معالم نهج السلم والحرب في الإسلام

من وجهة نظر الإمام الشيرازي

أبو أحمد البغدادي

مقدمة

موضوع الحرب والسلم في حياة الأمم، رحب الأبعاد، كثير الشعب بحيث استوعب جم غفير من الآراء والتيارات التي راحت تفلسف الموضوع بحسب أهوائها، وفاقاً لما في ذاتها من أهداف وأغراض، تراها ـ وفق ما تعكسه مرآتها ـ بمثابة لوازم وثوابت مسيرة بني البشر، على مدى التاريخ، بالنظر إلى تأصل نوازع المنافسة وحب الأثرة بالمصالح والمنافع، والميل الفطري إلى الاستحواذ على كل ما يدخل في باب الملك والتملك، وغير ذاك مما له جذر في جبلة الآدمي، وهو ما يُفهم منه أن الحرب ظاهرة طبيعية، تقضي بها سنة الاختلاف بين بني الإنسان، من حيث تفاوت الطباع، وتعدد المشارب والأهواء، وتباين الأطماع والنويا، وهكذا إلى أن تصل إلى أصل الاختلاف في الجنس واللون والسلالة، مما يمكن أن يترتب عليه قاعدة الفاضل والمفضول، التي من جملة لوازمها التنازع والتحارب، عملاً بما تقتضيه سّنة (تنازع البقاء) أو قانون (بقاء الأصلح)، وذلك بحسب مفاد متبنيات أكثر النظم الوضعية السائدة في عالم اليوم..

وبالطبع، لم يفت أصحاب هذا الأفق في الرؤية والتنظيم أن ينتزع من منطق الأحداث والوقائع التي حصلت على مرور الدهر، منذ هبوط أبي البشر آدم (عليه السلام) على وجه البسيطة، وما وقع من تنازع وتناحر بين ابنيه هابيل وقابيل، مدعين أنه لولا ذلك القتل الأول لما شهد العالم بقية لبني البشر (!!) الأمر الذي يلوي الأعناق إلى حقيقة كون الحرب والتنازع أصلاً في بقاء النوع الإنساني، وسبباً في التخلص إلى الأصلح الذي يضمن سلامة النسل ونموه وازدهاره ثم يجادل أصحاب هذا النظم، ويصرون على أن الحرب توجب انتظام عقد الاجتماع الإنساني، وتقارب أجزائه، وتداني أطرافه، بفعل (وحدة الاتجاه) التي تنجم عن الهزات التي تحدثها الحروب، مشبهين الأمر بالمقص الذي يشذّب فروع وأغصان الشجرة، فيذهب الزائد اليابس منها، ويبقى على الأصل الأخضر المؤهل للينع.. متعللين أيضاً بما يمكن أن تجلبه الحرب من فوائد ومزايا تدخل في نطاق تقدم الفكر، وازدهار الصناعة، وتحديث المدن، وخفض عدد السكان، بما يوجب من حسن توزيع الثروات، وتضييق مساحة الفقر والحرمان..!!

ما يهمنا في هذا البحث هو الاتجاه الخطر في جملة هذه التيارات والتنظيرات، الذي يذهب بعيداً فيحاول أن يبرهن بدليل شرعي على ظاهرة لا تخلو من مؤاخذة، زاعماً أن القرآن الكريم يدعو إلى الحرب حيث يقول في موضع منه: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة..)، وفي موضع آخر يقول: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض).. رافعاً عقيرته بأن هذا الدين إنما قام تحت ظلال السيوف، مستدلاً على ذلك بحروب الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) والفتوحات الإسلامية التي كان آلتها السيف والرمح!!

من هنا نكون بحاجة إلى معرفة سمات وملامح منهج السلم والحرب في الإسلام، عبر استخراج الدليل الصريح الذي تتسق معه الوجهة إلى هذا المنهج، بما لا يدع مجالاً للشك للتردد في ثباته وأصالته، منذ فجر الدعوة الإسلامية، وإلى اليوم، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها..

فهل منهج الحرب قاعدة أم استثناء؟ وإذا فرضنا أنها وقعت استثناءً، فأيّ أقسامها مشروع، وأيٌ منهما غير مشروع؟ وهل صحيح ما يدّعى من فوائدها ومزاياها على صعيد بقاء الأصلح، أو تلاقح الأفكار، أو تحسين الاقتصاد، أو التقريب بين المتباعدين، وما أشبه؟!

هذه الأسئلة أو التفرعات على موضوع الحرب والسلم، بحاجة إلى إجابات رصينة متماسكة، بالاستناد إلى المرجعية الدينية الأصيلة المتمثلة بالمرجع الديني الأعلى الإمام الشيرازي (دام ظله).

الحرب استثناء وليست قاعدة

يقول الإمام الشيرازي (دام ظله): (الحرب حالة استثنائية في حياة الإنسان، حالها حال العملية الجراحية، وإلا فاللازم عند الخلاف تحكيم الحوار، ورضوخ من ليس له الحق للحق، وقد كان من مفاخر الأديان أنها تُحكّم الكلمة، قال سبحانه وتعالى: (إقرأ)(العلق: 1).

