وزر خلافة بغداد الضائعة


 

بقلم: عبد الإله سامي محمود

      

هل حقا يتحمل ابن العلقمي مسؤولية سقوط بغداد بأيدي المغول؟!

ام هو رمز لمرحلة طويلة من الانحدار؟!

ما كاد المغول يدخلون بغداد لينتهبوها بعد قتلهم خليفتها العباسي الأخير، خارج أسوارها، رفسا وضربا، حتى تطايرت- عبر القرون- أخبار وزير الخلافة الذي هادن الغزاة وراسلهم من اجل الحصول على الأمان لطائفته - كما ذكرت اغلب المصادر التاريخية التي وصمته بالخيانة والتآمر. فقد كان لاحتفاظه بمنصب الوزارة في الإدارة الجديدة التي شكّلهـا المغول، تأكيدا لهذه الادعاءات التي غربت وشرقت حتى أتحفتننا الذاكرة الشعبية بحكاية محمد العلقمي وزير الخليفة شعبان المقتدر(!) الذي قام بإرسال أحد مماليكه إلى بلاد العجم حاملا برسالة مسطورة على رأسه.(1)

يقول المؤرخ ابن شاكر الكتبي نقلا عن مؤرخين قدماء: "وحكي انه لما كان يكاتب التتار تحيل إلى إن اخذ رجلا وحلق رأسه حلقا بليغا وكتب ما أراد عليه بالإبر ثم نفض عليه الكحل وتركه عنده إلى إن طلع عليـه شعره وغطى ما كتب وجهزه وقال له: إذا وصلت مرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه وكان في آخر الكلام: اقطعوا الورقة، فضـربت عنقه. وهذا في غاية المكر والخزي."(2)

تصدت المصادر الشيعية (3) للدفاع عن الوزير، مبينة إخلاصه ونصحه للخلافة ورعايته للأدب والعلم متجاهلة الأخبار عن اتصاله بالكفرة المغول (4) وذكرت بدلا من ذلك قيام وفد علماء الشيعة بمقابلة هولاكو للحصول منه على الأمان للحلة والكوفة ولأفراد الطائفة الشيعية.

يقول المؤرخ – يوسف كركوش الحلي – في كتابه "تاريخ الحلة" (5): "قال العلامة الحسن بـن يوسف المطهر الحلي في كتابه- كشف اليقين- في أخبار الإمام علي (ع) بالمغيب:

- لما وصل هولاكو إلى بغداد قبل إن يفتحها هرب اكثر أهل الحلة إلى البطائح ولم يبق منها إلا القليل فكان من ذلك القليل والدي يوسف بن المطهر والسيد مجد الدين بن طاووس والفقيه ابن أبى العز. فأجمع رأيهم على مكاتبة هولاكو بأنـهم مطيعون، وأنفذوا به شخصا أعجميا. فأنفذ السلطان إليهم فرمانا مع شخصين أحدهما يقال له تكلمة والآخر يقال له علاء الدين. وقال هولاكو لهما قولا لهم: إن كانت قلوبكم كما وردت كتبكم تحضرون إلينا. فجاء الأميران فخافوا لعـدم معرفتهم بما ينتهي به الحال، فقال والدي: إن جئت وحدي كفى؟ فقالا:نعم. فاصعد معهما فلما حضر بين يدي السلطـان وكان ذلك قبل فتح بغداد فقال هولاكو كيف قدمتم على مكاتبتي والحضور عندي قبل أن يؤول أليه أمري وأمر صاحبكم؟ وكيف تأمنون إذا صالحني ورجعت عنه؟ فقال والدي: إنما أقدمنا على ذلك ما رويناه عن علي (ع) في خطبة الزوراء.."

