رسول الإنسانية ومنقذها

 مرتضى معاش 

(لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) آل عمران: 164.

هل يحتاج الإنسان إلى التاريخ وهل يستطيع أن يعيش منفصلاً عنه وأن يصنع نفسه ويصوغ حياته بعيداً عن التأثيرات التاريخية؟

إنّ التاريخ يعيش في عمق سلوك الإنسان ولا ينفك عن باطن حياته، كما لا يمكن للإنسان أن يتجرد عنه ولا أن ينزع ظلاله من نفسه وحياته. فالمجتمع الإنساني منذ نشوئه وتطوره التصاعدي حتى وصوله إلى هذه المرحلة من التطور، يعتمد على مجموعة من المكتسبات والتجارب التي خاضتها الأمم السابقة فيستلهم منها ما يعطيه القدرة على خوض المستقبل، وهو يرتكز على مجموعة من المعارف والتراكمات التي تعلمها من التاريخ، يقول تعالى في كتابه الحكيم: (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين، هذا بيان للناس وهدىً وموعظةٌ للمتقين). آل عمران: 138.

فلا يمكن الانفصال عن التاريخ إذ انه حركة تصاعدية متسلسلة يتحول فيها الحاضر إلى ماضي والمستقبل إلى حاضر فيرتبط الإنسان بتلك السلسلة ويسير وهو يعتمد على ما أفرزته من تجارب.

يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) (أو ليس لكم في آثار الأولين مزدجر، وفي آبائكم الماضين تبصرة ومعتبر إن كنتم تعقلون). الخطبة 97/192).

والأمم المتقدمة هي الأمم التي تستفيد من عبر التاريخ وتستخلص قمة التجارب في حاضرها لتحوله إلى انطلاقة إيجابية وفعالة نحو التقدم والرقي، بعد أن استطاعت أن تفهم قوانين التاريخ التي تقود الأمة نحو التقدم وأن تعي أسباب انحلال الأمم وتخلفها.

أما الأمم المتخلفة فهي الأمم التي تقف خاملة في مكانها بعد أن تفقد زمانها وتضيّع مستقبلها وتتيه في حاضرها وتصبح عاجزة عن فهم التواريخ وقوانينه وتجارب الأمم. فهي تفقد الرؤية والبصيرة التي تجعلها قادرة على استيعاب الحاضر والسير بثقة واطمئنان نحو المستقبل.

وهذا ينطبق على العالم الإسلامي الذي يعيش اليوم التخلف ومرادفاته، فهو يفتقد الرؤية الواعية التي تجعله قادراً على فهم تاريخه والأسباب التي تحول فيها المسلمون من الرعيل الأول إلى حضارة عالمية تربعت على قمة المجد وسادت اكثر أنحاء المعمورة، فسعدت وأسعدت. لذلك فإن العالم الإسلامي بات اليوم يترنح في متاهات الحاضر ويسلك طرقاً لا توصله نحو مستقبل آمن، بل أن افتقاده للبصيرة التاريخية هوى به في طريق جرفه نحو الهاوية وتاه في صحارى التخلف كما تاه بنو إسرائيل في صحراء سيناء، يقول الإمام أمير المؤمنين (ع): (فقد جربتم الأمور وضرستموها ووعظتم بمن كان قبلكم وضربت الأمثال لكم ودعيتم إلى الأمر الواضح فلا يصم عن ذلك أصم، ولا يعمى عن ذلك أعمى، ومن لم ينفعه الله بالبلاء والتجارب لم ينتفع بشيء من العظة وأتاه التقصير من أمامه حتى يعرف ما أنكر وينكر ما عرف). الخطبة 174/316.

ولكي نستطيع أن نمتلك الرؤية السليمة لابد أن ننتقي التجارب التاريخية الناجحة والتي استثمرت أسباب التقدم وسارت بثقة وأمان وقدمت أروع الصور وأكثرها جمالاً بعد أن استطاعت أن تجسد قمة الفضائل وتضرب أجمل الأمثلة في التاريخ الإنساني.

ولا يمكننا أن نجد في التاريخ الإنساني منذ نشوئه وحتى الآن مثل تاريخ النبي محمد (ص) وحركته السليمة في نشر المكارم، ونجاحه الباهر في إيصال الإسلام إلى مختلف البقاع في مدة قصيرة وبأقل قدر ممكن من الخسائر، الشيء الذي لم يحدث له مثيل في التاريخ الإنساني.

تاريخ الرسول (ص) ليس مجرد تاريخ نقرأه لننال الثواب ونفتخر بعظمته ونجعله مجرد قصة تاريخية نستلذ بها، بل أن هذا التاريخ العظيم هو تجربة حيّة تزخر بالمفاهيم والبصائر والحقائق التي يمكن لأي إنسان أن يستمد منها طاقة كبرى يدّخرها في نفسه تقوده نحو التقدم والرقي شريطة أن يفهم بعمق القوانين التي قامت عليها هذه الحركة الناجحة.

واليوم فإن العالم الإسلامي يحتاج إلى قراءة هذه التجربة من جديد واستلهام العبر وفهم أسلوب الحياة واستنتاج قوانين التقدم منها لتطبيقها على حاضره، فالرسول (ص) قاد المسلمين في ظل تعاليم الإسلام من تلك الصحراء القاسية، الغارقة في مستنقع الجاهلية والفقر، والجوع والمرض، إلى واحة الخير والسعادة وقمة المجد والعظمة. مع انه كان لوحده لا يملك ناصراً إلا القليل، ولكن المسلمين اليوم وهم يقاربون المليارين، ويمتلكون الثروات الكبيرة ويعيشون في وسط الحضارة العصرية المتقدمة ومع ذلك نرى التخلف يسيطر عليهم في مختلف المجالات، أنهم يحتاجون إلى تلك الروح الكبيرة والبصيرة النافذة والعقل الجبار والصدر الواسع والأخلاق الرفيعة والحاكم العادل الذي يضعهم على الطريق الصحيح، انهم يحتاجون إلى الرسول (ص) بتاريخه وتجربته كقدوة وأسوة.

