![]() |
|
المناهج والمنهجية - مدخل ومقاربة لمبادئ ومفاهيم مناهج البحث/11
"دراسة أكاديمية تحليلية ومنهجية"
د.هيثم الحلي الحسيني الحلقة الحادية عشر مدخل ومقاربة لمبادئ ومفاهيم مناهج البحث
موقع الإمام الشيرازي
الغاية من دراسة المنهج يؤشر في الفكر العربي الإسلامي, قديمه ومعاصره, أن الدراسات والبحوث في مجال مناهج البحث, قليلة ومحدودة إلى حدٍ ما، ولا تتناسب مع ما للمناهج البحثية ودراستها والبحث فيها, من أهمية استثنائية، فالمنهج أداة العلم وعدته، ولا سبيل لإحراز تقدم في مجال البحث العلمي دون منهج صائب، إذ عند غياب المنهج, يفقد الباحث خط سيره ومساره، وقد يضلَ ولا يحقق ثمرة بحثه و الغاية منه. وعموماً فإن الإنسان وهو ينشد الحقيقة, ويفتش عنها في ميادين العلم وأنحاء الوجود، ويتطلع إلى التقدم, في حاجة ماسة إلى منهج ومذهب للتفكير، الذي بدونه لا يسلك أي بحث أو دراسة, مهما كانت عناوينها, طريقها الى غاياتها ونهاياتها, فلا سبيل للإنسان لإدراك مراده, وإحراز تقدم حقيقي في مجال العلم بغير المنهج.
الجذور التاريخية لنشأة المنهج كانت الفلسفة قديماً, تعنى بدراسة المبادئ الأولى للأشياء وحقائقها, وعلاقة بعضها ببعض, فكانت بذلك تشمل العلوم جميعاً, ثم انفصلت عنها العلوم الرياضية, فسائر العلوم الأخرى، حتى اقتصرت الفلسفة في دراساتها على ثلاث موضوعات, وهي المعرفة, الوجود والقيم الثلاث "الحق والخير والجمال". ومن ثم توزعت الموضوعات المتعلقة بالقيم الثلاث بدورها الى ثلاثة علوم, العلم الذي اختص بدراسة الحق هو علم "المنطق"، والذي اختص بدراسة الخير هو علم "الأخلاق"، والعلم الذي اختص بدراسة الجمال هو علم "الجمال أو الفن", في حين اختصت الفلسفة بموضوعي المعرفة والوجود. فكان علم المنطق يمثل منهج التفكير, حيث يعنى بدراسة قواعد التعريف وقواعد الإستدلال وقواعد تنظيم العلوم، ثم فيما بعد استقلت هذه المقاصد باسم "مناهج البحث", فمناهج البحث التي ولدت في أحضان الفلسفة, كانت فرعاً من المنطق. كان الفيلسوف أرسطوطاليس[1], الذي يعد الرائد لعلم المنطق في موسوعته "الأوركانون", التي تضمنت بحوثه المنطقية "الوسائل المعرفية", قد استخلص فيها قواعد المنطق وقوانينه, ورأى في المنطق الوسيلة لفهم العلوم, وليس علماً قائماً بذاته, وقد سلك في تفكيره مسلكاً دقيقاً، واتخذ لنفسه منهجاً علمياً مبرئاً, يبدأ بتحديد الموضوع المراد بحثه, مستعرضاً لآراء السابقين, ومتناولاً إياها بالنقد والتحليل، ثم يستخلص رأيه في ذلك. ورأى أرسطو, أن العلم يدرس ماهية الأشياء، لذا كانت دراسته تنصب على الصفات العامة الجوهرية التي تتسم بالثبات، فالعلم في نظره يدرس الماهية، أو المعاني الكلية, فحاول أن يكشف العلاقة بين القياس المنطقي والبرهان الرياضي، وفطن إلى ذلك، فجوهر القياس عنده مأخوذ من التفكير الرياضي، بل إن القياس في مضمونه, ليس إلاّ إحدى مراحل البرهان الرياضي, فالمنطق حتى مدركات عصرنا هذا, هو إحدى مراحل البرهان الرياضي[2]. فظهرت مفردة "المنهج" في الفكر الإسلامي والفكر الغربي والعالمي عموماً، وقد أوليت المسألة، أي المنهج, أهمية علمية بربطها بعلم المنطق، فالعلاقة بينهما وثيقة، وذلك لأن المنطق هو الذي يضع نظريات المناهج وأصولها, فالمناهج تعد مبحثاً من مباحثه, أو فرعاً من فروعه, وإن تفرعت في تصنيفاتها.
