المناهج والمنهجية -مقاربة في الفهرسة والتوثيق والتحقيق في كتب التراث العلمي/7


 

"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"

 

         د.هيثم الحلي الحسيني

الحلقة السابعة

مقاربة في الفهرسة والتوثيق والتحقيق في كتب التراث العلمي

 

موقع الإمام الشيرازي                                                    

التوثيق الموسوعي في مصادر الكتب المخطوطة

إن الموجود الحقيقي، في المخطوطات الموروثة المبعثرة من موروثات التراث العربي الاسلامي، ليس أقل من مليون كتاب مصنف، وقد نشر المستشرقون كشافات بالمخطوطات العربية الإسلامية[1]، احتوت على عشرات الملايين من العناوين، فضلاً عن المصنفات العربية الإسلامية التي أصدرتها المجمع العلمي في مصر، والمجمع العلمي العراقي، والمجمع العلمي في دمشق، وغيرها من الهيئات والمؤسسات العلمية ومراكز التوثيق في الجامعة العربية، والهيئات العلمية الإسلامية[2]، فقد احتوت على حجم هائل من المخطوطات والمؤلفات والمصنفات التراثية على اختلاف أغراضها وأشكالها[3].

ومن المؤلفات الموسوعية "فجر الإسلام" لأحمد أمين، وهو الذي استفز كبار الباحثين المحققين في فهرسة وتوثيق التراث العلمي العربي الإسلامي بمختلف مدارسه الفكرية والاجتهادية, وفي مقدمتها نتاج وآثار البحوث العلمية ونشاط التأليف والتصنيف لمدرسة آل البيت (عليهم السلام) الفكرية، فكان السفر الكبير لموسوعة المحقق الشيخ محمد محسن الرازي النجفي نزيل سامراء، المعروف بأغا بزرك الطهراني، وهي " الذريعة في مصنفات الشيعة" الذي حمل بين دفّات مجلداته بأجزائه الثلاثين، من كتب جمَة، وهو لم يحتو إلا على أقل من العشر من عناوين كتب العلماء الباحثين المؤلفين والمحققين، وبنفس الاتجاه ولكن باتجاه موسوعي علمي ومعرفي، أصدر الباحث السيد حسن الصدر كتابه "تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام"[4]، المعروف أيضا "تأسيس العلوم الإسلامية", الذي صنف العلوم الإسلامية والعلماء المشتغلين فيها والآثار العلمية لهم من خلال طبقات العلماء المشتغلين وفق الحقب الزمنية، واقرضه تقديما علماء الأزهر الشريف باعتباره فتحاً جديداً.

إن التراث العربي الإسلامي محاط بجدران أخباء المكتبات العامة والخاصة التي تراكمت من جراء تعاقب الزمن في كثير من دول العالم الإسلامي، داخل الوطن العربي وخارجه, مثل إيران التي عرفت باهتمامها التاريخي بحفظ المخطوط العربي[5]، والموروث الكبير في تركيا والمشرق الإسلامي وشمال أفريقيا، وكذلك العالم الغربي في البلاد الأوربية وما يليها مثل  هذه المخطوطات الغنية, موزعة على عدد كبير من المكتبات العامة والخاصة والخزانات الشخصية المنتشرة في أصقاع العالم[6].

والى جانب الجهود العامة والهيئات الرسمية، تنهض جهود في غيرها من الهيئات، لتوثيق وإحياء التراث العلمي العربي الإسلامي، فهرسة وتحقيقا وبحثا ودراسة[7]. وقد نشطت في هذا المجال مراكز إحياء التراث العلمي العربي الإسلامي ومنها المرتبطة بجامعة بغداد وجامعة حلب واتحاد المؤرخين العرب، وغيرها المنتشرة في العديد من البلاد العربية والإسلامية.

ومن الجهات غير الرسمية المهتمة في جوانب التوثيق العلمي التراثي ونشره والتعريف به، المؤسسات المرجعية الدينية الثقافية، للارتباط الوثيق للموروث العلمي في جوانب الفكر الإنساني والدراسات الفقهية والتأريخ الإسلامي، لقد اهتمت الكثير من هذه المؤسسات الثقافية بهذا النشاط العلمي ومن مؤشراته دعوة المجدد السيد محمد الحسيني الشيرازي، إلى تشكيل لجان علمية موسعة ومتخصصة في أمور المخطوطات، تنتقل بين البلدان للحصول على تلك المخطوطات أو نسخ عنها، ومن ثم إجراء العمليات التحقيقية وتهيئتها للطباعة والنشر، و"إن المرجع الديني بما يمتلك من إمكانات خلال فترة مرجعيته، يتمكن من طبع عشرات الألوف منها بشكل مباشر أو غير مباشر"[8]. وذلك بأن يلفت نظر دور النشر والمهتمين والمقتدين إلى القيام بجانب من المهمة، وإن الباحث المهتم بموضوع يتعلق بالتراث العلمي، يمكن أن يكون له دور في المساهمة بمثل هذه المشاريع، التي يمكن أن تتولاها أيضاً مؤسسات الدولة الثقافية والعلمية من جامعات و مراكز علميه بحثية، وأيضا هيئات المجتمع المدني العلمي، إن البحث المنجز في هذا المضمار يعد من النشاطات العلمية المعمقة والأصلية المعتبرة في التقييم العلمي والأكاديمي[9].