والحرب على قسمين:

1 ـ حرب باطِلَيْن.

2 ـ حرب حق وباطل، والحق لا يُقدم على الحرب إلا دفاعاً، أو لأجل إحقاق الحق وإنقاذ المستضعفين، ولذا قال سبحانه: (وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين..) (النساء: 75). فهي أيضاً حرب دفاعية، وإن كانت تسمى بـ(الجهاد الابتدائي).

واللازم أن يأخذ الصلح مكان السيف، أما ما ذهب إليه دارون وأتباعه في موضوع أصل (تنازع البقاء) و(بقاء الأصلح) فذلك ما دل الدليل على خلافه، فهو مثل أن يقال بـ(أصل الجريمة) حيث لا يخلو مجتمع من الجريمة، وجاء بعده ماركس ليذهب إلى (حرب الطبقات) وقد قام الدليل على خلافه)(1).

والتنازع والتخالف والتحارب ظواهر تبلغ درجة من الشيوع في المجتمع الإنساني، بحيث أن هذا الشيوع يبلغ درجة من الغرابة، لما يحدثه من أضرار وتصدعات في البنية الاجتماعية الإنسانية، تتمثل في القتل والجراح، وإفرازات كثيرة تعقب حالة الحرب أو التنازع، وإذا ما قارنا ذلك بما يقع في بعض المجتمعات الحيوانية، لتأكدت تلك الغرابة، حيث يعدد سماحة الإمام الشيرازي (دام ظله) الفروق بين الحربين، كما يلي:

1 ـ إن حرب الحيوان بدنية، بينما حرب الإنسان بدنية وغيرها.

2 ـ الحيوان لا يستخدم آلات في حربه، بخلاف الإنسان.

3 ـ حرب الحيوانات سريعة الانتهاء، بخلاف حرب الإنسان، فإنها قد تطول مدة.

4 ـ حرب الحيوان لا تتطور إلى غير الجراح والقتل، في حين حروب الإنسان تتطور إلى الكلامية ـ وتسمى بالحرب الباردة ـ والاقتصادية وغيرها، وإن كان تسميتها حروباً أشبه بالمجاز.

5 ـ وأخيراً لا فداء لحرب الحيوان، بينما جعل الإنسان لحروبه أقساماً من الفداء.(2).

الحرب خلاف طبيعة الإنسان

وإلى ذلك، لا بد من التأصيل إلى قضية مهمة، تتعلق بصحة أو عدم صحة الرأي القائل بالنزوع الفطري لدى الشعوب نحو الاحتراب، أو ما إذا كان الإنسان يحب الحرب لتحصيل منافع معينة، أو الدفاع عن هذه المنافع، أو هو مشبع بدوافع ـ هي من طبعه ـ لطلب الحرب دفعاً للضرر أو توهم دفعه، مما يجعل الظاهرة حالة طبيعية، وسرعان ما تجد مبرراً لها بجعل النفوس قانعة بها مسلمة لها.. فالإسلام يؤكد بطلان هذا الاتجاه، ويقطع عليه وجهته، بالدليل الثابت بضرورة السلم الذي تتوفر فيه الطاقات البشرية على الإنماء والبناء، وحفظ النفس المحترمة حيث يصدع بقوله: (ادخلوا في السلم كافة)، وهو الدليل الذي تمسك به مَن يدعي أن الإسلام إنما استقام، وحقق له وجوداً خارجياً تحت ظلال السيف والرمح.. المفصل في هذا الموضوع، هو ما ذهب إليه الإمام الشيرازي (دام ظله)، من أن الحرب هي خلاف طبيعة الإنسان، وأن الشعوب قاطبة تبغض الحرب أيما بغض، إلى درجة لا تبقى معها فسحة للقول بالنزوع الفطري لدى الإنسان نحو النزاع والحرب، جلباً للمصلحة أو دفعاً للضرر، بل هناك آفاق واسعة للتوفر على المصلحة، ودفع الشرور والأخطار، وإعمار الديار، وتجديد المتاع والقلاع، تختصرها قاعدة السلام في الإسلام.

يقول سماحته: وحيث أن الحرب هي خلاف طبيعة الإنسان، لأنها تفني الديار، وتهدم الديار، وتلتهم الأموال، وتبعث على الخوف والاضطراب، بل وأحياناً توجب هتك حرمات النساء وسبيهن، وإذلال المغلوب، فالأمم لا تريد الحروب، وإنما جماعة من الناس لها مصلحة في الحرب فهي تشعلها، وغالباً ما تجني هي ويلاتها، إذ تقف خارج الميدان، بمختلف العناوين، وتدفع بالآخرين إلى الحرب..(3).