قال تعالى في كتابه الحكيم: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة).

ولهذا فإننا لابد أن ندرس التاريخ وخصوصاً تاريخ خاتم الرسل (ص)

أعظم شخصية في التاريخ

لم تبرز على طول التاريخ شخصية مثل شخصية النبي محمد (ص)، بما أحدثه من تغييرات في التاريخ الإنساني، وقد اعتبر أحد الكتاب الغربيين في كتابه (الخالدون مائة) الرسول (ص) في المرتبة الأولى من عظماء التاريخ البشري، كما واعتبره اعظم شخصية في تاريخ العالم بما حققه من نجاح عظيم في إبلاغ رسالته وتأسيسه لدولة إسلامية كبيرة، وحضارة عريقة ظلت تغذي العالم بالعلم والمعرفة والعطاء لقرون عديدة، حيث يقول الدكتور مايكل هارث أستاذ الرياضيات والفلك والفيزياء في الجامعات الأمريكية وخبير هيئة الفضاء الأمريكية:

لقد اخترت محمداً (ص) في أول هذه القائمة.. ولابد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمداً (ص) هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحاً مطلقاً على المستوى الديني والدنيوي. وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحد من أعظم الديانات واصبح قائداً سياسياً وعسكرياً ودينياً، وبعد ثلاثة عشر قرناً من وفاته فإن أثر محمد (ص) لا يزال قوياً متجدداً.

وتظهر عظمة الرسول (ص) من خلال ذلك الإعجاز الهائل الذي غير به ظاهرة الجزيرة العربية وأخرجها من بؤس الجاهلية وشقاء التقاليد الوثنية، فالجزيرة العربية كانت غارقة في جهل مطبق، وظلام دامس، وفقر مميت. وان الذي يقارن بين الجزيرة العربية قبل البعثة وبعد البعثة يصاب بالذهول مما يراه من التحول الإعجازي الجذري الذي حصل فيها. يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) في كلام يصف فيه هذه الحالة:

(بعثه والناس ضلال في حيرة، وخابطون في فتنةٍ، قد استهوتهم الأهواء، واستزلتهم الكبرياء، واستخفتهم الجاهلية الجهلاء، حيارى في زلزال من الأمر وبلاء من الجهل، فبالغ (ص) في النصيحة ومضى على الطريقة ودعا الى الحكمة والموعظة الحسنة.

ويقول (ع) أيضا في وصف الجاهلية قبل البعثة:

(أرسله على حين فترة من الرسل، وطول هجعة من الاُمم وأعتزام من الفتن، وانتشار من الاُمور، وتلظٍّ من الحروب. والدنيا كاسفة النور، ظاهرة الغرور، على حين اصفرار من ورقها وأياس من ثمرها وأغوار من مائها، قد درست منار الهدى، وظهرت اعلام الردى، فهي متجهّمةٌ لأهلها، عابسةٌ في وجه طالبها، ثمرها الفتنة، وطعامها الجيفة، وشعارها الخوف، ودثارها السيف. الخطبة 87/157.

فتحول الأعراب الغارقين في الصحاري المترامية والجاهلية البائسة الى حضارة منطلقة أعطت العالم روحاً جديدة وافاضت عليه تاريخاً مشرقاً وضّاءاً.

يقول المستشرق الامريكي ادوارد وورمسي:

وكانت بلاد العرب غارقة قبل نبوّة محمد (ص) في أحط الدركات حتى ليصعب علينا وصف تلك الخزعبلات التي كانت سائدة في كل مكان، فالفوضى العظيمة التي كان الناس منهمكين فيها في ذلك العصر، وجرائم الأطفال ـ يعني قتلهم خشية الفقر ـ ووأد البنات أحياء، والضحايا البشرية التي كانت تقدم باسم الدين، والحروب الدائمة التي تنشب آناً بعد آن بين القبائل المختلفة، والنقص المستديم في نفوس أهل البلاد وعدم وجود حكومة قوية. حتى أتى الوحي من عند الله الى رسوله الكريم، ففتحت حججه العقلية السديدة أعين أمة جاهلة فانتبه العرب، وتحققوا انهم كانوا نائمين في أحضان الرذيلة المظلمة ولنتصور سكان البادية حينما رأوا أصنامهم تكسّر على مرأى ومسمع منهم وهم المشهورون بالشجاعة والصلابة في الرأي وعدم الخضوع للغير، أفلا يثور ثائرهم ويهبّون لقتل محمد؟ ولكنه كان يتكلم بكلام الله ربه، فقد كانوا يشعرون بذلك حيث يجدون في نبرات صوته هدىً وتأثيراً كبيراً طاغياً، ولهذا لم يستطيعوا القيام ضد تيار الحق، ولم يجدوا بداً من الجري في مجاري النقاء الجديد، لأنه اجتاح كل الموانع والسدود كما يجتاح السيل الجارف كل شيء يقف في طريقه وهكذا انتصرت الفضيلة على الرذيلة.

والذي يضفي على هذه الرسالة والرسول آفاق النجاح والموفقية في تحقيق أهدافها، هي تلك الانعطافة التي أحدثها رسول الله (ص) في مسيرة الحياة الإنسانية. فمع انطلاقة هذه الرسالة بدأ عهد جديد تحولت فيه الإنسانية الى وجه جديد وحضارة متألقة تتصاعد نحو التقدم والرقي. إذ أن الفكر الإنساني بدأ ينضج ويتبلور بعد أن استطاعت الحضارة الإسلامية أن تقدم الى العالم النتاج العلمي الكبير الذي اصبح وبالفعل قاعدة لانطلاقة العلم الحديث، فقد أثار الرسول (ص) برسالته الخالدة كوامن الفكر، واوقد جمرة العقل، ورسّخ منهج الاجتهاد والتجديد بعد أن حارب أفكار الجاهلية والتقليد الأعمى والاستعباد والاستبداد، لينير في درب الإنسانية مفاهيم الحرية والعلم، والشورى والأخاء والأخلاق، فبعد أن استطاعت الحضارة الإسلامية أن تمد جذورها في بلاد العالم بدأت مرحلة جديدة من الفكر والعقلانية، واتخذ العالم منهجاً متميزاً في إدارة أموره ليعتمد بالدرجة الأولى على الحرية والعلم والعقل.