إضافة لذلك فإن التكليف العلمي للباحث، يحتم عليه تضمين بحثه الرجوع والاطلاع الى هذه المصادر العلمية، وتسجيبها في قائمته المكتبية والسعي للبحث عن النادر منها، إذا كان موضوع بحثه ملامساً لها وعناوينها مضمنة في موقع مسألته البحثية، وهي تمنح البحث بعداً في التعمق والصالة، وتفتح أمامه آفاقا جديدة للبحث، قد تعد مواضيع لبحوث لاحقة، وهو من أبرز موجبات البحث الأصيل المعبر عنه بالفتح العلمي.

 

أهمية الفهرسة والتوثيق في الكشف عن المراجع البحثية

إن الحركة الشاملة والنهضة السريعة التي يشهدها عالم المعرفة والثقافة، استدعت استخدام أفضل الطرق والأساليب التي تساهم في بلوغ المرام بأقصر مدة وعلى غاية من الكيفية والمتانة. وتعد عملية الفهرسة من المحاور المهمة والأساسية التي تختزل زمن البحث والتحقيق إلى أدنى حدوده من جلال تيسير مهمة التنقيب المكتبي في المصادر والمراجع القريبة من موقع المسالة للبحث، وتفتح الآفاق الرحبة لتبني الكثير من المشاريع والأعمال العلمية التي يصعب نيلها بدون ذلك[10].

أصبحت الفهرسة من الأركان والملازمات التي يستفاد منها في كل زمان ومكان و يستعان بها في كل مجال، لذلك يسرت للباحثين سرعة التعريف بآثار ومصنفات علماء وشخصيات ومتون وأماكن ومواد علمية كانت خافية وبعضها مجهولة تماما.

وتتطرق بعض أشكال الفهرسة إلى عناوين المؤلفات، سواء المخطوطة منها أو المطبوعة  للمتقدمين والمتأخرين، والكثير من المراكز العلمية تتابع النتاج العلمي المطبوع والمنشور حتى الساعة، وتصدره في فهارسها بالتتابع

[11].

الشكل الآخر من الفهارس يعنى بأسماء المؤلفين في الحقب الزمنية والمختلفة، وكذا تتابع المراكز العلمية تكملة الإصدارات حولها بتتمات واستدراكات محدثة، ومن هذه المراكز العلمية، مؤسسة بيت الحكمة في بغداد[12]، التي أصدرت تكملة فهارس المؤلفين العراقيين للسنوات الأخيرة.

لقد نمت المشاريع الفهرسية وتطورت بتطور برامجها وأساليبها مضافاً ما للتقنية الحديثة من لمسات بارزة في دفع مناهجها وسهولة الوصول إليها، فأصبحت الكتب التي كانت غائصة في أتربة الإهمال والضياع والنسيان، مبصرة للنور بفضل فنون التحقيق التي استفادت وسعت لإخراج ما عرضته الفهارس ونبهت إليه[13].

 

مفهومم التحقيق في التراث العلمي

التحقيق في اللغة, هو الإثبات والإحكام، وقد قيل, "كلام محقق" أي محكم الصنعة رصين. وقد أصبح "التحقيق" مصطلحاً يطلق على ما يقوم به "الباحث المحقق" من إخراج النص المخطوط في صورة صحيحة متقَنة، ضبطاً وتشكيلاً، وشرحاً وتعليقاً، وفق أصول متبَعة معروفة هي "قواعد واصول التحقيق".

ولكثرة ما لهذا الفن من البحث من حاجة للدقة في العمل, والعناية في قراءة نصوصه وتمحيصها واستعادة صورتها الأولى, فضلاً عن الحاجة البحثية في تبيان مقاصد المؤلف المصنف واسترجاعاته البحثية, وتبيان مراجعه والمقارنة بين النسخ المتداولة أو مقارنتها, ومقابلتها بتعريف أهل الصنعة, فقد وصفه المهتمون بالبحث في التراث العلمي بأنه, فن "خفي المسالك، عظيم المزالق، كثير المضائق".