نسب الباحث – محمد الشيخ حسين- في كتابه – مؤيد الدين بن العلقمي (6) إلى الخليفة الناصر لدين الله العباسي بموضوع الرسالة المذكورة استنادا إلى جملة من المؤرخين: ابن الفرات في تاريخ الدول والملوك والمؤرخ الفارسي أمير خونـد في روضة الصفا بتفصيل اكثر وعزاها أيضا إلى الخليفة الناصر وتحدث عن كيفية حلق رأس الرسول. ومثله في هـذا المؤرخ الألماني هارولد لامب في كتابه عن جنكيز خان. وقد نقل الباحث (7) -د.بدري محمد فهد في كتابه- تاريخ العراق في العصر العباسي الأخير- عن عطا الملك الجويني "إن السلطان محمد عندما دخل غزنة وجد في خزائنها رسائل موجهة من الخليفة الناصر لدين الله إلى سلطان الغور يحرضه فيها على قتال السلطان محمد ويطالبه بتقديم المساعدة لجيش الخـطا ليقوم بنفس المهمة." ونقل أيضا عن المقريزي "وفي خلافته ضرب التتار بلاد المشرق حتى وصلوا إلى همذان وكان هو السبب في ذلك فأنه كتب إليهم بالعبور إلى البلاد خوفا من السلطان علاء الديـن محمد بن خوارزمشاه لما هم بالاستيلاء على بغداد لجعلها دار ملكه كما كانت للسلاجقة."

ويبـدو إن الخليفة الناصر قد تخلى عن وعوده للخوارزميين حين تم لهم هزيمة السلاجقة (8) وقام بالاتصال بجنكيز خـان قائـد المغول الأكبر لإيقاف خوارزمشاه عند حده (9) وذلك بالاستناد للمؤرخ ابـن الأثير في الكامل في حوادث عام 622هـ حين قال (10): وكان سبب ما ينسبه العجم إليه صحيحا من انـه هو الذي اطمـع التتـار في البلاد وراسلهم في ذلك فهو الطامة الكبرى التي يصغر عندها كل ذنب عظيم . وقوله حول خروج التتار (11) "وقيل سبب خروجهم إلى بلاد الإسلام غير ذلك مما لا يذكر في بطون الدفاتر":

فكان ما كان مما لست اذكره *** فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر

وهذه من الإشارات العديدة المنقولة من قبله عن الخليفة الناصر لدين الله الذي اغرم - على حد تعبيره - بتربيـة الحمام الزاجل ورمي البندق وتشكيل فرق الفتوة (12) واغتصاب الكثير من الحقوق التي أعادها خلفه الظاهر بأمر اللـه حيث حظي من المؤرخ ابن الأثير بتقدير كبير فقال عنه "فلما توفي أبوه ولى الخلافة واحضر الناس لأخذ البيعة وتلقب بالظاهر بأمر الله وعلى إن أباه وجميع أصحابه أرادوا صرف الآمر عنه، فظهـر وولي الخلافة بأمر الله لا يسعى من أحد، ولما ولي الخلافة اظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فلو قيل انه لم يول الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز مثله لكان القائل صادقا فأنه أعاد من الأموال المغصوبة في أيام أبيه وقبله شيئا كثيرا واطلق المكوس في البـلاد جميعها وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق وان يسقط جميع ما جدده أبـوه وكان كثيرا لا يحصى." (13) ولا تخفى إشارته إلى قصر مدة خلافته بطول مدة سلفه الذي قضى أطول مدة لخليفة إسـلامي "ولم أزل علم الله سبحانه منذ ولي الخلافة، أخاف عليه قصر المدة لخبث الزمان وفساد أهله وأقول لكثير مـن أصدقائنا وما أخوفني إن تقصر مدة خلافته لان زماننا وأهله لا يستحقون خلافته فكان كذلك."(14)

