![]() |
|
المناهج والمنهجية- مدخل ومقاربة في "البحث العلمي" واستحقاقاته/2
"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"
د.هيثم الحلي الحسيني
الحلقة الثانية مدخل ومقاربة في "البحث العلمي" واستحقاقاته
أما كلمة "العلمي" فهي مفردة تنسب إلى العلم، والعلم معناه المعرفة والدراية وإدراك الحقائق، والعلم يعني أيضاً الإحاطة والإلمام بالحقائق، وكل ما يتصل بها. ولأجل استيضاح المعنى, يتطلب مداخلة في "العلم" , مفهومه, وظائفه وأهدافه. مفهوم "العلم" ونطاقه يعرف العلم بأنه وصف الأشياء بما هي عليه من شكل ومضمون, وإن ثمار العلم هي القوانين. ولغوياً تعني كلمة العلم Science، إدراك الشيء بحقيقته، وهو اليقين والمعرفة. والعلم يعني اصطلاحاً، مجموعة الحقائق والوقائع والنظريات والمناهج العلمية [1]. كما يعرف العلم بأنه "نسق المعارف العلمية المتراكمة أو هو مجموعة المبادئ والقواعد التي تشرح بعض الظواهر والعلاقات القائمة بينها". وإن العِلْـم بالمفهوم الشامل للكلمة، هو كل نوع من المعارف أو التطبيقات, وهو مجموع مسائل وأصول كليّة تدور حول موضوع أو ظاهرة محددة وتعالج بمنهج معين وينتهي إلى النظريات والقوانين. والعلم أيضاً هو "الإعتقاد الجازم المطابق للواقع, وحصول صورة الشيء في العقل". فيخلص من ذلك "أن العلم هو مبدأ المعرفة، وعكسه الجَهـْلُ", أو هو "إدراك الشيءِ على ما هو عليه إدراكاً جازماً", ليشمل هذا المصطلح، في إستعماله العام أو التاريخي، مجالات متنوعة للمعرفة، ذات مناهج مختلفة مثل مجالات علوم الدين والعلوم الإنسانية الاجتماعية وعلوم الطبيعة أو العلوم الصرفة وعلوم اللغة وعلم الجمال "الفن".
يضطلع العلم بوظيفة أساسية, تتمثل في اكتشاف وفهم قوانين الطبيعة والتعاطي معها, وزيادة قدرة الإنسان على تفسير الأحداث والظواهر والتنبؤ بها وضبطها, ودراسة السلوكيات البشرية والعلاقات الاجتماعية, أما أهدافه فيمكن حصرها بالتالي:
1. الاكتشاف والتعبير وتتمثل هذه الوظيفة للعلم, في اكتشاف القوانين العلمية العامة والشاملة للظواهر والأحداث المتشابهة والمترابطة والمتناسقة, عن طريق ملاحظة ورصد الأحداث والظواهر وتصنيفها وتحليلها, ووضع الفرضيات العلمية المختلفة لها، وإجراء عمليات التجريب العلمي, للوصول إلى قوانين علمية موضوعية عامة وشاملة, تفسر هذا التنوع والوقائع والأحداث.
بمعنى أن العلم يساعد على التنبؤ الصحيح لسير الأحداث والظواهر الطبيعية وغير الطبيعية, المنظمة بالقوانين العلمية المكتشفة، مثل التوقع والتنبؤ لأوقات التغييرات الفلكية والمناخية, كما يشمل التنبوء بمستقبل تقلبات الرأي العام سياسياً واجتماعياً, إلى غير ذلك من الحالات التي يمكن التنبؤ العلمي بمستقبلها, وذلك بغرض اتخاذ الاحتياطات اللازمة لمواجهتها. ولا يقصد بالتنبوء العلمي، التخمين أو التكهن بمعرفة المستقبل، انما هو القدرة على توقع ما قد يحدث إذا سارت الظروف سيراً معيناً، من خلال رصد المراحل الزمنية السابقة, ومراقبة التغييرات والأحداث فيها, برسم الخطوط البيانية لسلوكياتها وعلاقاتها, وبالتالي إسقاطها على الأحداث والمراحل الزمنية اللاحقة, ويجري ذلك يدوياً أو بالأتمة الطوعية آلياً. وعادة لا تكون التنبؤات العلمية على نفس الدقة في جميع مجالات العلم، ففي العلوم الطبيعية، تكون أكثر دقة منها في مجالات العلوم السلوكية والمعرفة الاجتماعية والإنسانية.