وكغيره من المصطلحات المستحدثة, فقد اختُلف في تعريف "التحقيق" كثيراً، إذ عرّف بأنه "إخراج الكتاب بصورة مطابقة لأصل المؤلف أو الأصل الصحيح الموثوق إذا فقدت نسخة المؤلف"[14].

وعرّف بأنه, "بذل عناية خاصة بالمخطوط لتقديمه صحيحاً كما وضعه مؤلفه"[15].

وعرف بأنه, "إخراج الكتاب على أسس صحيحة محكمة من التحقيق العلمي في عنوانه واسم مؤلفه ونسبته إليه، وتحريره من التصحيف والتحريف والخطأ والنقص والزيادة"[16].

وإنه يعني "إخراج نصّ معيّن في شكل أقرب ما يكون إلى الصورة التي تركها مؤلفه اعتماداً على المقارنة بين كلّ النسخ التي بقيت من الكتاب، وهو مصطلح حديث"[17].

وقد يكون التعريف الأقرب وضوحاً, لكونه وافياً موجزاً,  فهو اصطلاح  حول علم بأصول وقواعد محددة ومقررة, لإخراج النص المخطوط على الصورة التي أرادها صاحبها من حيث اللفظ والمعنى، فإن تعذّر هذا كانت عبارات النص على أقرب ما يمكن من ذلك"[18].

لم ينشأ علم التحقيق دفعة واحدة، بل إنه قد مر بمراحل، وكانت كلّ مرحلة تتمم سابقتها، وتضيف إليها، فقد قام العرب والمسلمون بجهود كبيرة في تحقيق النصوص وتوثيقها وفق قواعد وضوابط مقررة لإثبات صحة النص ومعرفة صاحبه وتاريخ نسخه وناسخه، وغير ذلك من الأمور التي تنتهي بإخراج النص كما وضعه صاحبه على قدر المستطاع.

ويؤكد الباحثون في التراث, إن الأقدمين كانوا يعرفون كل القواعد العلمية التي يتبعها المعاصرون في إخراج كتاب "تحقيقا", لا من حيث رموز المخطوطات فحسب، بل أيضاً من حيث اختيار أوثق النسخ لاستخلاص أدق صورة للنص، ولعل خير ما يمثل عملهم في هذا الجانب إخراج اليونيني، حافظ دمشق المشهور في القرن السابع الهجري، لصحيح البخاري[19].

لكن ما قام به الأقدمون لم يشكل قواعد علم مستقلّ بذاته كغيره من العلوم، حتى جاء عصر المطبوعات, وهو أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، إذ انصرف عدد من رجال العلم والمعرفة إلى تحقيق التراث والإقبال على نشره، وبعد انتشار دور الطباعة والنشر لمس بعضها اهتمام العلماء بنشر التراث وتحقيق المخطوطات, فراحت تتتبّع مصادر التراث في الدين واللغة والأدب والعلوم والفنون تصدرها وتشرف على نشرها.

وفي ذلك العصر أصبح من الضروري التعريف بهذا العلم وتقعيده[20] بشكل علمي دقيق، فقام بعض العلماء بتأليف الكتب التي تتناول علم التحقيق تعريفاً وتقعيداً وشرحاً وتمثيلاً، ولا ينكر أن هذه الكتب قد استفادت من جهود المستشرقين وأعمالهم في هذا المجال، إلا أنها قبل ذلك قد نقلت الكثير من مؤلفات  العلماء الاقدمين التي قد تناولت هذا العلم، فقد تضمنت كتبهم بعضاً من قواعد التحقيق والتوثيق وطرائقهما.

ومن هذه الكتب, "مقدمة ابن الصلاح" لعثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري, و"تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم" لابن جماعة, و"المعيد في أدب المفيد والمستفيد" للعلموي. و"أدب الإملاء والاستملاء" للسمعاني, و"التعريف بآداب التأليف" للسيوطي.

كما استمد مؤلّفو كتب علم تحقيق المخطوطات قواعدهم من تجارب العلماء الذين ولجوا في عالم التحقيق، وتمثّلت بكثير منها, حيث قارب هذا المجال العديد من العلماء من خلال اشتغالهم في تاريخ العلوم وفهرسة الكتب والعلوم, وهي من الاغراض التي كان للثقافة العربية الاسلامية فيها السبق والابداع والاهتمام فيها, وقد اخذتها عنهم الثقافات الاخرى.

