياً، بعقد مجلس وتداول رأي، أو غير وقتي كالشركات، والنقابات، والجمعيات، والهيئات... حيث أن العصر الحاضر هو عصر أمثال هذه الاجتماعات.

ولا حق للدولة في منع هذه التجمعات، في جميع صورها، إلا إذا أثبتت الدولة لدى القضاء، أنها ضارة، فحينئذ لها المنع، كما يحق لها المنع في كل عمل ضار..

في كسر الإضراب: لا حق للدولة في كسر الإضراب عن العمل، إلا إذا كان خلاف الوفاء بالعقد.

حرية التظاهر:

لا يجوز للدولة منع المظاهرات، وإيقافها، حيث أن المظاهرات نوع من التجمع للاحتجاج على بخس حق العمال والفلاحين، ومن إليهم، كما أنها من مظاهر الحرية التي تقدم أنها من الحق الطبيعي للإنسان.

حرية الإضراب عن الطعام:

حق الإضراب عن الطعام جائز شرعاً، وتقتضيه الحرية الإسلامية، فيما إذا لم يكن موجباً للموت أو شلّ قوة أو عضو.

هذا جانب من الحريات والحقوق التي أقرها الإسلام، ذكرناها على نحو الإجمال لا التفصيل، حتى يتبين بقدر ضروري، سعة صدر الإسلام، واستيعابه لأشكال التنوع والاختلاف، وعدم سحبه لمشروعية أي غيرٍ من الأغيار، بلا وجه حق أو توجيه معقول، وملاكه في ذلك (لا إكراه في الدين...) و(يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا) (الحجرات: 13).

وجملة القول أن الإسلام يحترم الحريات، ويوفر الحماية اللازمة لها، إلا أنه لم يتركها سائبة، لأن الحرية لو تركت سائبة، بلا ضابط ولا وازع، فستصبح ـ لا محالة ـ حالة أشنع من القيد، كما دلت على ذلك التجارب القريبة والبعيدة، ولكن ـ بما أنها تقبل التأطير ـ فقد أطّرها الدين القويم بإطار ضروري لإدامة حياة المجتمعات، وهو (عدم الإضرار بالآخرين، وعدم الإضرار البالغ بالنفس).