يساهم العلم في عملية الضبط والتحكم في الظواهر والأحداث والوقائع والأمور البيئية والطبيعية والمجتمعية, بغرض محاولة السيطرة عليها وتوجيهها التوجيه المطلوب، واستغلال النتائج لخدمة الإنسانية، وبذلك تمكن الإنسان بفضل العلم من التحكم والضبط في مسارات الموانع الطبيعية واستغلال ذلك لخدمة البشرية. وتشمل هذه الأهداف أيضاً القدرة على التحكم في السلوكيات البشرية, وضبطها وتوجيهها نحو الخير من خلال موضوعة أنسنة العلم وأخلاقياته، وكذلك الولوج الى الفضاء الخارجي واستغلاله لخدمة الإنسانية جمعاء[2].
قراءة في مفهوم البحث العلمي من خلال تحليل مفهومي المفردتين "البحث" و"العلم", التي يتشكل منهما مصطلح "البحث العلمي" والذي يعبر عنه في الإنجليزية Scientific Research، بالترجمة الحرفية للمصطلح عن اليونانية القديمة "الهيلينية الإغريقية", فقد استخدم المصطلح بهذا المفهوم, ليعني عملية تقصي منظمة, باتباع أساليب ومناهج علمية محددة للحقائق العلمية, بغرض التأكد من صحتها وتعديلها أو إضافة الجديد لها. ويعريف البحث العلمي بأنه وسيلة للاستعلام والاستقصاء المنظم والدقيق, يقوم به الباحث بغرض اكتشاف معلومات أو علاقات جديدة, بالإضافة إلى تطوير أو تصحيح المعلومات الموجودة فعلاً، على أن يتبع في هذا الفحص والاستعلام الدقيق، خطوات المنهج العلمي، واختيار الطريقة والأدوات اللازمة للبحث وجمع البيانات والمعلومات الواردة في العرض, بحجج وأدلة وبراهين ومصادر كافية. وإن البحث العلمي هو عرض مفصل, أو دراسة متعمقة, تمثل كشفاً لحقيقة جديدة, أو التأكيد على حقيقة قديمة سبق بحثها، وإضافة شيء جديد لها، أو حل لمشكلة كان قد تعهد بها شخص باحث بتقصيها وكشفها وحلها. ويمكن القول إن البحث العلمي هو نشاط علمي منظم، وطريقة في التفكير, واستقصاء دقيق, يهدف إلى اكتشاف الحقائق معتمداً على مناهج موضوعية, من أجل معرفة الترابط بين هذه الحقائق, واستخلاص المبادئ العامة والقوانين التفسيرية لها. ويستنتج من ذلك أن البحث العلمي يثير الوعي، ويوجه الأنظار إلى المشكلة المراد دراستها أو معالجتها بحثياً، وهو مجموع الطرق الموصلة إلى المعرفة الحقيقية. وفي العادة يطلق إسم "الباحث" على الشخص الذي يبحث عن الحقيقة العلمية، ويعتمد البحث العلمي على مناهج متعددة, تمثل المسلك والطريقة في التفكير ضمن دالة البحث العلمي. وقد تختلف التعريفات التي تُعبر عن "البحث العلمي"، وتتشكل باختلاف أهداف ومجالات وأدوات ومناهج "البحث العلمي", التي تظهر جلياً في تناول العديد من الباحثين والمتخصصين لمفهوم البحث العلمي، حيث تختلف مداخلهم وتتباين اتجاهاتهم، وفقاً للزاوية الخاصة التي ينظروا بها الى المفهوم, وحسب ميولهم أو قناعتهم العلمية, لكنها تلتقي جميعاً حول التأكيد على إن البحث العلمي ينصرف لدراسة مشكلة ما بقصد حلها, وفقاً لقواعد علمية دقيقة, وهذا يعطي نوعاً من الوحدة بين البحوث العلمية, رغم اختلاف أغراضها وأهدافها, وتعدد وتنوع مجالاتها وتخصصاتها ونطاق الدراسة فيها. ويمكن رسم المشترك العام في الرؤى المختلفة لمفهوم البحث العلمي, في مقاربته بأنه حزمة من الطرائق والسياقات المنظمة والمتكاملة, تستخدم في ترتيب وتحليل وفحص معلومات قائمة ومجمعة, بهدف التوصل إلى نتائج جديدة، وهذه الطرائق تختلف باختلاف أهداف البحث العلمي ووظائفه وخصائصه وأساليبه.
