سـوسيولوجيا أزمة الهويات في العراق


 

 

موقع الإمام الشيرازي

24/رمضان/1428

ارتهن المشهد السياسي العراقي منذ 9 نيسان 2003 ولغاية الوقت الحاضر بأطياف أزمة سوسيولوجية تعود جذورها الى ما قبل هذا التاريخ الا انها كانت مغيبة لحد كبير وعدم ظهورها وقتئذ لا يعني انها خضعت لديناميكيا الحل السياسي هذه الازمة هي ازمة الهوية (Identity Crisis) التي تقض مضجع الكثير من دول العالم الثالث والتي بلغت من الاهمية درجة أن معظم دراسات الدول الغربية للعالم الثالث كانت تبدأ من زاوية النظر الى النظام الاجتماعي وموقع الهوية فيه كجزء من دراسة منظمة تعكس مدى التطور في واقع أدبيات التنمية السياسية، مشكلة الهوية التي لم توفق الانظمة السابقة والمتعاقبة على حكم العراق في حلها غالبا ما كانت تعبر عن نفسها بسلوكيات مختلفة ومتباينة من حيث الاثر والاتجاه السياسي الا انها في الوقت الحاضر أخذت أكثر اشكال التعبير تطرفاً ودموية وهو ما يفرض التعامل معها بحذر شديد ورؤية متجددة.

لا شك ان تبلور واقع (الهوية المتشظية) بدأت خيوطه الأولى مع تشكيل مجلس الحكم اثر سقوط النظام السابق اذ تم تقاسم السلطة على اساس التكوينات المذهبية والاثنية وهو ما أعطى الانطباع منذ الوهلة الأولى بأن تقاسم السلطة على اساس الحصص الطائفية هو نزوع أعمى باتجاه اغراق السياسة في أتون اللعب الطائفية التي لن تؤدي الى خلق ديمقراطية واقعية بقدر ما تقضي بالفرد الى الالتحام بهوية الجماعة الاثنية أو المذهبية التي ينتمي اليها بعيدا عن روابط الانتماء للوطن او الدولة، بل ان الروابط الاسرية والقبلية والدينية والطائفية والاثنية سوف تعمل على اعاقة الوحدة لان هذه الروابط تحدد لدرجة كبيرة ادراك الناس اكثر مما يحدده الشعور بالانتماء الى وطن واحد، وان كانت مخاطر هذا الخيار باهظة الكلفة على هذا النحو، اذاً ما الذي دفع سياسيو الدولة الجديدة الى تبنيه منذ بداية الأمر ؟

ان الطائفية تعني ان يتولد لدى الانسان وعي ذاتي بجنسه او دينه او عقيدته مع انحيازه غير العقلاني لهذا الوعي، ومن الحقائق التي ينبغي ان نقر بها ان المجتمع العراقي متعدد الأسس والتكوين وخلال سنوات حكم نظام البعث تعمق لدى الافراد الشعور بالهوية المركبة باعتبارها متغيرا عضويا عكس بروز واقعين، واقع الانتماء للجماعة وواقع الانتماء للوطن، على الرغم من ان سياسات النظام السابق كانت تنزع باتجاه تذويب الخصائص القومية والثقافية للجماعات المتمايزة الموجودة داخل المجتمع كونه يعد هذا التمايز كفيلا بتمزيق النسيج الاجتماعي وتهديد الوحدة الوطنية نتيجة التلون الطائفي، وفي الوقت الذي كان يشير فيه في ادبياته السياسية الى أن الانواع التقليدية للتنظيم السياسي مثل العشائرية والاقليمية والمذهبية وما شابه ذلك تعد تجمعات تحمي اعضاءها وتساعدهم علي التكيف للظروف المحلية وبالتالي الابتعاد عن سلطة الدولة المركزية وهو ما يفهم على انه توفير لشروط ضعف الاندماج، كان النظام البعثي في الواقع يعمل على توظيف العشائرية بشكل يخدم أمنه من خلال تحميل القبائل مسؤولية سلوكها الجماعي اضافة الى اعلاء طائفة على حساب أخرى مع الركون الى وسائل تذويب الهوية المحلية للجماعات تحت مسوغ ان الاشكال التقليدية للهوية تتعارض مع الشعور بالهوية القومية الاوسع في ميادين الحياة كافة.

