العراقيون الأغنياء لا يجدون سوى الفاقة والألـم في الأردن


 

سابرينا تافرنس

الترجمة/ لمى الشمري

 

موقع الإمام الشيرازي

14/شعبان/1428هـ

قامت أميرة ببيع حاجات عائلتها بعد مقتل زوجها وحملت أطفالها وغادرت تاركة منزلها الكبير في بغداد الذي أبقته بعهدة البستاني والخادمة. والآن وبعد مرور سنة من الزمن تقوم أميرة بصنع فطائر اللحمة لجني المال في هذه العاصمة رملية اللون وهي غير قادرة على تحمل كلفة إرسال ابنها للمدرسة، وفي لحظات الهدوء تختنق بمرارة الحسرة والخسارة.

لقد تسببت الحرب بتشريد مئات آلاف العراقيين عبر أنحاء الشرق الأوسط الا ان الذين وفدوا الى هنا كانوا من المتنفذين ومعظمهم لا يمتلكون رخص إقامة ولا يسمح لهم بالعمل ولكن ولأنهم كانوا مدراء مصارف سابقين ومدراء نوادي اجتماعية وأصحاب أعمال اعتقدوا بأن أموالهم سوف تدوم.

الا ان ذلك لم يحصل، فالإيجارات عالية والمدارس تكلف أموالاً والوظائف غير القانونية قليلة، وقد وجد مسح لـ 100 عائلة عراقية بأن 64% منهم يعيشون على بيع ممتلكاتهم.. والآن مع بداية العام الدراسي الجديد فإن الكثير من العراقيين يقولون بأنه لم يعد باستطاعتهم توفير بعض أهم متطلبات الحياة الأساسية، التعليم لأولادهم والذهاب الى المستشفى, وهم يقومون الآن بخلع السن بدلاً من حشوه، ولم يعد شامبو الشعر من بين قائمة المشتريات.

وحسب أقوال أميرة البالغة خمسين عاماً "لقد نفدت مدخراتي ولن يذهب أولادي للمدرسة هذه السنة". ويعتبر هذا واقعاً جديداً مؤلماً لجزء مهم من سكان العراق، الفئة العلمانية المثقفة المتعلمة فهم يرفضون الوقوف مع جانب ما مع ازدياد العنف، وتتبنى معاناتهم بشيء أكبر سيصيب العراق فكلما زادوا فقراً وكلما طال أمد بقائهم بعيداً كلما انهار العراق وأصابه الشلل.

وقد تدفق العراقيون للأردن وسوريا في 2005 - 2006 مع اختيار الطبقة المحترفة الأردن، وتظهر اليافطات المعلقة في الطابق الثاني من مستشفى الإسراء وهي مستشفى خاص وسط عمان أسماء أطباء عراقيين فقط، وقد كان الأردنيون متساهلين نسبياً وقد سجلوا الأطباء في مراكزهم الطبية وسمحوا للأغلبية الساحقة بالعيش في بلدهم بدون رخص إقامة. ولكن ومن بداية هذه السنة أصبح العراقيون أكثر اعتماداً وبشكل ثقيل على هذا البلد الصغير حتى إن السلطات الأردنية قللت وبشدة من أعداد الوافدين الذين يقبلون دخولهم "أصبح الرفض شائعاً جداً حتى ان الخطوط الجوية العراقية تخصم 30% لإعادة المسافرين الذين يرفض إدخالهم".

وقد اعتقد الكثيرون بأن المرور بالأردن هو مجرد محطة للذهاب الى استراليا أو السويد أو انه مجرد إجازة قصيرة من جحيم بغداد ولكن ومع مرور الأشهر أصبح واضحاً بأن معظم الدول أغلقت أبوابها بوجه العراقيين، فالحرب تزداد سوءاً، والعوائل تركت محصورة وكل اعتمادها هو على مدخراتها.

ولقد رفضت السلطات الاسترالية طلب قبول حسن جابر مرتين، وحسن هو مدرس لغة اسبانية غادر منزله الأنيق في بغداد بعد اختطاف ولده البالغ 12 عاماً ومقتله في السنة الماضية، والآن مع نفاذ مدخراته وبعد أن دفع قبل رحيله فدية بلغت 10000 دولار في محاولة لتخليص وإرجاع ولده.. وقال حسن وهو يجلس في شقة مكونة من غرفة واحدة في شرق عمان "رأينا الواقع في عمان وشعرنا بالصدمة" ولم يجر هنالك أي مسح رسمي لمعرفة عدد العراقيين ولقد أجرت مجموعة فافو (FaFo) النرويجية مسحاً لم تجعله علنياً بأن هنالك أقل من 750000 في عمان، إلا ان هذا يظل يشكل مجرد 10% من السكان من السكان البالغ عددهم 2 مليون. وقد زادت وكالات الإغاثة من نشاطاتها، ولقد وافقت الحكومة الأردنية هذا الشهر وتحت ضغوط من الولايات المتحدة بترك الأطفال العراقيين ممن لا يمتلكون رخص  الإقامة من حضور المدارس العامة وهو حق لم يمنح لبقية الأجانب أبداً.

