الميـــاه المشــتركـة مـع تركيـا


 

د. عبد اللطيف جمال رشيد

وزير الموارد المائية

      

يشكل نهرا دجلة والفرات مصدراً رئيسياً للموارد المائية في العراق وهما أساس نشوء الحضارة والحياة في هذا البلد، فقد مارس العراقيون القدامى الزراعـة بواسطة الري بطرق مختلفة سواءا أكان ذلك سيحاً من الأنهار والجداول أم بالواسطة. إن وضع العراق الجغرافي باعتباره دولة مصب يضعه في موقف حرج لأنه يتأثر سلبياً بإجراءات الدول الواقعة أعلى مجرى نهري دجلة والفرات (تركيا وسوريا) وتؤثر تلك الإجراءات بدرجة كبيرة في كمية الإيرادات الواردة إلى العراق ونوعية تلك المياه والمقصود بتلك الإجراءات إنشاء السدود الكبيرة والمشاريع الإروائية وإعادة المياه الراجعة جراء البزل والصرف الصحي إلى النهر مما يؤثر في النشاطات المختلفة الصحية، الزراعية، البيئية...

* لقد سعى العراق ومنذ وقت مبكر مع الدول المتشاطئة (تركيا وسوريا) للدخول في مفاوضات ثلاثية بغية التوصل إلى اتفاق يضمن حصص البلدان الثلاثة تركيا، سوريا، العراق في مياه النهرين طبقاً لقواعد القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية، وبرغم إن المفاوضات قد بدأت في أوائل الستينيات إلا إنها لم تثمر عن التوصل إلى اتفاق يحدد حصة كل دولة من الدول المتشاطئة حتى الآن حيث شكلت لجنة فنية مشتركة عام 1980 بين العراق وتركيا وسوريا وكان الهدف من تشكيل اللجنة التوصل إلى قسمة عادلة للمياه المشتركة إلا إن اللجنة بعد أن عقدت ستة عشر اجتماعاً توقفت عام 1992 دون التوصل إلى نتيجة وبرغم جهود العراق المتكررة لاستئناف عمل اللجنة إلا إنها لم تعقد أي اجتماع بعد ذلك التاريخ.

إن موقف العراق من المياه المشتركة يتلخص بالنقاط الآتية :

- إن نهري دجلة والفرات نهران دوليان طبقاً لتعريف النهر الدولي المتفق عليه دولياً أي إنه (المجرى المائي الذي تقع أجزاء منه في دول مختلفة).

- إن حوضي نهري دجلة والفرات هما حوضان منفصلان من خلال حدود هيدرولوجية واضحة لكل منهما.

- ضرورة عقد اتفاق ثلاثي لقسمة عادلة ومعقولة للمياه كماً ونوعاً بين الدول المتشاطئة من خلال الالتزام باسس قسمة المياه والانتفاع المنصف والمعقول التي تستند إلى القانون والعرف الدوليين وبما يضمن الحقوق المكتسبة للمشاريع القائمة في العراق.

- ضرورة الالتزام بالقواعد والإجراءات التي تتطلب مستلزمات الحفاظ على البيئة النهرية وما يتبع ذلك من وجوب إتخاذ إجراءات لمنع ومكافحة التلوث في مياه النهرين جراء المشاريع الإروائية والزراعية والمخلفات الاخرى.

- رفض فكرة إعتبار المياه الدولية المشتركة سلعة اقتصادية لمخالفة ذلك قواعد القانون الدولي.