مدخل لماهية المنهج ومباني علم المنطق المنطق هو قانون التفكير الصحيح, فإذا أراد الإنسان أن يفكِّر تفكيراً صحيحاً, لابدَّ له أن يراعي هذا القانون, وإلاّ سوف يزلّ وينحرف في تفكيره, فيحسب ما ليس بنتيجةٍ نتيجةً, أو ما ليس بحُجَّةٍ حجَّةً. إن الجذر اللغوي لمفردة "المنطق", هو عن الكلمة اليونانية القديمة "Logos"[3] التي تعني الكلام والكلمات والنطق، الذي يميز الإنسان عن سواه, ومنه الفعل "legw"[4] بمعنى أتكلم أو أنطق, ثم جرى تداول الإسم, تصريفاً عن الفعل بالصيغة المعاصرة للمفردة "Logiky"[5], ثم انتقل اللفظ الى اللاتينية وسائر اللغات الأوربية ومنها الإنجليزية "Logic", وكدأبها العربية أن تستوعب اللفظ والمعنى للمفردة التي عبّرت عنها "بالمنطق". ومن حيث تعريف علم المنطق, بأنه علم يبحث عن القواعد العامة للتفكير الصحيح, فهو ميزانٌ دقيقٌ مختص بأمورٍ عقليةٍ ومفاهيمَ علمية, يقيَّم به وزن المعلومات التي يكتسبها الإنسان, ويميَّز به صحة المعلومات عن سقمها، والمعيار الذي يمكن بواسطته, ضمان النتائج السليمة للتفكير. فمن القراءة التحليلية لمرتكزات ومباني علم المنطق, تتبين إسقاطاتها على المنهج, وضرورة الشروع فيها واعتمادها في مادته وحركته, بغض النظر عن شكل المنهج وتصنيفه, فقد قسم أرسطو المنطق إلى ثلاثة أقسام وهي التصورات أو الحدود, القضايا أو الأحكام والاستدلالات, وأخذه منه كثير من المناطقة والفلاسفة العرب المسلمين مثل ابن سينا، ومنهم من قسمها إلى قسمين، تصور وتصديق[6]، وهو لا يختلف كثيراً عن تقسيم أرسطو، لأنه قسم التصديق إلى قضايا و استدلالات. ومن ذلك يتبين إسقاط هذه العناوين في جسم البحث العلمي ومناهجه, بدءاً من "الحدود"، وأهميتها، فهي النقطة التي يبدأ بها الدارسون للدراسة المنهجية المنطقية, ثم "التصور" الذي يعرّف بأنه حضور صورة الشيء في الذهن, دون حكم عليه بسلب ولا إيجاب, وهو ما يستوجبه البحث العلمي, لجهة انسداد البحث وانتفاء الحاجة له في حالة الحكم عليه مسبقاً, أو إن البحث سيؤول الى نتائج غير ذي قيمة علمية, وغير رصينة, على خلاف الأحكام أو ما يعبر عنها في المنهج "بالقوانين", التي يستدل إليها من خلال المنهج العلمي, والتي يخلص لها البحث عادة, وينتهي لها سواء استقراءاً علمياً, أو تجربة أو قياساً منطقياً. والتصوّر يمكن أن يكون "بدهياً", لا يكاد يحتاج إلى تأمل وإعمال فكر ونظر، كتصوّر الوجود, أو "نظرياً", يحتاج إلى تأمل وإعمال فكر ونظر, كتصوّر العقل أو النفس, ويجمع المناطقة أن التصور التام لشيء ما, لا يكون إلا بتعريفه تعريفاً دقيقاً, وهذا يكشف أهمية المنهج وأثره في الحياة العامة وفي ميادين العلم. أما "التعريف" في تصور المنطق, وهو من مباحث التصور, فهو القول الدال عن ماهية الشئ, على وجه يتم به تمييزه عن غيره, بالحد أو الرسم أو اللفظ, ومن شروطه أن يكون جامعاً مانعاً مساوياً للمعرّف, غير ناقص ولا مجتزأ, وأن يكون أوضح من المعرّف, ولا يكون فيه لفظ تتوقف معرفته على معرفة المعرّف, أي لا يكون مجازيّاً, ولا يوخذ حكم المعرّف في تعريفه. عليه فإن المعرّف في موضوع المنطق, هو البحث ذهنياً عن المعلوم التصوري للتوصل الى المجهول التصوري, أما الحجّة في موضوع المنطق, فهي البحث استدلالاً عن المعلوم التصديقي, للتوصل الى المجهول التصديقي[7].
