معالم الحكومة الإسلامية الولائية في فكر الإمام

الشيرازي

إعداد أبو أحمد البغدادي

تمهيد

إن مراقبة التغيرات الكبرى التي تحصل - على مر الزمن - في شُعب البناء المعرفي العام، لا سيما ما اتصل منها بالمنابع الأصلية التي تمثل مادة الروافد الفكرية والمعرفية المؤسسة للأنساق والنظم القيمية والمفاهيمية للإنسان فرداً ومجتمعاً، تترتب عليها فوائد جمّة، من جملتها نفي الخلط والارتباك المفاهيمي الناجم عن حركة هذا الزمن الذي لا شأن له إلا التبدل والتحول الشامل - من ماهية إلى أخرى أحياناً - والمصحوب بنوع غير عادي من (التجانس الفكري) الذي يجازف حتى بالثوابت العقلية، وما استقرت عليه طبائع الأنفس

والعقول فيما يتعارف فيه أنه من المسلمات الأصول، التي هي كذلك نظراً إلى ذاتها، والسبب في ذلك، كما هو معهود تزاحم المدارس والتيارات الفكرية، ذات المنابع الغربية والشرقية، التي ما إن ينمّ أحدها عن شيء، حتى يأتي الآخر ويعفي عليه، وربما ظهر في البين تيار قصاراه أن يفسر الشيء بلا شيء، مستفيداً من بعض عناوين المدارس الفلسفية (الوجودية والإلحادية) البائرة في عالم اليوم..

وربما جاز لنا أن لا ننسب الكثير من نتاجات بعض العقول (المعولمة) إلى نوع من (الشيطنة) المتمثلة في عيوب الذهن وآفاته، إذ هي تتمثل في بعض حالاتها بازدراء العقل الإنساني، والخلط عليه، بحيث لا تترك له وجهة، لتحيله إلى العدمية أو شبهها!! وعلى أية حال، فنحن لسنا بصدد استقصاء الأخطاء الذهنية، والسقطات الفكرية، التي وقع فيها أصحاب الدعاوى العريضة في عالم المعرفة، أو التيارات والمدارس الفكرية والفلسفية، ومعرفة موضوعاتها واشتغالاتها في مجالاتها، ولكنها مجرد إشارات وتنبيهات جاءت في مستهل هذا البحث.

في الحق، أن غاية ما يعنينا من هذا البحث، هو الأسئلة العريضة التي لاحت - في عصر الأيديولوجيا - المنظومة المعرفية الإسلامية - أو الفكر الديني - في موضوعات صارت تتداول بكثرة معهودة في الآونة الأخيرة، ذلك أن الإسلام أضحى قطباً رئيسياً في نظر الغرب، كما دلت عليه اعترافات فلاسفة الغرب من أمثال توينبي وراسل وفولتير وبرناردشو وأضرابهم.. ولعل في مقدمة تلك الموضوعات التي تمس جوهر الفكر الديني، موضوع حاكمية الإسلام، وهل يصلح لإدارة الدول أم الأفراد؟! وما هو شكل الحكومة الإسلامية الحقة؟

في الواقع أنّ خير من يجيب على هذا الموضوع وتشعباته هو الإمام الشيرازي (دام ظله)، نظراً لطول عهده بالمعارف الإسلامية - في الطلب والتدريس - وعلوم الفقه والفلسفة، وما إليها، بالإضافة إلى خبرته النادرة بشأن الموضوعات الكبرى والصغرى في دنيا الإسلام وتوفره - وهذا أمر هام جداً - على معارف وتجارب ميدانية، عن طريق مباشر، وغير مباشر عبر ممثلياته المنتشرة في مختلف أرجاء العالم، بحكم تصديه لأعباء ومهام القيادة المرجعية الدينية، مما جعله ثبتاً في أحكامه على سائر الموضوعات التي هي مورد ابتلاء العالم الإسلامي.

وغاية القول، إننا افترضنا أن موضوع (الحكومة الإسلامية) هو في مقدمة الموضوعات، التي وردت عليها أسئلة عريضة من أطراف قريبة وبعيدة عن الساحة الإسلامية - وستكون لنا وقفات وتأملات حول الموضوعات الأخرى عبر دراسات قادمة في إطار فكر الإمام الشيرازي (دام ظله) - عن هذا الموضوع يقول الإمام - : لا شك أن الإسلام له نظام خاص، كما أن النظام الإسلامي قد طبق في البلاد الإسلامية طيلة ثلاثة عشر قرناً - سواء أكان التطبيق تاماً أم ناقصاً - حتى انتهت الدولة الإسلامية قبل قرن من الزمان تقريباً.