وعلى هذا، فإن مثيري الحروب، غالباً ما ينأون بأنفسهم عن خطر الحرب وأهوالها، بل ربما حققوا المكاسب الضخمة والامتيازات الجمة في ظل الحرب، إذ الحرب تُخلي لهم الساحة لأجل الانفراد بالاقتصاد، والسياسة، والمقدرات الأخرى، بحسب ما يشتهون، دون رقيب أو منازع، وهو ما يفسر استهتار دعاة الحرب بمقدرات بلادهم، وأرواح شعوبهم، لأنها تسهّل لهم القرار السياسي، وتيسر لهم السيطرة على أزمة الأمور، من جراء خفة متون الدولة التي تستهلكها الحرب.

وإلا، فما أقل الحروب المشروعة التي تبادر إليها الأمم، طوعاً، حيث ترى فيها وسيلة لحفظ عقيدة، أو دفاع عن دين، وثروات مهددة، ودفعٍ لقتل بقتلٍ مثله، وما إلى ذلك مما تسوغ به لغة الدفاع عبر المعارك العسكرية، وهو ما يدعى بحروب التحرير.

يقول الإمام الشيرازي (دام ظله)، موضحاً هذا المعنى بأجلى صورة: ( نعم قلة من الحروب هي حروب التحرير، مما تندفع إليها الأمم، لأجل دفع المعتدي على العقيدة الصحيحة، أو على الاقتصاد، أو ما أشبه ذلك.. ودوافع الحروب لم تختلف في الحال الحاضر، عن دوافع الحروب عند الإنسان غير المتحضر، فقد كانوا سابقاً يحاربون لأجل الغنائم، أو لأجل إظهار الشجاعة، أو لأجل الخوف من الأعداء (وقايةً) أو لأجل دفع الأعداء (علاجاً)، أو لأجل إرضاء الغرور ... فمثلاً كان إنسان من عشيرة معينة يهين شيخ عشيرة أخرى، فالشيخ هذا ـ إرضاءً لغروره ـ كان يُلقي بعشيرته في الحرب ضد عشيرة المهين.

وهكذا فإن توهم أن الحرب من طبيعة الإنسان، مثل الجوع والعطش، توهم غير مدعوم بدليل، ولو كانت كذلك، للزم تحققها في فواصل زمنية خاصة، مثل سائر الغرائز الإنسانية، مع أن الأمر بالعكس)(4).

لا فائدة ترجى من الحرب

وقد أسلفنا أن دعاة الحروب ومنظّريها، وهم عادة من نتاج النظم الوضعية الغربية والشرقية، يذهبون إلى أن الحرب لها من الفوائد بقدر ما لها من الأضرار، ويستدلون على هذا المنحى من التفكير الجزافي، بأمور منها: تعارف وتوحد الطرفين المتنازعين بعد أن تتكشف لكل طرف الدوافع النفسية السليمة للطرف الآخر واستقامة العلاقة الطبيعة بينهما بعد فترة من معايشة أهوال ومآسي الحرب، فكأن هذا الشر سيعقبه أخيراً خير يعم الطرفين لفترةٍ طويلة يتقدم فيها الفكر، وتتقدم الصناعة، مدعين بأن حالة الحرب توجب تفتق الكفاءات، من حيث أن كل طرف يسعى للنجاح والتقدم على الآخر، كما أن الحرب تكون عاملاً في خفض عدد الناس، مما يساعد في تحسين أوضاع الذين يعيشون بعد الحرب، ورفاهيتهم، كما أنها تدفع الناس إلى تحديث وتجديد المدن وإصلاح كل ما تضرر من جرائها، بصورة يجعلها أقوى وأبقى على الأيام..!!

وفي جميع هذه المدعيات مناقشة، من حيث:

1 ـ إنما تتوحد الأقوام بالثقافة المشتركة، لا بقتل بعضها بعضاً، سواء غلب أحدهما الآخر، أو وقع بينهما صلح وهدنة، ولذا نرى أن الأقوام المختلفة، لما توحدت ثقافتها في ظل الإسلام، توحدوا، بينما الاختلاط والتعامل ونحوهما، بين اليهود والمسلمين، لم يجعل منهم أمة واحدة، وإن بقي ذلك بينهم أكثر من ألف سنة.

2 ـ وتقدم القطر يتحقق عبر تلاقح الأفكار، وهو فرع وحدة الاتجاه، لا الحرب، فالحرب إن أتت بوحدة الاتجاه ـ أي اطّلاع بعضهم على بعض ـ تلاقحت الأفكار وإن لم تأت به لم تتلاقح، فأيهما أصلح، التحارب حتى تتلاقح الأفكار أم توحد الاتجاه بدون حرب، حتى تتلاقح الأفكار؟!

3 ـ وكذلك الحال بالنسبة لتقدم الصناعة فتهيئة الأجواء الصالحة للعلم والعلماء، ببناء المختبرات، وتشويق العلماء بالمال وأشكال التكريم والمنافسة ونحوها، تعطي نفس النتائج التي تعطيها الحرب، لكن بدون أضرار الحرب، فهل من التعقل أن يسير الإنسان في الطريق المعوج، وأمامه الطريق المستقيم؟!