 

علم التحقيق في التراث العلمي ومصادره البحثية

ويمكن القول بثقة إن علم التحقيق قد أصبح علماً قائماً بذاته، له مناهجه وطرائقه وقواعده ومؤلفاته، حتى ظهر علم آخر جديد استقل عن هذا العلم, وهو علم المخطوطات "الكوديكولوجيا", والى جانبه علم المسكوكات, ويشترط التحقيق من الباحث فيه درجة عالية من الأمانة العلمية, في إظهار الكتاب المحقق على صورته الأولى من مؤلفه, من خلال تدقيق النصوص, والتحقق من الاشتباه في نقلها, أو الاختلاف بين النسخ نتيجة اخفاقات الناسخين, ومعالجة ذلك بمحاولة مقابلة ما تيسر من النسخ, مع "تحليل" النسخ جميعاً وتقييمها, وبيان مواقع خزنها في صدر الكتاب, وتبيان الرجوع لأي منها في اخراج النص المحقق, والإشارة للأعمال السابقة إن كان الكتاب قد جرى تحقيقه مسبقاً.

وأصبحت التقانات الحديثة, تقدم تسهيلات مهمة لإنجاز مهمة التحقيق, في الحصول أولاً على النسخ المتفرقة من خلال النقل الإكتروني أو الشبكة العنكبوتية الدولية, أياً كان موقع خزنها, من خلال اتاحتها للباحثين إلكترونياً, كما توفر هذه التقانات المكانات الجيدة في رؤية صورة الصفحة المحققة من زوايا مختلفة, مع امكانية تفحص المفردات والكلمات بصورة دقيقة, للوصول الى أصل المفردة كما أرادها كاتبها, بعد تأثيرات التقادم الزمني, وتغافل الناسخين.

كما يتطلب من المحقق التدقيق والتهميش والإرجاع الى المصادر والمراجع, على أن يتم ذلك بعناية, دون التشويش على أصل النص, أو محاولة مقاربته باجتهاد مفترض, قد يبتعد عن الغاية من النص, وفق كاتبه, كما أن الهوامش والتعليقات المطولة, "تسود" أصل النص, ولا يحبذها أو يدرج عليها رواد التحقيق التراثي. ومن هنا يتدخل العامل البحثي العلمي للمحقق, في استخدامه المصادر الأصلية والمراجع الرصينة لغرض تقديم الكتاب مع الفائدة المرجوة, وعادة تكون الكتب المحققة أكاديمياً, كرسائل جامعية, على مستوى عال من الالتزام بقواعد وأصول التحقيق, وتخرج بشكل لائق, يحقق الفائدة المرجوة .

وأصبح من الحقول العلمية التي يعتنى بها أكاديمياً وجامعياً, ويشجع الباحثون على الخوض فيه, خاصة أن ملايين كتب التراث في شتى المعارف والحقول العلمية, لا زالت في طي النسيان, وفي أدراج الخزانات القديمة مهددة بالتلف والاندثار, وإن ما جرى تحقيقه وإخراجه منها لا يتجاوز عشر العشر, على رأي المتخصصين, ويمكن اثبات ذلك حيث أثبت المستشرقون[21], دون سواهم ملايين العناوين لكتب التراث مخزنة في خزانات متفرقة في العلم, سواء في الأقبية من الدور القديمة, والأضرحة والمساجد والكنائس, ودور العبادة الأخرى, ومنها في المتاحف ومراكز حفظ التراث, وهي تدل على النزر اليسير مما جرى تحقيقه واخراجه للحياة, ليسهم في دورة العلم والثقافة والمعرفة الإنسانية, وقد انتشرت بعض المعاهد المختصة التي تهتم بدراسة التراث العلمي, وحفظ الوثائق[22].

وإن الكثير من الأساتذة العلماء يشجعون طلابهم, على اختيار تحقيق لكتاب, يجري اختياره بعناية بإشراف الأستاذ, لتقديمه كرسالة ماجستير في التراث العلمي, بحقوله المختلفة سواء في التاريخ أو اللغة أو الدراسات الشرعية وغيرها, وبعض الأطروحات العلمية يمكن أن تقدم كتاباً للتحقيق, ذي قيمة علمية رصينة, لنيل شهادة الدكتوراه, في هذه التخصصات.

ويقدم المتخصص أو الطالب الباحث أطروحته, في التحقيق لمخطوط كتاب من التراث العلمي، في اختصاص الباحث ومجال خبرته، ويتضمن الجهد العلمي للمحقق, ملازمة النص أو المتن للكتاب المحقق تدقيقاً وتعليقاً، إخراجاً وفهرسة، كل في مجال دالته الوظيفية، والسير بالنص حتى آخره، بمقابلة النسخة الأم مع النسخ المتيسرة الأخرى، وبيان أوجه الاختلاف بين النسخ المختلفة إن وجدت في الهوامش، بعد تعليم النسخ أو ترقيمها, فيكون إحكاماً وضبطاً لمادة الكتاب كما صدر من مصنفه، متناً ونصاً، عنواناً وأسلوباً, يرفقه بهوامش وافية عن مصادر ومراجع مختلفة تلقي على الكتاب المؤلف مرجعية رصينة. ويشتمل الجهد ايضا على رأي وموقف واضح للباحث المحقق في فقراته، فضلاً عن تعليقاته وحواشيه بغرض التعريف بالمفاهيم والأفكار الواردة في النص، وتراجم الشخصيات والأعلام.