مفهوم "القياس" بين المنطق ومنهج البحث يعرف القياس في منطق أرسطو بأنه الانتقال من كلّي إلى جزئي, أي من مفهوم كلي الى آخر جزئي, وهو كما يعرّفه التراث العربي الإسلامي, قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر، ويقصد بالقول الآخر قضية أخرى. عليه فإن القياس المنطقي لا يقصد به حصراً القياس الفقهي الذي تتبعه مدرسة القياس والرأي الفقهية, وإنما يقصد به مطلقاً إعمال المنطق وقوانينه وقواعده في إثبات القضايا والحكم عليها, وهو على رأي آرسطو وسائر المناطقة الى اليوم, فرع من البرهان الرياضي, وقد أشار إليه القرآن الكريم بنفس المعنى بالنص الإلهي "قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين". وقد عبرت عنه الثقافة العربية الإسلامية في جانب واسع من أدبياتها بالقياس الأصولي, تمايزاً عن القياس المنطقي, فالقياس المنطقي لا يفيد علماً حقيقياً, بخلاف الأصولي, الذي تقوم به البرهنة على حقيقة مجهولة عن طريق الاستنباط, والثابت إن هذه المفردة قد تقدّم استخدامتها في هذه الثقافة على القياس المنطقي الأرسطوي, التي استخدمت بعد دخولها الثقافة العربية الإسلامية, إثر حركة الترجمة فيما بعد القرن الثاني الهجري. القياس المنطقي ينتقل فيه المنهج من كلي إلى جزئي، وبذا فهو عكس الإستقراء المنطقي, الذي تتبع فيه جزئيات النوع, لغرض الحصول على حكم كلي, أو قاعدة عامة, أما القياس الأصولي فالبحث فيه متحرك من جزئي إلى جزئي لرابط بينهما, فهو بذلك يتماهى و"التمثيل" في تصنيف الاستدلال المنطقي الى القياس والاستقراء والتمثيل, وهو لحد ما يتماهى مع الاجتهاد والتحقيق الأصولي العقلي, في حجية الدليل العقلي, في الأدبيات الفقهية لمدرسة آل البيت الفقهية الأصولية, خاصة لجهة بنائها على الأدلة الأربعة "الكتاب والسنة والقياس والعقل", لكنها تشترط في الحجّية العقلية, القطع واليقين حصراً, لذا فهي تنأى عن الدليل في القياس ونحوه مثل الاستحسان, كونه يفضي الى الظن, والاقتصار به في ما يطلق عليه "سد الذرائع". و يقابله في مدرسة القياس الأصولي مفهوم "العلة", وهو إسم لما يتغير حكم الشيء لحصوله، وفي الإصطلاح, هي الأمارات والعلامات التي تساق كأدلّة على الأحكام، أو لاستنباط الأحكام, وإن مسالك العلّة نوعان, مسالك نقلية, وهي النص من الكتاب أو السنة والإجماع, ومسالك عقلية, وهي الأدلّة التي يستنبطها العقل وهي المناسبة، الشبه، الطرد، الدوران، السير, التقسيم، وتنقيح المناط.
الدراسات الفقهية ومناهج البحث العلمي إن مدرسة القياس والرأي[8], أو ما يطلق عليها مدرسة الكوفة, أو مدرسة أهل العراق, قد اتخذها الإمام أبو حنيفة النعمان باجتهاده, وبهدي فكر الإمام الصادق, عند شخوصه الى الكوفة, والتدريس فيها, وهي تقدم العقل على النقل غير الموثوق به أو الضعيف أو عند غيابه, وتأخذ بالقياس وتفريعاته دليلاً للأحكام, خلاف مدرسة الحديث الإمام مالك, التي يطلق عليها مدرسة المدينة المنورة, والتي يتقدم النقل فيها, مهما كانت درجة الثقة فيه, على العقل, فتتماهى مدرسة الإمام مالك والمدرسة الأخبارية في فقه آل البيت, وقد توسط الإمام الشافعي في منهجه بين مدرستي العقل والنقل. في حين اعتمدت مدرسة آل البيت الفقهية الأصولية, على المنهج العلمي العقلي إسناداً للدليل النقلي, في تحري النص وفق "منهج العرض", استناداً الى القاعدة الفقهية "ما لا يقبله العقل ترفضه الشريعة"[9], فضلاً عن امتناع هذه المدرسة عن الحجية العقلية الظنية, وتوقفها على القطعية منها فقط, في اليقين, وتلك هي العلّة في السكوت عن القياس كدليل دخلي وموضوعي رئيس في الحكم, وهو من الفكر الموروث فيها عن مدرسة الإمام الصادق الفقهية. إن الثابت في جميع المدارس الفقهية, ولغرض البحث والتحقيق فيها, تتطلب علوماً موضوعية دخلية, هي الأساس في الاستدلال البحثي, كعلوم الفقه وأصوله والعقيدة أو الكلام, والتفسير والحديث كالدراية والرواية والرجال, والتي لذاتها تشكّل الحجية الإستدلالية في استنباط الأحكام, والمباحث العقدية الكلامية والرجالية, وعلوماً أخرى طريقية متممة, تساعد في الاستدلال البحثي كالتاريخ والتراجم والأنساب وسواها, التي تشكّل الدراسات في التراث العلمي, الحجم الكبير فيها, والتي يشترط فيها, اتباع المناهج والمنهجيات البحثية العلمية, وهو النطاق والغاية من مناقشة هذا العنوان, وقد أكد المجدد السيد محمد بن المهدي الشيرازي الحسيني, على اعتبار اللغة العربية وعلومها وآدابها, عنواناً رئيساً لهذه الحقول العلمية[10].