فقد كان المنطلق الذي قامت عليه الرسالة المحمدية هو العلم (اقرأ باسم ربك الذي خلق)، والحرية (ويضع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم) والعقل (أفلا يعقلون)، ليصبح الخطاب العلمي والعقلي هو المعجزة الكبيرة التي تمثلت في القرآن، ولذلك فأن القرآن الكريم يجسد في طياته مفاهيم حضارة جديدة باستطاعتها أن تغذي العالم بأفكار ورؤى تعطيه الطاقة الحيوية لبناء إنسانية متطورة. يقول الكاتب الروسي الكبير تولستوي:

(ومما لا ريب فيه أن النبي محمد (ص) كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمة جليلة، ويكفيه فخراً إنه هدى أمة برمتها الى نور الحق، وجعلها تجنح الى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهذا عمل عظيم لا يقوم به الاّ شخص اُوتي قوّة، ورجل مثل هذا لجدير بالاحترام والإجلال).

ويقول الكاتب الكبير برنارد شو:

(إني أكنُّ كل تقدير لدين محمد (ص)، لحيويته العجيبة فهو الدين الوحيد الذي يبدو لي ان له طاقة هائلة لملاءمة أوجه الحياة المتغيرة وصالح لكل العصور. لقد درستُ حياة هذا الرجل العجيب، وفي رأيي انه يجب ان يسمى منقذ البشرية).

نعم انه منقذ البشرية ودينه دين الحياة والسعادة، يقول تعالى في كتابه الحكيم: (الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور بإذن ربهم الى صراط العزيز الحميد). إبراهيم: 1.

ومما لا ريب فيه فإن انطلاقة الفكر الإنساني الحديث بدأت على يد رسول الله (ص) عندما حملت رسالته الخالدة الى العالم تلك المفاهيم الراقية التي غيرت التاريخ الإنساني ليبدأ إنعطافة حضارية جديدة لا زالت تفيض على البشر بالعطاء والخير والعلم. فقد أرسى رسول الله (ص) مبدأ الحرية بصورة عملية بعد أن أكد القرآن على ذلك في الكثير من آياته، فكانت الحرية السياسية والفكرية التي تعطي للإنسان الحق في التعبير عن رأيه (وأمرهم شورى بينهم) وكذلك الحرية الدينية التي تمنح للأديان الأخرى الفرصة لممارسة حقوقهم وقوانينهم (لا إكراه في الدين). وقد ضرب الإسلام على طول تاريخه أروع الأمثلة في التعامل مع الأديان الاُخرى والتعايش معها، فنعمت هذه الأديان بالحرية والأمن. يقول المستشرق الفرنسي جاك بيرك:

لم يكن الإسلام في أي يوم عدو الديانات الاُخرى، بل انه الديانة الوحيدة التي حافظت على حقوق أبناء الديانات الاُخرى، وهذا موقف ساحر بكل تأكيد، وقلما شاهدنا في تاريخ الديانات هذا المستوى من السحر الذي نشاهده في الإسلام.

وإذا كان الغرب يدعي تصديه اليوم لطرح الأفكار الإنسانية الجديدة ومبادرته إليها مثل: الحرية والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان و..، فإن الرسول (ص) كان قد سبقهم من قبل بعدة قرون، فكانت الحرية هي محور وجود الإنسان في الإسلام، والشورى هي الأصل الذي لابد للحاكم أن يلتزم بها في ممارسة الحكم، والمساواة هي النظرة الاجتماعية العامة التي يجب ان تحكم المجتمع الإسلامي، فلا فرق بين ابيض ولا أسود، ولا بين عربي ولا أعجمي، إلاّ بالتقوى، والناس سواسية كأسنان المشط، فالمقياس للتفاضل في الإسلام هو الكفاءة المدعومة بالتقوى لا اللون والجنس والعنصر والطبقة، كما ان العدالة الاجتماعية هي القانون الحاكم في الإسلام. لذلك نجد ان رسالة رسول الله (ص) لما قامت على هذه المفاهيم ضمت كل الفصائل البشرية على اختلافها، فكان الى جنب الأغنياء في معسكر رسول الله (ص) الفقراء والى جنب العرب الفرس مثل سلمان الفارسي والى جنب الأبيض الأسود مثل بلال الحبشي، يقول البروفسور كاراديفو في كتابه المحمدية:

(إن محمداً كان هو النبي الملهم والمؤسس ولم يستطع أحد أن ينازعه المكانة العالية التي كان عليها، ومع ذلك فإنه لم ينظر الى نفسه كرجل من عنصر آخر، أو من طبقة أخرى غير طبقات بقية المسلمين..، ان شعور المساواة والأخاء الذي أسسه محمد (ص) بين أعضاء الكتلة الإســلامية، كان يطبّق عملياً حتى على النبي نفسه).

وهكذا فإن رسول الله (ص) بذر البذرة الأولى في حقل الإنسانية لإبداع عالم جديد يقوم على حركة من نوع جديد تحمل أفكاراً ومفاهيم جديدة. فلأول مرة في تاريخ العالم بدأت أول حركة إصلاحية عالمية شاملة اعتمدت على السلم والأخلاق والعدالة والحرية والشورى والمساواة ففتحت صفحة حضارية ناصعة البياض وكتبت تاريخاً مشرقاً تفتخر به الإنسانية حتى الأبد.