4 ـ وتحسين حال الإنسان، يمكن بعدم صرف الثروة في الهدم والدمار، وقد ذكر في تقرير أن الدول تنفق كل يوم مليار دولار في التسلّح، فأي مقدار ضخم من هذا المال الذي يهدر في الدمار؟ ولو أنفق هذا المال في البناء، لما بقي جائع، ولا حاجة معطلة.. هذا مع صرف النظر عن أن كثيراً من الثروات تكدّس أو تصرف إسرافاً وتبذيراً.

5 ـ ولماذا تجدد المدن والقلاع بعد دمارها بالحرب؟ أليس من الأفضل أن نجددها بالثروة التي تصرف في الدمار والتكديس والإسراف؟ أليس مثل ذلك كمثل إنسان يجرح نفسه ثم تجرى له عملية جراحية، فهل له أن يفرح بأن اللحم الجديد أخضر؟ في حين أنه كان من الممكن تحصيل النظارة بالعيش الحسن، دون أضرار وآلام.(5).

أسباب الحروب وطريق العلاج

ثم لابد أن نبحث عن سبب جامع وشامل، تدور في فضائه عوامل وأسباب نشوب الصراعات، بهذه الدرجة من العنف أو تلك، إذ ربما تعددت كثيراً أسباب هذه الصراعات، واختلفت مبررات قيامها، ولكن يبقى فضاؤها واحد، وسبب أسبابها ـ وهو ما يمكن أن ننعته بالسبب الأوحد أو الجامع ـ يتمثل في جهل الإنسان وتعسفه في طريق تحصيل مصالحه، وإصلاح دنياه، بما تضمه من شؤون وأغراض وأهداف مختلفة تتراوح ما بين الاقتصاد والسياسة وتحقيق مركز القوة، وما إلى ذلك مما يتعذر حصره، لكنه سهل التشخيص، فالجهل هو رأس كل شر، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، ومن جملة أعراض ضيق أفق الإنسان، وضيق صدره، إلى مستوى ينحدر عنده إلى الحالة البهيمية التي بطبعها لا تعرف سوى العضلات في تجاوز الأزمات والمصاعب، فيحتكم إلى منطق القوة وتحقيق الغلبة، بأي طريق، وصولاً إلى أغراضه ومطامعه، ولا فرق في ذلك بين أغلب أقسام الحروب، سوى حروب التحرير التي تجد لها مسوغ من حفظ عقيدة أو اقتصاد مهدد، أو دفع عدو طامع في ثروة أو تمدد على حساب الغير، وما شاكل ذلك.

إذن فالجهل هو السبب الوحيد أو الجامع الذي تجتمع عنده الأسباب من جشع أو حرص أو طمع أو أثرة، أو سوى ذلك مما يتعارض مع فضيلة العلم والإيمان والكمال، من أي وجه كان، وهو كذلك يبعد المرء عن التحاكم إلى منطق الحوار والجدل بالتي هي أحسن، وحسن الإصغاء إلى الآخرين قصد الوصول إلى الأرضية المشتركة التي تتحقق عليها المصالح الكلية العادلة.

القول في هذه الجانب من البحث، هو ما يقوله ويقررهُ الإمام الشيرازي (دام ظله) من أنه: (لا فرق بين الحروب الخارجية والأهلية، إذ كلها تنشأ من عدم تحكيم (الكلمة)، وعدم التحاكم إلى (المنطق)، ومنشأ عدم التحاكم إما الجهل، أو الطمع.. فالجاهل لا يريد أن يسمع كلام الآخرين، أو أنه يسمع ولكنه لا يملك حاسة التمييز... والطامع يعرف ويحرف، وقد أشار القرآن الكريم إلى كلا السببين، فقال بصدد الأول: (ومنهم أميّون لا يعلمون الكتاب إلا أماني) (البقرة: 78) وقال بصدد الثاني: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) (النحل: 83) وقال: (جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم) (النمل: 14).

وحيث أن علاج الجهل العلم، وعلاج الطمع نزاهة النفس، والإنسان لا يستعد بسهولة للتعلم والتربية، فكان من اللازم على العقلاء والمصلحين اتّباع ما يلي:

1 ـ التوعية العامة تعليماً وتربية.

2 ـ جعل الطامعين في قفص الاتهام، لكي لا يتمكنوا من التحرك، وذلك ممكن إذا وعى الشعب أن الباعث على الحرب أطماع قلة من المستكبرين لتحسين أوضاعهم السياسية أو الاجتماعية.

فإن وعى الشعب ذلك، لم يقدر أولئك القلة على إغرائه بالحرب، بذريعة مصالح الشعب، كما هي العادة في القلة، حيث أنهم يريدون منافعهم لكنهم يظهرون أنهم يريدون منافع الشعب فيلقونه في أتون الحرب)(6).