الأهداف العامة للبحث العلمي يتخطى الهدف الرئيس لأي بحث علمي مجرد وصف المشكلة أو الظاهرة موضوع البحث, ليشمل فهمها وتفسيرها وتفكيكها وتحليلها, وذلك بالتعرف على مكانها من الإطار الكلي للعلاقات المنظمة التي تنتمي إليها، وصياغة التعميمات التي تفسر الظواهر المختلفة الملامسة لها والمؤثرة فيها, ثم التوصل الى استنتاجات منطقية استنباطية أو علمية استقرائية تجريبية, بهدف أن يخلص البحث العلمي الى توصيات ومقترحات محددة، لتجعل من البحث مشروعاً أصيلاً قيماً، ملبياً لحاجة علمية إنسانية ومجتمعية, وخاصة تلك التي تصل إلى درجة من الشمول, ترفعها إلى مرتبة القوانين العلمية والنظريات. كما أن أقصى أهداف البحث العلمي هو إمكانية "الضبط", وهو ليس ممكناً في جميع الحالات، فمثلاً في دراسة الظواهر التي تتطلب الوصف والتجربة، ومعرفة العوامل المؤدية إليها وتفسيرها، يمكن التنبوء باحتمال وقوع الظاهرة، إذا توصلنا إلى معرفة علمية دقيقة لها، ولكن لا يمكن ضبطه أو التحكم فيه، لأن عملية الضبط في مثل هذا المجال تتطلب التحكم في المدارات الفلكية المؤثرة في تلك الظاهرة، وهذا يخرج عن نطاق قدرة الإنسان، مهما بلغ من العلم والمعرفة أو الدقة في البحث، ولكن في المقابل هناك بعض الظواهر التي يمكن ضبطها والتحكم فيها بدرجة معقولة، ومثال ذلك، القدرة على محاربة بعض الظواهر الاجتماعية السلبية، أو التغلب على الاضطرابات الاجتماعية التي تضعف البناء الاجتماعي, أو التهيئة لاتخاذ التدابير المناسبة للتحوط وتدارك الأثر المتوقع عن وقوع تلك الظواهر القاهرة. وفي هذا المجال فإن الباحث في الجوانب النظرية يختلف عن الباحث التطبيقي التجريبي، من خلال اتباع المنهج العلمي المطلوب لكل منها, حيث أن الأول لا يقتنع بنتائجه حتى يزول عنها كل شك مقبول، وتصل درجة احتمال الصدق فيها إلى أقصى درجة، أما الثاني فيكتفي بأقصى درجات الاحتمال في نتائجه البحثية.
البحث العلمي والأسلوب العلمي البحث العلمي هو الوسيلة التي يمكن بواسطتها الوصول إلى حلِّ مشكلة محددة، أو اكتشاف حقائق جديدة عن طريق المعلومات الدقيقة، وبذلك فهو الطريقة الوحيدة للمعرفة حول العالم، فالبحث العلمي يعتمد على الطريقة العلمية، والطريقة العلمية تعتمد على الأساليب المنظمة الموضوعة في الملاحظة وتسجيل المعلومات ووصف الأحداث وتكوين الفرضيات, فهي خطوات منظمة تهدف إلى الاكتشاف وترجمة الحقائق, وهذا ينتج عنه فهم للأهداف والاتجاهات والنظريات, ويعمل على وجود علم تطبيقي من خلال القوانين والنظريات. يعتمد الأسلوب العلمي بالأساس على الاستقراء, الذي يختلف عن الاستنباط والقياس المنطقي، كونه يعتمد على دراسة الظاهرة أو قضية البحث بأسلوب الوصف والتجربة, وليس ذلك يعني أن الأسلوب العلمي يغفل أهمية القياس المنطقي، ولكنه حين يصل إلى قوانين عامة يستعمل الاستنباط والقياس في تطبيقها على الجزئيات للتثبت من صحتها. أي إن الباحث النظري, الذي يستخدم