إلا ان المدارس مزدحمة ولم تستعد الحكومة بعد للتغيير وهي تقول بأن عليها تلقي المساعدات لتأهيلها وتطالب وكالات الأمم المتحدة بالمزيد من المال لتوسع من عملها من خلال إضافة نوبات جديدة للمدارس الموجودة.

وتقول منظمة انقذوا الطفولة (save the children) الإنسانية بأنها أحالت 4000 عراقي الى المدارس مؤخراً، إلا ان إرسالهم لا يضمن قبولهم، وقد ذهبت أميرة الى المدرسة العامة الواقعة في الحي الذي تسكنه إلا انهم قالوا لها بأنه لا يوجد هنالك مجال لأطفالها، وقد كلفتها المدارس الخاصة 5000 دولار في السنة الماضية أي ثلث مدخراتها.

وبينما تصبح الطبقة الوسطى أكثر فقراً تتشكل أنماط جديدة، فزينب مجيد عقرة لم تعد تضع اللحم في مرقة الباميا وهي تشتري الخضار قبيل غروب الشمس لأن السعر يكون أقل ولقد عرض عليها غريب استخدام غسالته وهي بادرة لطيفة جعلت دموعها تنزل.

ولقد جاءت الى عمان في سبتمبر الماضي بعد تلقي زوجها الرسام تهديدين وبعد قصف الاستوديو الذي يستخدمه، ولقد باعوا كل شيء والآن يمضي زوجها وهو رجل هادئ يرتدي نظارة مدورة أيامه بالرسم على الجنفاص بينما يشاهد أولاده البالغون  4- 7 سنوات أفلام الكارتون من على جهاز تلفزيون قديم وتقول زينب “هنالك أيام أصبح فيها مفلسة تماماً” ولقد ساعدت منظمة مساعدات كاثوليكية وهي منظمة الكارتياس في دفع رسوم الدراسة للفصل الأول لولدها الأكبر.

إن ألم الحرب يجعل الناس منغلقين على أنفسهم، وآخر الوافدين يميلون للعيش بعزلة مما قسم الجالية الى جماعات صغيرة حزينة. وتمضي أميرة أيامها بشكل آلي مثل ناج ظل على قيد الحياة من سفينة محطمة وتتدفق الدموع بسهولة عندما تتذكر ممتلكاتها التي باعتها، وعلى آلبوم الصور الذي لم تأخذه، ولقد توفي زوجها بعد مرور خمسة أيام من قيام رجال بأخذه من محله السنة الماضية. ولقد ضربوه على وجهه وكسروا عظام جسمه وفي ذلك اليوم كان قد مر 22 عاما على أول لقاء لهما. وقالت أميرة ووجهها مبلل بالدموع “انهم يلاحقون السعادة، إنهم يريدون قتل السعادة”

ولقد وعدت الولايات المتحدة بزيادة عدد اللاجئين العراقيين الذين تتقبلهم، وأحالت الأمم المتحدة 9100 عراقي لها هذه السنة ولكن ولحد الآن فأن أقل من 200 فرد قد وصلوا طبقاً لوزارة الخارجية ويتوقع وصول عدة مئات آخرين في الأسابيع القادمة.

ان نفاذ المال يعتبر أمراً مخيفاً، وتختار بعض العوائل الانتقال الى سوريا حيث الأمور أرخص أو في بعض الحالات يختارون العودة الى بغداد والحرب.

وقد كانت أسيل قرداغي 25 عاماً حامل عندما وضعت ابنتها الصغيرة هنا في الصيف الماضي بعد تلقيها تهديدات من متشددين إسلاميين، وزوجها هو مهندس يعمل لدى شركة أمن جنوب افريقية ظل في بغداد لكسب المال ولكن عندما لم يتصل بها في عيد مولدها أدركت بأن شيئاً ما ليس على ما يرام وبعد ان اتصلت بأصدقائه وألحت عليهم علمت بأنه تعرض للاختطاف. والآن وبعد مرور 8 أشهر، أصبحت تكسب القليل من المال من خلال عملها في روضة أطفال، ولكن بدون راتب زوجها فان هذا المال غير كاف، ولقد تقدمت بطلب لجوء وإذا رفض طلبها سيكون عليها العودة الى بغداد، وهي لا تعلم ما هو مصير زوجها إلا انها تشعر بالقلق من انه نفس مصير شقيقها الذي قتل بسبب عمله كمترجم لدى الجيش الامريكي. وقالت “لا أستطيع التفكير بذلك وفي اللحظة التي سأترك بها نفسي لمشاعري سوف أنهار وأنا أخشى من قدوم اللحظة التي سأنهار بها”.

أما أميرة فقد استقبلت مؤخراً ضيفة وهي أم لثلاثة أطفال كان زوجها يعمل نائب مدير ناد اجتماعي في بغداد وكان تستعد للإنتقال الى سوريا فآلاف الدولارات التي حصلت عليها من بيع عدة سيارات ومنزل قد نفدت تقريباً وقالت أميرة “لقد سافرت عبر أنحاء العالم وأريد أن أقول للأمريكان ما حدث لنا”.   

صحيفة/ نيويورك تايمس

ملاحظة/ نقلت بتصرف عن المصدر/ الاتحاد الكردستانية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظة/  لا يتبنى الموقع جميع الآراء ووجهات النظر الواردة في المقالات المنشورة .