معالم الفكر الاقتصادي الإسلامي عند الإمام الشيرازي (قدس سره)

إعداد أحمد البغدادي

في الحق إن الاقتصاد شعبة هامة في أية بنية اجتماعية، إذا ما انتظم انتظمت معه جملة أمور في حياة الإنسان، وإذا ما اعتلّ جلب الكثير من الشرور والأوصاب التي تربك السلوك الإنساني، وتخرج به عن حدوده الطبيعية، وتجعله منفلتاً، بعيداً عن التزام القواعد، أو الانضباط وفق الضوابط، سواء أكانت ضوابط وشروط دينية أم وضعية؛ ذلك أن هذا العامل الخطير إنما يعني، من جملة ما يعنيه، قوت الإنسان وغذائه الذي يقيم به صلبه، ويحفظ بواسطته بقاءه.

فالاقتصاد - بنحو من الإجمال - جزءٌ مستوعبٌ للكثير من شعب وأجزاء الحياة الاجتماعية لبني الإنسان، بل ربما بلغ خطره أن يتناول جوهر بعض العلائق الاجتماعية، وأن يخرج من مداره ليدخل مدار القيم والأخلاق والخصال النفسانية في حياة الجماعات التي تخضع لقوانين وأحكام غير سماوية.. حتى أنه قد ورد في بعض المأثور ما نصّه: (لولا الخبز لما عُبد الله)!!

لذا فقد كثر الكلام حول الاقتصاد، لاسيما في هذه السنوات الأخيرة، كما كثر الكلام حول تفاضل الاقتصاديات المتعددة المطروحة في ساحة عالم اليوم، والسبب في ذلك أمران:

الأول: كثرة الحاجة التي ولدها الاختراع الحديث، فبينما كان الإنسان، في الأزمنة السابقة، يكتفي في ملبسه بما يغزله المغزل، وينسجه النول، وفي مأكله بالأغذية البسيطة الأولية، كاللبن والتمر، أو الثانوية كطبيخ الحنطة (الخبز) والأرز، وفي مسكنه بالدار المبنية من الآجر أو الطين والجص، وفي سفره بالخيل والبغال والحمير.. احتاج الإنسان في زماننا هذا إلى الملابس والأطعمة المعقدة التي تنتجها المعامل، والمساكن المجهزة والطائرات والسيارات وغيرها. وغير ذلك مما لا يحصل عليه الإنسان إلا بأضعاف أضعاف الأثمان السابقة.. كما احتاج إلى الطب المعقّد، والهندسة المعقدة، والراديو والتلفزيون والمجلة والجريدة، إلى غير ذلك مما يتطلب توفيره إلى المال، والمال بدوره يتطلب تخطيطاً للاقتصاد السليم..

الثاني: عدم الإيمان؛ فإنه لا شك بأن طغيان الحياة المادية، سواء في الشرق أو الغرب، جرف الروحيات، التي أولها الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى أثر ذلك وقع الإنسان في المباهاة والإسراف والتخريب والفقر، وكل ذلك يتطلب المال طبعاً.

فالإنسان في الزمان السابق كان يلبس ويأكل ويسكن ويسافر ويتزوج، وكل ذلك لسد الحاجة، ورفع العوز، أما الإنسان في الزمن الحاضر، حيث خلا من الإيمان، فيفعل كل ذلك لأجل المباهاة والتفاخر؛ فاللباس الذي يكفي الإنسان الفارغ عن المباهاة يصبح غير كافٍ إذا أراد المرء المباهاة، وهذا الأمر ينطبق على سائر شؤونه وحاجاته، ومن المعلوم أن الشيء اللائق للمباهاة أكثر ثمناً وأبهض كلفة من الحاجة الطبيعية.