لهذا طرح البعث مفهوم الدولة القومية التي لن تعترف بأي انتماء سوى الانتماء للدولة القومية معتبرا كل ما عدا ذلك أمرا يشكل خطرا على وحدة المجتمع وبالتالي عمل على حصره ضمن المجال الخاص وعدم السماح له بالتعبير عن نفسه ومثال ذلك عمليات التعريب التي مارسها في منطقة كردستان اضافة الى حملات التهجير القسرية وعدم السماح للشيعة بممارسة شعائرهم الدينية مع التضييق عليهم وهو ما خلق لدى الافراد شعورا بالاضطهاد الفكري والثقافي والسياسي والديني وبالتالي دفعهم الى الالتجاء من دائرة الانتماء للوطن الى دائرة الانتماء للجماعة، ولعل السياسيين كانوا مدركين لحقائق هذا الواقع الذي ورثوه واعتقدوا أن معالجة هذه الظاهرة النفسية تتطلب أول الامر اشعار الافراد بان طوائفهم ممثلة بالسلطة حتى تكون همزة الوصل ما بينهم وهوية الدولة بحيث تم تطبيق هذه الرؤية من خلال معادلة تمثيل الطوائف في السلطة استنادا الى الحجم السكاني الذي تحتله في المجتمع، ويبدو ان هذه الرؤية كانت تقترب الى حد بعيد من تصورات ومعتقدات المفكر اللبناني (ميشال شيحا) الذي درس التجربة اللبنانية في تقاسم السلطة على أساس التركيبة السوسيولوجية والذي أكد في كتاباته على ان انتقال الانسان من دائرة الانتماء الصغرى (اي الجماعة) الى الدائرة الكبرى (أي الدولة) لا يتم الا اذا اطمأن الى حضوره في الاطار الاوسع واطمأن في الوقت ذاته الى ان هذا الانتقال لن يجعله يفقد الاطار السابق موضحا ان اختزال الهوية باحدى مكوناتها قد يؤدي الى احداث فصل غير طبيعي بين دوائر الانتماء المختلفة للانسان ويضعف تماسك شخصيته.

وعليه كان الاجتهاد السياسي ينحو باتجاه مراعاة الهوية الصغرى لدى المجتمع العراقي لانها ما تزال تكون شخصية الفرد وتفرض ملامحها عليه وأي انتقال مفاجئ من الدائرة الصغرى الى الكبرى قد يسبب نوعاً من الاضطراب المجتمعي كما استقر الرأي على أن الاعتراف المتبادل ما بين الجماعات الطائفية من جهة واعتراف الدولة بهذه الجماعات من جهة أخرى سيحول دون صعود سلطة دكتاتورية تفرض سطوتها على الدولة، أما عدم الاعتراف بالتمثيل الطائفي فقد يؤدي الى شعور بالغبن والتهميش لدى الجماعات التي لم تحصل على موطئ قدم في السلطة ويدفعها الى التمسك بخصائص تمايزها وان كان بشكل متعصب وهذا الاجتهاد كانت تغذيه حقيقة أن الديمقراطية نفسها خلال مراحل تطبيقها تبلور الادراك لدى الافراد بأهمية البحث عن التمايز الثقافي بعيدا عن موجة الشعور بالانتماء الى ثقافة موحدة، فكيف يكون الحال ان كان هذا التمايز موجودا في الاصل.