إن تركيا مازالت مستمرة في تنفيذ مشاريع ضخمة على حوضي النهرين وقد نشرت وسائل الاعلام مؤخراً موضوعاً أشارت فيه الى ان مجلس الامن القومي التركي قد أوصى بالاسراع في إتمام وإنجاز كل السدود المفترض إنشاؤها على نهري دجلة والفرات وذلك قبل ان تتناول المفاوضات على عضوية تركيا في الإتحاد الاوربي لملف المياه وطالب المجلس كل مؤسسات الدولة التركية بالتنسيق فيما بينها والتسريع في تنفيذ السدود واعتبار عام 2023 موعداً لإنجازها، ومن المشاريع التي باشرت تركيا بتنفيذها مؤخراً ضمن مشروع الكاب من دون إعلام الجانب العراقي هو سد أليسو على نهر دجلة خلافاً للقانون والعرف الدوليين التي تقضي بقيام دول أعالي مجرى النهر بإشعار دول أسفل المجرى بأية نشاطات تقوم بها يمكن أن يكون لها أثر ضار ذو شأن على دول اخرى من قبل المجرى المائي.

إن استمرار تركيا في تنفيذ المشاريع على مياه النهرين قبل التوصل إلى اتفاق بشأن قسمة المياه سيؤدي الى الاضرار بالسكان وبالبيئة في العراق نتيجة النقص الناتج في كمية المياه وتردي نوعيتها بسبب تلوث المياه العائدة الى النهر جراء زيادة ملوحتها نتيجة تصريف مياه البزل واحتوائها على ملوثات كيمياوية بسبب استخدام الأسمدة الزراعية.

إن من أهم المواضيع المطلوب طرحها في الوقت الحاضر لمواجهة المشكلة وبإتجاه حلها هو تفعيل عمل اللجنة الفنية للمياه الدوليـة المشتركة بين (العراق وتركيا وسوريا) التي تشكلت عام 1980 ثم انقطعت اجتماعاتها منذ عام 1992 من أجل الإسراع في التوصل الى قسمة عادلة للمياه كماً ونوعاً بين الدول المتشاطئة من خلال الالتزام بأسس قسمة المياه والانتفاع المنصف والمعقول التي تستند الى القانون والعرف الدوليين وبما يضمن الحقوق المكتسبة للمشاريع القائمة في العراق.

تأثيرات المشاريع التركية في العراق

نبذة تأريخية عن الري في العراق

يعتمد العراق كلياً على مياه نهري دجلة والفرات اللذين يعتبران المصدرين الأساسيين للموارد المائية في العراق، لقد بدأت حضارات مابين النهرين بتنمية الأنهار منذ 4000 سنة قبل الميلاد حيث نشأت حضارات عديدة على ضفافهما، إن وفرة المياه ووجود تربة زراعية خصبة قد وفر بيئة مناسبة لتطوير الزراعة المروية، يوجد في متاحف العراق شواهد أثرية تدل على نشوء قوانين للمياه في بلاد مابين النهرين في فترات مختلفة من تطور المراكز الحضارية العريقة مثل لاجاش (2360 ق.م) وأور (2100 ق.م) وآيسن والسومريين في أور وذلك باستخدام أنظمة ري بواسطة القنوات كما ساهم البابليون أيضاً في تطوير المعرفة بالري واستخدامات المياه، ويبين إحد الألواح الأثرية (لوح أور البابلي) الحلول الممكنة لعدد من المسائل المائية (السدود، الآبار، الخنادق المائية) ويشتمل القانون الشهير لحمورابي على تشريع مائي لتنظيم الري والحد من أضرار الفيضانات.

مشروع الكاب

قامت تركيا خلال الثلاثة عقود الأخيرة بتنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (الكاب) الذي يعتبر من المشروعات الكبيرة لتنمية واستعمال نهري دجلة والفرات وقد تم وضع خطة شاملة Master Plan عام 1980 لتنفيذ هذا البرنامج في الجزء التركي من حوضي نهري دجلة والفرات ويشمل المشروع إنشاء 22 سداً و 19 محطة كهرومائية إضافة الى العديد من السدود الصغيرة ضمن حوض تغذيتهما مع إرواء مساحة تقدر بـ (2.276) مليون هكتار ويعتبر هذا المشروع من المشاريع الاقتصادية والسياسية.