وأما الإسراف فهو يُطلق على الزيادة عن القدر المطلوب، وعلى الإتلاف فيما لا يحتاج إلى أصله، ويطلق على التبذير إذا قوبل بالإسراف، فهما كالفقير والمسكين في الاصطلاح الفقهي، وكالظرف والجار والمجرور في الاصطلاح الأدبي، إذا اجتمعا افترقا، وإذا أطلق أحدهما أريد به كلاهما؛ فالإسراف أن تأكل رغيفاً واحداً من الخبز وربعه، فيما تحتاج إلى الخبز الواحد، والتبذير أن تأكل رغيفاً واحداً وتطرح في النفايات ربع الرغيف، إلى غير ذلك من الأمثلة.

فالمسلمون بصورة خاصة، كانوا سابقاً يعدون كل ذلك محرماً، ففي القرآن الكريم: (فخرج على قومه في زينته) القصص/79، وكان من المحرم في الحج المفاخرة، وفي آيات أخر: (إن الله لا يحب المسرفين) الأنعام/141، و(إسرافاً وبداراً) النساء/6، و(ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين) الإسراء/26 و27..

وفي الحديث الشريف: أن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) رأى قطعة من الخبز ساقطة على الأرض في بيت عائشة، فقال (صلّى الله عليه وآله): (يا عائشة أكرمي جوار نعم الله فإنها إذا نفرت لن ترجع) المحاسن 425/381.

ورأى الإمام الرضا (عليه السلام) أن بعض من لدية أكل بعض الفاكهة وطرح الملتصق منها بالنواة، فقال: (سبحان الله، إن استغنيتم أنتم ففي الناس فقراء) المحاسن: 425.

أما اليوم، فشأن الإنسان، مسلماً كان أم غير مسلم، الإسراف والتبذير (إلا من عصم الله وهم قليل) فبينما كان الإسلام قد نهى عن طرح النواة، وصبّ فضل الماء، وعدّهما سرفاً، ترى الناس يطرحون الأطعمة الغالية الثمن في النفايات، خصوصاً بعد الضيافات، وفيها الأرز والخبز واللحم والمرق والفاكهة وغيرها، والفرق بين المباهاة والإسراف كالفرق بين العامين من وجه؛ إذ من المباهاة إسراف، كأن يباهي ويسرف في مباهاته، ومنها ما ليس بإسراف، كأن يلبس ما هو شأنه لكنه أرفع من الوسط بقصد المباهاة، ومن الإسراف ما ليس بمباهاة، لأنه ليس هناك من يقصد الارتفاع عليه.

وأما التخريب، فحدث عنه ولا حرج، مثل: تخريب الأعمار بالملاعب، وتخريب الحياة بالسلاح الذي أصبح غولاً يلتهم في كل دقيقة مليوناً من الدولارات، كما في بعض الإحصاءات، وتخريب المباني وغيرها، وتخريب الدول القوية لاقتصاديات الدول الضعيفة، حتى أن 3% فقط من كل الأراضي العربية مزروعة، كما حدثت بذلك بعض الإحصاءات، بالإضافة إلى تخريب المال بالرأسماليات الضخمة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً من قبل، فالشرق رأسمالي حكومي، إذ الحكومة جمعت رأس المال في يدها، إلى جانب القوة، والغرب رأسمالي تجاري حيث جمع الأثرياء المال في أيديهم، ومعلوم أن تكديس الثروة، والتعطش إلى التهامها أضعافاً مضاعفة، يقترن بأكبر قدر من تخريب الإنسان والحياة..

وبالنسبة للفقر، فلأن الاقتصاد كان من المقرر توزيعه على الكل، حصل سوء التوزيع، فقلة من الناس صارت بأيديهم أكثر الأموال، والأكثرية المطلقة صارت فقيرة لا تجد لقمة العيش، ولو في الحدود الدنيا، فمثلاً: الفرد الإنكليزي يستهلك كل سنة (73 كغم) من اللحم، بينما لا يجد الفرد الهندي في كل سنة إلا (3 كغم) منه، ويموت في كل عام من أطفال آسيا وأفريقيا عشرة ملايين، بسبب الافتقار إلى الغذاء أو الدواء.. إلى غير ذلك من إحصاءات مرعبة في هذا المجال.. ولذا أخذت الأمم المظلومة المحرومة تفكّر في الاقتصاد، لأجل إنقاذها من الفقر والعوز.

