المناهج والمنهجية دور المصادر المكتوبة الورقية والمخزّنة الكترونيا
في بناء القاعدة المعلوماتية للبحث العلمي/4


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

الحلقة الرابعة

 

دور المصادر المكتوبة الورقية والمخزّنة الكترونيا
في بناء القاعدة المعلوماتية للبحث العلمي

 

 أهمية المصادر المكتوبة في جمع المعلومات

تعتبر المصادر والمراجع المكتوبة، واحدة من الطرائق الرئيسة التي يسلكهما الباحث، ويستخدمهما كمرجعيات لأغراض تأمين وجمع قاعدة المعلومات لبنية البحوث العلمية، وتكون بشكل كتب مطبوعة أو مخطوطات أو دوريات أو مجلات أو صحف أو بحوث جامعية أو بحوث ودراسات موثقة أو منشورة, وسائر المصادر المكتوبة الورقية.

ويدخل في هذا المسلك التقارير والدراسات والوثائق والسجلات والاستعارات وأية مطبوعات أو منشورات موثقة، سواء المسجلة على الوسائل التقليدية، أو على الأقراص الإلكترونية المدمجة أو المسطحة أو الليزرية، وكذلك الأدبيات المنشورة في الشبكات المعلوماتية الإلكترونية، المحلية والدولية، من خلال المواقع العلمية والبحثية والأدبية والإعلامية الصحفية والثقافية والتربوية.

إن المدونات أو المصادر والمراجع المكتوبة، أصبحت بحجم كمّي كبير جداً، بسبب انتشار دور الطباعة والنشر التي تدفع سنوياً آلاف أو ملايين الكتب والدوريات وبكافة اللغات، وهذا قد عقّد وصعّب المهمة على الباحث بقدر تيسير المعلومات لبحثه، بحيث أصبح إطلاع الباحث والكاتب على كل ما كتب ونشر حول موضوع بحثه أمراً مستحيلاً، مما يتطلب من الباحثين والطلاب إتقان استخدام المصادر والمراجع المكتوبة وتحديدها وانتقائها وفق معيار دقيق وسط ذلك الحشد المتزايد منها، ويتطلب منهم استظهار الطريق والتماس الوسيلة للوصول إليها بأقصر جهد ووقت، وإدراك المقدرة الشخصية في التعاطي مع الأدوات المتيسرة للحصول عليها، وصولا لمستوى الخبرة والتحسس والفطنة والفراسة في التحصّل على المصدر والمرجع المكتوب، ومهارة الكشف عنه وبيان درجة الاستفادة منه, لجهة القرب والبعد عن موضوع العنوان المحوري المطلوب البحث فيه, أو ما يطلق عليه "موقع المسألة" للبحث.

 

التسجيل والتوثيق التقليدى للمصادر المكتوبة

ويعتبر التصوير على اختلافه الفوتوغرافي والسينمائي والفيديو أو التلفزيوني والفضائي وتحت الماء، مصادر معلوماتية للبحث في تخصصات علمية مختلفة، ميدانية ومكتبية. وكذلك التسجيل الصوتي سواء الإذاعي أو المنجز بتقنيات شخصية, يعد أيضاً من مصادر المعلومات التي يمكن أن تمد الباحث بمادة علمية موثقة, قد يصعب تحصيلها بوسائل أخرى تقليدية كالورقية مثلاً.

إن المعلومات المسجلة على شرائط السينما والفيديو والشرائط الإذاعية, تعتبر مصادر مهمة للمعلومات, سواءا سجلت لأغراض علمية بحنة, أو هي مسجلة كأعمال فنية للإعلام المرئي والمسموع, في المحطات التلفازية أو الإذاعية, لا تخنلف بأهميتها عن الصحافة المقروءة مثلاً, وقد تتفوقها باعتبارها وثيقة مسجلة وشهادة لا غبار عليها يعتد بها في تأصيل البحث. فهي تعد معلومات مكتوبة, مخزنة بالتقانات التقليدية, التي تطورت الى التقانات الإلكترونية في التسجيل والخزن.