وقد يسمع الإنسان أن الحضارة الإسلامية كانت مثالية إلى أبعد الحدود، وأن الإسلام متكفل بحل مشاكل العالم، ولو أنه أعيد إلى الحكم لصارت الدنيا جنة نعيم.. فما هو هذا النظام؟

شورائية الدولة الإسلامية

إن الدولة في الإسلام مبنية على الشورى في كل شؤونها، ومن الضروري تحكيم الشورى في الدولة الإسلامية، وفي العالم أجمع، فيجب أن تكون كل الأمور - من القرية إلى العاصمة، ومروراً بالمعمل والمصنع والمطار، واتحاد الطلبة، والمدارس والجامعات وغيرها - مبنية على الشورى، فإنها تظهر الكفاءات، وتقدم الضوابط، وتزيل المحسوبية، والمنسوبية والرشاوى وما أشبه، بينما الدكتاتورية على العكس من ذلك تماماً، فهي تنزل بالمجتمع إلى الحضيض، في حين أن الشورى ترفعه إلى القمة..

وفي الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أكثر الناس استشارة، وأن علياً (عليه السلام) جعل من حق الأمة أن يستشيرهم.. وفي أحاديث أخرى أن من واجب المسلم (النصيحة)، ويراد بها إعطاء المشورة، والنصح لإمام المسلمين، كما أن من واجبه النصح لغيره أيضاً، ففي رواية الإمام علي (عليه السلام) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (إن أنسك الناس نسكاً أنصحهم جيباً وأسلمهم قلباً لجماعة المسلمين)، وفي حديث أيضاً، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من يضمن لي خمساً أضمن له الجنة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: النصيحة لله عز وجل،والنصيحة لرسوله، والنصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله، والنصيحة لجماعة المسلمين).

وعن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أعظم الناس منزلة يوم القيامة أفشاهم في أرضه بالنصيحة لخلقه).

فكان الأساس في سياسة النبي (صلى الله عليه وآله) في إدارة الأمور هو الشورى، وفي مواضع عديدة كان يأخذ برأي الأكثرية، ولا يخفى أن هذا النوع من الحكومة في العصر الحاضر قد يسمى (بالحكم الديمقراطي) وإن بينهما بعض الفرق، وهذا النوع من الحكومة القائمة على الاستشارة في مختلف قضايا الدولة كان في المدينة المنورة، وقد تحقق بقيادة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله)، قال الله تعالى مخاطباً نبيه: (وشاورهم في الأمر) آل عمران: 159.

التخصص أو التعهد

كان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) يعهد في الأمور الاجتماعية والإجرائية حتى إلى الذين قد أسلموا حديثاً، حتى يستفاد من تجاربهم وخبراتهم، ولكي يعرفوا الإسلام، ويقدروه من صميم أنفسهم، وكان (صلوات الله عليه وآله) يؤلف بين قلوبهم ويدعمهم، حيث كان بينهم الكثير من المؤلفة قلوبهم، أمثال الأقرع ابن حابس.

وكان من بين المسلمين المؤمنين أفراد لائقون ومناسبون، تتوفر فيهم التجربة والإدارة، وإن كان أحياناً عددهم غير كافٍ لإدارة الأعمال المتعلقة بالدولة المركزية وأطرافها، خصوصاً لو قارنا الزمن الماضي، وانتصارات المسلمين في كل يوم، مع زيادة المساحة الجغرافية للدولة الإسلامية والطاقة البشرية، إضافة إلى أن النبي (صلى الله عليه وآله) امتدت سلطته، وتوسع نفوذه إلى الكويت، والى أكيدر قرب الأردن، وذلك في أواخر السنة العاشرة للهجرة، حتى أنه (صلى الله عليه وآله) كان يحكم بحسب خريطة اليوم ما يقارب تسع دول.

فعلى هذا ربما لم يتوفر العدد الكافي من بين المسلمين المؤمنين لإدارة مثل هذا المجتمع الكبيرة الآخذ بالتوسع، ودخول المسلمين فيه زرافات ووحداناً، ولما كان النبي (صلى الله عليه وآله) يوفد مثل هؤلاء المسلمين المؤمنين إلى خارج المدينة للتبليغ، وتعليم القرآن، وجمع الصدقات والوجوه الشرعية الأخرى، فبطبيعة الحال أن المدينة المنورة مثلاً في ظل الدولة المركزية، وعند غياب هؤلاء المؤمنين، كانت بأمس الحاجة إلى كادر مخلص ووفي، وقد ينجم عن عدم سدّ الفراغ بغيرهم، حدوث مشكلات عديدة في إدارتها، فمن هذا المنطلق استفاد رسول الله (صلى الله عليه وآله) من جميع الكوادر في إدارة الحكومة الإسلامية، بل حتى من الذين كانوا قد أسلموا حديثاً، وكان هذا من أسرار نجاح الإسلام، فالكل كان يشعر بمكانته الاجتماعية وبشخصيته في ظل حكومة رسول الله (صلى الله عليه وآله).

الخبروية في الفقه الإسلامي

وكما أن الإيمان شرط في القضايا الإسلامية، فكذلك الخبرة والتخصص، حتى أن البعض أجاز الاعتماد على الخبير الأمين، وإن لم يكن عادلاً.