مغالطات رأسماليي الغرب والشرق

هناك مغالطة صاغها رأسماليو الغرب والشرق، مؤداها أنه لا حق للبلاد الآسيوية والإفريقية (العالم الثالث) في إبداء الرأي وإنشاء النظريات، والتدخل في الشؤون الاقتصادية، بدعوى أنه ليس من اختصاصهم ذلك، وأن الاقتصاد الغربي عمره مائتا سنة، منذ النهضة الاقتصادية الحديثة في عالم الغرب، والاقتصاد الرأسمالي الشرقي (حيث الرأسمالية حكومية) عمره زهاء ستين عاماً، منذ ثورة اكتوبر عام 1337هـ..

أما عمر الاقتصاد في العالم الثالث فهو يبدأ من بعد الحرب العالمية الثانية بسنوات، ومن المعلوم أن الأقل ممارسة لا حق له في التدخل بشيء يقع ضمن تخصص إنسان آخر أكثر ممارسة منه، ومثل هذا الكلام يقال للمسلمين - بصورة خاصة - بل المسلمون أكثر تأخراً في ممارسة الاقتصاد بالنسبة إلى بقية العالم الثالث؛ إذن لا حق لهم في التدخل والكلام حول (الاقتصاد الإسلامي)!!

والحق أن هذا الزعم مردود، من حيث أن الاختصاص في علم الاقتصاد يحصل للطالب الغربي - مثلاً - في عشرين سنة من دراسة الاقتصاد، وفي نفس هذه المدة يحصل الاختصاص للطالب من العالم الثالث؛ فلماذا يكون للغربي حق التدخل ولا يكون لغيره؟! وقِدَم عمر الاقتصاد الغربي أو الشرقي - ذاتاً - لا يستلزم قدم علمه - حالاً - .

ثم إن الاقتصاد الإسلامي أقدم من اقتصاد الغرب والشرق، فحيث كان يسكن أمريكا هنود حمر، وحيث لم يولد ولا جد آدم سميث، ولا جد ماركس بعد، كان للإسلام دولة واقتصاد متين، واقتصاد أفضل - عند المقارنة - من اقتصاد الرأسماليين، غربياً كان أم شرقياً...

إن الإسلام اهتم بالاقتصاد أيّما اهتمام، وقد ألّف فيه فقهاء الإسلام مستنبطين من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، كتباً متعددة ضمن أبواب متعددة، مثل: (التجارة والإجارة والرهن والمضاربة والمزارعة والمساقات والقرض والهبة والإرث والشفعة والصلح والجعالة والعارية والوديعة والشركة والحجر والضمان والحوالة والوكالة والكفالة والصدقة والوقف والوصية والكفارات والأطعمة والصيد والغصب وإحياء الموات واللقطة والسبق والرماية والعتق والديات) كما أن الاقتصاد يتفرع على بعض الكتب الأخرى أمثال: (النذر والعهد واليمين والخلع والنكاح) إلى غير ذلك.. ومن الواضح أن أمثال هذه الكتب تستأثر بأكثر من ربع فقه الإسلام! (الفقه - الاقتصاد: ج107، ص44، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي).

هذا ولا بد من التأكيد على أن الإسلام قد اختط لمعالجة الشأن الاقتصادي خطاً وسطاً خاصاً به؛ فهو لا يعترف بالرأسمالية ولا بالاشتراكية، بل له منهج خاص في الاقتصاد، كما أن له منهجاً خاصاً في النظرة إلى الكون والحياة، ومنهجاً خاصاً في السياسة وإلى غير ذلك.. (حوار حول تطبيق الإسلام: ص134، الإمام الشيرازي).

