السيد جعفر العلوي

رؤية إسلامية فقهية في قضايا البيئة

من القضايا الكبرى التي تعاني منها البشرية في زماننا المعاصر هي التلوث البيئي، وما يتركه من آثار سيئة على الحياة البشرية والمحيط الطبيعي.

ولعل التلوث البيئي أمر من قدم الزمان فهو متعلق بانتشار البشرية وكثرة الحروب والدمار الذي أحدثه الإنسان في الطبيعة، إلا أن المعطيات السلبية للتطور الصناعي والكيمائي والنووي في العقود الأخيرة أبرزت التلوث البيئي كقضية مصيرية ذات أثر خطير على النوع البشري إن لم يتداركها أصحاب القرار في العالم أجمع.

ولقد تجلى الاستشعار العالمي بخطورة هذا التدهور في الوضع البيئي إلى عقد الأمم المتحدة مؤتمر (قمة الأرض) كما اصطلح عليه في ريو دي جانيرو في البرازيل عام 1992، غير أن هذا المؤتمر خيب ظن العديد من المهتمين بالشأن البيئي، حيث لم يخرج المؤتمر إلا بعدد من التوصيات والدراسات ومشروع قُدّرت تكاليفه بنحو 600 مليار دولار لمعالجة التلوث البيئي، ويشك في وجود تنفيذ فعلي لهذا البرنامج، فقد امتنعت بعض الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة عن إلزام نفسها بشأن بعض مقررات المؤتمر الهامة، بل حدث خلاف واسع في الجهة التي تتحمل القسط الأكبر للتلوث البيئي على المستوى العالمي.

ولقد كتب العديد من المهتمين بهذا الموضوع الحيوي دراسات عدة ومؤلفات كشفت عن مدى خطورة التلوث الذي أفسد البيئة البحرية والجوية والأرضية كما طرحت العديد من الاقتراحات والمعالجات، بينما نجد قلة بل ندرة من العلماء المسلمين ممن تناولوا هذا الموضوع من وجهة نظر إسلامية، على الرغم من الذكر القرآني الكثير لموضوع (الفساد في الأرض) والذي يندرج التلوث البيئي كأحد مصاديقه.

في هذا المجال تبرز الدراسة الفقهية التي كتبها المفكر الإسلامي والمرجع الديني السيد محمد الشيرازي كمساهمة مطلوبة سدت فراغاً مهماً في المكتبة الإسلامية. وقد ولج سماحة السيد محمد هذا الموضوع ضمن موسوعته الفقهية الفريدة، والتي بلغت أكثر من مائة وخمسين مجلداً. وهي تشكل أكبر موسوعة فقهية استدلالية في عصرنا الحديث، تناول فيها مختلف أبواب الفقه التقليدية، إضافة إلى مجلدات عديدة خصّصها للقضايا المعاصرة مثل الاجتماع والإدارة والبيئة والسياسة والاقتصاد والمرور والقانون والطب وبحوث المستقبل والحقوق وعلم النفس.

المستوى العلمي للمؤلف

يعد سماحته واحداً من أبرز الفقهاء المعاصرين. ونظراً للجهد العلمي البالغ الذي بذله المؤلف في موسوعته الفقهية والتي ابتدأها من أوائل الخمسينات ولا يزال يتابع تأليفها فإنها أصبحت موضعاً ومرجعاً للعلماء والباحثين، بل صرح عدد من كبار الفقهاء المحققين بأعلمية سماحته بناءً على تأملهم وبحثهم في هذه الموسوعة الشاملة.

أبرز من صرّّح بذلك المحقق الفقيه السيد الفاطمي الأبهري وهو من كبار أساتذة الحوزة العلمية في قم حيث قال - بعد الإشادة بموسوعة الفقه وتباحثه مع الإمام الشيرازي - : (أصدق شاهد بشرط الإنصاف وترك الاعتساف على كونه أعلم علماء العصر وفقهائهم قطعاً).