وبهذا أوضح سماحته أن طريق العلاج والخلاص من شرور الحروب، هو العلم والوعي بواقع الأمور، وتمييز مثيري الحروب، والنظر بدقة إلى واقعهم، فهم إنما يثيرون الحروب ويتسترون بصورة مبالغ فيها بالشعارات واللافتات المهولة، بغية التعمية على حقيقة نواياهم وأغراضهم الخاصة، علماً أن صاحب الحق، الذي يجعل مصالح الشعب نصب عينيه لا يحتاج إلى المبالغة في الشعار والحرب والهتاف، إذ أن الشعب في هذه الحالة هو المبادر دونه، وهو الداعي إلى خوض صراع لأجل نصرة الحق، ودفع الباطل، لا أن يأتيه أحدهم، وينبهه فجأة على وقع طبول الحرب، وصفارات الإنذار، تحت غطاء كثيف من الشعارات والدعوات والهتافات، التي غالباً ما يحتاجها أصحاب الأغراض والأطماع الدنيئة، وهو أمر متصل بمدى وعي الشعب الذي يمنحه القدرة على التمييز بين صوت الحق وصوت الباطل.

والظاهر أن الإمام الشيرازي (دام ظله) قد أراد الدقة في بيان أسباب التحاكم إلى القوة والعنف، فذكر الطمع، وإلا فإن كلٍّ من الطمع والجهل يردان مورد الهلكة، وهو وجه اشتراك.

الحرب ظاهرة تمليها الغرائز الفاسدة

إذن، في ضوء الإسلام، ليس عسيراً علينا أن نجزم بعدم صحة ما ذهب إليه الطبيعيون من أن الحرب حالة توجبها الطبيعة الإنسانية، بما هي مجبولة على المنافسة وحب الغلبة والاستئثار بالمصالح، أو هي من اقتضاءات قانون (تنازع البقاء أو سنة (بقاء الأصلح) ـ وفق زعمهم ـ مما يحمل على القول بأن الحرب سنة وقانون مؤداهما انتظام المصالح، ونظم عقد الاجتماع الإنساني، وتقدم الفكر، والصناعة، بل الدليل واضح ومتعارض تماماً مع هذه الوجهة في التفكير والتنظير الذي ينم عن انكماش نفوس أصحابه إزاء الحق الإنساني العام في الحياة الحرة المرفهة.

والإسلام إنما حض على التسالم والتصالح بين التجمعات البشرية، والتساوي في حقوقها العامة، بلا فرق بين جنس أو لون، بل وشدد على أن الجميع شركاء ونظراء في الإنسانية، والكل محترمون من هذه الجهة..

وهذا المنهج المسالم الإنساني أعلامه مكشوفة وبارزة في الإسلام، وهو ما تستشف ملامحه من خلال ما يطرحه الإمام الشيرازي (دام ظله) في هذا الشأن حيث يقول: (والحرب وإن كانت ظاهرة قديمة، بل قيل أنها مؤيدة من قبل القرآن الكريم في الجملة، حيث قال سبحانه: (ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) (البقرة: 251) بل قال البعض بأنها مظهر من مظاهر (تنازع البقاء) الذي هو وصف طبيعي ملازم لجميع الكائنات الحية لا ينفك عنها، وإنه سنة من سنن الاجتماع البشري.. إلا أن اللازم الحيلولة دون وقوعها، فإن المرض أيضاً ظاهرة بشرية قديمة، وكذلك العوامل الطبيعية التي تؤذي الإنسان، لكن ذلك لا يجعل من الحرب أمراً لا بد منه، فليست الحرب حقيقة أولية، وإنما هي ظاهرة ثانوية تقع بسبب شراسة بعض الأفراد.

ولذا قال جماعة من العلماء: إن الحرب في ذاتها قبيحة لما فيها من قتل النفوس والتخريب والتدمير، وقد قال سبحانه وتعالى مؤيداً ذلك: (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) (البقرة: 216).

فإن الظاهر من الآية أن القتال لو كان أمراً طبيعياً، لما قال سبحانه: (وهو كره لكم) فالحرب ظاهرة اجتماعية تمليها الغرائز الفاسدة وليست أمراً طبيعياً في البشر..)(7).

ثم يسوق الإمام الشيرازي (دام ظله) دليلاً آخر من حياة الرسول الكريم (صلّى الله عليه وآله) وموقفه الشريف من القتال، ليثبت حقيقة تأخذ بالأعناق إلى موضوع تشديد الإسلام على تحرّي السلامة والعافية، وجميع الأسباب التي تجنب بني البشر أهوال الحروب، فيقول: (ولذا نجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لم يقدم على حرب واحدة، وإنما كان (صلى الله عليه وآله) يحارب دفاعاً عن النفس، وكان لا يلتجئ إلى الحرب الدفاعية أيضاً إلا بعد فقدان الخيارات التي كانت عبارة عن الأمور التالية:

ـ الحياد: كما حدث بين الرسول (صلّى الله عليه وآله) والحبشة، فالحياد هو أول مراحل عدم الاعتداء.

ـ العهد: أو (معاهدة عدم الاعتداء) ـ على الاصطلاح الحديث ـ كما عاهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله) في المدينة المنورة اليهود، وكما عاهد (ص) كفار مكة في صلح الحديبية.