أثر أنانية الغرب الرأسمالي على اقتصاديات العالم

لعل من المناسب أن نشير إلى جملة من العوامل التي تسببت - بشكل مباشر أو غير مباشر - في تصنيف العالم إلى ثلاثة مستويات، فنذكر أن الأنانية التي اتسمت بها الدول الصناعية الكبرى والتي أخذت بزمام العالم، وتحطم القيم الإنسانية، بسبب انسلاخ الإنسان عن الإيمان، قد أوجبت تقسيم العالم إلى:

1 - العالم الصناعي الذي يتمتع بكل أسباب الحياة، بل عنده زيادة على ما يحتاج إليه وهو يمثل أقل من سدس العالم، ويضم أمريكا وإنكلترا وألمانيا وفرنسا واستراليا وكندا وبلجيكا، وغيرها..

2 - العالم المتوسط الذي لم يصل إلى مستوى العالم الصناعي، لكنه ليس من القسم المتخلف، وهذا القسم فوق السدس، بالنسبة إلى كل نفوس العالم، كايرلندا وإيطاليا وروسيا والأرجنتين والبرتغال وأسبانيا، وما إليها.

3 - العالم المتخلف، وحيث أن هذا العنوان (وإن كان حقيقياً) كان يسيء إلى هذا العالم الذي نفوسه أكثر من ثلثي كل نفوس العالم، بدلت الأمم المتحدة هذا العنوان إلى عنوان (العالم الثالث، أو العالم في حالة الرشد، أو ما أشبه) ويدخل في هذا العالم كافة البلاد الإسلامية، كالعراق وإيران ومصر وسورية وباكستان وإندونيسيا والجزائر وليبيا ودول الخليج وغيرها، كما يدخل في هذا القسم الكثير من الدول غير الإسلامية، وهذان العالمان (الثاني والثالث) فرقهما؛ أن الثاني وصل إلى نصف الطريق في الصناعة والرفاه، بينما الثالث ما زال يحبو في أول الطريق.

ومن مزايا البلاد المتقدمة على البلاد المتخلفة - اقتصادياً - أن الناس في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وهم يشكلون ما نسبته 70% من كل نفوس العالم، يتمتعون بـ20% من إنتاج العالم، بينما سكان الولايات المتحدة الأمريكية وهم لا يشكلون سوى 6% من كل نفوس العالم، يتمتعون بـ38% من إنتاج العالم، أما البلاد الأوروبية، فسكانها الذين يشكلون نسبة 23% من مجمل سكان العالم، يتمتعون بـ36% من الناتج العالمي، ولهذا الفرق الفاحش في التوزيع نتائجه السيئة على العالم المتخلف - اقتصادياً -.

فنجد - مثلاً - أن تعداد الذين لا يعرفون القراءة والكتابة في العالم الثالث، يبلغ أضعاف عدد من يعرفونها، بينما الأمر على العكس تماماً في البلاد المتقدمة، إلى غير ذلك من الإحصاءات التي تبين نتائج مهولة للتخلف الاقتصادي في العالمين الثاني والثالث، وإن كان نصيب الثالث أدهى وأمر من نصيب العالم الثاني.

إن الفاصل بين الفقير والغني كان موجوداً منذ القدم، لكن الذي حدث أمور متعددة أوجبت الخوف المتزايد من الفاصل الحالي:

1 - زيادة الفاصلة إلى حد أن أمريكا وكندا وأوروبا الغربية، قد ارتفع الإنتاج فيها بنسبة 70% منذ عام 1938م، بينما أخذت بلدان مثل الهند وتنزانيا وبلاد أخرى من العالم الثالث، في التنزل بمعدلات الإنتاج منذ ذلك العام.

2 - الاستعمار الاقتصادي الذي هو عبارة عن جعل الدول الاستعمارية سائر بلاد العالم سوقاً لها، بحيث تستورد منها المواد الخام بأرخص قيمة، تصل أحياناً إلى 1/40 من قيمتها الواقعية، وتصدر إليها البضائع المصنّعة، إمعاناً في تحطيم اقتصادياتها؛ فتهلك الحرث والنسل فيها لأجل بقائها سوقاً لهذه البضائع. وما يمنحه الاستعمار للبلاد المتخلفة، إنما يمنحه لها بقدر كونها سوقاً.