عادة أسلوب الاستنباط المنطقي, يبدأ بالجزئيات ليستمد منها القوانين، في حين أن الباحث التطبيقي يبدأ بقضايا عامة كلية ليتوصل منها إلى الحقائق الجزئية, أي يستعمل التفسير التطبيقي الذي يتمثل في تحقيق "تفشي" ظاهرة خاصة من نظرية أو قانون أو ظاهرة عامة، كما يستخدم الطريقة الاستنتاجية التي تتمثل في استخلاص قانون أو نظرية أو ظاهرة عامة من مجموعة ظواهر خاصة. ومهما يكن، فإن الأسلوب العلمي يتضمن عمليتين مترابطتين هما الملاحظة، والوصف، فإذا كان العلم يرمي إلى التعبير عن العلاقات القائمة بين الظواهر المختلفة، فهذا التعبير في أساسه وصفي، وإذا كان هذا التعبير يمثل الوقائع المرتبطة بالظاهرة، فلا بد أن يعتمد على الملاحظة. ويتميز الوصف العلمي، في أنه لا يعتمد على البلاغة اللغوية، وإنما هو بالأساس وصف كمي، ذلك أن الباحث عندما يقيس النواحي المختلفة في ظاهرة أو أكثر، فإن هذا القياس ليس إلا وصفاً كمياً، يقوم على الوسائل الإحصائية في اختزال مجموعة كبيرة من البيانات إلى مجموعة بسيطة من الأرقام والمصطلحات الإحصائية. أما الملاحظة العلمية، فهي الملاحظة التي تستعين بالمقاييس المختلفة، وتقوم على أساس ترتيب الظروف ترتيباً مقصوداً ومعيناً، بحيث يمكن ملاحظتها بطريقة موضوعية، والملاحظة تتميز بالتكرار، وللتكرار أهمية كبيرة من حيث الدقة العلمية، فهو يساعد على تحديد العناصر الأساسية في الموقف المطلوب دراسته، وتحرك العناصر التي تكون وليدة الصدفة، كما أن التكرار يظل ضرورياً للتأكد من صحة الملاحظة، فقد يخطأ الباحث نتيجة الصدفة أو لتدخل العوامل الذاتية، مثل الأخطاء التي تنجم عن الاختلاف في دقة الحواس والصفات الذاتية للباحث، كالمثابرة وقوة الملاحظ و التمييز بين المصطلحات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك هو الفرق بين الوصف الفيزيائي للظاهرة والتعبير الرياضي لنفس الظاهرة, حيث يعتمد الأخير على العلاقات الرياضية والإحصائية في التعبير عن الظاهرة واستنتاج خواصها ونتائجها, في حين يذهب الأول الى التفسير والوصف والبرهان الاستقرائي, برغم أن كليهما يصل الى نفس الاستنتاج, غير أن الأول يعبر عنه بالقيم الكمية، والثاني بالقيم الكيفية, فضلاً عن الفيزياوي يستخدم الوسيلة اللغوية الوصفية او التعبيرية في الإثبات والبرهان والإقناع, ولذا يقال عن الرياضيات في أدبيات الفلسفة اليونانية الهيلينية والثقافة العربية الإسلامية, إنها العلم الوحيد الذي يستخدم المنطق بشكل مطلق, وتكون علاقاته وقوانينه مطلقة, وذلك ما يعبر عنه بالمنطق الرياضي, لأن البرهان من أقسامه الرئيسة, برغم أن ذلك نسبياً الى حد ما. وعليه يفهم من تعريف العلم وقراءة الأسلوب العلمي, إنه في طبيعته "طريقة تفكير وطريقة بحث, أكثر مما هو طائفة من القوانين الثابتة", وهو منهج أكثر مما هو مادة للبحث, فهو منهج لبحث كل العالم الكوني المتأثر بتجربة الإنسان وخبرته في اعتماد البحث العلمي.