إن عمليات الفهرسة والأرشفة والتصنيف، اليدوية منها أو باستخدام المساعدات التقنية الآلية مثل الحاسوب، والتسهيلات التي تقدمها شبكات المعلومات الدولية "العنكبوتية" والمحليةNETS  I.، ستسهّل عمليات الانتقاء وتحديد الأسبقيات واستطلاع المصادر والمراجع المنشورة, ثم الكشف عنها والحصول على ما تحويها من معلومات ووثائق وبيانات ومادة علمية, لتشكل البنية الأساس في القاعدة المعلوماتية للبحث.

 

المصادر المكتوبة و تسهيلات التقانة المعلوماتية

إن الكثير من المؤلفات والمصنفات، فضلاً عن البحوث والدراسات والرسائل العلمية والأطروحات الجامعية وأوراق البحوث والخدمة، المنشورة منها أو الموثقة والمحكّمة، والتي جرى مناقشتها في المؤتمرات العلمية والندوات الحوارية والحلقات النقاشية والمداخلات والآراء الواردة فيها، هي اليوم في متناول الباحث لتشكيل قاعدته المعلوماتية لمشروعه البحثي العلمي، من خلال الأقراص الإلكترونية المدمجة والليزرية، وسائر وسائل الخزن المعلوماتي الإلكتروني, التي يجري تداولها سواء بتسهيلها في المراكز والهيئات والمؤسسات البحثية، أو عرضها في المستوى التجاري، فضلاً عن إمكانية تحميلها في القرص الصلب لمراكز الحاسوب في هذه المراكز.

ويصل حجم المؤلفات والمصنفات المخزّنة في هذه الوسائل والتقنيات من مصادر ومراجع أولية وثانوية إلى الآلاف، كما في أقراص المجمع الفقهي والمجمع العقائدي والمكتبة العالمية الإسلامية مثلا وغيرها، وهي مخزنة بالطباعة الحرفية وليس التصويرية باستنساخ الصفحات، أي إنها تسمح للباحث إجراء سلسلة من عمليات التنقيب المكتبي والبحث في المراجع المخزنة بها، تشمل البحث في اسم المؤلف وعنوان الكتاب والموضوع العلمي وأسماء الأعلام والمواقع والحوادث، وأية مفردة للمسح البحثي، لتدل الباحث إلى المواقع التي يجد فيها ما ينقب فيه ويبحث عنه، بما يختزل عنه الكثير من الجهد والوقت ما لا يمكن تقديره.

كما تحولت الكثير من المكتبات العامة من نظام "الديوي" التقليدي العالمي في التصنيف المكتبي للكتب والمصادر والمراجع إلى أنظمة الخزن في الذاكرة الحاسوبية، وإن الكثير منها تمكّن الباحث من التنقيب والبحث في المصادر والمراجع المتوفرة لديها من خلال الأقراص الليزرية والمضغوطة والمجمعة، التي يجري تيسرها في الجامعات والمراكز العلمية والبحثية، والبعض منها يرتبط مع غيره بحلقة بياناتDATA LINK أو شبكة معلوماتية بيانية محلية I.L.NET، تمكن الباحث من الدخول عليها من موقعه والتنقيب فيها والتقدم بطلب ما يحتاجه من أمانتها، وبعضها نشر كشّافات مكتباته  BIBLIOGRAPHYعلى المواقع الخاصة به في الشبكة الدولية مع إمكانية الدخول عليه من خلال عنوانه  الإلكتروني, كما في مكتبات الإسكندرية أو دمشق أو الكونجرس وغيرها.

وقد خرجت أيضاً موجودات بعض المكتبات العامة الرسمية أو الأهلية والخاصة ومكتبات المراكز العلمية والجامعات، بشكل أقراص مدمجة بعضها جرى توزيعه بشكل محدود على أعلام الشخصيات البحثية آو بعض المراكز العلمية، التي يسرّتها بدورها للباحثين من خلال مراكزها الحاسوبية، ومنها ما يجري تعميمه على المواقع الإلكترونية الخاصة بهذه المراكز بما يسمح في تنزيل وحفظ كامل نصوص الكتب منها.