إنّ دراسة تاريخ النبي محمد (ص) يعطينا زخماً كبيراً من الأفكار والتجارب الذي يوفر لنا الكثير من المعلومات التي يمكن الاستفادة منها في حاضرنا والنجاح في إنقاذ العالم الإسلامي من مشاكله. إذ أن حركة الرسول (ص) كانت حركة ناجحة كلياً شهد بذلك الأصدقاء والأعداء، وهذا يعني انه يمكن أن تصبح هذه التجربة نبراساً نهتدي بها لتحقيق النجاح في حياتنا، ولكن بعد أن نستفيد منها بصورة جادة وواقعية، وندرسها بدقة وحزم، ونفهم ظروفها وحدودها والأسس التي قامت عليها

اللاعنف

إنّ أهم الأسس التي قامت عليها حركة الرسول (ص) والتي كان لها الدور الأساسي في نجاحها هو أسلوب السلم والسلام، وعدم اللجوء الى العنف والقوة. وهذا الأسلوب أي أسلوب اللاعنف في التحرك الذي انتهجه رسول الله(ص) هو من معاجزه الكبيرة التي تنم عن عظمته وعبقريته، فمع كل المواجهات الصعبة والمضايقات التي لاقاها من أعداءه لم يلجأ الى العنف أبداً، وكان السلام شعاره ودثاره دائماً، الاّ في حالات الدفاع عن النفس.

فالسلام هو شعار الإسلام ولذلك يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (ادخلوا في السلم كافة)، أي أن السلم هو الأصل في الإسلام وهو القاعدة في المنطلق والحركة، والمنطق والبيان، والفعل والانفعال، ولهذا السبب تقدم الإسلام واستطاع أن يغزو العالم وينشر حضارته وأفكاره في ارجائها ويحقق ذلك النجاح التاريخي الكبير.

لقد كان رسول الله (ص) مبعوث السماء ويهدف بالدرجة الأولى الى إصلاح الإنسان وإنقاذ المجتمع الإنساني وتحرير العقل من رواسب الجاهلية وقيود الاستعباد، لذلك فإنه ارتكز على مخاطبة العقل واقناع الإنسان بضرورة تغيير نفسه ودراسة أفكاره وسلوكه، وهذا يعتمد بالضرورة على الحوار الموضوعي والمنطق الفكري والاستدلال الهادئ، مما يعني أن أية حركة عنيفة أو خطوة خشنة سوف تحقق مردوداً عكسياً وتفرز نتائج سلبية تؤثر على مسيرة الحركة وتؤدي بها الى التوقف والذبول.

ومن هنا فإن منطق الرسل والأنبياء هو منطق السلم واللاعنف والاحتجاج العقلاني من أجل إنقاذ البشر، وكان هذا واضحاً في المنهج السلمي الذي اعتمده الرسول (ص) في إبلاغ رسالته مما جعله قادراً على السيطرة على الجزيرة العربية بأسرع وقت وأقل الخسائر. يقول الله تعالى في كتابه الكريم حول استخدام السلم واللين والابتعاد عن العنف والغلظة، واستخدام سياسة العفو والاعتماد على منهج الشورى كأسلوب في الإقناع الحر، والحوار السلمي، والمشاركة في اتخاذ القرار: (فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ولو كنت فظّاً غليظ القلب لأنفضّوا من حولك فاعفُ عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ان الله يحب المتوكلين).

لقد ذكر المؤرخون أن أهل مكة لم يحاربوا الرسول (ص) بعد فتح مكة، وانما رضخوا للحكم الإسلامي بدون قوة وسلاح، لأن الرسول (ص) كان قد استولى على قلوبهم بعد أن عفى عنهم، والقلب عندما يحمل الولاء والمحبة لأحد يصعب عليه بعدها أن يثور ويتمرد، فعندما هتف أحد أصحاب الرسول (ص) عند دخولهم مكة: (اليوم يوم الملحمة اليوم تسبى الحرمة..)، قال الرسول (ص) لعلي (ع): خذ اللواء واهتف بعكسه. فأخذ علي (ع) اللواء وهتف: اليوم يوم المرحمة اليوم تحفظ الحرمة.

يقول المستشرق أميل ديرمانجم في كتابه حياة محمد:

إن محمداً رسول الإسلام (ص) قد أبدى في اغلب حياته بل طول حياته اعتدالاً لافتاً للنظر، فقد برهن انتصاره النهائي على عظمة نفسية قلّ أن يوجد لها مثيل في التاريخ، إذ أمر جنوده ان يعفوا عن الضعفاء المسنين والأطفال والنساء، وحذرهم من أن يهدموا البيوت أو يسلبوا التجار أو يقطعوا الأشجار المثمرة، وأمرهم الا يجرّدوا السيوف إلاّ في حالة الضرورة القاهرة، بل قد بلغنا انه كان يؤنب بعض قوّاده ويصلح أخطاءهم إصلاحاً مادّياً.

وقد تجلى السلم في حياة الرسول (ص) بشكل كبير وذلك من خلال سلوكه اليومي مع أصحابه واعداه، فقد عفى رسول الله (ص) عن كفار قريش الذين قاتلوه وآذوه وقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، ولما ناصروه في حرب حنين أعطاهم الغنائم الكثيرة. وعفى عن وحشي قاتل عمه حمزة وعن غيره من المطلوبين بالأوتار وعمن كان من اقطاب الجاهلية وعلى اثر ذلك اخذ الإسلام بالانتشار سريعاً بعد أن انبهر الناس بأخلاقيات الرسول (ص) وعفوه وحلمه وصبره وسلمه.

يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم). التوبة : 29.

