طرائق جمع المعلومات والقاعدة المعلوماتية للبحث العلمي


 

  د. هيثم الحلي الحسيني*

 

المقدمة

            البحث العلمي وسيلة للوصول لحقيقة أو مجموعة من الحقائق، واكتشاف الظواهر ومعرفة الصلات التي تربط بينها في جميع مجالات المعرفة، بقصد كشفها وتنميتها عن طريق النقد العميق، وذلك لعرضها عرضاً مكتملاً منظماً يظهر القواعد العامة التي تحكمها. والبحث هو جهد منظم، الهدف منه الوصول الى إدراك معين بدافع الحاجة الملحة لإيجاد حل لمشكلة قد سيطرت على الباحث أو الطالب.

عليه فان البحث العلمي هو دراسة دقيقة ومبرمجة، تهدف الى زيادة رصيد المعرفة، باكتشاف حقائق جديدة عن رصد الظواهر، وفق خطة موضوعة لجمع المعلومات الدقيقة، فرزها، تصنيفها، تمحيصها، تقييمها وتحليلها، ووضع تفسيرات لها اعتمادا على فرضيات مسبقة، واختبار هذه الفرضيات وصولاً الى إستنتاجات منطقية، يكون التعبير عنها بصيغة مؤشرات، قرارات، قوانين، نظريات، نماذج رياضية وإحصائية أو مقترحات عمل.

وعليه فإن الجهد الأساس لكل بحث، يعتمد الجمع المبرمج للمعلومات، أساليب إنتقائها، طرق الوصول اليها، إنتخاب الطريق الاكثر ملائمة  للبحث والتحقيق العلمي ونوعه ومجاله، وهذا هو نطاق هذه الدراسة، بهدف إقتراح وتقديم دليل عمل للطالب الباحث لوضع خطته في جمع المعلومات وانتقائها، فضلاً عن الباحث، المحقق، الإستشاري أو المشتغل في الاهتمامات العلمية، في سياق كتابة أوراق البحث والخدمة أو الدراسة، الهادفة لتقديم البدائل والحلول ومسالك العمل المقترحة، لصنع القرارات العلمية والأختصاصية في جوانب المعرفة المختلفة، ذات الصلة بوظيفته وعمله في الهيئات الاستشارية العلمية، ومراكز صنع القرار.

الغاية

عرض وتحليل طرق ووسائل جمع المعلومات والمادة العلمية، بدراسة مقارنة  لخصائصها، بهدف إيجاد قاعدة معلوماتية رصينة، لإنجاز البحوث العلمية المختلفة، وتحقيق الغرض العلمي ،البحثي والتوثيقي  والمشوري منها.

 

             الفصل الاول: تصنيف البحوث العلمية

                 وطرائقها ومصادر معلوماتها

 

أولا: أنواع البحوث من ناحية معيار حجمها وقيمتها العلمية

يعتمد حجم المعلومات وأسلوب جمعها وطرق إنتقائها، بجانب كبير على معيار حجم البحث وقيمته العلمية. ولأجل ذلك لابد من تأشير الأنواع المتداولة من البحوث نسبة الى هذه المقاييس قبل التطرق الى طرق ووسائل جمع المعلومات والمادة العلمية لانجازها، ووضع الخطة والبرنامج الملائم لها، وبناءا على هذا التصنيف، فان البحوث يمكن أن تكون كما يلي :

1.  ورقة البحث او ورقة الخدمة أو المقالة العلمية (PAPER)