تأثير مشروع الكاب في العراق

تقليص الايراد والمساحات

على نهر دجلة

يبلغ طول نهر دجلة من منبعه الى مصبه 1900 كم منها 1415 كم داخل العراق و 300 كم داخل الاراضي التركية وتعتمد على مياهه المحافظات: (نينوى، دهوك، أربيل، كركوك، صلاح الدين، بغداد، ديالى، الانبار، واسط، بابل، الديوانية، العمارة، الناصرية، البصرة)

ستتاثر كميات المياه الواردة الى العراق في هذا النهر بشكل كبير عند اكمال مخطط انشاء السدود التخزينية والمشاريع الاروائية في تركيا وخاصة بعد اصرار تركيا على تنفيذ مشروع سد اليسو وسد جزرة اللذين سيتحكمان في تحديد كميات المياه المطلقة الى العراق.

ان نسبة كبيرة من سكان العراق تعتمد في تأمين احتياجاتها من مياه الشرب والزراعة والاحتياجات الاخرى على نهر دجلة وتظهر الحسابات الفنية ان حصول نقص مقداره (1) مليار متر مكعب من واردات النهر سيؤدي الى تجميد مساحات زراعية تقدر بحوالي (62500) هكتار وان مجمل المساحات الزراعية التي ستحرم من تجهيزات المياه في العراق نتيجة لانخفاض الواردات ستبلغ (696000) هكتار.

ان انقطاع المياه من مساحة (696000) هكتار من الاراضي المزروعة سيقلص الموارد المالية من القطاع الزراعي ويسبب انخفاضاً كبيرا بمساهمة هذا القطاع في الانتاج المحلي وانعكاسات ذلك على دخول الفلاحين والمزارعين مما سيدفع بهم الى ترك مهنة الزراعة والهجرة الى المدن , كما ستزيد من اتساع وزحف مساحات التصحر في العراق.

عند قيام تركيا بتنفيذ سد اليسو سيؤدي في السنوات الجافة الى تقليص المياه المتدفقة بشكل حاد وخاصة بعد اكمال منظومة مشروع سد اليسو – جزرة حيث سيتم تحويل جميع المياه الى اراضي هذا المشروع قبل عبورها الى الحدود الدولية (التركية – العراقية) وسيؤدي الى انعكاسات سلبية كبيرة على بيئة العراق وحرمان الكثير من السكان القاطنين على النهر من امدادات مياه الشرب.

ان انشاء السد سوف يقلل الموجات الفيضانية القليلة والمعتدلة الا انه لا يقلل ذروات الفيضانات العالية وهذا سيؤثر في سلامة وامن المنشآت المدنية والسكان المنتشرين على طول اسفل مجرى النهر كذلك سيؤثر تاثيرا كبيرا في هيدرولوجية نهر دجلة والنمط الطبيعي لتدفق مياهه وانعكاسات ذلك على خطط التجهيزات المائية للزراعة وتوليد الطاقة وتشغيل السدود في العراق وانعاش منطقة الاهوار.

على نهر الفرات :

يبلغ طول نهر الفرات (2940) كم منها 1167 كم في العراق تعتمد على مياهه محافظات (الانبار , بغداد , بابل , كربلاء , النجف , الديوانية , السماوة , ذي قار , والبصرة).

ان معدل الجريان السنوي الطبيعي لنهر الفرات بحدود (31-32) مليار متر مكعب ويبلغ معدل الجريان السنوي الطبيعي له عند الحدود العراقية – السورية (27.40) مليار متر مكعب, وقد قامت تركيا باستكمال انشاء العديد من السدود الكبيرة والصغيرة واهمها (كيبان, قره قايا, اتاتورك, بيرجيك, قرقامش) على مجرى نهر الفرات مع البدء بتنفيذ مشاريع اروائية ضمن مشروع الكاب, ويبلغ مجموع المساحات المروية من نهر الفرات ضمن مشروع الكاب (1091203) هكتار وخارج الكاب (556000) هكتار اي ان مجموع المساحات المروية من النهر في تركيا ضمن وخارج مشروع الكاب حوالي (1647203) هكتارات والاحتياج المائي السنوي لهذه المساحات هو (15.145) مليار م3 / سنة.