 

وسائل التخزين"الحفظ" الالكتروني المكتبي

إن الكثيرمن المكتبات التراثية, قد حفظت "خزّنت" ما تحويه خزاناتها من أمهات الكتب والمخطوطات التراثية والنادرة، باسلوب النسخ التصويري، وهي تمكن الباحث التنقيب في عناوين المؤلفين والكتب والمواضيع العلمية، فضلاً عن التصفح الميسر، وإمكانية فحص الصفحة من جميع جوانبها باسلوب قلبها الى الاتجاهات الأربعة وكذلك إمكانية التكبير والتصغير وتفحص جزء من الصفحة، مع إمكانية الشكلين من الخزن والحفظ من نسخها على الورق، فأصبح بمقدور المحقق إنجاز عمله دون اضطراره لتحمّل عناء الأسفار الطويلة للحصول على المخطوطة أو الكتاب النادر التي يبحث عنها[1].

أما مواقع الشبكات العلمية والثقافية والتربوية والبحثية لمختلف العلوم والمعارف على الشبكات الدولية والمحلية، فهي تنشر كماً هائلاً من العناوين والبحوث على اختلاف أحجامها وتصنيفاتها وقيمها العلمية، المتكامل منها والموجز والمختصر، التي تشكل دليلاًَ للباحث للسعي وراء الحصول على العنوان الذي يحتاجه، أو الاكتفاء بالمادة المنشورة منه، كما إنها تنشر أيضاً كشافات الكتب والمراجع للكثير من المكتبات الجامعية والموسوعية الكبرى.

 

أنواع المصادر المكتوبة

من الممكن أن نصنف المصادر المكتوبة الى النوعين التاليين:

1. المصادر الأصلية أو الأولية (SOURCES)

وهي المصادر التي تحوى على المادة الأصل عن الموضوع، أي التي كتبت ودونت مباشرة عن مؤلفها أو واضع المادة عنها وليست بدورها منقولة عن مصادر أخرى، وهي أقدم ما يحوي على مادة في موضوع ما[2]. وكلما زاد الباحث في استخدام المصادر الأصلية الأولية، وكثرت الحقائق والمادة العلمية المستقاة منها، كلما زادت القيمة العلمية للبحث وأصالته في التقييم، خاصة التي لم يسبقه باحث سابق إليها.

إن هذه المصادر والمراجع الأصلية الأولية, ذات قيمة عليا في الرسائل والأطاريح الجامعية، لذلك وجب الاعتماد عليها والرجوع إليها، وعلى الباحث الذي يلاحظ المرجع الذي يتناوله قد استند ورجع بدوره الى مصدر معين, أن يعود إلى ذلك المصدر الأصل، لأن ذلك يمنح البحث أصالة وعمقاً خاصة إذا كانت تلك المصادر لم يسبق أن اقتبست مادتها ومعلوماتها وحقائقها ومبانيها ومقدماتها، والنتائج والاستدلالات والاستنتاجات المترتبة عليها من قبل باحث أخر سبقه إليها.    

وإن علماء التراث العلمي والدراسات الدينية في علوم الفقه والأصول "أصول الفقه" والتفسير والكلام أو العقيدة وأصول الدين والحديث، في علمي الرواية والرجال، والتاريخ والتراجم والأنساب وغيرها من معارف الموروث التراثي العلمي، الفكري والأدبي، يعبّرون عن هذا النوع من المصادر المكتوبة من الكتب والمدّونات، بالأصول المؤلفة أو المصنفة, ومفردها أصل مؤلف أو مصنّف، أو يدعونها بالمتون المعتبرة ومفردها متن في الفقه أو الأصول أو الكلام أو غيرها، والبعض يخصها بتسمية المؤلفات دون المصنّفات، فعنده المؤلف مصدراً والمصنّف مرجعاً, أو يطلق عليها التحقيق المعمق، في الإشارة إلى المصادر الأولية أو الأصلية, وقد عبّر في التراث الفقهي الإمامي عن الكتب المصادر الأصلية في الحديث بالأصول الأربعمائة, تمييزاَعن سواها التي أخذت مادة الحديث عنها.

