الثورة الحسينية دروس وعبر


 

 حبيب النايف   

 

مـوقـع الإمــام الشــيرازي

5/المحرم الحرام/1429

تعتبر الثورات عبر التاريخ دروس وعبر للأجيال التي لم تعاصرها وإنما اتخذت منها دليل لعملها بالمستقبل بعد أن أحست أن ما قام به هؤلاء الثوار جدير بالاهتمام لما له من أثر في التوعية للوقوف بوجه الظلم والطغيان, وعدم فسح المجال لصناعة الطغاة من جديد لأن تنامي الوعي يجعلها مستعدة للنهوض بدورها الطليعي واستقبال الأفكار التي تدعو للثورة والتحرر والاطلاع على التضحيات التي سطرها الناس العظماء واختطوها بدمائهم.  

إن الثورة الحسينية وما تحمله من دلالات فإنها تبقى خالدة في ضمائر الناس ومركز إلهام لهم بعد أن دكت عروش الطغاة وما كانوا يمثلون من  قيم التخلف والانحطاط, والاستهانة بعواطف المواطنين, وشراء الذمم والتعامل معها لتمرير السياسة المنحرفة التي سلكوها لغرض تحقيق أهداف مشبوهة والتي صار لبعض الوعاظ والمحدثين دور مفضوح في إيصالها من خلال نسج الأكاذيب, وتأويل الأحداث والتعامل معها على أساس الواقع المعاش وتصويرها بالطريقة التي تحرفها كما سعت إلى استغلال الوجوه الاجتماعية التي لها ثقل بين قبائلها وجذبها إلى جانبه, واعتماد سياسة التجويع والمضايقة الاقتصادية وخاصة بالنسبة للناس الذين يعارضون نظام الحكم من أجل التأثير عليهم وجعلهم تابعين له بعد أن تم حرمانهم من مصدر رزقهم الوحيد الذي هم بحاجة إليه لكن كل هذه السبل لم تجدي نفعاً بعد إحساس الناس بالجور والاضطهاد وإن خانة الظلم قد أخذت تتسع لتشمل كافة الشرائح المسحوقة وتكوين طبقة مترفة تتحكم بمصائر الأكثرية من خلال تمتعها بكافة الامتيازات ووسائل السلطة لذلك التجأت إلى صوت الحق الهادر الذي انطلق من بيت النبوة وسار بكل قوة للإمام ناشداً إحقاق الحق ونصرة المظلوم حيث أعلن بكل أمانة وثقة بأنه لا يريد أية مجد شخصي أو شهرة أو سلطة وذلك انطلاقاً من مبدأ الإمام علي (عليه السلام) عندما قال وهو يتصدى للأعداء "اللهم إنك تعلم انه لم يكن الذي كان منا منافسة في سلطان ولا التماس شيء من هول الحطام لكن لنرد المعالم من دينك ونظهر الإصلاح في بلادك وتقام المعطلة من حدودك فـ يأمن المظلوم من عبادك" لذلك انطلق الإمام الحسين (ع) من هذا المبدأ الذي فتح له الباب واسعاً لقيادة الثورة والتوجه بها نحو آفاقها الواسعة بعد أن أدرك بأن ما قام به الحكام لا يمكن السكوت عنه فاندفع يقود الأمة نحو غدها الأفضل الذي أراد له أن يتحقق لكن قوة الطغاة وبطشهم أقوى من ذلك بسبب امتلاكهم وسائل القتل والإبادة والتدمير.. لقد أعلن حينما خرج للقتال: "لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً .. إنما خرجت لأطلب الإصلاح في أمة جدي رسول الله (ص)"  

ومن هذا المنطلق أعلن الثورة وحشد لها الطاقات والإمكانيات المتوفرة وتهيئة الناس لذلك مما دعاهم من الالتفاف حوله بعد أن عانوا الويلات من حكومة مستبدة وزعت الغنائم والمناصب بين أفرادها ولم تعطي لهؤلاء الفقراء والمساكين والذين سحقتهم بكل قوة ودفعت بهم الى فقر مدقع ليعلنوا وقوفهم مع الحق مضحين بأرواحهم معلنين دعمهم للإمام الحسين (ع) في مهمته الشاقة والعسيرة بعد أن تبينت رجحان كفة يزيد وعصابته لكنه قبلوا التحدي واستمروا في مسيرتهم والانطلاق من المدينة باتجاه العراق التي اعتبروها عاصمة للدولة المرتقبة .