وقد رد العلامة – مصطفى جواد على آراء ابن الأثير إذ جاء في مقدمته لكتاب – الفتوة/لابن المعمار الحنبلي "ولم يوفق ابن الأثير للصواب في نقده هذا لان الناصر كان قد وحد الأمة الإسلامية بمساعيه ومنها الفتوة وأعاد إلى العرب عزتهم المسلوبة والى الإسلام قوته وبهجته. هذا وان نظر مربي الأمة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها يختلف بالبداهة عن نظر مؤرخ محدود الفكر متأثر بالحوادث الشخصية والحوادث السياسية."(15) وانه – أي النـاصر "كان قد أتم توحيد العالم العربي وتوحيد العالم الإسلامي وبلغ فيها درجة التقديس فقد دامت خلافته 47 سنة وهي أطول مدة خلافة لبني العباس وترك من المآثر والآثار ما لا يحصى وفرة ولولا نـزق سلطان خوارزم لنجى العالم الإسلامي من طوفان المغول وطغيانهم ومجازرهم البشرية وعدوانهم وعبثهم وإفسادهم إلا إن ذلك السلطان الأحمق جنى على خليفة المسلمين وعلى نفسه ومملكته والعالم الإسلامي."(16)

بينما ذكر المؤرخ نظمـي زاده مرتضـى في كتابه كلشن خلفا (17) – عن الخليفة النـاصر "وقد قيل عنه وان كان حسن السيرة ولكنه كان مسرفا واغتصب الكثير من أموال الأيتام ولم تكن خلافته خالية من المظالم والتعديات، هذا ما رواه صاحب كتاب جامع السير. أما أخبار روضة الأبرار فقد قال: انه يتشيع وينحرف عن الطريق المستقيم وكان يستحق معاملة خوارزم شاه له. وفي خلافته وقعت فتنة جنكيز خان بسبب سوء أفعاله." وهو رأي اقـرب إلى رأي المؤرخ ابن الأثير المتقدم عرضه. وهكذا يتبين إن لصراع الخليفة النـاصر مع سلاطينه، الاثر البعيد على الوقائع اللاحقة التي انتهت بدخول المغول بغداد.. ثم انزواء الوزير ابن العلقمي وحيدا بدون خلافة، مبتليا بلعنة ضياعها على مر القرون


الهوامش:

 مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر- سعد الله ونوس /دار الآداب /بيروت/ص55.

مؤيد الدين بن العلقمي – محمد الشيخ الساعدي/ النجف الاشرف/ص111/1973.

يلاحظ تاريخ الشعوب الإسلامية/بروكلمان/ت.منير البعلبكي/ص39 حيث يقول "والحق إن هولاكو ما كان بحاجة إلى تحريض الشيعة من الفرس كالطوسي مثلا،على قصد بغداد والاستيلاء على هذه الغنيمة الباردة. ففي 17 كانون الثاني سنة 1258م سقطت العاصمة العباسية في أيدي المغول بعد فترة من المفاوضات أحجم فيها المستعصم عن الاستسلام في اللحظة المناسبة عندما استشعر عجزه الصريح عن حشد قواته بسبيل مقاومة جدية." وأيضا – اربيل في أدوارها التاريخية /زبير بلال إسماعيل/النجف/1970 /ص199.حيث يقول "ويظهر إن ما اتهم يه ابن العلقمي من خيانة وتواطؤ إنما بولغ فيه كثيرا".

أهدى العلامة ابن أبى الحديد - مقطوعة شعرية طويلة إلى الوزير ابن العلقمي بمناسبة التصدي للمغول من قبل قوات الخلافة عام 642هـ منها:

         ما غبت ذاك اليوم عن تدبيرها *** كم حاضر يعصى بسيف الغائب!

         عمر الذي فتح العراق وإنما     ***     سعد حسـام في يمين الضارب

يلاحظ:شرح نهج البلاغة/ابن أبى الحديد/المجلد الثالث /دار الكتاب العربي /ص84 ويقول :كان الوزير "ملازما ديوان الخلافة بالحضرة لكنه كان يمد العسكر الإسلامي من آرائه وتدبيرا ته بما ينتهون إليه ويقفون عنده."ص83.