 

2.  المراجع أو المصادر الثانوية (REFERENCES)  

وهي المراجع التي تستند بدورها على مصادر أخرى، والتي اعتمدت مادة علمية أصيلة من مصادر متعددة وأخرجتها في ثوب جديد من خلال عرض المادة في إطار المنهجية العلمية والتحليلات والاستنتاجات برأي المؤلف الأخير، مما يستدعي الانتباه عند التعامل معها والرجوع إليها خلال البحث، إن الكثير منها أو مصنفيها تسيء فهم ما كتب في الأصول أو المراجع الأصلية، أو تلونها بطابع خاص يبعدها عن الفكرة الأصل، ويحصل هذا بشكل خاص وواضح في المراجع والكتب المترجمة عن اللغة الأم أو المترجمة عن لغة ثانية وسطى.

إن هذه المراجع مهمة جداً وقد لا تقل أهميتها عن أصولها في بعض الأحيان، لأنها تعتمد عليها وعلى غيرها وتحمل وجهة نظر مهمة، فضلاً عن أهميتها الكبيرة عند فقدان المصادر التي اعتمدتها بالتقادم الزمني أو الإتلاف الطبيعي أو المتعمد بالكوارث والأزمات والحروب، كما أن المعلومات التي تضمّها غالباً ما تكون محدثّة وتعتمد على معطيات جديدة وأراء معاصرة ونظريات حديثة.

وعليه فإن الرسائل والأطاريح والبحوث، تضم قوائم مراجعها عادة على كم كبير منتقى بشكل علمي مدروس من هذا الصنف من المصادر المكتوبة, وعلى أية حال فإن المصدر هو مرجع دون العكس، أو أن المصدر هو مرجع أصلي، والمرجع الحديث هو مصدر ثانوي في البحوث العلمية الإنسانية خاصة، في حين يكون معياراً بحثيا مهماً في البحوث العلمية الصرفة, كونها تقف على اخر النظريات العلمية والمنجزات البحثية.

 

أشكال المصادر المكتوبة لجمع المعلومات

المصادر والمراجع المكتوبة عادة على نوعين أو وسيلتين رئيسيتين، هي المصادر المكتوبة الرسمية والمصادر المكتوبة الخاصة، ويمكن أن نحصر المصادر الرسمية وغير الرسمية سواء الإصدارات أو المطبوعات والمحفوظات أو الكتب المؤلفة في التفرعات المذكورة لاحقاً.  

 

1. المصادر الرسمية

 أ. الإصدارات الرسمية. وفي مقدمتها الجريدة الرسمية من أمثال "الوقائع العراقية" المتخصصة بنشر نصوص القوانين النافذة, والوثائق الحكومية الخاصة بالوزارات والمؤسسات ونصوص مشاريع القوانين ومقترحاتها وبرامجها وأنظمتها ونشاطاتها، وكذلك الرسائل والأطاريح الجامعية، التي يجري تعضيدها ونشرها من قبل جهات رسمية أو حكومية، أو البحوث المتخصصة التي تعضدها وزارات الدولة ومؤسساتها وتعتمد نتائجها في أداء عملها ومشاريعها وأنشطتها[3] .

ب. الصحافة بكل أنواعها وتخصصاتها واتجاهاتها . ويمكن الاعتماد على المعلومات الواردة في هذه المصادر بشيء من الحذر، أو باسلوب المقارنة بين عدد من الصحف الصادرة في نفس الزمن، لان بعض الصحف قد تخضع مباشرة لسياسة الدولة أو المكونات السياسية الحاكمة فيها، والآخر يخضع لاتجاهات خاصة تفرض عليها عرض بعض الحقائق بطريقة معينة تناسب رؤيتها، لأغراض إعلامية أو دعائية دون توخي الدقة العلمية المتجردة .

      ج. المحفوظات الرسمية .  وهي المحفوظات القيّمة التي  تنشر في المراكز أو الجهات الخاصة بحفظ الوثائق مثل "الدار الوطنية أو دار الوثائق"، وتحمل هذه المصادر عادة معلومات قيّمة حول قضايا ومواضيع ذات أهمية حضارية سيضيف الباحث قيمة لبحثه عند الكشف عنها. ويدخل في هذا الصنف، الدوريات والفهارس BIBLIOGRAPHY والآثار الأدبية، التي تمثل بمجملها الاتجاهات الفكرية والأحكام والتقاليد لعصر الوثيقة في الدولة التي تمثلها، كما تحتفظ الدوائر ومؤسسات الدولة المهمة ذات الطبيعة السيادية والإستراتيجية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية, بوثائق صادرة عنها تمثل تقارير ومواقف تفصيلية عن الأحداث والوقائع والمعضلات والانجازات والإخفاقات، مثل التي تحتفظ بها وزارة الخارجية في مركز الوثائق, ويسمح بصلاحية للإطلاع على محفوظاته, فيما تسمح الخارجية البريطانية على الاطلاع على الوثائق المحفوظة في مركزها ذي الأهمية البحثية والتوثيقية, بعد مرور زمن معين حسب تصنيف الوثيقة.