يقول الفقيه الهمداني (قدس سره): في بحث خاص له عن عامل الزكاة في عصر الغيبة:

لو وجد الفقيه طفلاً أو فاسقاً ذا بصيرة في جريان الأمور، ومطلعاً على المسائل السياسية في إدارة الدولة، ويقطع أن هذا الشخص أمين، يريد الخير، فلا مانع أن يقوم هذا الشخص بجمع الصدقات والزكاة، وضبطها وكتابتها، ويصح استخدامه لهذا الغرض، إذا كان مثل هذا الموضوع يحرز فيه مصلحة المجتمع الإسلامي.

وهذا الكلام يدلل على أهمية الخبرة والاختصاص في مختلف المجالات. وأما أبناء العامة فقالوا: كان النبي (صلى الله عليه وآله) يؤمّر على القوم وفيهم من هو خير منه لأنه أيقظ عيناً وأبصر بالحرب(1).

سياسة التمركز في الحكومة الإسلامية

عندما وفد قيس بن عاصم ممثلاً قومه، على النبي (صلى الله عليه وآله)، طرح النبي (صلى الله عليه وآله) عباءته وافترشها له ليجلس عليها احتراماً وتكريماً له، وقال (صلى الله عليه وآله): هذا سيد الوبر.

وعلى ضوء ذلك يمكننا القول بأن كل منطقة كان لها نوع من الاستقلالية في إدارة موقعها، وفي نفس الوقت كانت تحت سلطة ونفوذ وتصرف الدولة المركزية، فلم تكن هناك الحدود الجغرافية، مثلما نراه اليوم من تقسيم البلاد الإسلامية، وفصلها بالحدود الجغرافية المصطنعة، فهو من الاستعمار، ولم يعترف به الإسلام.

ففي السنة التاسعة للهجرة كانت القبائل العربية تأتي وتفد على النبي (صلى الله عليه وآله) جماعات جماعات، لتعلن عن إسلامها، حتى سمي ذلك العام بـ(عام الوفود).

وبعد إعلان إسلامهم عيّن لهم النبي (صلى الله عليه وآله) شيخ القبيلة، ليكون حاكماً عليهم، بشرط العمل بالإسلام، وإعطاء الصدقات وغيرها من الوجوه الشرعية، فقد أمر النبي (صلى الله عليه وآله) باستمرار (ملك اليمن) في عمله بعد إسلامه.

وفي ذيل رسالة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى سلطان البحرين، المتضمنة استمرارة  في وظيفته، جاء فيها:

(بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى المنذر بن حساوي. سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا اله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد، فإني أذكرك الله عز وجل فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وإنه من يطع رسلي، ويتبع أمرهم، فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أتوا عليك خيراً، وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب، فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح، فلن نعزلك عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية).

وأيضاً جاء في وصية النبي (صلى الله عليه وآله) لمعاذ بن جبل بأن يعين ما يريد من المسلمين، ويبعثهم إلى أطراف اليمن، لتعليم القرآن والمعارف الإسلامية، وهكذا...

وهكذا فإن الولاية ومنصب القضاء في زمان النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لم يكن منفصلاً عن بقية الوظائف والولايات الأخرى بأي نحو كان، والنبي (صلى الله عليه وآله) لم يسند مسؤولية القضاء لشخص بشكل كلي وعام، نعم في بعض الموارد كان يأمر بالرجوع إلى الإمام علي (عليه السلام)، حيث قال (صلى الله عليه وآله): (أقضاكم علي)(2)، وذلك لأن القضاء جزء من الولاية والمسؤولية الملقاة على الحاكم أو الوالي، وكانت أكثر القضايا والاختلافات تحل بسهولة، ويفصل فيها، لمجرد السؤال عن نوع المسألة، وطرح الموضوع أمام النبي (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم يرفع الاختلاف الناشئ عنها.

نصوص الشريعة.. في الرأي العام

ويظهر من المطالعات الإسلامية، اهتمام الإسلام بالرأي العام، فقد كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يقول: (أيها الناس أشيروا علي)(3) ويستطلعهم حول الحرب، وكذلك شاور (صلى الله عليه وآله) في قصة إعطاء التمر لليهود، وأخذ برأي من أشار عليه بالمنع، وفي القرآن الحكيم: (وأمرهم شورى) الشورى، 38، و(شاورهم في الأمر) آل عمران، 159. وورد أيضاً: (إن علياً (عليه السلام) إذا بعث والياً، قال له: اقرأ كتابي عليهم فإذا رضوا بك كن والياً عليهم)، وقصة استشارته (عليه السلام) في صفين، والمرأة التي جاءت شاكية إليه (عليه السلام) فعزل الوالي لشكايتها، وغيرهما، معروفة(4).

وقال الإمام علي (عليه السلام) للأمة: (فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل)(5)، وقال أيضاً: (من استبد برأيه هلك)(6) وقال (عليه السلام): (لا ظهير كالمشاورة)(7).