كما قال الفقيه السيد عبد الله السبستري: (من خلال مطالعة (موسوعة الفقه) و(الأصول) لسماحة آية الله العظمى الحاج السيد محمد الشيرازي (مد ظله العالي) فإن أعلميته عندي محرزة).

بل قال عنه الفقيه آية الله إبراهيم المشكيني: (إنه نابغة العصر).

وهناك العشرات من التقاريض المادحة لهذه الموسوعة من الفقهاء والعلماء. ولأهمية هذه الموسوعة فقد ترجمت بعض أجزائها إلى عدة لغات، كما اعتمد مجلس القضاء الأعلى في باكستان المجلدات الخاصة بالقضاء في الموسوعة كأحد المراجع الأساسية في القضاء الباكستاني. الجدير بالذكر، أنه نظراً للأفق الواسع لفكر الإمام الشيرازي، والذي بلغت مؤلفاته رقماً قياسياً بما يزيد على الألف وسبعين كتاباً وكتيباً؛ فقد تناول فكره بالتحليل عدد من الكتاب والدارسين، من أبرزهم الدكتور أياد موسى محمود الباحث في جامعة سكس في بريطانيا، حيث ألّف كتاباً بعنوان (دراسات في فكر الإمام الشيرازي). كما تطرح نظريات الإمام الشيرازي في العديد من المؤتمرات الفكرية الإسلامية في العالم.

إن هذه المكانة العلمية أهّلت سماحته لأن يكون مرجعاً دينياً لملايين المسلمين في العالم.

يقول الدكتور علي نوري في مقالة له عن شخصية الإمام الشيرازي: (ملايين المسلمين يرون في هذا المرجع ما لم يروه في الآخرين من الانفتاح والتعايش مع العلوم المعاصرة والحداثة، ونظرة إلى قائمة مؤلفات الإمام الشيرازي، تبين أنه لم يترك أي مجال من المجالات التي يهتم بها الإنسان المعاصر من دون أن يشرح موقف الإسلام حوله).

إطلالة على الكتاب

صدر الكتاب عن مؤسسة الوعي الإسلامي للتحقيق والترجمة والنشر في بيروت في257 صفحة بالحجم الكبير، غير أن هيئة محمد الأمين (صلّى الله عليه وآله) في الكويت أعادت طباعته بغلاف يحمل حلّة زاهية تعكس مناظر للطبيعة الخلابة التي يفترض أن يتمتع بها البشر في حياتهم، بينما ثنايا الكتاب تجعلك تعيش عمق الأزمة البيئية التي شوهت مواقع عدة في العالم.

يتميز الكتاب بأسلوب علمي شيّق واضح كما هو منهج المؤلف في الأجزاء الجديدة من موسوعته، فعلى الرغم من أن الكتاب ينتمي إلى الموسوعة الفقهية إلا أن الملاحظ أن الكاتب يخاطب به الشرائح المثقفة الحديثة، والتي يصعب عليها لغة المصطلحات الفقهية التي كان المؤلف يستخدمها بكثرة في أجزاء الموسوعة ضمن السياق التقليدي للفقه.

يقول سماحته في مقدمة الكتاب (الفقه.. البيئة): ذكرت فيه مجموعة من المسائل التي تتعلق بموضوع البيئة في المنظار الشرعي والعلمي أشرنا إليها بإيجاز لتكون إلماعاً إلى هذا الجانب المهم، عسى أن تكون مقدمة لكتابات أشمل في هذا المضمار).

ولذا فإن هدفاً أساسياً آخر للكتاب علاوة على عرض أزمة البيئة ووجهة النظر الإسلامية تجاهها هو حث المؤلفين الإسلاميين لخوض البحث في هذا المجال.