وهو بحث صغير لا يتوخى منه الامتداد والتعمق كما هو الحال في الانواع الاخرى من البحوث، ويلجأ اليه عادة في سنوات التحضير أو الاجازة، وذلك لاختبار مقدرة الطالب بصفته مشروع باحث، على جمع المعلومات وترتيبها ترتيباً منطقياً والتوليف بينها وتصنيفها في المتشابهات والمتناظرات. والتدرب على الأمانة العلمية والدقة في النقل والاقتباس، الاستلال والاستنساخ، والنقد والتحليل، ولا يطلب من الطالب في هذا النطاق أن يأتي بجديد, لكن هذا البحث يفتح أمامه آفاقاً جديدة للاكتشاف والبحث. وقد تكتب البحوث القصيرة المركّزة من قبل باحثين متمرسين أو خبراء إختصاصيين، لغرض إلقاء الضوء على معضلة محددة ليكون مشروعاً لبحث مستقبلي معمق. ويكتب ورقة الخدمة أو الإيجاز العلمي، الخبير الإستشاري في المواضيع التخصصية ذات الصلة بدالة المشورة العلمية وتقديم المقترحات لصنع القرار. إن عدد صفحات هذا النوع من البحوث، لا يتجاوز عادة عشرين الى ثلاثين صفحة أو قد يزيد على ذلك, وعليه فان طرق ووسائل جمع المعلومات لأغراضها تكون في النطاق الملائم لها أيضاً.

2.  الرسالة   (DISSERTATION)

تسمية علمية أكاديمية تطلق على بحث يقدم في أغلب الاحيان لنيل شهادة الماجستير او دبلوم التخصص او الدبلوم العالي بعد الشهادة الجامعية. والغاية منها تقويم منهج الطالب أكثر من هدف الاكتشاف أو الابتكار، ويعرفها ارثر كول وكارل بيجيلو، في المرشد لكتابة الرسالة، بانها " تقرير واف يقدمه الباحث عن عمل تعهده وأتمه، يشمل كل مراحل الدراسة منذ كانت فكرة حتى صارت نتائج مدونة، مرتبة مؤيدة بالحجج والاسانيد "، وهي تكون عادة مقدمة أو تمهيدا للبحث العلمي المعمق، أطروحة الدكتوراه، التي تهدف الى الاكتشاف والابتكار والفتح العلمي، ولذلك يتم التركيز في مناقشة الرسالة على المنهج والمنهجية في البحث، أكثرمن الفتوح العلمية الجديدة التي يتوقع أن تأتي  بها، ولو توصل الباحث الطالب لشيء من ذلك فهو يسجل إبداعاً وتميزاً له، وغالبا ما يحصل ذلك لطالب الدراسات العليا الذي يتهيأ كمشروع باحث.

وفي الدراسات التراثية والدينية، في علوم الفقه والأصول والتفسير والحديث والرجال والدراية والكلام او العقائد، وعلومها الساندة في اللغة وآدابها والفلسفة والمنطق والتراث والأنساب وسواها، تطلق تسمية الرسالة ايضا، على البحوث غير المطولة والمؤلفات المصنفة بمنهج بحثي علمي، التي لا يصل حجمها الى مستوى كتاب، غير أنها تخلص الى استنتاجات علمية وتوصيات محددة.

على اختلاف الأغراض البحثية، فان قيمة الرسالة الجامعية الأكادمية، لا ترتبط بعدد صفحاتها، بل بمنهجيتها وأسلوبها وطرائقها العلمية، ومنهحها في البحث، ويمكن أن تشمل الرسالة البحثية المجالات التالية :

أ. معالجة موضوع معين في السياسة، الاقتصاد، الحضارة، اللغة، التراث العلمي، الدراسات الاجتماعية والإنسانية، أو غيرها من العلوم المعرفية الصرفة أو التطبيقية أو الطبيعية، التي يطلق عليها في التراث بعلم الهيئة، أو مقاربة علمية تحليلية لإحدى الدراسات الاستراتيجية أو الجيوسياسية .

ب.  تعريب كتاب، شرط أن يكون على صلة باختصاص الباحث وخبرته، وأن يصدره بمقدمة وافية يعرض فيها خصائص الكتاب المعرب، وترجمة تعريفية بمؤلفه، وأن يلحق به معجماً للمصطلحات والفهارس التقنية اللغوية اللازمة .