    وقد اعتادت جميع دوائر ومقرات القوات المسلحة إصدار وتحرير مجمل تفاصيل الوقائع المذكورة في مدوّنة مرتّبة بنموذج قياسي يطلق عليها "جريدة الحرب"، ترفع دورياً بشكل مستمر طيلة أشهر السنة أيام السلم والحرب الى المراجع العليا، ثم تجمع في المقر العام في إدارة الحركات وتحفظ نهائيا فيها وفي الهيئة المختصة في التاريخ العسكري، فتعتبر بذلك من أهم نماذج المحفوظات الرسمية كمصادر للدراسة والبحث، أو كمراجع رئيسة لتقييم الإجراءات والقرارات الجماعية والفردية والحكم عليها، أو إعتمادها قضائياً.

 

2. المحفوظات غير الرسمية

وهي وثائق المؤسسات السياسية والمهنية والمجتمعية كالأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، وكذلك ما يحفظ من وثائق المشاريع الاقتصادية الصناعية والتجارية والإعمارية التنموية، خاصة ذات الطبيعة الإستراتيجية كونها تزود الباحث بمعلومات مهمة في مجال الدراسات الاجتماعية والهندسة السياسية والسكانية والتنموية والميدانية الإحصائية المقارنة، بعد أن يجري فرز المعلومات التي هي عرضة للتغير.

ويدخل في هذا الباب الوثائق الشخصية للساسة ورجال العلم والأدب والفكر والثقافة, ومراسلاتهم وتعليقاتهم المنشورة على محادثات خاصة بينهم، لأن بمجموعها تكوّن أرشيفاً متخصصاً يحوي معلومات لا يمكن أن يقدمها أي مصدر أخر خارج هذا الإطار .

إن المعضلة في كل هذه المصادر هي في كيفية الوصول إليها, لأنها عادة تكون أملاكاً خاصة أو مقتنيات متعلقة بمالكها مثل المفكّرات والمذكّرات والمدوّنات الشخصية الخاصة غير المنشورة. كذلك يضاف إلى هذه المصادر, المقتنيات التي يستعملها رجال العلم والسياسة والأدب, التي تعكس عصرهم وتطور الحياة فيه وازدهارها أو فشلها, وهي مرتبطة بحياتهم اليومية وسلوكهم الشخصي.

إضافة لما يسمى بالوثائق الإيقنية التي تمثل الأمكنة واللوحات والأزياء, وما يطبع على الصخور والسقوف والزخارف ICONS   وما سواها، في أبنية الدولة وأماكن العبادة والمقابر وغيرها, التي تظهر عصر الدراسة والثقافات وأنماط السلوك المجتمعي السائدة فيه, إن هذه المصادر ترتبط عادة بالدراسات التاريخية والتراثية, وما يختص بها من دراسات علوم الآثار "الركولوجية" ودراسات الإنسان والثقافة المجتمعية وأصول السلوك المجتمعي, التي تدرس في المناهج "الإنثروبولوجية" .

 

مزايا ومحددات المصادر المكتوبة لجمع المادة العلمية

يعبر عن استخدام المصادر المكتوبة في جمع المعلومات بالطريقة التوثيقية, كون المعلومات تستحصل موثقة من مصادرها ومراجعها, وهي أكثر الطرق استخداماً في جمع المعلومات والبيانات لأغراض البحث العلمي, وأوسعها انتشاراً، إلا أنه ليس هنالك طريقة واحدة أو وسيلة منفردة أفضل من سواها.

إن المصادر المكتوبة وضمنها الوثائق تكون كلفتها قليلة مقارنة بأدوات البحث العلمي الأخرى، خاصة إذا ما أعتمد الباحث على مكتبة عامة، أو مكتبة الجامعة أو الكلية أو المؤسسة أو المركز العلمي.