ـ الإسلام: فإذا أسلم الطرف الآخر، فقد حقن ماله ودمه، ولا عدوان إلا على الظالمين.

ـ الجزية: كما صنع الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله) مع نصارى نجران)(8).

إذن، وفقاً لهذا المنظور الديني الأصيل، فإن الإسلام قد حرص أشد الحرص على حياة الإنسان، بما هو إنسان ـ بغض النظر عن اعتقاده ـ من خلال ما أثبته في الواقع من ضرورة تلمّس جميع أسباب حقن الدماء، وتوفير المجهود الإنساني لأغراض نشر الدعوة الإسلامية، وبث مبادئها وقيمها الحقة في أوساط الناس، سواءً كانوا مسلمين أم يهوداً أم نصارى، من خلال منحهم أهم حق من حقوق الإنسانية، ألا وهو حق المواطنة الذي يكاد يكون غائباً في الكثير من البلدان التي ترفع شعارات الحرية واحترام حقوق الإنسان وما إلى ذلك..

ولهذا فإن الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله)، عندما لم يجد بداً من خوض الحرب الدفاعية، بفقدان الشروط التي مر ذكرها، فإنه كان ـ وهو في حالة الحرب ـ شديد الحرص على عدم الإسراف في القتل، حتى أنه (صلّى الله عليه وآله) كان يأمر بعدم الإجهاز على الجريح، وعدم قتل المدبر، وعدم إرعاب طفل أو إمرأة، بل كان يوصي بعدم تخريب الممتلكات أو قطع شجرة (!) إلى غير ذلك مما يفصح عن سماحة إنسانية لم يشهد العالم مثلها قبل الإسلام، (فمثلاً: يذكر أحد الكتاب أن جميع القتلى من الطرفين (المسلمين والمشركين) لم يتجاوزوا ألفاً وبضعة أشخاص في كل الحروب التي خاضها الرسول (صلى الله عليه وآله) ـ والتي كانت أكثر من ثمانين حرباً ـ ويذكر كاتب آخر أن عدد الذين قتلوا في جميع الحروب ألف وثمانية عشر شخصاً، ويذكر مؤلف ثالث أن عدد الكفار والمسلمين الذين قتلوا في جميع تلك الحروب لم يتجاوز الألف والأربعمائة.. وليس هذا إلا لأجل احترام الإسلام للدماء وتجنبه القتل مهما أمكن)(9).

وإذا ما أضفنا إلى ما تقدم سعة البلاد التي فتحها الجيش الإسلامي على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وملايين البشر الذين كانوا يقطنون تلك البلاد، فإنه تنجلى لنا حقيقة كون الإسلام دين الإنسانية، ودين المثل، وإنما خاض تلك الحروب الدفاعية، بعد أن اضطرّ إليها، وبعدما لم تبق أية فسحة للحوار والمفاوضة على الأسس التي يقوم عليها السلام العادل الذي يأمن فيه الجميع، على حد سواء، على أموالهم ودمائهم وأعراضهم، وغير ذلك من الحقوق الأساسية.

وعلى قاعدة (الضد يحلو بالضد)، تتأكد لنا رفعة ونزاهة النهج الإسلامي، وتساميه في موضوع الحرب، إذا ما قارنا بين الحروب التي خاضها المسلمون أيام النبي المصطفى، وبين الحروب الحديثة التي ليس لها موضوع سوى الهيمنة والتوسع والطمع بما في أيدي الناس، فأميركا قتلت بالقنبلة الذرية ربع مليون إنسان في اليابان خلال ساعات قلائل وأحرقت كل شيء.

ولما جاء البريطانيون إلى العراق، عاملوا الناس أسوأ معاملة، وكانوا يقتلون الجرحى، ولا يرحمون الأسير، ويخرجون الجثث من القبور طمعاً في الثياب!!

وفي السودان كانت الجيوش البريطانية تقطع رؤوس المقتولين وترسلها إلى لندن ليتخذوا من الجماجم مطافئ سكائر حقداً على المسلمين.

وفي ليبيا قتل الإيطاليون نصف الشعب الليبي الذي كان يبلغ المليون نسمة آنذاك، فقتلوا منهم نصف مليون إنسان بأبشع صور القتل، وكانوا يمثلون بالجثث ويعذبون الأحياء تعذيباً بشعاً.

وكذلك صنع الفرنسيون بالجزائر حيث قتلوا من تسعة ملايين، مليوناً ونصف المليون إنسان، وكانوا يمثلون بالجثث، ويعذبون الأحياء تعذيباً قاسياً قل نظيره.

والروس قتلوا من المسلمين ـ في طاجكستان وتركمستان وغيرهما من البلاد الإسلامية التي استولوا عليها ـ خمسة ملايين مسلم.

كما قتل الروس إبان احتلالهم لأفغانستان أكثر من مليون إنسان، وقد امتلأت سجونهم بالأبرياء، وعذبوا النساء بأقسى أنواع التعذيب.

وهكذا يرى العالم في العصر الحديث أبشع أنواع القتل والتعذيب والإهانة لكرامة الإنسان، وقصة الحربين العالميتين أشهر من أن تذكر..)(10).