ج.  تحقيق لمخطوط كتاب من التراث العلمي، في اختصاص الباحث ومجال خبرته، والتحقيق هو ملازمة النص او المتن المحقق تدقيقا وتعليقا، إخراجا وفهرسة، كل قي مجال دالته الوظيفبة، والسير بالنص حتى آخره، بمقابلة النسخة مع النسخ المتيسرة الاخرى، وبيان أوجه الاختلاف ان وجدت في الهوامش، فيكون إحكاما وضبطا لمادة الكتاب كما صدر من مصنفه، متنا ونصا، عنوانا واسلوبا. يرفقه بهوامش وافية عن مصادر ومراجع مختلفة تلقى على الكتاب، مع رأي وموقف واضح للباحث المحقق في فقراته، فضلا عن تعليقاته وحواشيه بغرض التعريف بالمفاهيم والأفكار الواردة في النص، وتراجم الشخصيات والأعلام. وتطلق مفردة التحقيق في البحوث والدراسات الفقهية والأصولية والكلامية، على ما هو أوسع من هذا بكثير لتشمل البحث العلمي المعمق والأصيل، الذي يرتبط به فتحا علميا ومعرفيا رائدا وجديدا، وبهذا المعنى تطلق تسمية المحقق، حصرا على الرواد الأعلام في الموروث العلمي في الحقول البحثية الدينية.

د. فهرسة بعض المؤلفات أو المجلدات، خاصة الموسوعات العلمية والمعاجم المعرفية ودوائر المعارف، ويدخل في هذا الغرض فهرسة المكتبات وخزانات الكتب الغنية بالعناوين، من خلال عرض وتحليل ودراسة عناوينها ومواضيعها، وتشمل أيضا الدراسات والبحوث التوثيقية .

هـ. رصد إحصائي بياني، لمعلومات مرتبة للوصول الى بيانات رقمية، ذات دلالات ومعايير واسنتاجات مؤشرة ضمن موضوع محدد لمجتمع البحث، أو الدراسة الميدانية وفق المعطيات الإحصائية في اختصاص الباحث .

3.  الاطروحة (THESIS)

تسمية علمية أكاديمية تطلق على البحث العلمي الاصيل والمعمق، الذي يقدمه الطالب الباحث لنيل شهادة الدكتوراه أو مايعادلها في اختصاصه، مثل زميل الكلية، أو الجامعة FRCS مثلا، أو الهيئة العلمية BORD، أو المرشح للعلوم CANDEDAT، أو شهادة الدراسات العالية في علم معين CSS، أو بطاقة المحاسبة العليا, أو أي تسمية لأعلى شهادة في مجال الأختصاص، وفق الأنظمة الاكاديمية العالمية المختلفة، وهي أرفع درجات البحث قيمة وعلماً ومنهجاً، وتقوم بالإضافة الى منهجها العلمي الرصين، على ما تكتشفه في مجال الدراسة المعتبرة من أمور خفيت على المتقدمين أو التبست عليهم أو أهملوها، وعلى ما تقدمه من مستجدات للعلم تساعد على تطوره ونمائه. أما عدد صفحاته فغير محدد لكنه عادة يزيد على عدد صفحات الرسالة، وليس الاتجاه الأكاديمي الحالي مع التطويل والاطناب، وغالباً ما يتطلب إجراء دراسات ميدانية أو تجارب مختبرية، من أجل التوصل الى نتائج وإستنتاجات واقترحات وتوصيات، ذات قيمة علمية لحل معضلة البحث، وتوسيع حدود المعرفة لموضوع مشكلة الاطروحة.