3 - نهب البلاد الاستعمارية خيرات البلاد المتخلفة نهباً لا مثيل له في التاريخ، فمثلاً ترى أمريكا وغيرها تنهب من بلدان الخليج كل يوم ما يعادل بحراً من النفط (شبه الجزيرة العربية 12 مليون برميل، الكويت 2.5 مليون) وهكذا...

4 - إن الدول الاستعمارية لا تكتفي بنهب خيرات البلدان النامية وإبقائها في التخلف العلمي والصناعي ونحوهما، بل تعمد لسلب عقائدها وآدابها، وتشيع فيها الميوعة والتحلل والفساد، بالدعاية والإعلام مرة، وبالقوة مرة أخرى؛ لأجل إدامة السيطرة عليها واستغلالها.

5 - تحقير البلدان الغنية للبلدان الفقيرة، في إعلامها وفي سلوكها، ففي إنكلترا - مثلاً - يُمنع رعايا الدول الإفريقية من دخول الكثير من المدارس والنوادي والحدائق، وما إلى ذلك، وتقوم التلفزة الغربية - أحياناً - بعرض مشاهد تصوّر المسلمين (في عصر الذرة والمركبات الفضائية وناطحات السحاب) على أنهم أناس بدائيون يعيشون في الصحارى تحت الخيام، ويسافرون بالجمال، ويضرمون تنانيرهم بالبعر.. !!

ولا علاج لهذه البلدان إلا أن تعتمد على أنفسها، فتطرد أدوات الاستعمار والاستثمار، حتى تتمكن من وضع برامج اقتصادية توجب نمو الاقتصاد، وتخرج البلاد من حالة التخلف والتأخر، وليس الخروج من التخلف محالاً، فقد خرجت اليابان من التخلف الاقتصادي، بعد أن سبقتها في الخروج من التخلف أوروبا بقرنين من الزمان. (الفقه، كتاب الاقتصاد: ج108، ص316، الإمام الشيرازي).

التنافي في عالم الاقتصاد المعاصر

لقد حدث تنافيان في عالم الاقتصاد اليوم، يشملان الحياة المادية والمعنوية لبني الإنسان، وما لم يرفع هذان التنافيان، يظل البشر يسيرون من السيئ إلى الأسوأ، والتنافيان هما:

الأول: التنافي بين بلد وآخر، في الإمكانات الطبيعية والفنية والعلمية.

الثاني: التنافي بين الأمور المادية والمعنوية.

أما فيما يتعلق بالأول، فهو أن بعض البلدان تنعم بالمواهب الإلهية الطبيعية ما لا تنعم به بلدان أخرى؛ كالبحار التي هي محل الثروة السمكية والتجارة البحرية، والغابات والأراضي الخصبة والمعادن، وما أشبه. وبعض البلدان الأخرى لا تنعم بشيء من ذلك؛ الأمر الذي يجعل البلدان الغنية بالإمكانات الطبيعية وغيرها طاغية بالطبع؛ فقد قال سبحانه وتعالى: (إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى) العلق/6.

بينما لم يقسم الله سبحانه الثروات في الطبيعة إلا لكي يكون هذا التقسيم من أسباب التعاون والتكامل، حيث يكون كلٌ محتاجاً للآخر؛ مما يسبب أن يتعاون هذا مع ذاك، لكن الإنسان الظالم بدّل ما هو سبب للتعاون إلى ما هو سبب لضده، كما قال الله تعالى: (ألم ترَ إلى الذين بدّلوا نعمة الله كفراً) إبراهيم/28، ثم أضاف الإنسان الظالم إلى ذلك أن جعل لبلاد الله وأراضيه حدوداً، ليمنع من يشاء عن الخروج، ومن يشاء عن الدخول، في حدود جغرافية مخترعة؛ مما زاد الأمر إعضالاً، حيث بلغ دخل الفرد الأمريكي - مثلاً - تسعين ضعفاً زيادة على دخل الفرد الهندي، وهكذا قد يصل التفاوت بين دخل فردين من نفس الأمة مائة ضعف، ولو لم تكن تلك الحدود المصطنعة، لم يكن هذا التفاوت الفاحش.