البحث العلمي والتماهي بين العلم والمعرفة تتحدد المعرفة بأنها مجموعة من المعاني والمفاهيم والمعتقدات والأحكام والتصورات الفكرية التي تتكون لدى الإنسان نتيجة لمحاولاته المتكررة لفهم الظواهر والأشياء المحيطة به[3], إن التمييز بين العلم بمفهومه التخصصي والمعرفة بمفهومها الإنساني, وكذلك ما بين العلم بدالته النخبوية وبين العمل التطبيقي به بدالته المجتمعية, هو من الاهتمامات الرائدة في البحث العلمي, فالباحث يتوجه في البحث والدراسة إلى تناول جانب المعرفة التي تشترك مع العلم في دقته وافاقه الرحبة, وإسقاطاته الإنسانية والمجتمعية. إن العناية بالعلم بحثاً واستقصاء وتخصصاً وكشفاً، إنما يصب في النتيجة في إطار المعرفة بمعناها الشامل, كما أن تبسيط العلم وإدخال مفاهيمه ومناهجه ومعلوماته إلى حياة الأفراد والمجتمع, هو جانب من جوانب نشر المعرفة العلمية، وإرساء للتوازن ما بين العلم والعمل به أو الجانب التطبيقي له, أو ما بين العلم والمعرفة الشاملة. إن نقل العلم أو نتائجه التطبيقية, لن تحقق المعرفة المرجوة منها, ما لم يجري البناء الحضاري للفرد والمجتمع وفق القوانين التي تحكم حريتهما بوعي وإدراك، أي ما لم تنبع هذه المعارف من داخل المجتمع وتصبح جزءاً من كيانه الفكري ومنسجمة مع تطلعاته ومنعكسة في سلوكه، وهذا يعتمد على المشاركة الواسعة من مختلف القوى العلمية، وكافة عناصر المجتمع العلمي. كما يعتمد ذلك على الإيمان بأن حقائق العلم ليست أبدية وثابتة سرمدية, وإن بالإمكان على الدوام مناقشتها والإتيان بالجديد فيها أو تطويرها وتعديلها, وبالتالي على رفض الرؤية الظلامية الغيبية, الطاردة للتنوير والانفتاح على العلم, ومن ثم التعامل مع الطبيعة والحياة, في موقف التفهم المباشر والعقلية المنهجية المنفتحة على سائر مساحات المعرفة العلمية. إن البحث العلمي مؤهل بامتياز, لأن يضطلع بهذا الدور الريادي الإنساني المجتمعي, من خلال خدماته البحثية العلمية وأنشطته المختلفة وتلامسها بالمجتمع, كما أن البحث العلمي يتيح للباحث الاعتماد على نفسه في اكتساب المعلومة، ويسمح له بالاطلاع على مختلف المناهج واختيار الأفضل منها, فضلاً عن الانفتاح على تجارب الآخرين, والبدء من حيث انتهوا إليه, ويجعل من الباحث شخصيةً مختلفة من حيث التفكير والسلوك والانضباط والحركة, بما يعزز دوره المجتمعي, ويدعم فرص نجاحه في مهمته الانسانية. إن المعرفة العلمية, جزء من المعرفة برؤيتها الشاملة, ويتم تداول عناوين مختلفة من المعارف, ويجرى إدراجها ضمن فئات معينة وقد شابها نوع من الاختلاف بين المفكرين, وإن هذا الاختلاف يعود بالدرجة الأولى إلى المدرسة الفكرية التي ينتمي إليها المفكّر أو المنظّر في العنوان المعرفي بذاته. وقد طرح "فوكو" مفهوم المعرفة "EPISTEME" باعتبارها شبكة مفهومية تتضمن كل الأنماط المعرفية في حقبة زمنية معينة[4], وقد اصطلح على هذا المفهوم بالفلسفة المعرفية الجامعة أو فلسفة المعرفة الشاملة "الإبستيميلوجيا"[5]. إن المرحلة الأولى في الوظيفة المعرفية, هي اكتشاف المعرفة العلمية من خلال خدمات البحث العلمي وما يتصل بها, ومن ثم تدخل مرحلة نقل المعرفة العلمية ومرحلة نشر المعرفة العلمية, التي تتولاها مؤسسات التعليم ووسائل الثقافة والإعلام, وبذلك يمكن القول إن البحث العلمي هو الماكنة التي تنتج "العلم". ومن هذا المنطلق ستتولى هذه الدراسة بحلاقاتها اللاحقة تناول البحث العلمي للتعرف على أشكاله, ومناقشة كافة عناصره ضمن الحلقات اللاحقة, وفق مقاربته, بأنه عملية فكرية منظمة يقوم بها أول "عناصر البحث" وهو "الباحث", من أجل تقصي الحقائق في شأن مسألة أو مشكلة معينة تسمى "موضوع البحث", من أجل معالجة لمشكلة ملحة تسمى "معضلة البحث", باتباع طريقة علمية منظمة في التفكير تسمى "منهج البحث", وبتنقيب وجمع مرتب ومبرمج للمادة العلمية ومعطياتها التي تسمى "معلومات البحث", يجري ترتيبها وتنسيقها بشكل منظم وبتسلسل منطقي يسمى "منهجية البحث", بغية الوصول إلى حلول ملائمة للعلاج, أو إلى نتائج صالحة للتعميم على المشكلات المماثلة تسمى "نتائج البحث".