ومن هذا الباب حجية الرأي العام في معاني الألفاظ، والذي يستدل له بقوله سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَ بِلِسَانِ قَوْمِهِ) إبراهيم: 4. بل الإسلام يحبذ استطلاع الآراء حتى في الأمور الشخصية أمثال (الزواج) كما استشار الإمام علي (عليه السلام) في زواجه بفاطمة (أم البنين).

وقال عبد الله بن عباس: دخلت على أمير المؤمنين (عليه السلام) بذي قار، وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال (عليه السلام): (والله لهي أحب إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً)(8).

وقال (عليه السلام): (أيها الناس! إن لي عليكم حقاً، ولكم عليّ حقاً: فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابةُ حين أدعوكم، والطاعة حين آمرُكم.)(9).

فلما رأى الناس احترام الإنسان، تحت لواء الإسلام، بينما لم تكن توفر لهم هذا الاحترام، سائر الأديان والأنظمة الموجودة في ذلك الوقت، ورأوا صحة العقيدة والشريعة، بالاستدلال والمنطق، أخذوا يتهافتون على الإسلام ولم يقف دون دخول الناس في الإسلام كل المناقشات العقائدية التي صاغها علماء سائر الأديان والمذاهب ضد الإسلام، لأنها كانت مناقشات واهية لا يتمكن من الالتزام بها حتى أصحابها، وكذلك لم تنفع كل الاتهامات السياسية التي صاغها سياسيو الدول الكافرة، لإيقاف مدّ الإسلام، أمثال الاتهام بأنه دين السيف، أو أنه دين الإجبار والقهر(!!) ونحو ذلك، ويُردّ على ذلك بقوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) البقرة: 256. كما أن النبي (صلى الله عليه وآله) لم يجبر، لا أسرى بدر، ولا أهل مكة، ولا أهل الطائف، ولا غيرهم من الذين وقعوا تحت سلطته، على أن يسلموا..

من هو الحاكم الإسلامي؟

الحاكم الإسلامي هو الذي يجمع بين شرطين:

(الأول): كونه مرضياً لله سبحانه وتعالى.

(الثاني): كونه منتخباً من قبل أكثرية الأمة.

أما الشرط الأول: فإن الولاية لله سبحانه، عقلاً وشرعاً، فلا يحق لأحد تولي الأمر بدون رضاه سبحانه، أما عقلاً فلأن الله سبحانه خالق الخلق، ومالك الملك، وكما لا يجوز - عقلاً - أن يتصرف أحد في ملك أحد إلا برضاه، كذلك لا يجوز التصرف في ملك الله إلا برضاه، وأما شرعاً فلورود الآيات والروايات بلزوم أن يكون من يلي الأمور مرضياً له سبحانه، مثل آية (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ..)(10)، وآية (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ..)(11).

وأما الشرط الثاني فلقوله سبحانه: (أَمْرُهُمْ شُورَى)(12)، وقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ)(13)، فإن إطلاق الآيتين يُعطي أنه بدون الشورى لا يصح الحكم، إلا فيما خرج، مثل حكم الرسول (صلى الله عليه وآله) وحكم الإمام (عليه السلام)، وحكم من عيّناه نصاً، مثل تعيين الرسول (صلى الله عليه وآله) سيداً على مكة، وتعيين الإمام علي (عليه السلام) مالكاً على مصر، فإنه لا مجال للشورى مع النص في الموضوعات، كما لا مجال للشورى مع النص في الأحكام.

وحيث أنه لا حكم إلا ورد به كتاب أو سنة - كما وردت بذلك النصوص - يبقى مجال الشورى في الموضوعات، فما دلّ على أن الشورى فيه ليس على سبيل الوجوب، نقول بعدم وجوب الشورى فيه، وإلا فظاهر الآية الوجوب، ولذا نقول بوجوب الشورى في الحكم.. وعلى هذا يكون هناك انتخابان للناس:

الانتخاب الأول: انتخابهم للفقيه العادل الجامع للشرائط، حتى يكون هو الذي يتولى عامة الأمور، وهذا ما يسمى بـ(ولاية الفقيه) فإذا كان هناك جماعة من الفقهاء العدول، اختار المسلمون أحدهم رئيساً أعلى للدولة، ويحق لهم أن يختاروا جماعة منهم، ليكونوا رؤساء الدولة بالاستشارة فيما بينهم، وهذا الثاني أقرب إلى روح الإسلام، حيث أن الإسلام استشاري، كما أنه أقرب إلى الإتقان، وقد قال (صلى الله عليه وآله): (رحم الله امرئً عمل عملاً فأتقنه)(14). وهؤلاء الفقهاء هم الذين يقررون السياسة العليا للدولة، بالاستشارة فيما بينهم، إما بأن يجعلوا أحدهم رئيساً، والبقية مشاورين، وإما بأن تنفّذ الأمور بالهيئة الجماعية.