تتفوق المصادر والوثائق المكتوبة على سواها من طرائق جمع المعلومات لأغراض البحث العلمي, في حالة اعتمادها على المصادر الأولية, إلا أن الاعتماد فيها على المصادر الثانوية يكون أقل ضبطاً ودقة من الأدوات الأخرى, أما الوثائق في المصادر الثانوية المكتوبة فإنها لن تكون عميقة في التحري عن مشكلة البحث وجذورها وجوانبها خاصة في الجوانب الاجتماعية.

هنالك مرونة كبيرة في الوثائق المجمّعة في تتبع آخر المعلومات عن موضوع البحث ومشكلته، وخاصة في حالة اعتماد الباحث على أحدث التقارير والإحصائيات وسجلات الأنشطة الخاصة كالمؤسسات أو الجهات المعنية بالبحث, وإن الوثائق  تكون أقل شمولية خاصة ما يخص الموضوعات والأنشطة المعاصرة.

من مزايا المصادر المكتوبة هي ان الباحث لا يتوقع عادة حدوث ردود فعل أو مقاومة أو عدم تعاون من قبل الوثائق والمصادر المكتوبة, لأنها عندما تتوفر فانها ستكون خاضعة لإرادة الباحث.

 

طرائق التأليف والتصنيف في المصادر والدراسات التراثية

انتهج العلماء والباحثون طرائق مختلفة في التصنيف والتأليف، حسب الأغراض والغايات التي يصنف الكتاب فيها ولأجلها، ويفرق بعض العلماء بين التأليف والتصنيف, ولكن الكلمتين "استعمالاً واصطلاحاً بمعنى واحد تقريباً"[4]، والتأليف نوعان، الكتاب العلمي والكتاب المدرسي أو المنهجي، وقد كان من أغراض التأليف تدوين المعرفة أولاً وهي الكتب العلمية المعرفية، ثم أّلفوا للتعليم والتدريس، فكان الكتاب المدرسي والمنهجي الذي يقرّب العلم للطالب ويهيئ له من مادة العلم ما يحتاج إليه، وفق أسلوب منهجي متسلسل يعتمد التصنيف العلمي المعرفي والتحدد بمادة المعرفة. وفي قواعد العلوم يقسم الكتاب حسب حجم المادة والتبسط في عرضها أو إختصارها إلى:

1. المختصر، وهو كتاب يجعل تذكرة لرؤوس المسائل تفيد المبتدئ في التعلم وتنفع المنتهي "المتقدم" في استحضار العلم.

2. المتوسط، وهو كتاب يجمع إليه ما يحتاج إليه من مقاصد العلم, بلا تطويل غير نافع ولا إختصار لا يوصل مادة العلم.

3. المبسوط، وهو الكتاب الذي يحوي مادة العلم وما يتعلق بها من فوائد وضوابط ومسائل ونكات وفروع وما يتصل بها من معارف.

والكتب تختلف أيضاً في طرائق تصنيفها والجهة التي وضعت لأجلها وأغراضها وغاياتها، والفوائد الخمسة من التأليف المروية في التراث هي استنباط شيء كان مفصلاً، وجمعه إن كان مفرقاً، وشرحه إن كان غامضاً، وإحسان نظمه شعراً وتأليفه نثراً، وإسقاط حشوه وتطويله في اختصاره وإيجازه[5].

 

التاليف والتصنيف المعرفي وفلسفة العلم ومناهجه

ويعنى به التأليف والتصنيف في الكتب العلمية والأدبية, المعنية بالجوانب المعرفية المختلفة التي بحثت في فلسفة وبنية المعرفة العلمية ومناهجها، التي تعرف "الإيبستيمولوجية  Epistemology"[6]، وتبحث في أصل المعارف العلمية وطبيعتها ومداها ومدارسها المختلفة، وهي التجريبية التي تردّ المعرفة إلى الحواس، والعقلية التي ترده إلى العقل لا الخبرة الحسية، والواقعية المستقلة بالعقل عن الذات المعرفية، والمثالية التي ترفض الأفكار التي تدركها الذات لأنها احتمالية[7].