الجذر اللغوي والبنيوي الإصطلاحي لمفردة "المنهج" تشتق كلمة "منهج" في العربية من الفعل "نهج" أي سلك طريقاً معيناً، وبالتالي فإن كلمة "المنهج" تعني الطريق والسبيل، ولذلك كثيراً ما يقال أن طرق البحث مرادفة لمناهج البحث, وهي ترجمة لكلمة منهج باللغة الإنجليزية Method, ونظائرها في اللغات الأوربية, وترجع هذه المفردة إلى الأصل اليوناني القديم, الذي يعني البحث أو المعرفة أو النظر, والمعنى الاشتقاقي لها يدل على الطريقة أو المنهج الذي يؤدي إلى الغرض المطلوب، وهذه الكلمة شائعة في معاجم اللغة العربية, وتعني الطريق الواضح. وتشير المعاجم اللغوية اليونانية الى أن أصل المصطلح "المنهج" هو "ميتا أوذوس" المركب من كلمتي "ميتا" META, التي تعني ما بعد أو ما يؤدي الى, وكلمة "أوذوس" ODOS التي تعني الطريق أو المسار, والمعنى المتشكّل لغوياً, هو ما بعد الطريق أو المسار المؤدي الى, ووفقاً لفقه اليونانية, أن تتغير التاء الى ثاء عند التقائها بحرفي العلة "الصوتيين" الألف والواو في الكلمة مع حذف الألف, فأصبحت المفردة المركبة الجديدة "ميثوذوس" METHODOS[11], فانتقل اللفظ الى اللاتينية بشكله المذكور وفق التقارض اللغوي method, الذي أصبح متداولاً في سائر اللغات الأوربية وغيرها, بنفس الصيغة واللفظ, وبات متداولاً بالمعنى المعاصر, وقد استوعبت العربية للمعنى كدأبها بدقة, بالمفردة المتشكلة لغوياً "المنهج". وقد وردت مفردة "المنهج" في القرآن الكريم، في قوله تعالى " ِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً"[12]. وفي مجمل أقوال المفسرين، ترد مفردة "المنهج والمنهاج" بمعنى الطريق الواضح[13]. وفي ابتداء عصر النهضة الأوروبية أخذت كلمة "المنهج" مدلولاً اصطلاحياً, يعني أنها طائفة من القواعد العامة المصوغة, من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم بقدر الإمكان.