ومن أبرز الكتب المعاصرة التي تناولت علم التحقيق، أو ما يمت بصلة إليه, من الاعتناء بالمخطوطات ونشرها هو "تحقيق النصوص ونشرها"، لمؤلفه الباحث عبد السلام هارون، المنشور في القاهرة، 1374هـ-1954م, وربما يعد أول كتاب عربي في هذا الفن يوضح مناهجه ويعالج مشكلاته، ثم تتابعت بعده الكتب التي تعالج هذا الموضوع, التي يمكن إثبات أبرزها:

أُسس تحقيق التراث العربي ومناهجه، لجنة مختصة في بغداد، معهد المخطوطات العربية في الكويت، 1400هـ.

أصول كتابة البحث العلمي وتحقيق المخطوطات، د. يوسف المرعشلي، دار المعرفة، بيروت، 1424هـ-2004م.

أضواء على البحث والمصادر، د.عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، 1426هـ- 2005م.

تحقيق التراث العربي,  منهجه وتطوره، د.عبد المجيد دياب، منشورات المركز العربي للصحافة، القاهرة، 1983م.

تحقيق التراث، د.عبد الهادي الفضلي، مكتبة العلم, جدة، 1402هـ.

تحقيق المخطوطات بين الواقع والنهج الأمثل، د.عبد الله بن عبد الرحيم عسيلان، مكتبة الملك فهد الوطنية، 1415هـ.

تحقيق مخطوطات العلوم الشرعية, يحيى هلال السرحان، بغداد، 1404هـ.

تحقيق نصوص التراث في القديم والحديث، د.الصادق عبد الرحمن الغرياني، ليبيا، 1989م.

تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكتاب, أحمد شاكر، باعتناء عبد الفتاح أبو غدة، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1414-1993.

عناية المُحدّثين بتوثيق المرويات وأثر ذلك في تحقيق المخطوطات، أحمد نور سيف، دمشق، 1407.

فهرسة المخطوط العربي، ميري عبودي فتوحي، من منشورات دار الرشيد بغداد، 1980م.

في منهج تحقيق المخطوطات، مطاع الطرابيشي، دار الفكر بدمشق، 1403هـ.

قواعد تحقيق المخطوطات, صلاح الدين المنجد، 1955، القاهرة.

محاضرات في تحقيق النصوص, أحمد محمد الخراط، دمشق، 1404.

المخطوط العربي، د.عبد الستار الحلوجي، ط2، مكتبة مصباح بجدة، 1409هـ.

المخطوطات العربية, تحقيقها وقواعد فهرستها, فاضل عثمان توفيق النقيب، بغداد، 1395.

مقدمة في المنهج, بنت الشاطئ.

مناهج تحقيق التراث بين القدامى والمُحدثين, رمضان عبد التواب، القاهرة، 1406.

المنهاج في تأليف البحوث وتحقيق المخطوطات، د.محمد التونجي، دار الملاح   للطباعة والنشر، ط1، 1406هـ-1986م.

منهج البحث والتحقيق، الدكتور عبد الخالق داد ملك.

منهج تحقيق النصوص ونشرها، د.فوزي حمودي القيسي, د. سامي مكي العاني, مطبعة المعارف, بغداد، 1975م.

منهج البحث الادبي, الدكتور علي جواد الطاهر, 1970 , ويتضمن فصولاً في التحقيق ومناهجه العلمية في الأدب والنقد الأدبي ومنهجه.

علم التحقيق للمخطوطات العربية, بحث تأسيسي للتأصيل, فخر الدين قباوة، دار الملتقى، حلب، 2005. وهو من أحدث الكتب التي تتناول علم التحقيق أصولاً وتاريخاً وممارسةً.

ويعد مركز إحياء التراث العلمي في جامعة بغداد, من المراكز البحثية الرائدة في مجال التحقيق في التراث العلمي, وترأسه الاستاذة الدكتورة نبيلة عبد المنعم داود[23], التي قدمت في الموضوع عشرات البحوث العلمية والدراسات القيمة, مما يؤسس عليه في الجامعات والمراكز العلمية العربية والعالمية, ومنها:

منهج بدر الدين الغزي في تحقيق النصوص, ندوة الكتاب والوثيقة، دار الكتب الوطنية, بغداد, 1995.

مناهج العلماء العرب القدامى في تحقيق النصوص, ندوة منهجية تحقيق النصوص,  المجمع العلمي العراقي 1995.