وقد ينشر الباحث أطروحته الجامعية بكتاب، او توصي الجامعة المعنية بتعضيده لنفس الغرض، غير ان الكتب المؤلفة مهما توسع مؤلفوها، لا تعد باي شكل بحثا علميا، وهو ما يشجع المؤلف على تصنيف كتاب بدلا من كتابة بحث علمي مفصل ،حيث يجوز للمؤلف في كتابه ما لا يجوز للباحث، من التقيد والتحدد بأحكام مناهج البحث ومنهجيته، وحضور المطلق ترتيبا وتفكيرا، وسلوكياته وموضوعيته وحياديته البحثية، التي تحكمه الامانة العلمية، ، في حين يترك المؤلف العنان لقلمه سياحة واحكاما، والتنقل في اكثر من مجال معرفي، مع إمكانية حضور العاطفة والتصميم المسبق برفض او قبول الاشياء، مدحا ونقدا وتجريحا وثناء او عتابا، وفقا لاجتهادات المؤلف، في حين يكون الباحث إزاء كل ذلك ملزما بالعرض العلمي المنطقي، والتحليل والاستقراء، لكل ما له علاقة برأي، اتفاقا او مخالفة، مع لزوم تجنب العبارة اللغوية، التي قد تصلح في كتاب معبر عن لون الكاتب وأحاسيسه، او الصيغة اللفظية التي تعد أداة المقالة الصحفية ذات الصنعة الإعلامية الحرفية المباشرة المنتجة لصحيفة يومية. غير ان الكتّاب المؤلفين ذوي الخلفيات البحثية العلمية، يميلون الى إظهار ذلك في مؤلفاتهم تعمدا، أو بإعمال خزين اللاوعي في ذاكرتهم الذهنية، وإن حاولوا التحرر منه، كما يفعل مثلا بعض الأساتذة الأكاديميين الكتاب، معبرين عن ذاتهم في التأليف والتصنيف، فتظهر كتب مقيدة بهيكلية منطقية، تلتزم العناوين الجامعة للمتشابهات والمتناظرات، والتسلسل المنطقي الذهني للافكار، وتراتبية الفصول والعناوين والمواد والفقرات، الجامعة للمادة المصنفة، لكنها تحظى بهامش واسع من الحرية والتحرر في الكتابة، ما لا يتيسر للباحث المشتغل في البحث الاكاديمي. ولتوسع الحقول العلمية وفروعها وتخصصاتها الدقيقة والمتقدمة، ظهرت دراسات الدكتوراة العليا أو المتقدمة أو ما فوق الدكتوراه لهذه الأغراض، لتنظم الى تسميات دكتوراه فلسفة أو دولة أو الحلقة الأولى، سواءا في العلوم أو الاداب.

ثانيا: إختيار موضوع البحث

إن المقصد في كل بحث هو دراسة معضلة ما، فهو جهد منظم، الهدف منه الوصول الى إدراك معين بدافع الحاجة الملحة لايجاد حل لمشلكة قد سيطرت على الباحث. وعليه فإن البحث بهذا المعنى، يكون مشروعاً علمياً ينبغي تحديد ملامحه الأساسية والرئيسية من قبل الباحث أو الطالب. غير أنه من الشائع أن يعتقد الطالب نتيجة لخبرته المحدودة، وكأن المجال الذي يهتم به أو العلم الذي يروم البحث فيه قد اشبع بحثاً، وان مشكلات تخصصه العلمي، قد تم حلها أو التطرق إليها، فيصاب بالحيرة التي تقوده نحو أساتذته، ليدلوه الى موضوعات يبحثها أو يعدلوا له عنوان بحثه أو نطاقه، فهو مستعد ان يغير رأيه المسبق، لأنه يبحث في جوهر الحقيقة العلمية، دون ان يكون له رأي في بادئ الامر.

إن الاستاذ الجامعي، لا يكون على اطلاع تفصيلي دائم برغبات الطالب وميوله وقدراته، لذا قد تكون إرشاداته غير متطابقة مع هذه الجوانب، مما يجعل الطالب يعود الى خيارات جديدة.