نتيجة للاستنزاف الكبير الذي سيطرأ على مياه نهر الفرات نتيجة لهذه المشاريع والمشاريع الاخرى فان كمية المياه المتوقع وصولها عند الحدود العراقية – السورية في نهر الفرات ستنخفض بشكل حاد جداً حيث من المتوقع ان يصل الى ما دون (8.22) مليار م3 / سنة، كما ان نوعية المياه بعد اكمال المشاريع في اعلى النهر وخاصة في تركيا ستزيد على (1350 ) جزءاً بالمليون (وتمثل مجموع الاملاح الذائبة).

تلوث المياه

تهدف تركيا من تنفيذ مشروع جنوب شرق الاناضول (الكاب) الى اجراء تغيير ديموغرافي للسكان في المنطقة وانشاء تجمعات سكانية جديدة وجلب ايد عاملة لاستثمار مشاريع الارواء المخطط لها ومايرافقه من انشاء مشاريع خدمية وصناعية وان مثل هذه الاجراءت لها انعكاسات سلبية على نوعية مياه النهر وتؤدي الى زيادة التلوث وكما يلي :

- ان المشاريع الإروائية المخطط لها تحتاج الى مبازل للحد من ارتفاع مناسيب المياه الجوفية وفي حالة تصريف مياه هذه المبازل الى نهري دجلة والفرات سيؤدي الى ارتفاع نسبة الملوحة على طول مسار النهرين،ان الحسابات الفنية اظهرت ان ملوحة مياه الانهر ستتضاعف عن وضعها الطبيعي عند الحدود العراقية.

- ان استخدام الري في اراضٍ زراعية جديدة سيرافقه استخدام كبير في الاسمدة الكيمياوية والعضوية والمبيدات بانواعها والتي بدورها ستذهب الى المبازل التي تصب في مجاري الأنهر وتؤدي الى تلوثها.

- ان زيادة النشاط البشري ورمي المخلفات الثقيلة من الاستهلاكات المدنية او الصناعية تؤدي الى مزيد من التلوث في مياه النهرين.

- ان النسب العالية من المواد العضوية في مياه المجاري ومياه الصرف الزراعي المحولة الى الخزانات المائية اسفل النهرين داخل العراق ستتسبب في هلاك الحياة المائية نتيجة لانخفاض معدل الأوكسجين الذائب وكذلك الحال بالنسبة الى المجرى الرئيسي.

خلاصة الوضع المائي بعد استكمال المشاريع التركية والسورية في نهري دجلة والفرات

نهر الفرات :

- ان معدل الوارد السنوي عند دخول نهر الفرات الحدود العراقية- السورية وقبل استكمال المشاريع التركيـة والسوريـة هو27.4 مليار م3 وبنوعيـة مياه 450 جزءاً بالمليون.

- بعد استكمال المشاريع التركية والسورية على حوض النهر سيكون معدل الجريان المتوقع 8.45 مليار م3 وبنوعيـة مياه يتراوح مجموع الاملاح الذائبة فيها بين (1250-1350) جزء بالمليون.

نهر دجلة

- المعدل السنوي للجريان الطبيعي للنهر عند الحدود العراقية قبل استكمال المشاريع التركية والسورية 20.93 مليار م3 وبنوعية 250 جزءاً بالمليون.

- بعد استكمال المشاريع التركية والسورية يتوقع ان يكون المعدل السنوي للجريان 7.66 مليار م3 مع تردي النوعية.

المصدر/ المدى