تحقيق النسخ الفريدة, مجلة مركز احياء التراث بجامعة بغداد العدد 4, 2002م

مشاكل تحقيق المخطوطات العربية, الندوة العلمية الثانية للكتاب والوثيقة, دار الكتب الوطنية, بغداد, 1995 .

دور علماء الحديث في وضع قواعد لتحقيق النصوص, مجلة مركز احياء التراث بجامعة بغداد, العدد 3, 2001م.

 

دور الباحث في متابعة الكتب والتنقيب عنها

يقع على الباحث خلال عملية التنقيب البحثي عن كتاب، ضمن عناوين قائمته المرجعية المكتبية أو كشاف مراجعه "البيبلوغرافي"، واجب عدم الركون والتراجع السهل أمام فكرة فقدان الكتاب، سواء نتيجة الأسباب التي ذكرت أو أسباب أخرى قد تكون أقل شأناً و وضوحاً، مثل انقراض العوائل والأسر والبيوتات التي كانت تحتفظ بنسخ من الكتب أو النسخة الوحيدة النادرة في حالة كون الكتاب مخطوطاً, والمصنف أو المؤلف من أبنائها أو أعلامها، ويحصل ذلك بسبب عوادي الزمن وقسوة الحدثان، ويحصل أيضاً إتلاف خزانات الكتب والمكتبات نتيجة تقادم الزمن عليها وانحسار الاهتمام بها وغياب من يرعاها ويدرك أهميتها، أو جشع المتملكين لها وتعمدهم عدم تيسيرها لمن يبحث فيها وينشرها فائدة منها، أو وفاة القائمين عليها والمتصرفين بها قبل أن يتمكنوا ويمهلهم القدر للتصرف بها أو نقلها وتوزيعها لمن يحمل الكفاءة والمسؤولية على التعامل معها.

والتاريخ يسجل الكثير من الحوادث في هذا الشأن، وسيظهر القادم من الزمن الكثير من هذه المفقودات النادرة في شتى أصقاع المعمورة، تواصلا لما اكتشف في الماضي القريب ويكتشف اليوم، فعلى كل باحث أن يكون طرفاً مساهماً في هذه المسؤولية التاريخية العلمية الكبرى، الوطنية والإنسانية، من خلال مراجعته لدور إحياء التراث العلمي والمراكز العلمية المنتشرة في العالم والمواقع المفترضة لتواجد المأثورات العلمية وحفظها[24].

إن جهود الكشف عن المخطوطات وتقييمها، أصبحت من العلوم التي تنمو بنمو حركة التأليف والتحقيق، وما رافق ذلك من تزايد الوعي لدى المجتمع، ولقد كان هذا النشاط العلمي على اثر مجموعة من القواعد والأصول التي تبلورت وتوسعت بإتباع جملة من المناهج والأساليب المتطورة، مما جعله الدعامة والمهمة الأساسية في انجاز المشاريع والإعمال الثقافية. ويستوجب هذا المضمار من البحث العلمي والإنتاج الثقافي والإبداع في التأليف، في متخصصية عدة من العناصر التي تؤهلهم لكسب أرقى النتائج وأفضل الفوائد في الفتح العلمي والكشف عن الجوانب غير المكتشفة في الموروث الثقافي، وهي مهمة مستدامة للباحثين المتخصصين في شتى المواضيع المعرفية وعلى اختلاف الاختصاصات  العلمية في التراث، لأنهم الأقرب لخوض المضمار من سواهم المهتمين والمتخصصين في عموم التاريخ والتراث.


[1]    كارل بروكلمان، تاريخ الآداب العربية، مصدر سابق.

[2]   ومن الأمثلة على الإصدارات الموثقة للمخطوطات والمدونات والمعّرفة بها الكتب التالية:

 *      كشف الظنون عن أسماء الكتب والفنون، مصطفى بن عبد الله حاجي خليفة، مؤسسة التاريخ العربي،

        المقدمة للمحقق السيد شهاب الدين المر عشي النجفي.، وتكملته "إيضاح المكنون في الذيل على كشف

        الظنون"، إسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم البغدادي.

    *  الكتاب العربي المخطوط إلى القرن العاشر الهجري، معهد المخطوطات العربية، جامعة الدول العربية،

        د. صلاح الدين المنجد، القاهرة، 1960م..

   *   المخطوطات العربية في إيران، مركز البحوث والدراسات العلمية، مكتبة السيد علي محمد الوزيري

        المؤسسة عام 1954م، يزد، الباحث محمد سعيد الطريحي.

   *   أقدم المخطوطات العربية في خزانة الأوقاف العامة، كوركيس عواد، مجلة سومر، ع4، بغداد، 1947.