وعليه فإن على الطالب أن يبدأ رحلة البحث عن المعلومات وجمعها في مرحلة اختيار عنوان ومجال البحث ونطاقه، لانها الخطوة الأولى في عملية الجمع الصحيح عن المعلومات، بما يلائم إمكانات الطالب وقدراته ورغباته وحيوية الموضوع وأصالته، وفق خطته البحثيه لجمع المعلومات، وهنا يأتي دور الاستعانة بالاستاذ للإستيضاح العلمي والمنهجي في اختيار موضوع البحث، وفق المؤشرات التالية :

1. الرغبة والميل لدى الباحث الطالب في موضوع البحث، التي توفر له المتعة والتشويق للبحث وتحمل متاعبه والجهود والمسؤولية المطلوبة، كما لا ينصح أن يختار الباحث الطالب موضوعا يتنافى مع عقيدته وعاطفته، ولا موضوعا توجب عاطفته أن يسير فيه سيرا معينا, خشية المبالغة في التصور والتقييم غير المجرد، بعيدا عن الحيادية العلمية والموضوعية والمصداقية البحثية، وهو نطاق قد يصلح لتأليف كتاب، ولكن ليس رسالة بحثية. ان البحث لصاحبه كاللوحة الفنية التي يرسمها الفنان بمتعة ومسؤولية واختيار، ليبدع فيها، والا فلا يوفق.

2. الجدة والحداثة في الموضوع، ولا بأس البحث في موضوع مطروق على أن يأتي الباحث بجديد باسلوب تقديمه وطريقة بحثه أومنهجه وما يتوصل اليه، مما يتطلب من مشروع الباحث، متابعة العناوين البحثية المنفذة في مجال تخصصه قديما وحديثا، وما توصلت اليهل ليتجنب البحث المكرر. وتوفر تسهيلات المواقع الألكترونية، على الشبكات المحلية أو الدولية، دليلا معاصرا ومحدثا بعناوين البحوث الاكاديمية المنتجة جامعيا أو في المراكز البحثية، بهدف طلبها والاستفادة منها، فضلا عن العناوين المطلوية للبحث لمختلف المعارف والعلوم، وفي ضوء هذه المعلومات يتمكن الباحث من تكوين فكرته حول عنوانه المختار.

3. أهمية الموضوع، سواءاً للباحث أو الجهة المستفيدة أو المجتمع، العنوان الذي يربط العلم في الحياة من خلال الانتفاع به، بحيث لا ينكفي البحث بعد اتمامه في زوايا خزانات الكتب المظلمة. إذ ان الموضوع قد يكون للباحث بمثابة مادة للتدريس اذا كان يمارس التدريس، أو مادة للكتابة اذا كان كاتباً، أو مادة لبحوث أكاديمية لاحقة متفرعة عناوينها عن العنوان الاصل، أو للتطبيق العلمي في الممارسة بعد نيل الشهادة.

4. حصر المشروع وتحديد وتضييق ميدانه، لأن الموضوع الموسع أفقياً ستكون معالجته سطحية ويطلق عليها الفرشة المعلوماتية البحثية، في حين أن التوسع العمودي يمكن الباحث من التعمق والإلمام بأغوار الموضوع، ان منهج البحث العلمي التأريخي، يفرض تحديدات زمانية ومكانية للبحث في عنوانه، بما يضمن العمق العلمي للدراسة، وهو أقدم مناهج البحث العلمي، في حين تفرض المناهج العلمية الاخرى تحديداتها في العناوين، على أساس حصر الاهمية وسقف المفاهيم.

5. وفرة المادة العلمية وتيسرها، ووفرة مصادر البحث ومراجعه، فضلا عن وجود بيئة قريبة تناسب ثقافة الباحث تقدمها مراكز علمية او خزانات كتب في متناوله، تغذيه بالقسط الوافر من المراجع، ويتوفر القرارعلى تيسر تلك المادة ضمن خطة جمع المعلومات، مما تمكِّن الباحث من إعادة النظر في العنوان .

6. القدرة العلمية والثقافية واللغوية، فإجادته لغة معينة غير منتشرة في بلد الدراسة، سيشجع الباحث لاختيار عنوان كتب عنه باللغة التي يتقنها، ليتمكن من نقل افكار جديدة الى بيئته العلمية، ما لم يتوفر لغيره، مما يعطي البحث أصالة علمية. وكذلك الأمر بالنسبة لمن يلم بثقافة او دراية بمعارف علمية معينة، عليه استثمارها في اختيار البحث، وفي الحالات الأخرى عليه الابتعاد عن تلك الخيارات. وكذلك بالنسبة للقدرة المادية للباحث أو المؤسسة البحثية القائمة بالبحث أو الدراسة، لمعالجة الموضوع. ان هذه القدرات المطلوب توفرها، يجري البحث فيهاعادة بعد الفراغ من قدراته وامكاناته وملكاته الأساسية في حقله العلمي، وتمكّنه من تخصصه في معالجة العنوان.