الانتخاب الثاني: انتخابهم لنواب الأمة، الذين يكونون بدورهم تحت إشراف الفقهاء، أي تكون (ولاية الفقيه) المشرفة العليا على النواب وعلى غيرهم، وبعد ذلك إن شاءت الأمة انتخبت رئيس الجمهورية، وبالتشاور بين الثلاثة، يكون انتخاب الوزراء: (السلطة التنفيذية) و(الهيئة العليا للقضاء) وإن شاءت الأمة، جعلت انتخاب رئيس الجمهورية على عاتق السلطة التشريعية والسلطة الفقهائية، ولعل انتخاب الأمة لرئيس الجمهورية أقرب إلى روح التشاور وإن كان يجعل الأمر أصعب..

حكم التعارض بين المرجع وشورى الفقهاء

ولا يخفى أنه بانتخاب الفقهاء، لا يسقط الفقيه عن منصبه التقليدي المخول إليه شرعاً، فهو مرجع إذا قلّده الناس كان في الحكم أولاً! وإذا لم يكن في الحكم. ودار الأمر عن المقلَّد بين طاعته أو طاعة شورى الفقهاء - في مورد اختلاف نظرهما - فالظاهر لزوم اتباع المقلد لشورى الفقهاء، فهو من قبيل تردد المقلد بين رأي مجتهده ورأي القاضي، حيث ذكروا لزوم أخذ رأي القاضي.

وإنما نرجح اتباع المقلد لشورى الفقهاء على اتباعه لمرجعه لسببين:

أولاً: للمناط في مسألة القاضي.

ثانياً: لظهور بعض الروايات في ذلك، مثل ما في نهج البلاغة، حيث قال (عليه السلام):

(وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضى، فإن خرج من أمرهم خارج بطن أو بدعة، ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى

قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين)(15)، واختصاص الأمر بالمهاجرين والأنصار، دون كل المسلمين. راجع إلى ما يلي:

1- لأن كل المسلمين في ذلك اليوم، كانوا راضين بما يفعله المهاجرون والأنصار.

2- ولأن الإسلام كان في بدو أمره، حيث كان إيكال الأمر إلى كل المسلمين خطراً على الدولة من جهة تربص الفرس والروم بالأمة، أما حمل كلامه (عليه السلام) على أنه من باب إلزام الخصم بما التزم به - لأن الكتاب موجه إلى معاوية - فهو خلاف الظاهر؛ إذ اللازم حمل الكلام على البرهان، إلا إذا لم يكن مساق له إلا الجدل.

بل يمكن أن يستفاد ترجيح رأي شورى الفقهاء على رأي مرجع تقليده - في مورد الاختلاف مما يرتبط بشؤون الدولة - في قوله (عليه السلام): (خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر، فإن المجمع عليه لا ريب فيه)(16) إذ المراد بالمجمع عليه الشهرة، بقرينة الصدر، والعلية في المقام، فهو من قبيل منصوص العلة..

وفي المقام روايات أخر يمكن أن يستفاد منها ذلك:

مثل ما رواه أبو إمامة - كما عن الخصال - قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أيها الناس أطيعوا ولاة أمركم، تدخلوا جنة ربكم(17).

وعن الصدوق (رحمه الله) أنه روى عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (المحمدية السمحة، إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام شهر رمضان وحج البيت والطاعة للإمام وأداء حقوق المؤمن)(18).

وروى أبو حمزة، عن الباقر (عليه السلام)، أنه سئل عن حق الإمام؟ فقال (عليه السلام): (حقه عليهم أن يسمعوا له ويطيعوا، قلت: فما حقهم عليه؟ قال: يقسم بينهم بالسوية، ويعدل في الرعية)(19).

وبعد ما تقدم من اشتراط أن يكون الوالي مجتهداً عادلاً، لا حاجة إلى ذكر أنه لابد أن يعمل بقوانين الله سبحانه، إذ إن أي انحراف عنها يسقط عدالته، وإذا سقطت، لزم على المسلمين إسقاطه، وسحب الثقة عنه، وتبديله بالرجل الصالح، وأنه لا طاعة له على المسلمين، أما عدم وجوب طاعته في المعصية، فأوضح من أن يخفى، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

وعن الخصال: روى سليم بن قيس، عن الإمام علي (عليه السلام) قال: (احذروا على دينكم ثلاثة .. إلى أن قال: ورجلاً أتاه الله سلطاناً، فزعم أن طاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله، وكذب لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق إلى أن قال: لا طاعة لمن عصى الله، إنما الطاعة لله ولرسوله ولولاة الأمر)(20).

ولا يخفى أن (شورى فقهاء حفظة مجلس الأمة) غير شورى الفقهاء المراجع، حيث أن المرجع الأعلى للدولة، بل شورى الفقهاء المراجع هم الذين يعينون (شورى الحفظة) إما مستقلاً، أو بالتعاون مع سائر وكلاء الأمة.

مناقشة نظرية (البيعة)

قد ظهر أن الدولة الإسلامية رئيسها الأعلى هو الفقيه الجامع للشرائط، سواء أكان بصورة فردية أم بصورة جماعية - حسب اختيار الأمة لأحد الأمرين - وقد ذكر بعض الكتاب الإسلاميين إمكان تعيين الرئيس بـ(البيعة) أو بسبب (أهل الحل والعقد).