   *   المخطوطات العربية في المغرب، مركز الخدمات والأبحاث الثقافية، بيروت 1987م.

   *   التحف من مخطوطات النجف، محمد حسين الحسيني، القاهرة، 1947م.

   *   المخطوطات العربية في مكتبة باريس الوطنية، الدكتور هادي حسن حمودي.

   *   المخطوطات العربية خارج الوطن العربي، بحث، مجلد المورد، ع5، ص171ـص246، بغداد، 1976م.

   *  دليل خدمات التوثيق في الوطن العربي، مركز التوثيق التراثي، المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم.

   *  كشاف المؤلفات الزيدية، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، التعريف بأعلام الزيدية وفكر آل البيت، السيد عبد الله بن عبد الله الحوثي، والباحث عبد السلام بن عباس الوجيه، عمان.

   *  مخطوطات المجمع العلمي العراقي، دراسة وفهرسة، ميخائيل عواد، بغداد 1979م.

   *   تذكرة النوادر من المخطوطات العربية، هاشم الندوي، حيدر اباد، 1350هـ.

[3]  أثبت الباحث المهندس فؤاد الصادق قوائم لعدد من الإصدارات الموسوعية و لفهارس المخطوطات وفهارس المخطوطات، ومجلات التراث العلمي التي تعنى بالنشر والتعريف بهذا الموروث من المخطوطات

     وفهارسها مثل دوريتي المورد وسومر البغداديتين.  فؤاد الصادق "مبادئ في مناهج البحث العلمي"، مركز الدراسات والبحوث العلمية، دار العلوم، بيروت، 1988م. ص77.

[4]  السيد حسن الصدر، تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام،  مطبوعات النجاح، القاهرة، 1396هـ.

[5]   محمد سعيد الطريحي, "أستاذ باحث"، المخطوطات العربية في إيران، مكتبة الوزيري في يزد، مركز البحوث والدراسات العلمية، بيروت، 1408هـ. و المخطوطات العربية في الهند، مكتبات الجالية الزرداشتية.

[6]    الكثير من المكتبات الشخصية درجت على نشر كشافات بمحتوياتها ومقتنياتها ومن أمثلتها:

     * الفهرست الكبير لمكتبة الباحث المحقق السيد شهاب الدين الحسيني المرعشي النجفي.

     * فهرسة مكتبة الجوادين للباحث السيد هبة الدين الحسيني.

     * فهرسة مكتبة الباحث الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء، والإصدار الآلي المصور لمخطوطات مكتبة أل كاشف الغطاء، مؤسسة أل كاشف الغطاء العلمية، الشيخ الدكتور عباس كاشف الغطاء.

     * فهرسة خزانة كتب البحاثة السيد حسن الصدر، مجلة معهد المخطوطات العربي، ع4 ، 1958م.

     * فهرسة مخطوطات مكتبة الشيخ علي حيدر المؤيد، صدر بثلاثة أجزاء مع تعريف بعناوينها.

     * فهرسة مكتبة الباحث السيد عبد العزيز الطباطبائي، الآلية للبحث والتحقيق، قم، 1420هـ.

[7]   وممن بحث في مجال تصنيف العلوم والمؤلفات "البيبلوغرافيا"، والإحاطة بالكتب لاسيما ملفات الإمامية، السيد عبد العزيز الطباطبائي، أ هـ ، عن: معجم أعلام الشيعة، عبد العزيز الطباطبائي، مؤسسة أل البيت لإحياء التراث العلمي، ط1، قم،1416هـ.

[8]  المرجعية الإسلامية، السيد محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي، ص 98.

[9]   تعتبر دائرة العلوم العربية في جامعة العلوم الإسلامية العثمانية في شمال الهند، لمؤسسها السلطان علي عثمان اصف خان السابع، الأمير إقبال الدولة، المنادى بالنواب، من طلائع المراكز العلمية التي اهتمت بجوانب إحياء وتحقيق التراث. عن: أد. حسين علي محفوظ،، "المدارس في التراث"، بحث, دائرة العلوم العثمانية.

[10]   يوسف ادغر داغر , دليل الاعارب على علم الكتب وفن المكاتب.

[11]  من أمثال هذه الفهارس:

    * معجم المطبوعات العربية والمعرّبة، يوسف سركيس.

    * فهرسة مطبوعات دار الكتب الظاهرية، مجمع اللغة العربية دمشق، خالد الريان.

[12]   من نماذج هذا اللون من الفهارس:

    * هدية العارفين أسماء المؤلفين وأثار المصنفين، محمد أمين البغدادي، المكتبة الإسلامية.

    * فهرسة أسماء علماء الشيعة ومصنفيهم، منتجب الدين الرازي، المكتبة المرتضوية، طهران.

