![]() |
|
|
موقع الإمام الشيرازي أخذ مفهوم الديمقراطية الكثير من الجهد الفكري والجسدي، بل ومن الأرواح والدماء ليتحقق واقعياً وفي عدد قليل من الدول، او ان الدول التي تعيش النظام الديمقراطي أقل من الدول التي تنعم بخيرات الدكتاتورية والفردية ووراثة الحكم, ولا يمكن لأنموذج الثورة الفرنسية ودور المفكرين في تهيئة الأرض الصالحة لنشوئها، وبالتالي دور القادة السياسيين في تغيير أحد أبرز النظم الملكية - وقتها - في العالم، ثم يتتالى صعودهم المأساوي على نفس المقصلة التي قطعت رأس لويس الرابع عشر، لا يمكن لذلك الأنموذج أن يغادر الذاكرة كونه أول وأبرز أسس الأنظمة الديمقراطية الحديثة في العالم. كذلك لا يمكن نسيان موقف أول رئيس للولايات المتحدة الأميركية وقائد جيوش تحريرها من الاحتلال الانكليزي جورج واشنطن حين رفض المنصب الرئاسي للمرة الثالثة، مشرعاً لقاعدة دستورية لم تخالف طيلة أكثر من قرنين. ويحق لنا - شعوب العالم الثالث عموماً والعرب خصوصا - أن نفخر بما فعله الفريق عبد الرحمن سوار الذهب في السودان بعد ثورته على نظام جعفر نميري في ربيع 1985 حين تنازل عن كرسي الحكم - المغري- لمن فاز بالانتخابات, والحالة المتميزة الأخرى في منطقتنا أيضاً والتي حصلت في السنتين الأخيرتين في موريتانيا بعد الانقلاب على نظام معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، واجراء الانتخابات وتنازل أعضاء المجلس العسكري عن المواقع القيادية للدولة. أيضا نشاهد تجربة بناءة يخوضها حزب العدالة والتنمية ذو التوجهات الإسلامية في تركيا، فحين فاز هذا الحزب بأغلبية مقاعد البرلمان للدورة السابقة لم يكن رئيسه رجب طيب أردوغان عضواً في البرلمان، ما يحرمه من منصب رئيس الوزراء، فشكل عبد الله غول الوزارة بانتظار الانتخابات التكميلية التي خاضها أردوغان وفاز بمقعد برلماني، وتنازل غول بهدوء لشريكه السياسي عن كرسي رئاسة الوزارة متجاوزاً التعلق الشرقي المطلق بالحكم. ولم يطمح أردوغان شريكه القديم على الترشح لمنصب رئاسة الجمهورية التركية المحافظة على نظامها العلماني بشدة، بل وساعده وخاض معه صراعاً ديمقراطياً شاقاً حتى فاز الأخير في النهاية بمنصب الرئيس الحادي عشر للجمهورية التركية. إن ظاهرة هذين الشخصين وتآزرهما حفاظاً على مصلحة الدولة ولإضفاء الصبغة الديمقراطية الجميلة على شخصيتيهما وحزبهما - هما وحزبهما أساساً ينطلقان من توجهات إسلامية - تثير الانتباه، فالإيثار وتغليب المصلحة العامة على المصالح الشخصية، ونضالهما من أجل إيجاد حزب إسلامي وشخصيات إسلامية قادرة على خوض التجربة الديمقراطية بل والحفاظ عليها، تدعو هذه الحالة للتمثل بها، وتؤكد على ان الفكر الإسلامي يمكن له أن ينجب نماذج ديمقراطية ناجحة، إذ ان الالتزام الشخصي بالتقاليد الإسلامية في الحياة الخاصة لا يتقاطع - حسب تجربة هذين الشخصين وحزبهما - مع النظام العلماني والحريات الشخصية للمواطنين الآخرين. فارتداء الحجاب والالتزام بتعاليم الشريعة الإسلامية كما تفعل زوجتاهما مع بعض نساء الحزب - ما أخاف بعض القيادات العلمانية في الدولة لاسيما الجيش راعي العلمانية التركية - لا يمكن أن يشكل عائقاً أمام استمرار النظام العلماني التركي ولا يمنع الإسلاميين من المشاركة في العملية الديمقراطية. من الجميل أن نتمثل تلك التجارب الإنسانية الديمقراطية الناجحة ونحاول ان نطبقها في بلدنا (العراق) السائر بخطى حثيثة نحو نظام ديمقراطي ولا يجب ان نخشى تطبيق العلمانية لدينا بحجة أنها ضد الدين، إذ يمكننا أن نحافظ على تقاليدنا وديننا وأن نبني في الوقت نفسه النظام الديمقراطي الذي يضمن حريات الناس الشخصية وبالتالي ضمان انسجامهم وولائهم للدولة، متخلين عن الحساسيات التي لا داعي لها والتي يمكن لها أن تكون عقبة في طريق التطور الإنساني للدولة العراقية الجديدة. وليس صعباً أن يتمكن النظام الديمقراطي التركي في فترة وجيزة من الزمن أن يجد حلاً عادلاً للمشكلة الكردية وليس صعباً أيضاً على العقول العراقية المستنيرة أن تتفق على "خارطة طريق" تضمن لكل العراقيين حقوقهم الإنسانية المكفولة في كل الشرائع الدينية والأعراف والقوانين الإنسانية وبالحوار مع كل شركاء العملية السياسية من عراقيين وجيران وأميركيين. إن أصحاب القرار الأساسيين هم العراقيون ومن يخسر نتيجة الصراعات الدموية التي لا مبرر عقليا لها، ومن يستفيد من النظام الديمقراطي الحقيقي هم العراقيون، ولا بأس حين نتمثل التجارب الإنسانية الناجحة وننفتح على العالم الرحب. المصدر/ الصباح 13/رمضان/1428هـ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ملاحظة/ لا يتبنى الموقع جميع الآراء ووجهات النظر الواردة في المقالات المنشورة . |