أنواع البحث العلمي 1. البحث العلمي النظري يقوم به الباحث من أجل إشباع حاجته للمعرفة, أو من أجل توضيح غموض يحيط بالظاهرة دون النظر إلى تطبيق النتائج في المجال العملي, مثل البحث في الرياضيات, الذي قد لا يؤدي إلى نتيجة عملية مباشرة, لكنه يفتح آفاقاً بحثية أخرى. إن البحث النظري يلقي الضوء على الأوضاع القائمة ومتطلباتها، ويعتبر أساساً نظرياً تقوم عليه البحوث التطبيقية في ميادين عدة.
يقوم به الباحث بهدف إيجاد حل لمشكلة قائمة أو التوصل إلى علاج لموقف معين, يبدأ عادة بمشكلة تستوجب الحل ويحصر اهتمامه في البحث عن علاج لتلك المشكلة. يعتمد هذا النوع من البحوث على التجارب المخبرية في دراسات ميدانية للتأكد من إمكانية تطبيق النتائج في الواقع.
1. التجربة والخطأ يستشهد فيه الباحث بأفعال وآراء الماضي, قد تكون بعض تلك الآراء خاطئة إلا أنها من القوة بحيث تصبح وجهة نظر تقليدية, ويغلب هذا الأسلوب في السياسة والاقتصاد. 3. التكهن والجدل يبحث الباحث فيها عن الحقائق من خلال المناظرات, ويعتمد على الجدل والمنطق في بلورة الحقائق, ومثال على ذلك البحوث التي تثير الجدل في حقول السياسة الاقتصادية أو الآراء الفقهية ونقض النظريات السائدة، والخلاف العقائدي والرؤية الكونية والاجتماعية والنفسية. 4. الطريقة العلمية. وهي شائعة الاستخدام في العلوم الطبيعية, تقوم بشكل رئيسي على إجراء التجارب, بحيث يضع الباحث فرضية، ويجمع لها البيانات, حتى يخلص إلى نتيجة تؤدي الى أو تنفي الفرضية.
اشتراطات الأسلوب العلمي في البحث وهي التزام البحث في المقاييس العلمية الدقيقة، بإدراج الحقائق والوقائع التي تدعمه، وكذلك الحقائق التي تتقاطع مع منطلقاته وتصوراته، فالنتيجة يجب أن تكون منطقية ومنسجمة مع الواقع ولا تناقضه، وعلى الباحث أن يتقبل ذلك ويعترف بالنتائج المستخلصة, حتى ولو كانت لا تتطابق مع التوقعات أو الرغبات. 2. توخي الهدف والغاية ويقصد بذلك، أن الباحث عندما يقوم بدراسة مشكلة أو موضوع معين، ويبحث عن حل لها، يجب أن يتحدد بغاية البحث, للتوصل إلى النتائج المطلوبة لحل هذه المشكلة، وإلا فقدت الدراسة قيمتها العلمية وجدواها. 3. الاعتماد على القواعد العلمية يتعين على الباحث الالتزام بتبني الأسلوب العلمي في البحث من خلال احترام جميع القواعد العلمية المطلوبة لدراسة كل موضوع، حيث إن تجاهل أو إغفال أي عنصر من عناصر البحث العلمي، يقود إلى نتائج خاطئة أو مخالفة للواقع, وإن عدم استكمال الشروط العلمية المتعارف عليها في هذا الميدان، يحول دون حصول الباحث على النتائج العلمية المرجوة. 4. الانفتاح الفكري يتعين على الباحث الحرص على التمسك بالروح العلمية والتطلع دائماً إلى معرفة الحقيقة فقط، والابتعاد قدر الإمكان عن التزمت والتشبث بالرؤية الأحادية المتعلقة بالنتائج التي توصل إليها من خلال دراسته للمشكلة، ويجب أن يكون ذهن الباحث منفتحاً على كل تغيير في النتائج المحصول عليها والاعتراف بها. 5. الابتعاد عن إصدار الأحكام النهائية ضرورة التأني وعدم إصدار الأحكام النهائية، بما يطلق عليه بعملية" التصميم المسبق للبحث" إذ يجب أن تصدر الأحكام استناداً إلى البراهين والحجج والحقائق التي تثبت صحة النظريات والاقتراحات الأولية، وضرورة اعتماد الباحث على أدلة كافية قبل إصدار أي حكم أو التحدث عن نتائج تم التوصل إليها.