واستدلوا ذلك، بأن المسلمين بايعوا الرسول (صلى الله عليه وآله)، وبأن أهل الحل والعقد عينوا الخليفة الثالث، بل مما تقدم من كلام الإمام علي (عليه السلام)، من كفاية اختيار المهاجرين والأنصار، لكن كلا الأمرين محل نظر، إذ البيعة إنما تكون - بعد الانتخاب - ومظهرة له، لا أنها تعين رئيس الحكومة، فالمسلمون بعد أن صدّقوا رسالة الرسول (صلى الله عليه وآله)، بايعوه، ولو لم تكن البيعة كانوا مصدقين له، وكذلك كانت بيعة الخلفاء، فالبيعة كانت نوعاً من التأكيد، فالبائع يبيع نفسه وأهله وماله لله تعالى، في قبال أن يعطيه الله الجنة، كما قال سبحانه: (فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ)(21)، كما أن حجة الوالي عليه تكون أقوى، حيث أن الوالي يستدل ببيعته على أنه قبل وانتخب، فلاحق له في النقض، ولذا استدل الإمام (عليه السلام) على الناكثين بأنهم بايعوه، ولذا كان خلفاء الجور يجبرون الناس على البيعة بالسيف، حتى استدلوا بعد ذلك لجَهَلة الناس، بأنه بويع لهم بالخلافة.

وقال خطيب مرتزق، في مجلس معاوية بحضور يزيد: أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية) فإن مات فهذا (وأشار إلى يزيد) ومن أبى فهذا (وأشار إلى السيف)، فقال له معاوية مستبشراً: اجلس فأنت أخطب الخطباء.. حال ذلك حال تزييف الانتخابات في الزمن الحاضر، حيث أن الدول الديكتاتورية تجبر الناس على الإدلاء بأصواتهم، لنفع الدكتاتورية، والظريف في الأمر أن الديكتاتور يخرج فائزاً بتسع وتسعين صوتاً من المائة، بينما في ما يكون الانتخاب فيه شبه الحر، لا يخرج الفائز إلا بأكثرية ضئيلة غالباً، وكيف كان فالبيعة لا شأن أساسي لها في تشكيل الحكومة.

مناقشة نظرية (أهل الحق والعقد)

أما انتخاب أهل الحل والعقد فدليله، وهو الشورى التي أتت بالخليفة الثالث، غير تام، فإن الشورى الواردة في الكتاب والسنة، معناها شورى الجميع، لا شورى جماعة، فبأي حق تسقط آراء الآخرين؟

وقد تقدم الجواب عن الاستدلال بكلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وإنه كان فيما قبلت الأمة بما يفعله أهل الحل والعقد، بالإضافة إلى تعسر الانتخابات من قبل جميع الأمة في ذلك الزمان، كما أشار إليه الإمام علي (عليه السلام) في كلمة له - كما في نهج البلاغة - (ولعمري لئن كانت الإمامة لا تنعقد حتى تحضرها عامة الناس، فما إلى ذلك من سبيل، ولكن أهلها يحكمون على من غاب عنها، ثم ليس للشاهد أن يرجع ولا للغائب أن يختار)(22). هذا مع الإشكالات الأخر التي ذكروها في (قصة الشورى)، وقد أشار إليها الإمام علي (عليه السلام) في قوله: (فيا لله وللشورى)(23).

نعم ربما أورد على انتخاب الأكثرية، دون أهل الحل والعقد فقط، بأن الأكثرية غالباً جاهلون بالسياسة، ولذا تشترى أصواتهم، وكثيراً ما ينتخبون غير الصالح، بخلاف ما إذا كانت زمام الانتخاب بيد أهل الحل والعقد، فانهم لدرايتهم السياسية لا يخدعون، فلا يأتي غير الصالح إلى الحكم، لكن هذا الإيراد غير تام - مع غض النظر عن أدلة الشورى الظاهرة في العموم، وعن أنه لماذا يسقط حق الجماهير في اختيار من يتولى شؤونهم - إذ لا نسلّم بجهل الأكثرية، وهم حيث تتجمع آراؤهم لهم رؤية حسنة، ولذا يقال (محكمة الاجتماع) وهم المرجع في أن أي الأطباء والمهندسين و.. خير من غيره، وشراء الصوت أحياناً، لا يخدش حسن رأي الأكثرية، ولا نسلّم لأنهم ينتخبون غير الصالح، فإن انتخابهم لغير الصالح نادر.

ثم يبقى المجال للنقض برأي أهل الحل والعقد، فهل هم لا يقعون تحت تأثير الدعايات؟ ولا يراعون مصالح أنفسهم؟ ولا يبيعون أصواتهم؟ وقد ذكر التاريخ أخطاء آراء أهل الحل والعقد، بما لم يذكر مثله في آراء العامة.

وقد تقدم إطلاق دليل الشورى، في القرآن الحكيم: (..وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى..) النساء: 115.