مكارم الأخلاق

ومن الاُسس التي قامت عليها حركة الرسول (ص) وانطلقت عبرها نحو النجاح هي الأخلاق الرفيعة التي تجسدت في الرسول (ص) عملياً، يقول الله تعالى في وصف رسوله: (وإنّكَ لعلى خلقٍ عَظيم) القلم : 4.

فمن طبيعة الإنسان الفطرية هو ميله الى مكارم الأخلاق وحبه للأخلاق الحسنة، يقول أمير المؤمنين (ع): (عجبت ممن يشتري العبيد بماله، كيف لا يشتري الأحرار بأخلاقه). فمهما تعاظمت قوة الإنسان العسكرية والاقتصادية فإنه لا يستطيع أن يستولي على القلوب وإن استولى على الأجساد، إذ أن حكومة القلوب تنبع من الروح المثالية التي تجسدها الأخلاق الإنسانية الرفيعة، وهذا هو سلاح الرسول (ص) في حركته لنشر الإسلام، حيث لم يملك (ص) شيئاً سوى سمو أخلاقه وعظمة ايمانه مما جذب الناس إليه وجعلهم يؤمنون بدينه زرافات زرافات.

فقد كان رسول الله (ص) أجود الناس كفّاً، وأكثرهم صبراً، واصدقهم لهجة، وأوفاهم ذمة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه حابه ومن خالطه أحبه وكان يؤلف الناس ولا ينفرهم، ومن جالسه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلاّ بها أو بميسور من القول. وبأخلاقه العظيمة هذه تحول الأعداء الى أصدقاء والأصدقاء الى متفانين في سبيل الله، ومضحين من أجل الرسالة، وبأخلاقه العالية هذه امسك الرسول (ص) بقلوب الأعداء وجعلهم يقرّون له بالفضل ويعترفون له بالنبل والكرامة، ومن ذلك اعتراف قريش على ما نقل من انه عندما لقي الأخنس أبا جهل قال له: يا أبا الحكم ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمد (ص) صادق أم كاذب؟ فقال أبو جهل: والله ان محمداً لصادق، وما كذب محمد قط.

وبهذا الصدد يقول (فلورانديه) و(جورج مارسيه) في كتابهما (العالم الشرقي) ما نصه:

(كان محمد رسول الله (ص) شجاعاً يخوض المعركة بنفسه ويرد الثبات الى قلوب الذين يضعفون وكان رحيماً بالضعفاء، ويؤوي في بيته عدداً كبيراً من المحتاجين، وكان مع احتفاظه بهيبة كاملة بسيطة الحركات لا يتكلف شيئاً وبشوشاً سهل المعاملة رقيق الحماسة لا يثير غضبه أهل الفضول، وكان رجلاً بشيراً.. وان فيه لا شك كثير من الخصال التي اتصل بها رجال عصره، ولكنه قد حمل الى هؤلاء الرجال مثلاً رفيعاً في الدين والأخلاق، وسما سمواً بالغاً عن الاراء القديمة التي كانوا يرزحون تحت ثقلها.. وهو إذ جمعهم عصبة واحدة تحت راية ذلك المثل الرفيع، قد صنع منهم قوة قدّر لها فيما بعد أن تهز أركان العالم القديم).

ويقول لورد هدلي:

(فكّرت وابتهلت أربعين عاماً لكي اصل الى الحقيقة، ولابد أن اعترف أن زيارتي للشرق المسلم ملأتني احتراماً للدين المحمدي السلس، الذي يجعل المرء يعبد الله طوال مدة الحياة، لا في أيام الأحد فقط، وأني لأشكر الله أن هداني للإسلام الذي اصبح حقيقة راسخة في فؤادي، وجعلني التقي بسعادة وطمأنينة لم التق بهما من قبل، لقد كنت في سرداب مظلم، ثم أخرجني الاسلام الى فسيح من الأرض تضيئه شمس النهار، فأخذت استنشق هواء البحر النقي الخالص).

ويتحدث لورد هدلي عن شخصية محمد بن عبد الله (ص) باعتبارها المثل الأعلى فيقولـ:

(وان للنبي العربي أخلاقاً قوية متينة وشخصية وزنت ومحصت واختبرت في كل خطوة من خطى حياته، ولا نقص فيها على الإطلاق، وبما أننا في حاجة الى نموذج كامل يفي باحتياجاتنا في الحياة، فشخصية محمد النبي المقدس (ص) تسد تلك الحاجة، فهي مرآة تعكس علينا التعقل الراقي والسخاء والكرم والشجاعة والاقدام والصبر والحلم والوداعة والعفو والتواضع والحياء، وكل الأخلاق الجوهرية التي تكون الإنسانية أسمى صورها وإنّا لنرى ذلك في شخصيته بألوان وضاءة.

ويقول أيضا هدلي في أخلاق الرسول (ص):

(وقد نال محمد نبي الإسلام (ص) حب العالم أجمع وحب أعدائه بوجه خاص، وذلك عندما ضرب مثلاً في مكارم الأخلاق بإطلاق سراح عشرة آلاف أسير، كانوا في يوم من الأيام يعملون على قتله والفتك به وإيراده وأصحابه موارد الهلاك..).

ويقول الفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل:

(لقد كان محمد (ص) زاهداً متقشفاً في مسكنه ومأكله ومشربه وملبسه وسائر حياته وأحواله، وكان طعامه عادة الخبز بل التمر والماء وربما كان يصلح ويرفو ثوبه بيده، فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة..!؟ فحبذا محمد (ص) من نبي خشن اللباس، خشن الطعام، مجتهد، قائم النهار، ساهر الليل، دائب في نشر دين الله، غير طامح الى ما يطمح إليه أصاغر الرجال، من رتبة أو دولة أو سلطان، وهو بحق النبي ذو الخلق العظيم).