مقاربة لتعريف المنهج ومفهومه يرتبط تاريخ أصول البحث بتاريخ التفكير، ذلك أن البحث يعني التفكير واستخدام الوسائل العلمية من أفكار وأدوات، وفق قواعد محددة، لمعرفة مجهولٍ ما, والمنهج يعني الطريقة، وكل تفكير بدائياً كان أو غير بدائي، أصيلاً أو غير أصيل, فلابد من اعتماده على طريقة تساعده في الوصول إلى النتيجة, ولذا كان المنهج توأم التفكير في الولادة، فهو قديم قدم التفكير, أما أصول البحث فتعني قواعد البحث، وعلم أصول البحث يعني دراسة قواعد البحث. ان جميع العلوم هي نتاج التفكير الانساني, ومن الواضح أيضا ان الانسان حين يفكر, يهتدي الى نتائج صحيحة ومقبولة, وقد ينتهي الى نتائج خاطئة, وغير مقبولة, ولكي يكون التفكير سليما, وتكون نتائجه صحيحة, أصبح الانسان بحاجة الى قواعد عامة, تهيئ له مجال التفكير الصحيح, متى سار على ضوئها, وان العلم الذي يتكفل بذلك هو المنطق, كي يكون التفكير العلمي, صحيحا وذا نتائج مقبولة. عليه تعتمد قواعد وأصول المنطق, وأساليبه في التفكير الصحيح, من أجل انجاز البحوث العلمية, وبلا شك فان المنطق هو الأساس والمنطلق لجميع المعارف البشرية, ومن ثم ان نتاج البحوث العلمية تكون بمثابة قاعدة معرفية وعلمية للبحوث التي تعقبها, وإن القيمة الأساس لعلم المنطق, هي بتوفره على تكوين قدرة التفكير السليم, في البحث والنقد وتقييم الاراء والأفكار وتقدير الأدلة والبراهين, في مختلف مجالات الفكر الانساني. عليه فان المنهج, هو الطريقة التي يعتمدها الباحث للوصول إلى هدفه من البحث، وان وظيفته العلمية هي استكشاف المبادئ والقوانين, التي تنظّم الظواهر الاجتماعية و التربوية و الإنسانية بصفة عامة, و التي تؤدي إلى حدوثها, حتى يمكن على ضوئها تفسير هذه الظواهر و ضبط نتائجها و التحكم بها[14], بمعنى انّه طريقة في التفكير. وبذا فان البحث هو التفكير, والمنهج هو الطريقة, وهو مجموعة القواعد العامة التي يعتمدها الباحث في تنظيم ما لديه من أفكار أو معلومات من أجل أن توصله إلى النتيجة المطلوبة, فالمنهج هو مذهب و طريقة البحث, ويسمّى في الأدبيات الغربية أيضا, المقاربة في البحث Approach, أو السياق في البحث . Procedure كما يقر البعض أن المنهج الأكثر استخداما, هو المنهج الذي يقوم على تقرير خصائص ظاهرة معينة, أو موقف يغلب عليه صفة التحديد، و يعتمد على جمع الحقائق و تحليلها و تفسيرها و استخلاص دلالتها، كما أنه يتجه الى الوصف الكمي أو الكيفي للظواهر المختلفة, بالصورة الحقيقة في المجتمع, للتعرف على تركيبها و خصائصها .
الإتجاهات العامة في مناهج البحث لغرض تفريعه وتصنيفه, يحدد علماء المنطق الحديث "المنهج", بأنه فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن الحقيقة حين يكون الباحث جاهلاً بها، أو من أجل البرهنة عليها للآخرين, حين يكون الباحث عارفا بها, ويجهلها الآخرون[15], وبهذا يكون هناك اتجاهان للمنهج من حيث اختلاف الهدف، أحدهما يكشف عن الحقيقة، ويسمى منهج التحليل أو الاختراع، والثاني يبرهن على الحقيقة, ويسمى منهج التصنيف. ويحدد الباحث نوع المنهج الذي ينتهجه حسب نوع البحث, نظرياً أو تطبيقياً أو بالاسلوب العلمي التراتبي, وبحسب طبيعة الموضوع, أو عنوان البحث أو الدراسة وأهدافها, التي تم تحديدها مسبقاً وفقاً لمعضلة البحث، ويمكن القول أن اختيار المنهج من قبل الباحث, يخضع إلى ظروف خارجية أكثر منها إرادية[16].