البحث العلمي و النشاطات الفكرية الأخرى إن المقالات العلمية والتقارير والملخصات والعروض والمقدمات والمحاضرات والدراسات غير المنهجية, وحتى التصانيف والمؤلفات العلمية, وغيرها، تعد نشاطاً فكرياً مهماً, لكنها لا تعد بحثاً علمياً, وهي تتكامل بأهميتها في البناء العلمي والمعرفي مع أشكال البحث العلمي, إذ لا يعد بحثاً تسجيل آراء عدد من الباحثين أو العلماء فيما يتعلق بموضوع ما، إن معرفة آراء الآخرين أو التعريف بها تكون مفيدة حتماً، وهي نشاط فكري, لكنها لا تستوفي شروط البحث العلمي وأغراضه, التي من بينها التوصل الى معرفة جديدة مشروطة بمنهجية البرهنة عليها والتأكد من صحتها. إن ما يميز البحث العلمي عن الأشكال الأخرى من النشاط الفكري الإنساني, هو بتحصله على ثلاثة اعتبارات بحثية, وهي اكتشاف حقيقة جديدة, التمحيص النقدي للبراهين والأدلة المؤدية إلى النتائج التي توصل إليها البحث, وكيفية الاستفادة من الحقائق الجديدة في استخدامها تطبيقياً في الحياة العملية. عليه فإن المقالات العلمية، لا تعد بحثاً بالمعنى الدقيق لهذه المفردة، وذلك لأن غرضها وغايتها, دراسة أو تلخيص لموضوع أو مشكلة قام ببحثها باحث معين، دون اشتراط التقيد بمنهج ومنهجية بحثية علمية. إن المقال التحليلي بهذا المعنى لا يضيف بالضرورة جديداً للمعرفة الإنسانية، فهو يهدف الى تقديم ملخص لمعلومات سبق اكتشافها أو بحث قام به آخرون، ولا يتقيد كاتب المقال بنفس القواعد التي يلتزم بها الباحث لدى كتابة تقرير عن بحثه، كما لا يتوقع من كاتب المقال توثيق جميع بياناته، في حين يلتزم الباحث لدى كتابة تقرير بحثه بالإشارة إلى مصادر معلوماته بدقة ووضوح، حتى يتسنى الرجوع إليها والتأكد من صحتها, مع التواصل العلمي البحثي. إن كاتب المقال يكتفي بعرض ملاحظاته وخبراته، وقد يحلل ويضيف آراءه، ولكن ذلك كله لا يعتبر إضافة علمية جديدة أو إيجاد الحلول لمشكلة بحثية, مع اكتشاف حقائق جديدة. إن المقالات العلمية قد تكتب لمجرد التيسير على الدارسين عند الرغبة في معرفة نتائج بحث ما أو معلومات معينة، ولهذا فإنها تتصف عادة بإثارة التشويق لدى القارئ، وبتقديم الحقائق بطريقة مباشرة ومختصرة، حيث أن المقالة يمكن أن تتسم بالذاتية وتتضمن استنتاجات مبنية على ملاحظة كاتبها، كما أنها تكون أحياناً مدعومة بحقائق متميزة لجانب واحد من الموضوع, مع حضور العامل الشخصي. إن تجميع معلومات وبيانات من وثائق مختلفة, توضح حقيقة تاريخية معينة, مع اتباع المنهج العلمي في تحليلها ودراستها وفق المنهجية البحثية, تعد شكلاً من النشاط البحثي, والذي سيتبعه مرحلة التعميمات المستنبطة عنها.