7. الروح العلمية، تجري وراء الحقيقة لا يقودها أو يؤثر بها رغبة أو هوى، فلا يجوز اختيار عنوان مع نية مسبقة للثني عليه او معارضته، الباحث العلمي هو من يترك ذلك تبعا للاستقراء العلمي والنتائج المنطقية التي سيخلص لها البحث نتيجة المناقشة للعوامل المؤثرة في البحث التي تجمعت من المادة المادة العلمية خلال عملية جمع المعلومات البحثية، ولا وجود ثابت لتلك النتائج في ذهن الباحث، بما يطلق عليه بالتصميم المسبق لنتائج البحث، وهو المقتل لنجاحه، لانه سيتحول من بحث الى مناظرة.

عليه فان عنوان البحث سيكون شاملا ببلاغة لكل ما يستوعبه البحث من جزئيات وتفاصيل، وما يتفرع عنه من ابواب، التي بدورها تعامل عناوينها بنفس السياق لجهة شمولها لجزئيات وتفاصييل مادتها العلمية، وتفرعاتها الى فصول ثم مباحث، التي ينسحب السياق ايضا على عناوينها الفرعية والمادة المتعلقة بها. 

ثالثا: مدخل لطرائق جمع القاعدة المعلوماتية للبحث العلمي

ان عملية تفريع العنوان الرئيس للبحث العلمي الى عناوين لأبواب، والأبواب الى فصول وعناوين فرعية، تمثل التخطيط لهيكل البحث وتبويبه، وتخضع الابواب والفصول والمباحث في ترتيبها الى أساس سليم وفكرة منظمة ورابطة خاصة، مثل الترتيب وفق التسلسل الزمني، وهو الذي تعتمده بحوث المنهج التاريخي، او وفق الأهمية والتسلسل المنطقي، ونحو ذلك كما في بحوث المناهج التحليلية، التي تعتمد الإستقراء المنطقي، وهو ما يطلق عليه أهل المنطق المناهج العامة، ونحو ذلك من المناهج الخاصة، كالمناهج الاحصائية او الرياضية والتجريبية والمختبرية وسائر مناهج العلوم الصرفة والتطبيقية، وهي بمجموعها طرائق ومذاهب للاسلوب المتبع في البحث في التفكير الذهني، الذي يتبعه الباحث للوصول بالحقائق المتحصلة عن جمع المعلومات، الى استنتاجات علمية تفتح مسالك لحل المعضلة او المعاضل التي استهدفها البحث. ان المنهج البحثي المتبع يؤثر بمنهجية البحث، وهي الجوانب الشكلية والهيكلية فيه، وتبويب الرسالة او البحث أي تفريعها الى ابواب وفصول ومباحث، وعناوين رئيسة وسطية، وفرعية جانبية، وصولا الى الانتهاء من تخطيط البنية الأساسية للبحث، وهي اتمام وضع الهيكل التصميمي للبحث.

لتدخل بذلك المرحلة اللاحقة وهي جمع المعلومات، التي سترتب وتضمن تحت كل عنوان، ضمن الهيكل المخطط، لتكسوه بالمادة العلمية والمعلومات اللازمة للعنوان، اقتداءا بالخلق الالهي المقدس " ثُمّ خَلَقْنَا النّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ" المؤمنون/14، وكذلك عملية الخلق البحثي، حيث يشرع الباحث لاجل ذلك بوضع خطته لجمع المعلومات، مستحضرا كافة الوسائل المتاحة، المكتوبة والميدانية، المتحصلة تقليديا، او بالتقانات المعلوماتية الحديثة.