ثم أضاف الإنسان الظلوم الجهول الذي خان الأمانة أن ظلم نفسه وغيره بجهله، بأن اتخذ ما تمتع به من مواهب العلم وسيلة للاستعمار؛ فقد تقدمت بلاد علماً وتأخرت أخرى، فالذي تقدم في العلم، بدلاً من أن يجعل علمه وسيلة لإسعاد العباد والبلاد، جعل علمه وسيلة لاستعباد البشر وتأخيرهم، وجعل بلاد الآخرين خراباً وصحاريهم يباباً؛ مما أضاف إلى الهوة الطبيعية الناجمة عن اختلاف مواضع ثروات الطبيعة، هوّة علمية أيضاً، ولذا نرى بلاداً في الغرب والشرق تصعد إلى القمر وتسبح في اللبن لنعومة بدنها، وبلاداً من آسيا وأفريقيا، وهم أكثرية البشر، لا تصنع حتى الإبرة، ولا تجد حتى اللبن الذي يمسك رمق أطفالها فيموتون جوعاً زرافات زرافات، والهوة تزداد يوماً بعد يوم، لأن البلاد القوية تزداد قوةً - علماً وثروة - والبلاد الضعيفة تزداد ضعفاً بسببها، وهذه الهوة التي صنعها البشر بيده، خلافاً لأحكام الله سبحانه خالق البشر وواهب الثروة والعلم، صارت سبب ضرر كلا قسمي البشر، المستكبرين والمستضعفين.

وما فعله الإنسان من خير وشر، يرى بنفسه أو بأعقابه، جزاءه الطبيعي في الدنيا قبل الآخرة؛ إذ العمل نواة يجني الإنسان نفسه أو ولده ثمرتها.

لا يجتني الجاني من الشوك العنب***وإنـــــه يجنـــــي من النخل الرطب

كما أن الإنسان إذا تعلم أن يعدل، فإنه يعدل بين أصدقائه وأعدائه، على حد سواء، وقد قال سبحانه: (ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى) المائدة/8.

وأما التنافي الثاني، الذي هو التنافي بين الماديات والمعنويات، فهو أن الحالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وغيرها، كلها تبنى على الأسس النفسية للأمة، فإذا لم يكن انسجام بين الأسس النفسية، وبين تلك الأمور، تصير الأمة بين التذبذب والتأرجح، مما يسبب انهدام الاجتماع والسياسة والاقتصاد وغيرها، من جانب، وعدم الارتياح والقلق والاضطرابات النفسية، من جانب آخر. فمثلاً: إذا كانت السياسة دكتاتورية، والأسس النفسية للأمة في الحكم مبنية على الشورى، وقع الاصطدام بين السلطة وبين المجتمع، مما يوجب عناء كليهما، وكذلك الحال فيما إذا كان الاجتماع أو الاقتصاد قد خططا على غير الحالة النفسية للأمة؛ ولذا نجد تخطيطاً للاقتصاد سليماً، وبناءً في الاجتماع متيناً، بينما نفس التخطيط نجده منحرفاً وهادماً في اجتماع آخر.

ونحن المسلمين إنما تأخرنا في الاقتصاد هذا التأخر الذريع، لأن التخطيطات التي خططت لأجل اقتصادنا كانت مخالفة للحالة النفسية الموجودة عندنا، وحيث وقع التدافع بين الحالة النفسية، وبين الحالة الاقتصادية المستوردة، اضطرب الاقتصاد المستورد حتى تحطم، وبقيت الأمة تترقب من ينقذها اقتصادياً، كما تترقب من ينقذها سياسياً واجتماعياً، إلى غير ما هنالك من معضلات ومحن؛ فإن الاشتراكية والرأسمالية والتوزيعية، كلها تخالف الأسس الفكرية للأمة في مسألة الاقتصاد، إذ الأسس الفكرية للاقتصاد الإسلامي مستقاة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، ومن الواضح أن الاقتصاد المبين في هذه الأربعة، غير تلك الأنواع الأربعة من الاقتصاد، التي استوردت من الغرب والشرق. (الفقه، الاقتصاد: ج107، ص112، الإمام الشيرازي).