    وان بعضها تخرج بتراجم مختصرة للأعلام، وبعضها بشئ من التفصيل، ومن نماذجها دون الحصر:

    * معجم المؤلفين العرب، عمر رضا كحالة. أكثر من عشرة أجزاء، ترجم للكثير من أعلام العراق عن

       تحقيقات ومحفوظات وأوراق الأستاذ الدكتور حسين علي محفوظ، ومنها مخطوطته "تراث الكاظمية".

     * معجم المؤلفين العراقيين، كوركيس عواد، وتكملته للسنين اللاحقة عن  بيت الحكمة، بغداد،2000م.

     * معجم العلماء العرب، و"المؤلفين العراقيين"، للباحث محمد باقر الورد.

     * أعلام العراق في القرن العشرين، للصحفي حميد المطبعي. ومستدركاته للدكتور الباحث حميد مجيد هدوّ.

     * معجم أعلام الفكر والأدب في النجف الاشرف، الدكتور الشيخ هادي الاميني.

        ومن المعاجم العراقية ما تخصص بتراجم مفهرسة لرجال وأعلام وعلماء وأدباء مدينة بعينها، مثل :

     * أعلام كربلاء، الباحث السيد سالمان هادي طعمة، وموسوعة النجف "الأدباء" للباحث عبد الله الخاقاني.

    *  موسوعة أعلام الفكر والأدب في الكاظمية،  السيد عبد الرسول الموسوي، مراجعة  واستدراك  

        " تتمة" وتعليق د. هيثم الحلي الحسيني, "ثلاثة أجزاء تحت النشر".

*  شعراء الغري، وشعراء الموصل، وشعراء الزوراء، وشعراء الحلة الأديب علي الخاقاني

*  أعلام سامراء للشيخ الباحث يونس السامرائي. و"رجال وأعلام الاعظمية"، للباحث العبيدي الاعظمي.

[13]  السيد عبد العزيز الطباطبائي، معجم أعلام الشيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث العلمي، قم، 1416هـ.

[14]  الاستاذ الدكتور عبد الهادي الفضلي, تحقيق التراث, جدة, 1402هج. 

[15]  تعريف منسوب الى الاستاذ الباحث محمد آل شاكر

[16]  محمد السيد علي البلاسي, اصول تحقيق المخطوطات, بحث.

[17]  تعريف منسوب الى الباحث لدكتور عبد الإله نبهان.

[18]  تعريف منسوب الى الباحث الدكتور فخر الدين قباوة.

[19]  تعريف منسوب الى الباحث الدكتور شوقي ضيف.

[20]  التقعيد لغة, وضع القواعد للشئ.

[21]  منها كتاب شمس العرب تشرق على الغرب, للمستشرقة الالمانية زيغريد هونكة.

[22]  يعد معهد التراث العلمي في حلب, الاول في هذا المضمار, ثم ينهض اليوم على المستوى العربي, معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا, في بغداد, والذي تسير عمله العلمي هيئة خبراء من كبار العلماء المؤرخين والاثاريين والتراثيين العرب, وفي جميع العواصم العربية, باشراف اتحاد المؤرخين العرب, ويهتم باطروحات الدكتوراه ورسائل الماجستير, في التراث العلمي, فيما تعد المراكز الاخرى, بحثية علمية فقط, وليس تدريسية.

[23]  أكملت شهادة الماجستير في التاريخ والتراث العلمي في جامعة بغداد, عن رسالتها القيمة "نشأة الشيعة الإمامية" التي نشرت في بغداد 1968, وبيروت 1995, وتعد من المصادر المعتبرة في دراسة الموضوع, ومنحت الدكتوراه الفخرية من اتحاد المؤرخين العرب, ودرجة الأستاذية من جامعة بغداد, تتبوأ الموقع الأول في مجال التحقيق في التراث العلمي, ومنها الأمانة العامة للاتحاد العربي لتاريخ العلوم, وناشطة وخبيرة في سائر المؤسسات العلمية المهتمة في التاريخ والتراث العلمي, نشرت قرابة المائة بحث ودراسة وكتاب في هذا الحقل, واشرفت وناقشت ما ناهز المائة من أطاريح االدكتوراه ورسائل الماجستير في هذا التخصص, وترأس تحرير مجلة احياء التراث العلمي في بغداد, ومستشارة مجلة التراث العلمي في جامعة حلب, مع مجموعة من الاوسمة العلمية. 

[24]  راجع حول الموضوع، الدكتور ألكسندر ستيبفيتش، تاريخ الكتاب، تر الدكتور محمد أرناؤوط،، عالم المعرفة، الكويت، 2003  .

28/جمادى الأولى/1432