الأسلوب العلمي و مناهج البحث يشير مصطلح الأسلوب العلمي إلى ذلك الإطار الفكري الذي يعمل بداخله عقل الباحث، في حين أن كلمة "منهج البحث" تعني الخطوات التطبيقية لذلك الإطار الفكري، ولا يعني هذا الاختلاف في ماهية هذين الاصطلاحين أي تعارض بينهما، فمن الناحية اللغوية يتقارب كثيراً معنى كل من أسلوب ومنهج، ولكن يقصد بهذا التمييز, التوضيح والتفسير، ففي أية دراسة علمية, تتخذ العمليات العقلية في ذهن الباحث ترتيباً وتنظيماً متكاملاً, توجه خطواته التطبيقية، ولذلك يفضل أن يستقل كل مصطلح بجانب من الجانبين، بحيث تستعمل كلمة "أسلوب" لتشير إلى الجانب التطبيقي لخطوات البحث. إن الفرق بين المنهج العلمي وغيره, هو أنه يعالج المشكلة بأسلوب علمي, أي أنه يسير في حلّها بخطوات فكرية معينة يطلق عليها "خطوات التفكير العلمي", وهذا ما يميز الباحث العلمي عن سواه, فأسلوب التفكير العلمي, هو الذي يميز الباحث العلمي, ويمكنه من تمحيص نتائج بحثه والتحقق من صحتها. أما بخصوص خطوات الأسلوب العلمي في التفكير، فهي تكاد تكون نفسها خطوات المناهج البحثية، مع وجود بعض التفاصيل التي تختلف باختلاف مناهج البحث، إلا أن الأسلوب الفكري هو الذي ينظم اتجاهات المنهج البحثي. وبالنتيجة فإن مفهوم البحث, هو الدراسة العلمية لظاهرة ما للوصول إلى الحقائق, ومفهوم النظرية, عبارة عن مجموعة من القضايا المترابطة ترابطاً منطقياً لتفسير ظاهرة ما, والفرض, هو حلول تخمينية تعبر عن علاقة بين متغيرين أو أكثر سلباً أو إيجاباً. وإن علم المنطق يمكن تقسيمه أساساً الى منطق صوري, ينصرف الى جميع طرق العقل والتفكير, والى منطق تطبيقي, وهو مايعبر عنه بمناهج البحث, ويمكن التعبير عن المسالك الثلاثة العامة الرئيسة في مناهج البحث كما يلي: 1. المنهج الاستدلالي أو التحليلي أو الاستنباطي المنطقي "العقلي". وفيه يربط العقل بين المقدمات والنتائج، وبين الأشياء وعللها على أساس المنطق والتأمل الذهني، فهو يبدأ بالكليات ليصل منها إلى الجزئيات. 2. المنهج الاستقرائي "التجريبي". وهو يمثل عكس سابقه، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى كليات وقوانين عامة، وهو يعتمد على التحقق بالملاحظة المنظمة, الخاضعة للتجريب والتحكم في المتغيرات المختلفة. 3. المنهج الاستردادي "التاريخي". يعتمد هذا المنهج على عملية استرداد ما كان في الماضي, ليتحقق من مجرى الأحداث، ولتحليل القوى والمشكلات التي صاغت الحاضر, فهو منهج تاريخي نقلي وتحليلي في دراسة النص والمصادر المكتوبة, وتجريبي في الدراسة الآثارية "الأركيولوجية"، والبحث في الوثائق الموروثة ودراسة الإنسان "الأنثروبولوجيا"[17].
رؤية في المنهج العقلي في مباحث صنع واتخاذ القرار تقوم هذه المدرسة في السياسة والحكم واتخاذ القرار في مستويات المسؤولية, على أساس أن المنهج العقلي، يستند عموماً الى أساسين, هما المنطق والإستقراء, فالأول "المنطق" ينطلق من بديهات تعريفية، مفروغاً من إتساقها مع مفهوم المعقول, بما يقابل ما يسمى باللامعقول, أما الإستقراء، فيقوم على المشاهدة والتحسس الفعلي للظواهر، وبهذا فإن تكرار حدوث ظاهره ما، وما قد يترتب عليها من نتائج، ترتبط إرتباطاً تأريخياً وبصورة أساسية، بعوامل معينة دون غيرها, وعليه يفهم من هذه المقاربة, إنها تحاكي المنهجين المنطقي والتجريبي, بهدف امتلاك أداة ناجعة لاتخاذ القرار . وهكذا فإن المنطق عموماً، والإستقراء أساساً، يمثلان في هذه المقاربة, أهم ركيزتين في المنهج العقلي لتحليل الظواهر الشاخصة في المجتمعات الإنسانية، كما يمثلان الذخيرة الفكرية لمن يتولى المسؤولية عن السياسة والإدارة العليا وصنع واتخاذ القرارات, والتخطيط في المستويات الاستراتيجية، غير أن تشخيص المسبب هو الأهم، من بين عدد كبير من الأسباب، ويتطلب تحليل الإرتباط، سواء بأدوات التيقن, أو بأسلوب الإحتمال الإحصائي أو التأريخي. إن المقدمات تحدد النتائج, فحينما تمهد لعمل ما أو مشروع معين، فإن المقدمات، أي التحضيرات والتنظيمات والأدوات المسبقة، هي التي تحدد مدى نجاح أو فشل النتائج, وبالتالي يتوجب الكتابة عن الاحداث والوقائع بأمانة وموضوعية. وهذا الموقف، تعتبره هذه المدرسة, من روافد الفضيلة الإلهية ذاتها, التي عرفها الإنسان بالمنهج العقلي قبل المنهج الروحي, غير إن هذا التصور للمنهج العقلي قد يتقاطع مع أصل المنهج ومقوماته, التي انطلق بها ديكارت في "مقالة في المنهج", وقد تكون الرؤية الضيقة للمنهج, لبعض غلاة الدعاة للسلفية في الفكر الإسلامي, مستندة لهذه المقاربة[18].