ويقول المستشرق الانجليزي هولين بول الذي اعتنق الإسلام عام 1914:

(أن محمداً رسول الإسلام (ص) كان يتصف بكثير من الصفات الحميدة، كاللطف والشجاعة ومكارم الأخلاق، حتى ان الإنسان لا يستطيع أن يحكم له دون أن يتأثر بما تتركه هذه الصفات من أثر في نفسه، ودون أن يكون هذا الحكم صادراً عن ميل وانما على هدى، وكيف لا؟ وقد احتمل محمد عداء أهله وعشيرته أعواماً، فما وهن له عزم ولا ضعفت له قوة، وقد بلغ محمد من نبله أنه لم يكن طول حياته الباديء بسحب يده من يد مصافحه، حتى ولو كان المصافح طفلاً، وانه لم يمر بجماعة يوماً رجالاً كانوا أو أطفالاً دون أن يقرأ عليهم السلام، وفي شفتيه ابتسامة حلوة وفي فمه نغمة جميلة، كانت تكفي لسحر سامعها فيجذب القلوب إليه جذباً).

العقل والحكمة

ان دراسة حياة النبي (ص) تكشف لنا عن عقل كبير استطاع أن يفهم الحياة بحكمة، ويتعامل مع الواقع الخارجي بحنكة سياسية كبيرة يندر أن يرى لها التاريخ مثيلاً، فالحكمة السياسية التي تعامل بها الرسول (ص) مع أعداءه جعلته ينتصر عليهم بأسرع وقت واقل الخسائر، فلا يمكن أن نجد على طول التاريخ قائداً سياسياً كبيراً استطاع أن ينتصر على اعداءه بهذه السرعة وهذا العدد القليل من الخسائر البشرية والمادية بعد أن كان لا يمتلك أي شيء من الإمكانات المادية التي تؤهله لأن ينتصر غير عقله الكبير وحنكته السياسية، فقيادته للحروب مع المشركين واستخدامه لأذكى الاستيراتيجيات العسكرية وخاصة في اختياره للمواقع الحربية واستخدامه لأساليب الحرب السليمة، تضعه في قمة التاريخ العسكري، وإذا كان تقييم الخبراء العسكريين لإدارة الحرب، بأنها الانتصار بدون حرب ودماء فإن هذا يجعله (ص) من أذكى القادة في التاريخ.

ومن ناحية أخرى فإن الإدارة الحكيمة للصراع السياسي توضح عبقرية الرسول (ص) وتكشف عن أحد أهم أسباب نجاحه في حركته، ويبدو ذلك جليّاً في صلح الحديبية حيث استفاد منه رسول الله (ص) في تحكيم مواقع الإسلام وامتلاك حرية الحركة لأجل نشره، ويبدوا واضحاً أيضا في قدرته على ايجاد التوازن والاتحاد بين فئات المسلمين من المهاجرين والانصار والاوس والخزرج وذلك من خلال مسألة التآخي التي يمكن أن تعتبر اكبر مناورة سياسية ناجحة في التاريخ حيث رسخت دعائم الإسلام وأدت الى تماسك المجتمع الإسلامي وقيادته نحو هدف مشترك.

وكما يبدو ذلك ايضاً في تعامله الذكي مع المنافقين الذين كانوا يسعون الى تخريب الإسلام من الداخل، ولكنه بحكمته (ص) استطاع ان يحجّمهم ويستوعبهم.

ويظهر العقل الكبير للرسول (ص) في فن ادارته للحكم وقدرته على تأسيس دولة حديثة قوية تمتلك نظاماً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً متوازناً، وحينها بدأت مرحلة تاريخية جديدة في حياة البشرية لم تتعرف عليها من قبل في انظمة الحكم والدولة. فقد اتسع نطاق المدينة وتزايد عدد سكانها، وأخذ الناس يعمّرون الاراضي الواسعة. فكتب رسول الله (ص) صحيفة بين المهاجرين تجعل أهل كل حي من الأنصار مسؤولين عن حيّهم وعن أمن المدينة من ناحيتهم، فكانت حكومة الرسول (ص) حكومة شعبية زمامها بيد الشعب نفسه، فتحولت حكومة المدينة الى حكومة مثالية لم يسمع فيها جرائم أو منازعات أو فوضى أو قلّة نظام، وذلك بعد أن استطاع الرسول (ص) ترسيخ المثل الإسلامية وتوطيد المحبة وتحكيم المساواة بين الجميع وتحصين الاُمة بالقوة الحقيقية والاطمئنان الواقعي والتقدم الصحيح، فساد الإيمان بالمثل والقيم الاسلامية في الناس، وتضائلت المشاكل الفردية والنزاعات الشخصية، وغلب على الناس الاتصاف بروح الجماعة والتعاون والتحاشي عن الوقوع في المعاصي والجرائم، وظهر في الناس التحلّي بالأخلاق الحسنة التي لم يعرفها الناس من قبل، فكان يؤثر الناس بعضهم بعضاً في العطاء والبذل في سبيل الله تعالى.. وقد شعر الجميع بأن زماناً جديداً يطلّ عليهم، فتهافتت القلوب الى الإسلام وأخذ الناس يلتفون حول رسول الله (ص) بالطاعة والرضا وأخذت العشائر والقبائل والبلاد تتسابق الى الإسلام فازدادت البلاد الإسلامية بذلك سعة ورحباً، كما إزدادت شعبية الحاكم وحرية الشعب الممتزجة بالإيمان والفضيلة وحب الخير فأنزل الله تعالى:

(بسم الله الرحمن الرحيم إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله افواجاً فسبّح بحمد ربّك واستغفره انّه كان تواباً).

وبهذا الصدد يقول الكاتب الامريكي سير فلكد.