الحاكم الإسلامي والاستشارة

كما إن اللازم على الحاكم الإسلامي كثرة الاستشارة، وفي القرآن الحكيم آيات حول الاستشارة، تقدمت جملة منها، كما تقدمت بعض الروايات حول ذلك.

وقد استشار الرسول (صلى الله عليه وآله) حول أمور متعددة في حروبه، كما استشار الإمام علي (عليه السلام) في قضايا متعددة، وعن مجمع البيان في ذيل آية: (والّذين اجتنبوا الطّاغوت) طه: 131، أنه روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوله: (ما من أحد يشاور أحداً إلا هدي إلى الرشد)(24).

وقال الإمام علي (عليه السلام) - كما في النهج البلاغة - : (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة، ولا تتحفظوا، مني بما يتحفظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، ولا التماس إعظام لنفسي، فإنه من استثقل الحق أن يقال له، أو العدل أن يعرض عليه، كان العمل بهما أثقل عليه، فلا تكفوا عن مقالة بحق، أو مشورة بعدل)(25).

وعن شرح نهج البلاغة أن الإمام علي (عليه السلام) قال لطلحة والزبير: ولو وقع حكم ليس في كتاب الله بيانه، ولا في السنة برهانه لشاورتكما(26).

لكن اللازم أن تكون المشورة بموازينها، إذ ليس كل أحد يستشار كما ليس في الأحكام الشرعية استشارة، بل الاستشارة في أمرين:

1) في الإطارات، بعد أن يكون المحتوى الأدلة الأربعة.

2) في التطبيقات، في مجلس الشورى والهيئة التنفيذية والقوة القضائية، ولاحق لهم في أن يستشيروا في حكم شرعي، هل يجعلوه كما قاله الشارع المقدس أم لا؟ ولا في تطبيق الحكم على الموضوع المتبين أنه موضوع لذلك الحكم، فإن حلال محمد (صلى الله عليه وآله) وحرامه لا يتغيران إلى الأبد.

وقد وردت في هذا الصدد روايات، فقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ولا تدخلن في مشورتك. بخيلاً يعدل بك عن الفضل، ويعدك الفقر، ولا جباناً يضعفك عن الأمور، ولا حريصاً يزين لك الشر بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتى يجمعها سوء الظن بالله(27).

ذلك لأن البخيل يسيء الظن بالله، متوهماً أنه تعالى لا يكفيه إذا احتاج، والحريص يسيء الظن بالله أيضاً، بأنه لا يزال عليه رزقه، والجبان يظن بأن الله سبحانه لا ينصره إذا أقدم في الحق.

وروى معاوية بن وهب، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: (استشر في أمرك الذين يخشون ربهم..)(28)، وروى سليمان بن خالد عنه (عليه السلام) أنه قال: (استشر العاقل من الرجال الورع، فإنه لا يأمر إلا بالخير..)(29).

وروى الحلبي عنه (عليه السلام) أنه قال: إن المشورة لا تكون إلا بحدودها، فمن عرفها بحدودها، وإلا كانت مضرتها على المستشير أكثر من منفعتها له.

فأولها: أن يكون الذي تشاوره عاقلاً.

الثانية: أن يكون حراً متديناً.

الثالثة: أن يكون صديقاً مؤاخياً.

والرابعة: أن تطلعه على سرك، فيكون علمه به كعلمك بنفسك، ثم يسترذلك ويكتمه، فإنه إذا كان عاقلاً انتفعت بمشورته، وإذا كان حراً متديناً أجهد نفسه في النصيحة لك،. وإذا كان صديقاً مؤاخياً سرك إذا طلعته على سرك، وإذا أطلعته على سرك فكان علمه به كعلمك - تمت المشورة وكملت النصحية(30).

السلطة الشرعية

السلطة التي هي من أهم الأمور لابد وأن تكون بإذن الله تعالى، وطريق إذن الإمام المأذون من الرسول المأذون من الله تعالى، أما أن يستولي أحد بدون مؤهلات على الناس، سواء كان بإذنهم - كما في الحكومات الديمقراطية - أم بغير إذنهم - كما في الحكومات الأرستقراطية والبيروقراطية - فإن ذلك مما لم يؤذن به، فيكون ذلك خلاف الشريعة.

أما أسلوب الشريعة الإسلامية في الحكم فهو أن:

1- يكون القانون هو قانون الله سبحانه.

2- يكون التطبيق في ضمن وصاية الناس.

أما الأول، فيدل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل، قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) المائدة: 44.

وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المائدة: 47.

وقال سبحانه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) المائدة: 45.

فالحكم بغير ما أنزل الله، كالسيارة تخرج عن الجادة، فتقع في المعاطب، (فسق) ثم (ظلم) ثم (كفر).

وفي السنة:

(انظروا إلى رجل منكم قد أدى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا فاجعلوه حكماً، فإني قد جعلته عليكم حكماً)(31).

والإجماع:

قطعي بأنه لا يجوز حكم غير الله سبحانه، بل هو من ضروريات الدين.