وقد ترك التراث العلمي العربي الإسلامي إبداعا متميزاً في مجال تصنيف العلوم واستيعاب كافة مدارسه, أضافت إليها من الجوانب الفلسفية والروحية التي حكمت جوانب البحث العلمي بمعايير سلوكية محددة، وهو ما أدركه العلم الغربي بفترات متأخرة بإضافة الجانب الكينوني "الانتولوجي" والبعد السلوكي الأخلاقي إلى نهج العلم ومنطقه, لتكتمل فلسفة العلم "بأنسنته"، كظاهرة إنسانية لها علاقة بالأطر العقدية والدراسات المقارنة للحقول العلمية والتوظيف الأمثل للمعلومات وسائر أبعاد علاقة العلم بالمجتمع.

 

ويمكن تثبيت الأشكال التالية من المؤلفات والمصنفات في حقول التراث العلمي والدراسات والتحقيق وهي, المؤلفات العلمية المنهجية, المصنفات والمؤلفات العلمية المجمّعة الموسوعية، الموسوعات والمعاجم والفهارس، الكشاكيل،  الشروح،  الحواشي أو التعليقات،  التقريرات أو الأمالي، المختصرات والذيول، المستدركات والتكملات والتتمات، المنظومات والأرجوزات. وسيجري في الحلقة القادمة عرضاً وتحليلاً ودراسة لهذه الأشكال من المصادر المكتوبة.

 


[1] ومن الأمثلة الشاخصة ما تبذله مؤسسة  "آل كاشف الغطاء" العلمية في تجهيز الأقراص الليزرية الحافظة لآثار مكتبتها العلمية الرائدة من المخطوطات التراثية العلمية, لتكون في متناول الباحثين والمحققين دون الحاجة للتواجد الشخصي فيها.

[2] عامر إبراهيم  قنديلجي ، البحث العلمي واستخدام مصادر المعلومات، الجامعة المستنصرية، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد ، 1993 .

 

[3]  سرمد الجادر ( الأستاذ الدكتور)، مناهج البحث العلمي، كلية العلوم  السياسية، جامعة النهرين، بغداد ، 2000. ومحاضرات منهجية البحث العلمي, معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا, مرحلة الدكتوراه, بغداد 1998.

[4]  الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، التعليم العالي في التراث العربي.

[5]  الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، دور المدارس القديمة في بناء الجامعات الحديثة، وأهمية التراث العربي في وضع تقاليد التعليم العالي ومناهج البحث العلمي وأصول الدراسة والتدريس، بحث، مجلة جامعة آهل البيت، ع 1 سنة 2005.

[6] Epistemology   وتعني فلسفة العلم أو المعارفية إن أمكن اصطلاحها, ويرجع فلاسفة الغرب الإبستيمولوجية المعاصرة الى الفيلسوف هيوم (1711-1776), وذلك لارتباط التاليف تقليدياً بتأريخ العلم, الذي موضوعه تتبع الكشوف العلمية وممارستها عبر التاريخ وفي الحضارات المختلفة، بينما تهتم فلسفة العلم بتأريخ تطور الفكر العلمي، رؤيةً ومفاهيمَ ومناهجَ, وهو الذي نقل الى الثقافة العربية المعاصرة عبر أبحاث المستشرقين السباقين بالاستفادة من المخطوطات. غير إن كتاب بن رشد "الكليات في الطب" المصنف في القرن الثاني عشر, يثبت أن الثقافة العربية الإسلامية هي الأسبق الى فلسفة العلم في التاليف والتصنيف,  حيث لم يظهر ما يماثله في موضوعه إلا في القرن التاسع عشر، حين أصبحت فلسفة العلم موضوع اهتمام. وإذن فكتاب بن رشد هو أقرب أن يكون كتاباً في فلسفة علم الطب، أو الإيبستيمولوجيا، بالمعنى المعاصر. عبد السلام بن ميس. "الابستيمولوجيا الهيومية, وجهها النقدي واساسها المنطقي". والدكتور محمد عابد الجابري, "الكليات في الطب لابن رشد", تحقيق , و"بن رشد سيرة وفكر", مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت, 1995. والحلقة الدراسية الموسومة  "مقاربة في مناهج البحث العامة".

[7]  الموسوعة العلمية الموسعة والميسرة، ج 1ص 20.