(كان عقل النبي محمد (ص) من العقول الكبيرة، التي قلما يجود بهذا الزمان، فقد كان يدرك الأمر ويدرك كنهه من مجرد النظرة البسيطة، وكان النبي محمد (ص) في معاملاته الخاصة على جانب كبير من ايثار العدل، فقد كان يعامل الصديق والقريب والبعيد والغني والفقير والقوي والضعيف بالمساواة المطلقة. إنّ كل هذه الفتوحات والانتصارات لم توقظ في شعوره العظمة والكبرياء، ففي ذلك الوقت الذي وصل فيه الى غاية القوة والسيطرة كان على حالته الأولى في معاملته ومظهره، حتى بالرغم من الغنائم وغيرها فإنه كان يصرفها على نشر دعوته ومساعدة الفقراء.. وكان محمد (ص) يجد راحته وعزاءه في أوقات الشدة والمحنة في الثقة بالله ورحمته، ومعتمداً دائماً على الله ليتمتع بالحياة الاُخرى).

إن دراسة حياة الرسول (ص) وحركته الاصلاحية الشاملة ومسيرته السلمية العادلة تلقي أنواراً مشرقة لاختيار الطريق نحو ايجاد التغيير وإنقاذ العالم الإسلامي.

الخطوط الأساسية

ويمكن أن نلخص الأعمدة الأساسية التي قامت عليها حركة الرسول (ص) الاصلاحية في الاُمور التالية:

1 ـ الحرية الإسلامية: حيث أن الرسول (ص) قام من أجل الحرية وانقاذ الإنسان من الاستعباد الجاهلي، وعن طريق انقاذ الناس من العبودية استطاع الرسول أن ينجح في حركته، وإذا أردنا أن ننقذ العالم الإسلامي فلابدّ لنا أن نجاهد من أجل الحرية.

2 ـ الاُمة الإسلامية الواحدة: فبعد أن جمع الرسول المسلمين ووحدهم في إطار أمة واحدة، أنطلقت الاُمة الاسلامية فبنت للعالم مجداً حضارياً بقيت الإنسانية تتمتع به طوال قرون عديدة. وإذا أردنا أن ننال المجد ثانية لابد أن نسعى لتحقيق امة اسلامية واحدة.

3 ـ الاخوة الإسلامية: فعندما كانت روح الأخوة هي الحاكمة بين أصحاب الرسول استطاعوا النجاح، فالرسول (ص) الغى الفوارق بين الغني والفقير، والأبيض والأسود، والعربي والأعجمي، حتي اصبحت الأخوة الإسلامية هي المقياس في فهم العلاقات الاجتماعية، ومن ثم ساروا في الاتجاه المنطقي للحياة، وعلينا إذا اردنا أن نستعيد مجدنا الغابر الرجوع الى الأخوة الإسلامية بمعانيها الصادقة.

4 ـ الشورى: فعندما يساهم الناس بآراءهم في ممارسة الحكم واتخاذ القرار تتفتّح الكفاءات ويرتبط الناس بالحاكم ويستعدون للتعاون معه مثل ما تعاون المسلمون مع الرسول (ص) في صنع مجد الحضارة الإسلامية وإذا أردنا أن نتخلص من مآسينا لابد أن نتخذ الشورى منهاجاً في الحياة.

5 ـ السلم واللاعنف: حيث أن العنف يحطم أهداف الحركة ويلغي مشروعيتها، وينفر الناس منها، بينما السلم يقودها نحو النجاح والتفاف الناس حولها. ولهذا نجح الرسول في بناء دعائم الإسلام وانطلاق حضارته.

6 ـ القانون الإسلامي: فقد بنى الرسول (ص) مجتمعاً متحضراً ومتماسكاً عن طريق تطبيق القوانين الالهية التي تمنح السعادة والاستقرار للمجتمع، فإذا أراد المسلمون أن يتخلصوا من مشاكلهم لابد أن يفهموا هذه القوانين ويسعون لتطبيقها. قال الله تعالى في كتابه العزيز: (ومن أعرض عن ذكري فإنّ له معيشةً ضنكا).

7 ـ مكارم الأخلاق: فلا يمكن النجاح بالأخلاق السيئة التي تنفر الناس وتبعدهم فقد استطاع الرسول أن ينجح بأخلاقه العظيمة مثل: العفو عمن ظلمه، سعة صدره، وتحمله للأذى، صبره على المكاره، تشاوره مع اصحابه، حلمه وعدم غضبه، زهده وعدم ترفعه، جلوسه مع المساكين والضعفاء وعدم تكبره عليهم، مداراته للناس واستيعابهم عن طريق صلتهم وحل مشاكلهم وقضاء حوائجهم الى صفات كثيرة ترسم لنا طريق العمل السليم في حياتنا.

قبس من التاريخ

لقد كان التاريخ ولا يزال هو المشعل الذي نقتبس منه الرؤى لنسير على ضوئه نحو الحقيقة ونبحث في مطاويه عن الاسلوب العملي الصحيح الذي يهدي المسلمين الى الحركة نحو بناء كيانهم وتجديد حياتهم، وليس هناك أفضل من تاريخ الرسول (ص) الذي يوحي لنا بالأمل والحياة والوعي والبصيرة ويدلنا على طريقة انقاذ أنفسنا ومجتمعنا من البؤس والشقاء ويهدينا الى كيفية الدخول في دائرة الحياة السعيدة والمجتمع الإنساني الصالح. وقد قال أمير المؤمنين (ع) في وصف رسول الله (ص): (حتى اورى قبساً لقابس وأنار علماً لحابس فهو أمينك المأمون وشهيدك يوم الدين.

ومن هنا فإن سماحة الإمام آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي (دام ظله) قد اختار كتابة تاريخ الرسول (ص) ليكون لنا المشعل المنير، الذي يهدينا الى الصراط المستقيم.