والعقل:

دلّ على أنه لا يجوز التصرف في ملك المولى (الله) إلا بإذنه.

هذا بالنسبة إلى لزوم كون (الحكم لله).

وأما بالنسبة إلى لزوم رضى الناس؛ فقد قال سبحانه: (وأمرهم شورى) و(شاورهم في الأمر).. وفي الشعر المنسوب إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام):

فإن كنت بالشورى ملكت أمورهم***فكيف بهذا والمشيرون غيب؟

وإن كنت بالقربى حججت خصيمهم***فغيرك أولى بالبنين وأقرب(32)

حيث يحصر الإمام (عليه السلام) الحكم في أمرين:

1- في قرابة النبي (صلى الله عليه وآله)، أي الإمام المعين من قبله (صلى الله عليه وآله).

2- في الشورى، واختيار الأكثرية.

فكما أن للإنسان، أن يصلي خلف أي عادل، ويقلد أي مجتهد، ويراجع أي قاض، كل ذلك في الإطار الإسلامي المعين من قبل الله سبحانه، كذلك للإنسان أن يختار أي مجتهد جامع للشرائط في الحكم..

وهكذا، فليس للحاكم حق الدكتاتورية اطلاقاً، وكل حاكم يستبد، يعزل عن منصبه، في نظر الإسلام تلقائياً، لأن من شرط الحاكم العدالة، والاستبداد (الذي معناه التصرف خارج النطاق الإسلامي، أو خارج نطاق رضا الأمة في تصرف الحاكم في شؤونها الشخصية) ظلم مسقط له عن العدالة.

الخاتمة: واجب العالم الديني

وعلى هذا، فالواجب الشرعي على العالم الديني، كوجوب الصلاة والصيام، أن يهتم لإبعاد الحكّام الظلمة عن الساحة الإسلامية، ليقبض زمام الأمة العلماء الراشدون، فيسيرون بالأمة، كما أراد الله سبحانه..

وهذا ما فعله العلماء في القرن الأخير (مع الغض عن القرون السابقة) أمثال السيد المجاهد، والميرزا الكبير الشيرازي، والآخوند صاحب الكفاية، والميرزا النائيني وغيرهم، فإن في ترك الأمر بيد الحكام الظلمة، هدم الإسلام كله، وإحياء الكفر والفسق كله، قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): (لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها)(33).

وقال الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله): (وإذا ظهرت البدع فعلى العالم أن يظهر علمه وإلا فعليه لعنة الله)(34).

الهوامش

1- راجع (تاريخ الخلفاء) لجلال الدين السيوطي.

2- كشف الغمة، ج1، ص263.

3- شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج3، ص361.

4- انظر: وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنتصري/ طبعة مصر.

5- نهج البلاغة، الخطبة 316، ص335.

6- نهج البلاغة، الخطبة، 161، ص500.

7- نهج البلاغة، الحكم، 54، ص478.

8- نهج البلاغة، الخطبة، 33.

9- نهج البلاغة، الخطبة، 34.

10- سورة المائدة: 55.

11- سورة النساء: 59.

12- سورة الشورى: 37.

13- سورة آل عمران: 154.

14- الوسائل: ج2، ص883 - الباب 60 من الدفن، ح1.

15- نهج البلاغة، الكتاب 6 (إلى معاوية).

16- المستدرك، ج3، ص189، الباب 9، من صفات القاضي، ح2.

17- الخصال، ج1، ص321، باب السنة ح6.

18- الوسائل، ج14، ص74، الباب 48، من مقدمات النكاح، ح1.

19- الكافي، ج1ن ص405، في ما يجب حق الإمام على الرعية، ح1.

20- المحبة البيضاء، ج1، ص128، الباب السادس.

21- سورة الفتح: 10.

22- نهج البلاغة، الكتاب 6.

23- نهج البلاغة، الخطبة3.

24- ميزان الحكمة، ج5، ص211، ومجمع البيان، المجلد الخامس، ح13، ص146.

25- نهج البلاغة، خطبة 216.

26- شرح نهج البلاغة، المجلد الثاني، الجزء السابع، ص173، س10.

27- نهج البلاغة، رسالة 53.

28- المحاسن، ص601، الباب3، من كتاب المنافع، ح17.

29- المحاسن، ص602، الباب3، من كتاب المنافع، ح24.

30- المحاسن، ص602، الباب3، من كتاب المنافع، ح28.

31- بحار الأنوار، ج3، ص90.

32- ديوان الإمام علي (عليه السلام)، ط بيروت، ص9.

33- نهج البلاغة، الخطبة3.

34- الكافي، ج1، ص54، باب فضل العلم، ح2.

المصادر:

1- الفقه/ السياسة، ج105-106، آية الله العظمى الإمام الشيرازي.

2- أول حكومة إسلامية في المدينة المنورة، آية الله العظمى الإمام الشيرازي.

3- إلى حكم الإسلام، آية الله العظمى الإمام الشيرازي.

4- الصياغة الجديدة: آية الله العظمى الإمام الشيرازي.