مناهج البحث النظري والبحث التطبيقي يعبر عن البحث المتكامل، الذي يتضمن الكشف عن الحقيقة واتباع منهج التفسير النقدي، ويزيد عن ذلك الوصول إلى نظرية أو مبدأ أو معرفة جديدة، ويظهر إمكانية تطبيقها في مجالات الحياة المتصلة بموضوع البحث العلمي. إن الكشف عن الحقيقة فقط, لا يحل - بالضرورة - مشكلة البحث، كما أن التفسير النقدي, مع أنه يهدف في الغالب إلى حل مشكلة, ويقوم على أساس الاستنتاج المنطقي من الوقائع والمقدمات، لا يمكن دائماً أن يبني قضيته على البرهان الواقعي, كونه يعتمد إلى حد كبير على الحكم الشخصي، وعليه يجري بعد تحديد مشكلة البحث تشخيص الحقائق الكامنة في هذه المشكلة, بالإضافة إلى تجميع البيانات حولها، وتثبيت آراء الخبراء والباحثين السابقين فيها. ثم يجري اختبار الحل المقترح بكافة الوسائل, والطرق المتاحة للتأكد من كونه الحل والبديل "الأمثل" optimal alternate, الذي ليس بالضرورة أن يكون أفضل البدائل, لكنه البديل الذي يتعامل مع كافة العوامل, والحقائق المؤثرة في المناقشة المنطقية, وكفايتها لدعم وتأييد الاستنتاج النهائي, ويقدم المعالجة المعقولة لجميعها. هذه البحوث على شكلين, البحوث النظرية، والبحوث التطبيقية، فضلاً عن كونها من البحوث الأساسية أو البحوث العلمية، والمعلوم أن البحوث النظرية تهدف إلى الوصول إلى المعرفة من أجل المعرفة فقط، وبهذا لا يكون هناك غرض تطبيقي محدد بعد الانتهاء من البحث، ويمكن التوصية في المجالات التي يمكنها الاستفادة من نتائج البحث, بينما ترمي البحوث التطبيقية أساسا إلى الوصول إلى حل مشكلة معينة, ولو لم يصل الباحث أثناء بحثه إلى حقائق جديدة. إن البحوث المتكاملة قد تكون بحوثاً عامة تهدف إلى دراسة مشكلة عامة مع إجراء الدراسة على محيط معين، وقد تكون بحوثا عملية خاصة تهدف إلى دراسة مشكلة محلية في وضع خاص. ويختلف هذان النوعان من البحوث من حيث سير البحث في عدة نقاط ويلتقيان في نقاط أخرى، فمثلاً من حيث مجال اختيار موضوع البحث "المشكلة" يكون البحث العام في ميدان معرفة معين، كالمجال التاريخي أو التربوي، أما في البحث العلمي الخاص, فيكون هناك مشكلة خاصة في مكان وزمان محدد. كما يختلف هدف أو غرض البحث بين النوعين، ففي البحث العلمي العام، يكون الهدف من الدراسة هو الوصول إلى معرفة معينة في الميدان العلمي الذي تنتمي إليه مشكلة البحث، أما في البحث العملي الخاص، فيتركز الهدف على حل المشكلة محلياً، والواضح أن الغرض التطبيقي عند التعميم واستخدام النتائج يختلف في البحث العام، في أن نتائجه تستخدم على نطاق واسع، أما في البحث العلمي الخاص، فينحصر استخدام النتائج على مجتمع البحث فقط. والملاحظ في هذا المجال أن الباحث في البحث العام، له حرية خلق الظروف التي يريد إجراء البحث فيها، أما في البحث العلمي الخاص, فإنه يلتزم بالظروف القائمة فعلاً، ويتفق النوعان في بقية خطوات البحث، كالفروض وطريقة البحث، وجمع البيانات، والوسائل المستخدمة، كما قد يتفقان في الصعوبات التي تواجه الباحث. www.alshirazi.com [1] أرسطو ( 384-322قبل الميلاد), كما يرد الإسم في الأدبيات المعاصرة, وفي الإنكليزية يسمّى ,Arestotle ويسمونه العرب "أرسطوطاليس" نقلاً عن اللفظ اليوناني الأصل "أرستوتالس". فيلسوف يوناني, كان أحد تلاميذ الفيلسوف أفلاطون, ورأس الأكاديمية العلمية من بعده, معلم الإسكندر الأكبر المقدوني, يعد المؤسس لعلم المنطق في موسوعته الأوركانون, فقدت كتبه, لكن أماليه وأوراقه البحثية والتعليمية, حوّلها تلاميذه الى