السبيل إلى تعميم السلام

من جهة أخرى، فلا بد أن تتوافر بعض الشروط الضرورية لتعميم السلام على العالم، وتخليصه من حالة القلق والاضطراب والخوف من المجهول، وهو نفسه قد أشرف على حافة الهاوية السحيقة التي أحدثتها قلّة شرسة فارغة من أي محتوى إنساني، راحت بما أوتيت من طاقة تجهد في إبداع ضروب غريبة من الأسلحة الخطرة التي تهدد هذا العالم برمته، بدعوة حفظ المصالح الاستراتيجية لدولها، لتنتج بالتالي أبشع موازنة قائمة على الخوف والرعب، ولتحقق هذه الدول أوسع هامش من السيطرة والهيمنة واستغلال ثروات الشعوب لصالحها، محدثة انقساماً مجحفاً بحق شعوب الأرض، ما بين مُستغِل ومُستغَل، وهو أمر لا يخفى خطره على المدى المنظور والبعيد، إذ لا بد أن يثير هذا الانقسام وعي الشعوب المغلوبة على أمرها بفقرها وحرمانها من مقومات ومستلزمات الحياة في العصر الراهن، ويحفزها على الثورة ضد الدول المستغلة، بغية انتزاع حقوقها المهضومة، وهو أمرٌ يخشى ضرره على السلم العالمي، كما لا يخفى.

إذن لابد من أوجه تُحقَقَ من خلالها الأرضية الضرورية لإبعاد شبح الحرب العالمية على الأقل، ويلزم التأكيد هنا على أن حفظ السلام لا يتحقق عبر الإعلام المحض، ومنظمات حقوق الإنسان، ذلك لأن السلام ليس بالأمر اليسير، كما أن الحرب ليس بالأمر اليسير، بل لا بد من خطوات عملية، تفضي ـ فعلاً ـ إلى بوابات السلام الواقعي الذي يتجاوز أطر الكلام والشعار.

يقول الإمام الشيرازي (دام ظله) في هذا الشأن الهام: (اللازم، لأجل إنهاء الحرب في العالم، وتعميم السلام أن تبدّل مصانع الأسلحة إلى مصانع للأغراض السلمية، ولا يقال أن الأغراض الحربية إنما توجب اشتغال الملايين من العمال، فإن كثيراً من هؤلاء العمال يمكن أن تستوعبهم المصانع التي تعمل للأغراض السلمية، كما يمكن وضع مناهج وإنجاز مشاريع للإسكان والصحة لكل أهل العالم، وإذا فرض أنه بقي فائض من العمال ليس لهم عمل، فلا يستلزم ذلك بطالتهم، لأنهم يشتغلون بالعلم والعبادة، بعد توزيع فرص العمل على غيرهم.. مثلاً: لنفرض أن هناك عشرة ملايين عامل كل واحد منهم يشتغل ثماني ساعات باليوم في مختلف الشؤون الصناعية والزراعية، وخمسة ملايين منهم يعملون في صناعة الأسلحة، فهؤلاء إذا عملوا في المشاريع السلمية، فإنه يبقى مليونا عامل بلا عمل، لأن ثلاثة ملايين من الخمسة، ستمكن هذه المشاريع من استيعابهم، وفي هذه الحالة يوزع العمل على مجموع العشرة، وتخفف من ساعات العمل، ففي المثال: بدلاً من أن يعمل عامل ثماني ساعات، يعمل كل واحد منهم لست ساعات وخُمْسَي الساعة، وفي الباقي أي الساعة وثلاثة أخماس الساعة)، يشتغلون في طلب العلم ـ تعليماً وتعلماً وتجربة ـ وفي العبادة الموجبة لخير الدنيا والآخرة.

فاللازم إذاً توفير العمل السلمي للعاملين في مصانع الأسلحة، كما يلزم توفير الأعمال للذين يشتغلون في المجالات العسكرية، من الضابط والقادة، والمراتب والجنود.

نعم يبقى قلة منهم للطوارئ، والآخرون إذا تدربوا فإنما يتدربون بقدر، ويكونون كجيش احتياط غير متفرغ، وعلى أي حال، فاللازم حل مشكلة الحرب، بهذه الصورة أو بغيرها.. أما من ناحية السلاح، فاللازم أن تخفف الأسلحة، يعني أن تكون هناك لجان لتبديل الأسلحة المتطورة إلى أسلحة خفيفة كالبندقية وما أشبه)(11).