إن الثورة الحسينية بإعلانها التحدي قد أسست لحالة لم تكن موجودة سابقة, وهي عدم السكوت على الظلم والوقوف بوجهه مهما كلف الثمن مما جعلها تصبح قاعدة لكل الثائرين بالعالم ينتهلوا من دروسها وعبرها حيث نرى الزعيم الهندي غاندي يأخذ عن الإمام الحسين (ع) مبادئه الثورية وتحديه للطغاة ليعلن على انقضاضه على المحتلين بالهند بعد أن كيف هذه المبادئ وفق الطريقة التي رآها تتلاءم مع وضع بلده وضر وفها الخاصة وكذلك الثائر جيفارا الذي نشر مبادئ الديمقراطية في أمريكا الجنوبية وأصبح نموذجاً للشباب الثائر في العالم هو امتداد للمبادئ التي اختطها الإمام الحسين بثورته بالرغم من الفارق الزمني بينهما والاختلاف العقائدي وطبيعة النضال الذي تم سلوكه لكن الرابط بينهما هو الثورة  على الوضع الراهن, ورفض الذل والعبودية, وتنوير الجماهير بالمبادئ والأفكار التحررية بالرغم انه كل منهما قد طرحها بطريقته الخاصة لكن في النهاية تنصب بمحصلة واحدة لتقرب المسافات بينهما وتتلاقى الخطى باتجاه طريق واحد هو تغيير الأوضاع الراهنة لغرض إقامة حكومة عادلة تأخذ على عاتقها توفير الأمن والأمان للجماهير والتعامل معها كقوة يمكن الاعتماد عليها في إقامة حكمها العادل الذي يتمثل:

1) القضاء على الانحراف التي سارت عليه الحكومات الديكتاتورية وإقامة حكومة  شعبية مستمدة قوتها من حكم القانون.

2) توزيع عادل للثروات بين الناس وعدم تفضيل فئة على أخرى إلا بالعمل الجيد.

3) تحريك الوعي لدى الجماهير وايقاضها من سباتها العميق بعد سيطرة الحكومات الظالمة لتأخذ بزمام الأمور من أجل قيادة نفسها.

4) إن ما جاء به الإمام الحسين يدفعنا للتلاحم والتكاتف والتعامل مع الأمور بمنظور أخلاقي واجتماعي نتحمل من خلاله دورنا في النضال ضد قوى الإرهاب والشر من أجل القضاء عليها لإقامة مجتمع آمن وعادل يتم الوصول فيه للأهداف المرجوة .

5) الاستفادة من المنابر الحسينية لغرض التوعية والتوجيه لخط الحسين ومبادئه الثورية, والتعامل مع الواقع وفق نظرة مستقبلية تؤكد على الالتزام ونبذ حالات التطرف والتأكيد على التعايش السلمي بين الطوائف واحترام الآخر والتأكيد على كل ما يؤدي إلى تقدم البلد وتطوره

6) عدم الانجرار وراء الدعوات التي تحرض على قتل الآخرين أو إقصاءهم لاختلاف في المذهب أو العقيدة أو الدين أو الجنس أو العنصر وغيرها من الأمور التي تعمل على تفريق البلد وجعله يعيش في دوامة الحرب الأهلية التي بدورها سوف تؤدي بأن يخرج الجميع خاسرين لا يوجد فيها منتصر سوى الأعداء .

إن هذه المبادئ التي بقت خالدة واستطاعت على مدى أكثر من ألف سنة أن تظل متقدة وأكدت على انتصار الدم على السيف وانتصار المظلوم على الظالم وانتصار المبادئ والقيم على التخلف والفوضى تؤكد بأن الحق لابد أن ينتصر مهما تجبر الطغاة واستعملوا وسائل البطش والقتل فإنه سوف يأتي اليوم الذي تسطع فيه الشمس لترسل أشعتها في كل الاتجاهات .