موجز خطوات البحث العلمي أولاً. تعريف مشكلة البحث, ويكون بتحديد الموضوع, وطرح الأسئلة ضمن الزمان والمكان والأحداث والأشخاص والعلاقات. ثانياً. تجميع المعلومات, من خلال المصادر المكتوبة والميدانية, ومعرفة ما يؤثر فيها من عوامل، أو علاقات تربط بينها وبين غيرها من المتغيرات والأفكار. ثالثاً. تشكيل الفرضيات, وهي تخمين متاثر بنوع الخبرة السابقة بموضوع المشكلة، تتطلب البحث عن علاقة بين متغيرين، أو فكرتين، أو مقولتين. رابعاً. تحليل المعلومات, وهي القياسات, ويكون بالتأكد من صحة الفرضيات باختبارها ومراجعتها وموازنتها . خامساً. استخلاص النتائج ونشرها, وهي التوصل إلى الحل, ويكون بتفسير ومناقشة ما تم التوصل إليه من حلول.
معطيات البيانات والمعلومات واشكالها تعرف المعلومات على أنها البيانات التي تمت معالجتها بحيث أصبحت ذات معنى وباتت مرتبطة بسياق معين. وقد انتقل هذا المفهوم ليستخدم في منظومة الحاسوب بشكل عام, وفي التعريف عن العملية التي تقوم بها مكوناته اللينة soft ware أو البرمجة, ومكوناته المادية, hard ware , فيعبر بالمعالجة processingعن العملية التي تجري في المعالج processor, الذي يشكل الجسم الرئيس والذي يؤدي الدالة الأساس للمنظومة الحاسبة, وهذه العملية هي بمثابة إدخال "للبيانات" في دخل المعالج لتخرج من خرجه بشكل "معلومات" كمخرجات عنه, وعليه فإن المعلومات في لغة الحاسوب يعبر عنها بأنها بمثابة بيانات معالجة, أي أنها بيانات قابلة للفهم والتفسير والقراءة بلغة الحاسوب, لتعبر عن قضايا ودلالات معينة, لم يكن أن تقرأ أو تفسر بصيغة البيانات. ويعبر عن هذا الشكل من المعلومات بـ"المعطيات", وتعبر الأدبيات المعلوماتية عن أشكالها بالمعلومات التطويرية أو النمائية والتثقيفية, المعلومات الإنجازية في المشاريع واتخاذ القرار, المعلومات التعليمية التدريسية, المعلومات الفكرية والنظرية, المعلومات البحثية, المعلومات الأسلوبية النظامية العلمية والاختبارية, المعلومات المحفزة والمساعدة, المعلومات السياسية والرأي العام, و المعلومات التوجيهية. وإن البحث العلمي عادة, يتعامل مع جميع أشكال المعلومات, لكنه لا ينظر لها بتقييم ثابت, وهي مهمة البحث في تحليل المعلومات, وفرز المعلومات البحثية الرصينة, وتقييمها, لتكون النتائج عنها, رصينة وعلى درجة من الوثوقية, ومهمة البحث أيضاً في الوصول الى المعلومات وجمعها وتسجيلها ترتيبها, ووضع الخطة الملائمة لتحقيق ذلك, لتشكل مادة للبحث وبنائه وتأسيسه, وهذا ما ستعالجه الدراسة في الحلقات القادمة.
[1] د. عبد العزيز عثمان التويجري، المنظمة الإسلامية للتربية الثقافة والعلوم , ايسكو ESCO ,2003. [2] عبد الباسط محمد حسن, أصول البحث الاجتماعي ، مكتبة القاهرة, 1971. [3] حامد حمزة حمد الدليمي, منظومة المعرفة البشرية والعقل الكوني, بحث, كلية التربية, جامعة واسط, 2004 .
محمد غلاب, المعرفة عند مفكري
المسلمين ، الدار المصرية للتأليف والترجمة, القاهرة ، 1996. [4] ميشيل فوكو, حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي, الدار البيضاء ، ط2 ، 1986 . [5] المنهج الإبستيمولوجي, مناهج البحث العامة, الحلقة اللاحقة من الدراسة. www.alshirazi.com |