المشكلة الاقتصادية الكبرى!

لقد حدثت مشكلة اقتصادية كبرى في العالم المعاصر، وهي أن ثروات العالم قد انحصرت في أيد قليلة، بينما أكثر البشر يعانون من آلام الفقر، وعدم القدرة حتى على سدّ الحاجات الأولية وحسب بعض الإحصاءات الأخيرة، فإن أكثر من ألف مليون من البشر لا يتعدى دخلهم السنوي الخمسين دولاراً. وقد صار أمر الاقتصاد على خلاف ما أمر به الله تعالى، حيث قال في محكم كتابه الكريم: (لكي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) الحشر/7؛ فالمال صار دولة بين الأغنياء في العالم، مما استتبع مفاسد جمة، من قبيل السرقة، وبيع النفس للذة في الرجال والنساء، ليسدوا جوعهم، بالإضافة إلى الانتحار والاحتيال والسطو على ممتلكات الغير، والاختطاف والثورات والحروب والاضطرابات، وغيرها؛ مما جعل العالم ساحة كبيرة للانحراف، فضلاً عن الأمراض النفسية والعصبية، وتفشي القلق والأمراض الجسدية...

أما القلة من الأغنياء الذين استأثروا بالثروة، فقد كثرت فيهم أيضاً أمراض الغنى من قبيل الإسراف والتبذير والإفساد، والأمراض الجسمية والنفسية الناجمة عن فرط الغنى، كالسرطان وضغط الدم، بالإضافة إلى تجارة الأسلحة والمخدرات والفساد، واستعباد الإنسان، إلى غير ذلك من الأعراض والأمراض الكثيرة.

وقد بيّن علماء الغرب والشرق، على صعيد تشخيص علة بروز هذه المشاكل، أموراً بعيدة عن الواقع - غالباً - ؛ فقال بعضهم: إن علة الفقر وما نجم عنه من الأعراض والأمراض هي قلة موارد الأرض مع كثرة البشر؛ فهو كما إذا كانت هناك عشرة أرغفة لخمسين إنساناً؛ وعليه فالعلاج أن تستنبط موارد جديدة في داخل الأرض، أو في الفضاء، مثل أن نزرع البحر ونستخرج خيرات الأرض بطرق فيزيائية، أو نسعى للوصول إلى الكواكب الأخرى، لنستخرج معادنها وثرواتها.

وقال آخرون: إن المشكلة نشأت من زيادة البشر، فاللازم خفض الأعداد المتزايدة للبشر، من طريقين:

الأول: الحروب المبيدة لأعداد كبيرة من البشر، حتى يبقى القدر الملائم لمقدار الثروة، فمثلاً: إذا كانت موارد الأرض تكفي لثلاثة مليارات من البشر، فاللازم إبادة ثلاثة مليارات، حتى يفضل ما يمكن أن يعيش بسلام، إذ تعداد نفوس البشر في الوقت الحاضر يبلغ نحو ستة مليارات نسمة!!

الثاني: تحديد النسل، بحيث لا يكون معدل الولادات الجديدة أكثر من معدل الأموات.

وقال قوم: ليس لنا أن نهتم لمعاناة الكثير من البشر، من الجوع والحرمان.. ثم ادعى الملحدون من هؤلاء القوم بأن ذلك من أخطاء الطبيعة التي لا تفهم وجوب التوازن بين تعداد البشر، وبين مواردها، فهل للإنسان أن يهتم بخطأ ليس مسؤولاً عنه؟!!

وقال بعض المؤمنين بالله سبحانه: إنه امتحان، والدنيا دار ممر وليست دار مقر، فكما أن البشر يعانون من آلاف المشكلات، فليعانوا من المشكلة الاقتصادية أيضاً!