مزايا السلام

بالإضافة إلى ذلك، إيجاد حالة الوعي اللازم بمزايا السلام، ونتائجه المباشرة وغير المباشرة على حياة الإنسان ـ جماعات وأفراداً ـ إذ من خلال هذا الوعي تنبثق الإرادة نحو إقامة دعامات السلم، وتنميتها، حيث بدوامها يدوم السلام ويبقى، بحيث لا يبقى ـ مع ذلك ـ أي تحفز نحو ما يخالفه في إرضاء حاجة معطلة، أو إقامة حق ودفع باطل، بل يكون جو السلم مفعماً بالإرادات اللازمة، والتي تطمئن في ظلها النفوس إلى تحقيق الأغراض والأهداف دونما فورة تُهاج معها نوازع الصراع والتناحر، بل يكون كل شيء متاحاً وميسوراً نظراً لتوفر الوفاء المطلوب من الوعي والإرادة الراسخة في تعميم روح السلام والمحبة على ربوع المعمورة.. ولعل من أهم مزايا إرادة السلام حفظ الأنفس والأموال، بل وكل قيمة إنسانية.. (إن السلام يصل بصاحبه إلى النتيجة الأحسن، والمسالمون يبقون سالمين، مهما كان لهم من الأعداء، وحتى إذا عثر بهم الزمان وسقطوا، فإن السقوط يكون وقتياً، فالمسلمون إذا أحاطوا أنفسهم بجو من السلام، كفوا أعداءهم أولاً، فلا يتمكنون من القضاء عليهم، وثانياً: إذا تمكن الأعداء منهم فسيكون تمكنهم وقتياً.

ولذا نرى أن الأنبياء (عليهم السلام) كانوا يجنحون ـ دائماً ـ إلى السلام وهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يسالم أعداءه، حتى عندما كان في أعلى درجات قدرته، وحروب الرسول (صلى الله عليه وآله) كانت دفاعية ـ كما قدمنا ـ ولم يبتدئ (صلى الله عليه وآله) بالحرب، وكان إذا حارب اتصفت حربه بالسلام في أغلب شؤونها، إلا القدر المُضطر إليه، ولذا تقدم الإسلام ذلك التقدم الهائل، وإلى اليوم لا زال في تقدم مطرد، وما من يوم إلا ويزداد فيه عدد المسلمين، رغم ما يواجهونه من الكيد والمكر)(12).

إضاءات على نهج السلام في الإسلام

وأخيراً يجدر بنا أن نذكر طائفة يسيرة من الآيات والروايات الدالة دلالة أكيدة على النهج السلمي في الإسلام، ومدى احترام هذا الدين القيم للدماء..

قال تبارك تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً)(المائدة: 31).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسير الآية قال: (له في النار مقعد لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلا ذلك المقعد)(13).

وفي رواية أخرى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال في معنى قوله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) قال (الراوي): قلت: كأنما قتل الناس جميعاً فربما قتل واحداً؟

فقال (عليه السلام): (يوضع في موضع من جهنم إلى أن ينتهي شدة عذاب أهلها. ولو قتل الناس جميعاً لكان إنما يدخل ذلك المكان، قلت: فإنه قتل آخر، قال يضاعف عليه)(14).

وعن أبي عبد الله (عليه السلام): ( إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قضى مناسكه في حجة الوداع.. إلى أن قال: فأي يوم أعظم حرمة؟ فأي شهر أعظم حرمة؟ فقالوا: هذا الشهر، قال: فأي بلد أعظم حرمة؟ قالوا: هذا البلد، قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقونه فيسألكم عن أعمالكم، ألا هل بلغت، قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، ألا من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى من اتمنه عليها، فإنه لا يحل دم امرئ مسلم ولا ماله إلا بطيبة نفسه، ولا تظلموا أنفسكم ولا ترجعوا بعدي كفاراً)(15).

وعن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ولا يغرنكم رحب الذراعين بالدم، فإنه له عند الله قاتلاً لا يموت، قيل: يا رسول الله وما قاتل لا يموت؟ فقال: النار)(16).

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (أول ما يحكم الله في يوم القيامة الدماء، فيوقف ابني آدم فيقضى بينهما، ثم الذين يلونهما من أصحاب الدماء، حتى لا يبقي منهم أحد، ثم الناس بعد ذلك، حتى يأتي المقتول بقاتله فيستخشب في دمه وجهه، فيقول: هذا قتلني، فيقول: أنت قتلته، فلا يستطيع أن يكتم الله حديثاً)(17).

الهوامش

1 ـ موسوعة الفقه. ج110. كتاب الاجتماع ص7. آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي (دام ظله).

2 ـ ن. مم، ص8.

3 ـ ن. م، ص8.

4 ـ ن. م، ص9.

5 ـ ن, م، ص 11.

6 ـ ن. م، ص 12.

7 ـ الصياغة الجديدة، ص349، آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي.

8 ـ ن.م، ص350.

9 ـ ن. م، ص350.

10 ـ ن. م، ص357.

11 ـ ن. م، ص 360.

12 ـ السبيل إلى إنهاض المسلمين، ص162، آية الله محمد الحسيني الشيرازي.

13 ـ طريق النجاة، ص 265، آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي.

14 ـ البرهان، ج1، ص463، ح1.

15 ـ البرهان، ج1، ص 463، ح1.

16 ـ من لا يحضره الفقيه، ج4، ص66، باب 19، ح1.

17 ـ من لا يحضره الفقيه، ج4، ص66، باب 19، ح2.