فالإمام الشيرازي يرى ضرورة دراسة تاريخ الإسلام وتاريخ الرسول (ص) والإئمة المعصومين من أهل بيته (عليهم السلام) ذلك لأنه يرى انه من غير الممكن أن ننفصل عن تاريخنا ونحافظ مع ذلك على كرامتنا وعزّنا. فهل من المعقول أن نملك العز والمجد مع انّا قد أسدلنا الطرف عن معالم تاريخنا الإنساني العظيم وغضضنا النظر عن عبره ودروسه البنّاءة؟

إذن : علينا إذا أردنا أن نجد انفسنا ونبحث عن واقع جديد لحياتنا أن نرجع الى تاريخنا الإسلامي ونلقي عليه نظرة ثاقبة نظرة وعيٍ وفهم ندرك بها حقائق التكوين ونعي بها سنة الله تعالى في الحياة، فإن سنن الله لا تبديل لها ولا تحويل.

ولذلك كتب الإمام الشيرازي (حفظه الله) في الرسول (ص) وتاريخه ليقدم لنا نموذجاً مثالياً رائعاً نغترف منه دروساً حيوية تنقذنا من واقعنا المأساوي. إذا ما طبقناها في حياتنا العملية بإذن الله تعالى.

ولأول مرة في تاريخ العالم

وقد كتب سماحة الإمام الشيرازي كتاباً بعنوان (ولأول مرة في تاريخ العالم)، وقد كان هدف سماحة الإمام المؤلف من كتابة هذا الكتاب بالدرجة الأولى هو استعراض الدروس التاريخية واللطائف الدقيقة من حياة الرسول (ص) حتى يمكن للجميع استيعابها وفهم هذه المرحلة التاريخية المضيئة ومن ثم السعي من أجل تطبيقها في حياتنا.

هذا وان شخصية الإمام الشيرازي (دام ظله) غير خافية على أحد، فهو الذي اعترف به التاريخ الحديث مفكراً اسلامياً كبيراً، ومجدداً حضارياً عظيماً، فقد استطاع الإمام الشيرازي خلال نصف قرن من الجهاد والكفاح، والتثقيف والتربية أن يغذي الساحة الإسلامية بأفكار اسلامية أصيلة، ويبلور الفكر الإسلامي بصياغة عصرية، ويقدم للعالم المعاصر الصورة المثالية الرائعة عن الإسلام.

فقد كان الإمام الشيرازي (حفظه الله) يؤكد على تاريخ الرسول (ص) ويتمحور حوله طوال حياته ويعتبره النموذج الأصيل الذي يجب أن يعتمد عليه في فكره وسلوكه وجهاده، ولذلك فإن سماحته لم يقدم للعالم أفكاراً ارتجالية، بل قدّم افكاراً أصيلة تنبع من سيرة الرسول الأعظم (ص) وتاريخه المضيء، مستوحياً منها في كل شئونه العملية والفكرية والتربوية والثقافية.

وإذا حاولنا أن ندرس حياة الإمام الشيرازي وفكره وجهاده ونقارن بينها وبين تأثيرات تاريخ الرسول (ص) ومعطياته عليه لوجدنا أن سماحته قد استلهم حياته بشكل أساسي من هذا التاريخ وتعلّم من دروسه وفكّر حسب منهاجه، حتى انه ذاب في هذا التاريخ وعاش ملامحه وحاول بكل ما يملك من طاقات أن يعطي للاُمة حيوية جديدة من خلال التغذي بمفاهيم تاريخ الرسول (ص).

ولذلك فإننا نكتشف عمق تأثير الرسول (ص) في حياة الإمام الشيرازي عبر استطلاع سلوكه ودراسة أفكاره وتقييم انطباعاته. فقد اكتسب الإمام الشيرازي ما تحلّى به من السلم واللاعنف من مدرسة رسول الله (ص) التاريخية فأصبحت حياته سلاماً حتى مع أعدائه وحاسديه، فتراه قد نبذ العنف والقسوة، وهجر ما يعطي أعداء الإسلام مناهم وينجز لهم آمالهم، وحارب كل اشكال العنف التي تعطي نتائج معكوسة وتشوّه سمعة الإسلام.

ونجد في سلوك الإمام الشيرازي ما يدلنا على انه قد اتخذ رسول الله (ص) اُسوة وقدوة له في نهجه الأخلاقي، حيث اتسم بسعة الصدر والحلم والصفح والعفو عن الأعداء والكرم والعطاء والجهاد والتضحية ومداراة الناس وجمع الكلمة والمشورة في الاُمور، حتى أصبح مثالاً رائعاً للأخلاق الإسلامية في عصرنا الحديث.

ومن خلال الدراسة العميقة لتاريخ الرسول (ص) انبعثت الأفكار الحيوية والواعية لدى الإمام الشيرازي، إذ يعتقد سماحته أنه لا يمكن تغيير واقعنا نحو الأحسن مالم نطبق منهاج رسول الله (ص) في حياتنا العملية مثل الشورى، التي يجب أن نتخذها منهجاً أساسياً في كل مجالات الحياة، والحرية الإسلامية التي تعيد الى الإنسان إنسانيته وتنقذه من شقاء العبودية وتخلصه من حياة الغاب، والاُخوة الإسلامية الصادقة، والاُمة الإسلامية الواحدة، والاكتفاء الذاتي، الى الكثير من الافكار التي ذكرها الإمام الشيرازي في مكتبته الكبيرة اقتباساً من حياة الرسول (ص) والائمة المعصومين (عليهم السلام)، واستدلالاً بما وصلتنا من كلماتهم واحاديثهم العظيمة، وقد كتب الإمام الشيرازي كتابه القيم هذا: (ولأول مرة في تاريخ العالم) ليثبت للعالم ان الرسول (ص) قاد أول حركة عالمية اصلاحية شاملة ناضلت من أجل انقاذ البشرية وتحريرها من أغلال العبودية وحاولت جادّة لبناء انسانية نبيلة تفيض بالخير والحب، وتتّسم بالاتحاد والتآخي، وتجاهد من أجل رضا الله وبناء مجتمع بشري سعيد.