وراحت طائفة رابعة تدعي بأن هذا الاختلاف نتيجة طبيعية لعالم الصناعة، حيث سرعة الحركة والإنتاج؛ مما يوجب أن تكون هناك قلة تمتلك وسائل الإنتاج والثروة، لتتمكن من الإنتاج السريع والتقدم العلمي والفني، ومن المعلوم أن التقدم يحتاج إلى المليارات، إذ بدونها كيف يمكن للبشرية أن تصل إلى القمر، وتغزو الفضاء!! كما أن من اللازم أن تكون هناك في المقابل، كثرة تنتج المواد الأولية، وليس لها من نصيب إلا ما يمنعها من الموت!!

هذا ويمكن الردّ بنحو الإجمال على هذه الادعاءات، بالقول: أن الموارد الموجودة داخل الأرض تكفي للبشر، بوضعهم الحالي، كما يدل على ذلك إحصاء الثروة وإحصاء الأفراد، والمشكلة إنما حدثت من الإفراط في جانب، والتفريط في جانب آخر؛ فالثروة والطاقة التي يجب أن توزع وتستخرج صارت على أقسام:

الأول: عدم الاستخراج في جانب.

الثاني: سوء التوزيع في جانب ثان.

الثالث: التخريب في جانب ثالث.

والثابت الأكيد أن سوء التوزيع زاد في المشكلة، بعد المشكلة الأولى (وهي عدم الاستخراج لبعض الثروة). وقد تقدم أن 3% فقط من الأراضي القابلة للزراعة في كل البلاد الإسلامية العربية، مستغلة للزراعة، بينما كان بالإمكان زراعة كل الأراضي، وقد بينت الإحصاءات أنه لو زرعت أرض مصر - مثلاً - واستغلت مياهها، من جهة تنمية الثروة السمكية، لأمكن أن تسد رمق مائة مليون إنسان، بينما الآن تجد موارد مصر لا تكفي لأربعين مليون نسمة، ومعدل الدخل السنوي للمواطن المصري لا يتعدى الثمانين دولاراً، وهو أقل من خمس ما يسد به حاجاته..

أما ما يتصل بمشكلة التخريب، فقد بات واضحاً صرف الميزانيات الضخمة والأموال الطائلة التي لو أنفقت على بني البشر، لما أبقت منهم واحداً ضعيف الحال، أو جائع - في سباق التسلح - وحالات التجمّل الفارغ، والمباهاة الزائفة، والإسراف والتبذير، وما إلى ذلك.

هذا في حين شدّد الإسلام على العمل، واستخراج ما سخّره الله للإنسان من كنوز الكون (ولله خزائن السماوات والأرض) المنافقون/7. كما أكّد على عدم كون المال دولة بين الأغنياء، بل جعل ملاكه في هذا المجال وما إليه، الحديث المأثور عن النبي الأكرم: (أحبب لأخيك ما تحب لنفسك) الكافي: ج2، ص170.

وهكذا أكّد على أنه لا ضرر ولا ضرار؛ وقد بين أنه أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، عن ماله مما اكتسبه، وفيما أنفقه. (الفقه، الاقتصاد: ج107، ص116، الإمام الشيرازي).

وغاية القول أننا نستطيع أن نجزم بإمكانية الأمة الإسلامية - فيما لو صححت مسارها، ورجعت عمّا ذهب بها بعيداً من وصفات أجنبية وبرامج وخطط بعيدة عن روحها، ولا تتماشى مع أوضاعها في الأبعاد النفسية والاجتماعية والدينية - نستطيع أن نجزم بإمكانيتها في الاعتماد على أدائها الذاتي، وطاقاتها المكنونة، والمواهب التي حباها بها الله سبحانه، وبالطبع فإن منطلقها في ذلك أن تعود أمة وسطاً شاهدةً مهيمنة، ولعلنا لا نفوت الحقيقة إذا ادعينا أن جملة الأمور يمكن أن تتحقق إذا علمنا أن أداء العامل المسلم خير أداء، وأجدى وأثمر للعملية الاقتصادية برمتها؛ إذ هو ينظر إلى العمل كآلة للأجر والمثوبة، حيث اعتبر الإسلام أن (الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله) الكافي: ج5، ص88.