تاريخ الحلة/ج1/يوسف كركوش الحلي /النجف/ص67-1965.

الساعدي/ص114-الحاشية/1.

7- تاريخ العراق في العصر العباسي الأخير/د.بدري محمد فهد/بغداد/1973/ص74-يلاحظ/المغول في التاريخ /ص35 و/تاريخ بخارى/فامبري/ت:احمد محمد السامرائي /القاهرة-1965/ص157.-"فمن ذلك مثلا انه حين مات شهاب الدين أمير الغور عام 611هـ/1214 م وعزم السلطان محمد علي فتح غزنة فشخص إليها وجد في متاع السلطان هناك رسائل يحرض فيها الخليفة الأمير الراحل على حرب الخوارزميين وقد بعث إليه فيما بعد براءة لقبه بالسلطان. هنالك ثارت ثائرة السلطان محمد واعلن في اجتماع عام خلع الخليفة وتنصيب العالم علاء الملك الترمذي مكانه،ثم سار لساعته إلي بغداد ليقيمه مكان الخليفة العباسي الضعيف.على انه ما أن تقدم وراء همدان حتى عوقه زمهرير الشتاء وكثافة الثلوج في وديان الجبال عن المضي.ويبدو إن القدر آبى إن يضطلع مسلم بما جعله من نصيب هولاكو."/تاريخ بخارى /فامبري/ت.احمد محمود السامرائي /ص157/القاهرة.

-"عندما استولى خوارزمشاه على غزنة عاصمة الغوريين سنة 611هـ ووضع يده على خزائن شهاب الدين الغوري،عثـر على رسائل رسمية من الخليفة يحثه فيها على مهاجمة السلطان محمد والقضاء عليه." المغول في التاريخ/فؤاد عبد المعطي الصياد/ص35/القاهرة.

8- تاريخ العراق في العصر السلجوقي/د.حسين أمين/بغداد-1965/ص170-171.

9- المغول في التاريخ/د.فؤاد عبد المعطي الصياد/القاهرة/1965/ص37.

10،11،13،14-الكامل في التاريخ/الجزء9 /ابن الأثير/دار الكتاب العربي/بيروت-الصفحات/361،369،331.

يقول د.فيصل السامر في كتابه- ابن الأثير/ص134: "إن ابن الأثير لا يتهم الخليفة بهذه التهمة التي اعتبرها طامة كبرى وهي استدعـاؤه التتار للتخلص من الخوارزميين وإنما أوردها باعتبارها من التهم التي نسبها له (العجم) ومن ثم لم يجزم بصحتها غير انه عبر عن استنكاره لها إن صحت.".يلاحظ – عباس العزاوي/تاريخ العراق بين احتلالين _ ج1 _ ص7و96 حيث يشير الى أن خروج التتر (كان بإيعاز من الخليفة العباسي وبهذا يتهمه..). أيضا ج3/ الملحق الثاني ـص4،5،15. وأيضا كتابه /التعريف بالمؤرخين / ج1 ـ ـص39ـ43

12- وقد ذهب – تشز - إلى إن تركيز الناصر للفتوة في شخصيته ونشرها بين الأمراء في العالم الإسلامي يرجع إلى نقصان القوة العسكرية لديه فأراد أن يخلق قوة يستخدمها عند الحاجة,يراجع كتاب – الأصناف في العصر العباسي /د.صباح الشيخلي/بغداد/1976/ص175.

15-الفتوة /ابن المعمار الحنبلي/ تأليف الدكتور مصطفى جواد وآخرين/بغداد/1958/ص72.

16-في التراث العربي/ج1/د.مصطفى جواد/بغداد/1975/ص29.

17-كلشن خلفا/نظمي زاده مرتضى/النجف/1971 /ص123.

المصدر/ ميدل ايست اونلاين