تستند عملية جمع المعلومات الى الخطة البحثية العامة، المتضمنة تحديد الطرائق التي سيسلكها لجمع المادة العلمية لأغراض البحث، ويشتمل ذلك وضع المحاور العامة لمقاربة المصادر والمراجع المختلفة، المتوقعة إحتوائها للمعلومات، بما فيها وضع الجداول بالقوائم المعرفة بها والمبينة لمواقعها، التي يطاق عليها BIBLOGRAPHIA، وتتوفر للباحث عدة طرق ونماذج لخطة جمع المعلومات البحثية، وسيتضمن الفصل اللاحق عرضا ودليلا لهذه النماذج، وطريقة إعمالها بهدف جمع المعلومات، وتيسير دراستها ومناقشتها، وتضمينها في مكانها المناسب في هيكل البحث.

هنالك اسلوبان رئيسان يسلكهما الباحث، ويستخدمهما كمرجعيات لاغراض جمع المعلومات، إحداهما أو كلاهما وكما يلي :

1. المصادر والمراجع المكتوبة، التي قد تكون كتباً مطبوعة أو مخطوطات أو دوريات أو مجلات أو صحف أو بحوثاً جامعية أو بحوثا ودراسات موثقة أو منشورة. ويدخل في هذا المسلك التقارير والدراسات والوثائق والسجلات والاستعارات وأية مطبوعات أو منشورات مؤثقة، سواءا المسجلة على الوسائل التقليدية، أو على الأقراص ألألكترونية المدمجة أوالمسطحة او الليزرية،  وكذلك الأدبيات المنشورة في الشبكات المعلوماتية الألكترونية، المحلية والدولية، من خلال المواقع العلمية والبحثية والأدبية والاعلامية الصحفية والثقافية والتربوية.

وتقسم المصادر المكتوبة الى المصادر أو المراجع الاصلية (الاولية) SOURCE، التي تحتوي على المادة الاصل عن مؤلفيها والوثائق والمخطوطات، أما الكتب والمواد المؤلفة الاخرى المستندة الى تلك المصادرأو المقتبسة عنها، فتعتبرمصادرثانوية أو مراجع REFERENCE.

ويعبر علماء التراث العلمي والدراسات الدينية والموروث التراثي العلمي، الفكري والأدبي، عن النوع الأول من المصادر، بالاصول المؤلفة أو المتون المعتبرة، والبعض يخصها بتسمية المؤلفات دون المصنفات، أو التحقيق المعمق، في الاشارة الى المصادر الأولية أو الأصلية. أما النوع الثاني من المصادر الثانوية او المراجع، فهي تشمل في حقل التراث العلمي والدراسات والتحقيق العلمي، المصنفات اوالمؤلفات العلمية المجمعة أوالموسوعات، الكشاكيل، الشروح، الحواشي أو التعليقات، والتقريرات أو الأمالي.

2. أجراء البحوث الميدانية، بالاعتماد على الاختبار الشخصي والمراقبة والملاحظات الخاصة والتجارب والمسح الميداني الاحصائي والمقابلات الشخصية والاستبيانات على إختلاف أنواعها، وهي وسائل مهمة لقياس الرأي العام لاغراض تدعيم البحث العلمي، فضلا عن استخلاص المعلومات عن أصحابها والقائلين بها، واللذين وصلتهم ويحتفظون بها، وأهل الفكر والرأي، وشهود العيان أو المعاصرين للوقائع والأحداث مباشرة. ويمكن تقسيم طرق البحوث والمسح الميداني، الى كل من طريقة الاتصال التي تشمل اسلوبي الاستبيان والمقابلة، وطريقة الملاحظة.

وسيتضمن الفصل الثاني مبحثا في المصادر المكتوبة لجمع المعلومات للبحوث العلمية، والفصل الثالث في المصادر الميدانية لجع المعلومات للبحوث العلمية، والفصل الرابع في علم ومنهجية التحقيق في التراث العلمي.


* استاذ باحث في الدراسات الاستراتيجية