يبدأ الفصل الأول كعادة الفقهاء والمحققين في تنقيح مصطلح البيئة ومعناها الشامل. ثم ينتقل في الفصول الأخرى إلى نظرة الإسلام العامة للبيئة ويتدرج في استعراض مشاكل البيئة في صورها المختلفة مثل: التوازن البيئي، التلوث البيئي، المخلفات الصناعية، التلوث الصوتي، التلوث الضوئي، النظم البيئية، تلوث البحار، التلوث الغذائي، الإشعاعات الذرية، أضرار المبيدات الكيماوية، طبقة الأوزون، الإسراف في صوره المتعددة وآثاره في التلوث.

الجانب الفقهي في المعالجة

على الرغم من استعراض المؤلف للقضايا المثارة في الموضوع البيئي، وذكرها باستفاضة شارحاً لها ومستدلاً بإحصائيات واسعة، إلا أن المنهج الفقهي هو الذي يحكم طبيعة تناول تلك القضايا. فهو تارة يستعرض موضوع البحث بصفة تفصيلية ثم يستتبعه بالحكم الشرعي المتعلق به. فنرى المؤلف على سبيل المثال بعد أن استعرض أقسام تلوث الهواء، نراه يطرح رأيه الفقهي قائلا: (اللازم على الحكومات والجمعيات والمؤسسات والأفراد حماية الهواء من الملوثات وإيصال نسبة التلوث إلى القدر الطبيعي الذي لا يضر بصحة الإنسان).

ثم يذكر بعض أوجه مكافحة التلوث وفقاً لما توصل إليه علماء البيئة، ويعقّب ذلك بذكر الآيات والأحاديث التي يستدل بها لهذا الحكم الشرعي.

إن المعالجة الفقهية ليست عملاً فنياً صرفاً فقط، ولكن كونها تنطلق من الرؤية

الإسلامية القائلة بأن الإنسان هو محور هذه الأرض، وإن كل ما عليها هو مسخر له، بعكس التكييف العملي للحضارة المادية الحديثة بجعل الإنسان آلة تستخدم في التقدم الحضاري خدمة لطبقات معينة تستأثر بالخيرات، تاركة أكثرية البشر تعيش أتون الأزمات، لذا فوفقاً لهذه الرؤية يستخلص ويختار المؤلف ما ناسب من حلول سبق أن تقدم بها علماء البيئة وفقاً لمدارسهم العلمية والفكرية.

وينبغي أن نشير إلى أنه نظراً لندرة المعالجة الفقهية لهذا الموضوع الحيوي، فلا يوجد في الكتاب المناقشات الفقهية المقارنة والتي تميزت بها مجلدات موسوعة الفقه في المجال التقليدي والتي أشبعها المؤلف تحليلاً ومناقشة لأراء الفقهاء ومحاكمتها وفقاً للمنهج الاستدلالي.

ولعل الجيل القادم من فقهائنا أقدر على المناقشة المقارنية، انطلاقاً من هذا الكتاب والكتب الأخرى التي نرجو أن يسهم فيها علماؤنا الباحثون.

إسرائيل + الحروب = أعداء البيئة

يقول المؤلف: (تعتبر إسرائيل من أهم مصادر تلويث مياه البحر المتوسط بالزئبق، وقد تناقلت وكالات الأنباء أخباراً مفادها أن شركة حيفا للكيماويات تقوم ومنذ سنوات بدفن كميات كبيرة من مخلفات الزئبق في البحر الأبيض المتوسط وقد حاولت منظمة السلام الأخضر منعها عن ذلك لكنها لم تعتن بتحذيرات هذه المنظمة).

ويقول أيضاً: (المعروف أن إسرائيل لا زالت تمتنع عن التوقيع على اتفاقية حظر دفن المخلفات الصناعية).

كما يشير المؤلف إلى الآثار السيئة التي تتركها الحروب في إفساد البيئة ويشير على سبيل المثال إلى الآثار السيئة للغزو العراقي للكويت في البيئة الجوية والبحرية، وما تسبب ذلك من أضرار محدقة للشُعُب المرجانية بسبب وصول النفط إليها وهلاك العديد من الأحياء المائية، ويذكر أن الكويت كانت تصدر خمسة آلاف وخمسمائة طن سنوياً من الروبيان فقط، إلا أنها توقفت عن ذلك بعد الغزو.