لقد تنبه عالم الاجتماع الفرنسي (الكسي دي توكفيل) الى هذه الحقيقة وأوردها في كتابه ذائع الصيت (الديمقراطية في اميركا) الصادر عام 1840 اذ لاحظ ان الديمقراطية بوصفها نظاما سياسيا للمساواة في شروط الوجود بين الافراد من شأنها ان تخلق بدعم من الحداثة الاقتصادية المواكبة لها قدرا من وحدة التفكير ووحدة الاحساس ووحدة السلوك لدى البشر، فبالمقارنة مع العصر الوسيط عصر التجزؤ والتفتت المطلق فان العصر الحديث هو العصر الذي تنزع فيه شعوب البشرية الى ان تتقدم باتجاه الوحدة والتعارف المتبادل، ولكن في الوقت الذي لا يبقى فيه احد غريبا عن أحد فان حاجة جديدة للتمايز تتولد لدى الافراد وعلى حد تعبير توكفيل نفسه (عندما تتساوى الشروط فان ابسط الفروق تكتسب اهمية قصوى، ويصبح الفرد شديد الاعتزاز الى حد الكبرياء بحيازة ما لا يحوزه الآخرون حتى وان كان ما بحوزته عديم الاهمية)، وهو ما يعني ان الديمقراطية في الوقت الذي تؤسس فيه للمساواة بين الافراد فانها تتيح للافراد ان يكتشفوا تفردهم ايضا، فالديمقراطية ليست تلك المحدلة الجبارة التي من شأنها ان تعمل على تسوية تضاريس الخصائص القومية والطائفية للافراد بل تعمل على ان يكتشف المجتمع مدى تنوعه. وفي بلد مثل العراق ليس من ثمة اختلاف على ان الهوية الواحدة المفترض لها أن تسود هي هوية الانتماء للوطن وهو ما يعني تشابها في الكليات لكن زيادة الاصرار المؤسساتي على تصعيد وتفعيل هذه الفوارق الثقافية او اللغوية وحتى الدينية بين الجماعات هي التي أخذت تدفع بالافراد الى البحث عن التمايز شبه المطلق بمعنى الاختلاف في الجزئيات لأهميتها الرمزية والمعنوية، وهو ما سبق ان وضحه عالم النفس النمساوي (سيجموند فرويد) في عشرينيات القرن الماضي عندما قال (عندما تتشابه الاشياء على مستوى العالم الكبير فان الفروق على مستوى العالم الصغير تكتسب اهمية رمزية مكثفة) وهو ما اطلق عليه تعبير (نرجسية الفروق الصغيرة)، ولا شك ان البحث عن هذه الفروق في العراق أخذ في كثير من الأحيان طابعا متطرفاً. صحيح أن القاعدة الديمقراطية تفترض توفير مساحة حركية واسعة تمنح الافراد الحرية في ممارسة حقوقهم الثقافية والدينية مشفوعة بحقيقة الاعتراف بتوجهات الآخرين العقائدية والسياسية والثقافية حيث اثبتت الايام فشل سياسات الاستئصال والتشويه وتجفيف المنابع اذ ليس في وسع احد ان يمحو الآخر او ينفيه، والدولة الديمقراطية التي تسعى لاكتساب المشروعية هي الدولة التعاقدية التي ينبثق العقد فيها عن اتفاق بين السلطة وجميع أطياف المجتمع وليس طائفة بعينها وان تتسع لاستيعاب الخصائص المختلفة لكل الجماعات مع احترامها حتى تتجنب الشعور بالغبن السياسي وحتى يتوفر لهم الاطمئنان في الانتقال الى الدائرة الكبرى دون الشعور بان هذا الامر تم بصورة قسرية او انهم فقدوا هويتهم الصغرى مع الايمان بحقيقة أنه بمرور الزمن وبناء مؤسسات دستورية وسياسية قوية ستنسحب السلطة رويدا من القيد الطائفي وتصبح بمعية هذه المؤسسات التي تتولى ادارة المجتمع والدولة بشكل متوازن دون ان تنظر للطائفية كمرجعية في اتخاذ القرارات الا أن ما جرى في العراق وما زال هو النظر الى الطائفية باعتبارها الضمان الدائم لتحقيق تمثيل سياسي واجتماعي منصف بالنسبة لجميع الفئات الاجتماعية والتغاضي السياسي عن فكرة بناء مؤسسات دستورية قوية تتجاوز هذه الأطر المذهبية والاثنية، بل ازداد الأمر سوءا انه مع كل يوم يمر يتضاعف الشعور النرجسي لدى السياسيين بأهمية تأكيد الفروق الصغيرة الموجودة بين التكوينات الاجتماعية مثل ابداء اقتراحات على شكل اعادة التوازن الى مؤسسات الدولة احتراما للمعادلة المذهبية التي يتكون منها المجتمع أو التفكير في تبني اطروحات خارجية تدعو الى بناء كانتونات في المناطق التي تعاني من خليط مذهبي كحل أخير للأزمة العراقية أو الحرص الشديد على تطبيق الاتحادية التي تعكس مغالاة في الصلاحيات الداخلية تصل الى مستوى التفكيك وليس تكوين اتحاد عراقي، وبدلا من أن يكون احترام الفروق مدخلا لبناء الدولة الديمقراطية وصولا الى بناء الهوية الكلية أصبح التشبث بهذه الفروق هو المدخل لاغتيال الهوية الوطنية واغتيال الجهود الحقيقية لبناء مشروع سياسي تعايشي ديمقراطي.

المصدر/  - الفيحاء

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*  ملاحظة/  لا يتبنى الموقع جميع الآراء ووجهات النظر الواردة في المقالات المنشورة .