مؤلفات, لا زالت تتداولها الثقافات العالمية والفكر الإنساني, كتب في مواضيع متعددة تشمل الطبيعة, والفيزياء، والشعر، والمنطق، والأحكام, والفلسفة, وتعاطى في السياسة, ويعد آخر الفلاسفة المعلمين في الثقافة اليونانية الهيلينية, الذين تناولوا جميع علوم ومعارف عصرهم. أدانته محكمة أثينا بالدعوة للتمرد بعد وفاة الاسكندر, فمات في منفاه. [2] عبد المقصود عبد الغني, أد, "نظريات في مناهج البحث العلمي", كلية دار العلوم, جامعة القاهرة, طبع مكتبة الزهراء, 1993م. [3] تكتب في الأبجدية اليونانية Λογοσ . [4] تكتب في الابجدية اليونانية Λεγω . [5] تكتب في الابجدية اليونانية λογικη . [6] الساوي, كتاب "البصائر النصرية". [7] الشيخ محمد رضا المظفر, "الاستاذ الفقيه", كتاب المنطق. والاستاذ الدكتور عبد الهادي الفضلي, كتاب "خلاصة المنطق ومناهج البحث", وكتاب " أصول البحث". [8] اعتمد المنهج العلمي للإمام أبي حنيفة للنعمان على رأي أستاذه الإمام جعفر الصادق الذي لم يكتفِ بتحري الرواة وصدقهم، بل اهتم بتحري معاني الأحاديث، ورفض منها ما يخالف القرآن أو السنة المشهورة أو مقصداً من مقاصد الشريعة، وهو ما يتعارف عليه عند أئمة آل البيت بمنهج العرض, وبذا يتماهى مع المنهج العقلي. [9] أدلة الأحكام في فقه مدرسة آل البيت الأصولية هي القرآن الحكيم والسنة المطهرة, وهي قول المعصوم وفعله وتقريــــــره, وإجماع المسلمين بما فــــيهم المعصوم, والعقل. حيث ورد "إن لله حجتين حجة ظاهرة هم الأنبياء وحجة باطنة هي العقل", الكافي, ج1, ص16, ح12. وعن بحار الأنوار, ج1 ص300 ب25 ح3، "إن لله على الناس حجتين حجة ظاهرة وحجة باطنة فأما الظاهرة, فالرسول والأنبياء والأئمة ،وأما الباطنة فالعقول". [10] المجدد السيد محمد بن المهدي الشيرازي, كتاب الاصول, ثمانية أجزاء. وكتاب الوصول الى كفاية الأصول, خمسة أجزاء, مباحث الألفاظ. ولتأكيد هذا المعنى عن الدور العلمي البحثي للعربية في البحث الفقهي الأصولي, ورد في الموسوعة المعلوماتية بحق السيد المجدد "قد لوحظت فيه عدة مميزات في هذا المجال منها قوة الفهم العرفي والارتباط الشديد بالعرف، وكثرة مزاولته للعربية في النحو والصرف واللغة، وكثرة ممارسة علوم المعاني والبيان والبديع وحفظه متن كتاب المطول الذي هو إمام في البلاغة والأدب وكتابته كتباً في العلوم الثلاثة، وحفظه للنصوص الدينية من القرآن والروايات والأدعية والأشعار العربية ومختلف كلمات العرب، ونموه في بيئة عربية وهو يساعد كثيراً على فهم النصوص القرآنية والروائية بشكل أفضل". [11] أد جيورجي بامبينيوتي "بروفيسور علوم اللغات", معجم اللغة اليونانية المعاصرة, وبحث في المفردات اللغوية, جامعة أثينا, 2008. [12] سورة المائدة, الاية 48 . [13] القرطبي, محمد ابن جرير، جامع البيان عن تأويل آي القرآن ،ج 4، ص 606. [14] د. عمار بوحوش, د. محمد محمود الذنيبات، مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث, المطبوعات الجامعية, الجزائر, 2001. [15] عبد الرحمن بدوي, الأستاذ الدكتور, مناهج البحث العلمي، ص 4. [16] الحلقة الدراسية الموسومة "تصنيف مناهج البحث ومعالمها", تنشر لاحقا. [17] الحلقة الدراسية الموسومة "مناهج البحث العامة", والحلقة الموسومة " مناهج البحث في الدراسات الاثارية "الأركيولوجية" والأنثروبولوجية, والحلقة الموسومة " منهج البحث التاريخي ودراسة المخطوطات", تنشر لاحقاً. [18] كامل العضاض, أد, محنة العقل, الدراسات, موقع الجديدة, 2011. 30/جمادى الآخرة/1432 |