و يشير في فصل خاص عنوانه (التلوث نتيجة الحروب) إلى أن الحروب تفسد البحار والأراضي والأجواء بالإضافة إلى قتلها الإنسان أو جرحه وإعاقته، وإلى هدرها الهائل للطاقات والأموال والإمكانات.

العلاقة بين الإسراف والتلوث

يعتبر المؤلف أن الإسراف عاملاً أساسياً في تلويث البيئة عبر استنزافه لموارد البيئة من جانب والآثار السلبية المستتبعة لذلك الإسراف كالمخلفات الواسعة التي يتركها من جانب آخر. ثم يستعرض المؤلف صوراً من الإسراف في المياه والطعام والشراب والجنس، بل حتى الإسراف في العقوبة والتشفّي كما نلاحظه في الحروب العنصرية التي عرضت البيئة للدمار والتلف كما حدث في البوسنة والهرسك وغيرها من البلدان التي وقعت فريسة التطهير العرقي، ولأهمية موضوع الإسراف في المياه، يقول:

(يؤدي سوء استخدام الري إلى إصابة مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية بخطر التملّح والتغدّق بما يقلل من قدرتها الإنتاجية في مرحلة وإصابتها بالعقم الإنتاجي في مرحلة أخرى، وقد قدّر بعض العلماء أن العالم يفقد سنوياً بين نصف المليون إلى مليون فدان نتيجة لتملح التربة أو تغدّقها).

وفي جانب المعالجة يقول المؤلف: (هذا ويجب القضاء على الإسراف عبر تعديل أنماط الاستهلاك وتعديل النظام الاقتصادي بحيث لا يكون استهلاك الموارد على حساب الأجيال القادمة).

الحل الإسلامي الواسع

في خاتمة الكتاب وبعد أن أشبع القارئ وعياً وإدراكاً لمخاطر التلوث البيئي، فإنه يتساءل: فما هو الحل؟ فيجيب:

يبدأ الحل أولاً: بالوعي، فلابد أن تعي البشرية خطورة التلوث.

ثانياً: عليها الالتزام بالقوانين والسنن التي سنّها الله في الكون والتي أوصلها إلينا عبر تعاليم الدين الإسلامي الحنيف بالشكل الأشمل والأكمل.

ثم بعد ذلك تأتي الخطوة الثالثة: وهي الوقوف وقفة حازمة وقوية أمام المشاريع والفعاليات التي تنتج التلوث، وهذه الوقفة تتوقف على مقدار ما تبديه البشرية من تعاون وتآزر لوقف هذه المشاريع الخطرة، وتقع مسؤولية هذه الخطوة على الأمم المتحدة عبر إصدار قانون دولي لحماية البيئة، ويكون إلزامياً بحيث تدعمه قوة تعمل على الحفاظ عليه.

أما الخطوة الرابعة: فهي مكافحة جذور التلوث سواء كان مصدره دولة أو مصنعاً أو شركةً أو فرداً.

لقد حاولت أن أجري استعراضاً سريعاً لبعض محتويات الكتاب راجياً أن لا أكون قد أثقلت كاهل القارئ بهموم البيئة علاوة على همومه الخاصة والعامة، ولكن عذري هو أن هذا الهمّ البيئي هو مما ينبغي الالتفات إليه أفراداً وحكومات، نظراً لأهميته في الحفاظ على أرضنا الجميلة، والتي نحن جميعاً مسؤولون عن إصلاحها وإبقائها تنبض بالخير والبهجة والمسرة حفاظاً على وجودنا وراحتنا وراحة الأجيال القادمة، متذكرين نعم الله علينا حيث يقول جل وعلا:

(أَمَّنْ خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ) سورة النمل: 60.

 

لمطالعة كتاب الفقه - البيئة